fbpx .
في عالم الأرقام ضعنا | الهروب من الخوارزمية

١٠ أيام بلا خوارزميات | في عالم الأرقام ضعنا

عبدالحميد نبيل ۲۰۲۵/۰۸/۲۷

نشأت على البحث والاستكشاف عبر الإنترنت، وكانت الموسيقى هي الدافع الأكبر. بين المنتديات ومواقع المكس تايبس وقرصنة الموسيقى بالتورنت، وبداية موجة الساوند كلاود، كانت هذه المساحة متنفسًا لاكتشاف عوالم لم أكن لأصل لها كولد عادي من الخبر في ٢٠١٢ يستمع إلى ما يستمع إليه الجميع حوله، ولو أن الرائج حينها حولي كان جزءًا من تلك الرحلة بلا شك.

من الإنترنت عرفت الراي القديم وتابعت ثورة الفرق العربية في ٢٠١١ وما تلاها، وراب المنتديات، وحتى راب العقد الماضي الذي كان صاعدًا حينها مع فيوتشر وليل واين، وعوالم أخرى. 

مع بداية هذا العقد وجائحة كورونا بدأت أقع في فخ الخوارزميات ما بين منصات الاستماع من أنغامي وسبوتيفاي، حتى منصات المحتوى السريع مثل تيك توك وإنستجرام وإكس، والتي فتحت أبواب الإدمان على مصراعيها خلال الأعوام الثلاث الأخيرة. 

سبوتيفاي وخوارزمياته المقلقة، أنغامي وخوارزمياته التي يتضح فيها الجانب الدعائي، تيك توك ومحتواه الإدماني المبني على الموسيقى القصيرة الضاربة، ريلز إنستجرام التي لا تختلف عن مقاطع التيك توك كثيرًا، وإكس الذي، بعد أن قاده إيلون ماسك، أصبحت خوارزمياته تبرز للمستخدم ما لا يريد رؤيته لإثارة الجدل، أو هذا حاله معي.

في منتصف أغسطس حصل فريق معازف على إجازته نصف السنوية لعشرة أيام. لم أعد بحاجة أن أغرق في الخوارزميات للبحث عن تراكات للنووي، أو مواضيع مثيرة لأي نوع من المواد؛ ما دعاني للتفكير في تجربة أردت خوضها منذ فترة طويلة.

في عصر جعلت الخوارزميات قلة الانتباه واقعًا للجميع، مع صعود حاد لكمية الموسيقى المتوفرة مقابل جودة منخفضة بنفس الحدة، إلى جانب بعض الأوجه التي أثرت على أسلوب حياتي، قررت الانسحاب خلال هذه الإجازة من جميع الخوارزميات بكل أنواعها.

١٠ أيام، أستمع خلالها للموسيقى من الكاسيتات، وأهجر مواقع التواصل وكل ما يعتمد على أي نوع من الخوارزميات، لأرى حقيقة هذا التأثير، وخلف تلك الأفكار تتردد في رأسي مقدمة أبطال الديجيتال بشكل عشوائي، والتي لسبب مجهول تمثل الوضع العام بشكل مثالي: “في فخ غريب وقعنا / في عالم الأرقام ضعنا / كيف الخروج / من أين الطريق.”

قبل بداية يوم التجربة بساعات قليلة، قمت بتفريغ التطبيقات (offload) من هاتفي بدلًا من حذفها، أي أن بياناتها ستبقى على الهاتف، وستبقى الأيقونات في أماكنها، لكن يجب تحميل نظام التطبيق من أجل الوصول. خلال الأيام الثلاثة الأولى تأكدت لي برمجة الدماغ، حيث أنني كنت أضغط على أيقونات التطبيقات لا شعوريًا، ثم أعيد تفريغها، ثم أضغط عليها مجددًا مباشرة بعد تفريغها، ما جعلني أشعر بشيء من الخرف.

أمسكت صندوق كاسيتاتي وبدأت البحث عن شريط لأستمع إليه. مجموعة كاسيتاتي شبه عشوائية، بعضها ألبومات أحببتها، بعضها ألبومات لا أعرف منها سوى أغنية واحدة، وبعضها ألبومات لا أعرف عنها شيئًا، ما شجعني على اكتشاف موسيقات مختلفة خارج سياق الخوارزمية.

قررت أن أفتتح رحلتي بما أحب، كنت قد اشتريت قبل بضعة أسابيع كاسيت رابح ٢٠٠٣، ولسخرية القدر، هذا أكثر ألبوم محي من ذاكرتي من سلسلة رابح في الألفية، لا أذكر منه سوى افتتاحيته بسهرتنا والتي لست من جمهورها، لطابعها الذي يذكرني بقنوات الرقص العشوائية على عرب سات، والتي كنت أوبَّخ لأني وصلت إليها بالخطأ عند بحثي عن قناة تعرض المصارعة.

