الكْلَب هو العمود الفقري | مقابلة مع دينا عبد الواحد

كتابةرامي أبادير - نوفمبر/تشرين الثاني 28, 2018

رامي: إنتي بتحبي تعرّفي نفسك ومزيكتك إزاي بالظبط؟

دينا: أنا بعرّف نفسي كـ دي جاي وإلكترونك ميوزك بروديوسر ومغنية. بالنسبة للمزيكا اللي نلعب فيها كـ دي جاي هي مزيكا كْلَب بشكل عام، ومزيكا كْلَب اللي من حركات مغمورة وفرعية زي الكودورو والجرايم. بعدين اللي نحاول نعمل في مزيكتي كبروديوسر هو موسيقى إلكترونية تجريبية وكْلَب ميوزك، الكْلَب هو العمود الفقري للمزيكا اللي نعمل فيها، والإكسبريمنتل على خاطر المزيكا اللي ما نعرفش في أي جنرا نحطها، يعني مش متفقة مع أي جنرا موجودة.

لغاية دلوقتي نزلتي إي بي بإسم كْلَب وألبوم طويل جديد بإسم خُنّار. شايفة خنَّار إزاي؟ هل هو امتداد للشغل اللي عملتيه في كْلَب ولّا هل هو إتجاه جديد بتاخديه؟ وإيه الفرق بين الألبومين؟

هو امتداد للفكرة اللي نحب نكمل فيها في البرودكشن، وده نفس الطريق اللي نكمل فيه طول ما بننتج مزيكا تحت اسم دينا عبد الواحد. كْلب كان السلام عليكم لأوروبا، إي بي خصيصًا لوصلات دي جاي عشان نجيب حفلات نلعب فيها وصلات دي جاي. أنا أصلًا لما ابتديت إلكترونك ميوزك ابتديت كدي جاي، فكْلَب عملته عشان يوري روح الكْلَب اللي عندي وأعمل حاجة غير متوقعة ماتكونش نوستالجيك، وإن المزيكا تبقى شرقي لما تكون غير متوقعة أو حاجة منرفزة، خاصة في فرنسا، من الأول كان يجوني العرب من الجيل التاني والتالت (من المهاجرين) ويطلبوا مزيكا عشان نجيبلهم النوستالجيا بتاعة الكسكسي وجدتهم، عشان كدة خرّجت كْلَب. خُنّار معمول أكتر للوصلات اللايف عشان أعرف أجيب حفلات لايف مش دي جاي. يعني مش حتلاقي في الألبوم غير تراكين أو تلاتة ممكن تعتبرهم دي جاي ستس فرِندلي، على عكس كْلَب اللي كان البي بي إم BPM ثابت وتوزيع تقليدي أكتر.

بالرغم من ده، لسّا الميديا والمجلّات الأونلاين الأوروبية بتصنف مزيكتك لغاية دلوقتي على إنها تكنو. إنتي مع التصنيف ده حتى لو كان فيه عناصر للكْلَب ميوزك موجودة في مزيكتك؟

بالظبط، هي مش تكنو! أكيد فيه تأثير للتكنو في مزيكتي وتأثير من حاجات أخرى، يعني أول ما تبقى المزيكا دانس فلور يعتبروها تكنو ولو شوية آمبيانت تبقى هاوس. المشكلة إن شغل الدعاية بتاعة آنفينِه (شركة الإنتاج) حاطين تكنو ضمن التصنيف، أنا قلتلهم أنا بحس حاشمة لما تحطوا إني بعمل في التكنو، الناس بتوع التكنو مانيش محترمتهم. فقالولي التكنو حاجة شاملة، مش بس آنفينِه، ده حتى الأخبار والريفيوز بيستسهلوا وبيصنفوا مزيكتي تكنو. بس أحسنلي يصنفوها تكنو على إنه يصنفوها وورلد ميوزك.