كعادة ألبومات رابح الساحرة من تلك الفترة، أخذني في رحلة تغطي مختلف مشاعري ورغباتي، رغم أن هذا الألبوم افتقد إلى عنصر أساسي، حيث لم تصلني دعوة رابح للبكاء، الدعوة التي وصلتني في صدقيني أو قالوا الحب، ولست أعتبرها نقطة سلبية، لكنه شعور تمنيت أن أجده بشكل ما في هذا الألبوم.

انتقلت بعده داخل نفس الفترة مع ألبوم نوال ٢٠٠٤، ليصدمني محتواه. رغم أنه قد يبدو فوضويًا لوهلة، إلا أنه كان ممتعًا بشكل غريب، حيث تحاول نوال من خلاله أن تأخذ من كل دولاب قطعة، وكانت كل قطعة متناسقة في هذا السياق المبعثر. بين اقتحام عالم كاظم الساهر والأغاني الفصيحة في أعرف رجلًا، إلى محاولاتها في الجاز التي لا أنكر بأني لم أستمتع بها أبدًا سواءٌ في أذكر من هذا الألبوم، إلى محاولاتها اللاحقة مثل منت قاصد من ألبوم الحنين مطلع هذا العقد؛ رغم أنه على الورق، صوت نوال قد يكون مثاليًا مع أغاني الجاز، لكن لم أشعر بذلك أبدًا.

مما استمعت إليه خلال تلك الفترة كان كاسيت انتظار لفيصل علوي، والذي رغم حديثي الواسع مع الحضارم، لم أستطع فهم الهوس الكبير تجاهه، لكن ما فهمته، فيصل علوي أشبه بكونه حجر أساس في الفن الشعبي اليمني. نجم بوب في عالم الغناء الشعبي، أغانيه سواءٌ الفلكلورية أو الأصلية لها شعبية جارفة في اليمن، ورغم استماعي البسيط له، إلا أنها كانت تجربة جميلة بلا شك.

من اكتشافاتي أيضًا كانت فرقة اللؤلؤة وهي أحد الفرق الكويتية التي ظهرت مع ثورة الفرق في الخليج مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات. لم أسمع بهم من قبل، أردت المعرفة، فكسرت صيامي واقتحمت الإنترنت بحثًا عن أي شخص قد يكون ذكر الفرقة ولو بالخطأ. لم أجد سوى كاسيت منوعات لفرق كويتية احتوى على أغنية من نفس الشريط الذي لدي.

احتوى الكاسيت على أغنية ساحرة بعنوان إيدي أنا بإيدك. لم أستطع الصبر على تسجيلها وإرسالها لبعض الأصدقاء. ليس لهذه الفرقة أي أثر، لا يوجد أسماء للأعضاء حتى على الكاسيت نفسه، لا يوجد سوى جدول للكتّاب والملحنين، صدمت بوجود أسم الممثل الكويتي عبد الرحمن العقل في قسم الكتّاب لأحد الأغاني فيه.

يعكس عدم وجود هذه الفرقة في أي مكان على الإنترنت أحد أهم العوامل التي جعلتني أسعى خلف هذه التجربة، وهي فكرة إحياء امتلاك الموسيقى، فامتلاك الموسيقى يحميها من الفقدان، أقصد بذلك الامتلاك الفيزيائي كالكاسيتات والسيديات، أو الامتلاك الإلكتروني غير المحمي بالحقوق الرقمية (DRM Free) والذي لسخرية القدر غير مطبق على منصات مثل آيتيونز التي لا تبيع الموسيقى بل تبيع رخص سماعها، وفي أي وقت، قد تختفي هذه الموسيقى للأبد بسبب رغبة المنصة أو الشركة المنتجة أو الفنانين أنفسهم، ما قد يؤدي إلى فقدان الإرث. 

على مدار رحلتي مع  مختلف الكاسيتات لاحظت شيئًا مهمًا، أصبح لاستماعي للموسيقى قدر أكبر من الأهمية، أصبحت أعطي كل ألبوم حقه، أستمع للمقدمة مهما كانت طويلة، لا أحكم على أغنية من المقطع الأول، أصبحت أقدّر الاستماع للموسيقى مهما كان نوعها.