بالنسبة لمزيكتك، وبالتحديد في خُنَّار، إيه أهم العناصر اللي بتركزي عليها؟ وإيه الخطوات والأسلوب بتاعك في البروداكشن؟

الألبوم كتبته في مرحلتين، مرحلة أولى وهي مجرد دِموز وستراكتشر، ودي مبنية على الإيقاع أكتر والرذمِك لوبس، دي أهم حاجة في مزيكتي، بعدين بييجي الساوند ديزاين. فاللي نعمله، برشا ميدي كليبس لسامبلز وكيكس ودرام كِتس، ونعمل ستراكتشر ولايرز من الأصوات دي والرذمك لوبس، وبعديك نعملهم ميك أب. ومن بعد اشتغلت في المرحلة التانية، خدت الدِموز ورحت به لستوديو لواحد نعرفه إسمه كليب (إيدو تِرادَس) في برثلونة، عنده موديُلر سنث وبروفت وتمبست. فشنو عملت، فتحنا البروجكتس وهو يعرف الأصوات بتوع السنثات بتاعته، فهو يوريني الأصوات واشتغلنا على المزيكا والساوند ديزاين مع بعض. في ميلوديز جت وأنا قاعدة معاه زى البداية بتاعة توا، كنت بجرب لو صوت السنث عاجبني، فلعبت الفريز دي وأنا من الأول قلت متوقعة وتشيزي (تضحك) بس هو قالي على خاطري حطيها. بالنسبة للفوكالز بييجي ساعات أول حاجة زي بتراك الحب المهرب، وعمره ما جه آخر حاجة في كتابة المزيكا.

إعلان

بالنسبة لمعظم الألبوم، إنتي بتستخدمي أصوات إيقاعات زي الطبلة والدف والرق والصاجات. مش بتقلقي إنك تقعي في الفخ بتاع مزيكا الفيوجن وجو الإكزوتزم؟

والله نفضل إن المزيكا الفيوجن تبقى بالطريقة دي عن المزيكا الفيوجن السهلة اللي نعرفها (تضحك)، يعني بفضل أغير مفهومها. أنا قررت أعمل مزيكا لنستعمل المزيكا الشعبية ومزيكا الكل يوم اللي نسمعها في العالم العربي، غير كدة منعملش مزيكا، ماعنديش حتى فكرة أخرى. لما كنت صغيرة كنت نسمع في قطر المزيكا البدوية الإيقاع بتاعها بتعجبني عالآخر وقعدت في مخي، ومافهمتش علاش نخليها بس للناس اللي هم ماشيست ومتدينين وخرا على وجههم، نحس كإني كفرد عايشة في العالم هيديك منحبش هم بس بيستعملوه، نحب نستعمله بطريقتي، وعشان كدة نزلت آبلتون وتعلمت عليه. تعرف من خمس سنين قبل ما نبعت دِمو لأي لايبلز سمعت كتير مسلم جوز والمهدي جونيور، وبالحق ذاكرت مزيكتهم ع الآخر وإزاي هم بيبعدوا عن فكرة الإكزوتزم عشان نكمل على نفس المنوال والاتجاه وفكرهم.

إزاي بتواجهي النظرة الإكزوتِك اللي بتتعرضي ليها من الأوروبيين؟ سواء كان انبهار بالمزيكا بتاعتك أو بيكي شخصيًا كواحدة عربية؟

بنرفض عروض الحفلات بسبب اسم الحفلة أو الإيفنت، بيستغربوا طبعًا لما بنرفض، أي عرض نحس متعلق بالإكزوتزم عشان مزيكتي أو إني عربية بقول لا. بس الانطباعات الخاطئة والإنبهار بتاع الأوروبيين بتتغير مع الوقت، مش حاجة ثابتة أبدًا. على عكس البلدان العربية، إن الواحد يكون عنده انطباع وما يبدلش رأيه. ودلوقتي الأوروبي اللي بينبهر بإني بنت عربية بتعمل إلكترونك ميوزك الناس بتتريق عليه، بس ده للأسف موجود في الميديا وبيستخدموه كوسيلة للدعاية. حتى بتونس لسة الناس بتنبهر، في تونس الناس تيجي تحكي معايا بالإنجلش بعد ما نكمل وصلة الدي جاي!