ينافي ذلك الطريقة التي اعتدت أن أسمع الموسيقى بها، أن أكون عالقًا في نفس الدائرة، الملل المستمر، ما يدعو للتفكير في عدد الأغاني الجميلة التي استمعت لها على مدار السنوات الماضية وغرقت بين تسكيباتي واستماعاتي السريعة. أحد هذه الأغاني هي وحدي لعباس بن صالح، التي استمعت إليها سريعًا عند صدورها في ٢٠٢٠، لكنني عدت لها بعقل صافٍ مطلع هذا العام فأدمنتها، إذ برزت بعض التفاصيل التي لم ألاحظها في استماعي الأول بسبب قلة الصبر نتيجة اعتياد المحتوى القصير والسريع. 

ينعكس ذلك أيضًا على أنواع الموسيقى التي نستمع لها وكيفية البحث عن موسيقى جديدة، بالعادة نجد مقطعًا لطيفًا على تيك توك أو ريلز، نجد حساب صاحب التراك سريعًا، نتابعه في انتظار إصداراته القادمة، والتي لا تكون بنفس الجودة غالبًا. أخرج لنا ذلك فنانين عُرفوا بالتيك توك هيت وندرز، والذين تدور مسيرتهم حول صناعة أغانٍ تناسب محتوى تيك توك السريع، مثل سينترال سي الذي كسب شعبية كبيرة من خلال هذا التوجه، أو حتى فنانين أقل شعبية مثل رس ميليونز. إيقاعات بأقل مجهود، كلمات بأقل مجهود، وبحث عن مقطع من اللازمة يغرق بين سيل الضربات على تيك توك، إذ أصبح الاهتمام بعدد المقاطع التي تستعمل التراك على تيك توك أهم من عدد الاستماعات لدى العديد من الفنانين.

من الأمثلة على هذه الحالة تراك ليرا جالور لدوب بوي ورس ميليونز، الذي لا تتجاوز مشاهداته على يوتيوب المليون والنصف، واستماعاته على سبوتفاي حوالي ستة ملايين ومائتين، لكنه انفجر في التيك توك بشكل خيالي. من المضحك أن اللازمة تحتل جزءًا كبيرًا من التراك رغم قصر مدته، إذ تتكرر ثلاث مرات خلال دقيقتين ونصف. 

يحصر الغرق في هذا النوع من الإصدارات المستمع في كل ما تريد الخوارزمية منه سماعه، الخوارزمية التي تسيطر عليها شركات تتضح انتماءاتهم في زمن الإبادة الجماعية في غزة، كاستثمارات رئيس سبوتيفاي بمئات الملايين في شركات ذكاء اصطناعي إسرائيلية. في زمن حواجز حرية الرأي من هذه المنصات، من المضحك تبين أن هذه الحواجز غير حصينة أمام فكرة السبام.

أصبح الإنترنت عبارة عن إعلان كبير لشركات الذكاء الاصطناعي، فكل المحتوى المتوفر اليوم، إما صنعه الذكاء الاصطناعي ليتناسب مع الخوارزمية، أو صنع بنفس معايير الذكاء الاصطناعي، حتى أصبحنا لا نعرف الفرق بينهم. 

أدى الوصول المجاني الكامل للموسيقى على الإنترنت إلى فقر في الجودة، وانعدام التجريب في المشهد العالمي. اتضح ذلك في أرقام ألبومات لفنانين من الصف الأول حاولوا الخروج عن سياق المشهد. ربما نحن بحاجة للتفكير في سؤال مهم، ما نفع وصولنا لكل إصدارات الكوكب بهذه السهولة في مقابل ضرره؟

أثّرت هذه التجربة على طريقة استهلاكي للخوارزمية. بعد التجربة، قل استعمالي لمنصات التواصل، ومنصات الاستماع، ظللت أستمع بشكل مباشر للموسيقى من خلال الكاسيتات. قل اهتمامي بالمحتوى الضارب أو المنتشر، وصرت أبحث عن الجودة بدلًا من البحث عن ما هو منتشر، وذلك في جميع المجالات وليس فقط الموسيقى.

زاد مستوى تركيزي تجاه الأمور اليومية، قل الملل السريع من أي محتوى أو حوار. أثر ذلك بشكل مباشر على كيفية إنتاجي للموسيقى من جانب آخر، حيث أصبحت أكثر رغبة في التجريب والخروج بمنتج متماسك، بدلًا من أن أعكس أخر ما سمعته في الداو. أعتقد أن ما مررت به خلال هذه الثلاث أسابيع أثّر على حياتي، وأعتقد أنه كان تأثيرًا إيجابيًا.

المزيـــد علــى معـــازف