بالنسبة لإسم الألبوم، واضح إنه عليه جدل بسبب نطق الفرنساويين له، وده متوضح في الجزء الخاص بوصف الألبوم.

أولًا، في تونس نقولوا خُنّار يعني المشاكل اللي تحت الطاولة، مثلًا مشاكل بينات الناس وقديمة، يعني ما بين قطر والسعودية فيه خُنّار. كل الحاجات الخاصة بالدعاية للألبوم عمله آنفينِه. آلكسندر بتاع اللايبل قالي “إزاي يقولوا في الراديو في فرنسا ألبوم جديد لدينا إسمه كونار”، (لفظ فرنسي يفيد التحقير حيث لا يوجد حرف الخاء بالفرنسية) فحكيته أنا ماليش دعوة. ياخويا شو نبدل على خاطر جماعتكم ما تنطقش الخه؟ فحطوا ديسكليمر إنه يتنطق “رونار” عشان الناس ما تقولش كونار، مش مفهوم ليه خايفين من كونار أصلًا. اتصرف ياخويا، ماعنديش بديل تاني، بالحق مش حنبدل أنا اسم الألبوم.

خونار مليان غُنى، ده واضح في تراكات زي سرطان وفضيحة والحب المهرِب وربوني. إيه اللي انتي عايزة توضحيه؟ بالذات إن عناوين الأغاني معبرة وبتبيّن إنه فيه قضايا شغلاكي عايزة تتكلمي عليها؟

أكيد فيه قضايا في الألبوم، زى الظلم اللي موجود كل يوم بمنطقتنا وبمجتمعنا. مش لازم الواحد يكون مسيّس عشان يكون مش راضي على حكومته ومجتمعه، فخُنّار هو غضب واستهزاء وإلقاء الضوء على تابوهات وقضايا موجودة ما حد يحكي عليها. على خاطر مش حلو، على خاطر عيب، ولا على خاطر “اللي ينكر أصله كلب”، على خاطر لازم ديمًا نوري تونس بصورة حلوة. فهنا عكس الكل تمامًا. هديك حاجة من الحاجات اللي تخليني نحب نعمل موسيقى ونقف قدام الناس ونغني زي ما بنقول بالتونسي من جواجية، والحاجة اللي من جواجية هي الظلم اللي نشوف فيها واللي عيشتها أنا كبنت صغيرة في قطر.

بنشوف العنف اللي بيصير في منطقتنا وديمًا سكوت سكوت، فيه مثل في تونس بيقول “أخطي راسي وأضرب” يعني لو أنا ماتمسيتش طز في الباقي، وهديك عقلية نكرهها، حاجة تقلقني عالآخر. يعني أنا مظلومة وفيه بنات كتير مظلومين وبرشا ناس وولاد وكوير ولا حتى الرجالة اللي بالشوارب في منهم مظلومين، فحبيت نحكي عليهم أو نحكي عليا أنا بالأحرى. يعني الحب المهرّب مثلًا على حكاية إنه خاطر أنا كيف جيت فرنسا عشان حب، صاحبت واحدة فرنساوية والناس كلها تتريق عليا “صاحبتيها عشان تخرجي من تونس”، تحس روحك سارق. كمان بنتكلم عن القمع، كيفاش الحكومة بتقمع الشباب، كيفاش المجتمع بيقمع بنت وأطفاله، وكيفاش حاجات كتير نورمالايزد، الطريقة البوليسية للمجتمع اللي بتهين الواحد وإزاي الواحد بينجو من الإهانة دي، هذا اللب بتاع خُنّار واللب اللي نحب نحكي عليه.

بما إنك بتتناولي قضايا بعينها، هل إنتي بتشوفي إن المزيكا ممكن تغير الواقع؟

أنا مقتنعة إن المزيكا تساهم بتغيير الواقع، المزيكا بتبدل واقع وتجمع ناس، المزيكا تكون زي كإنه فتحت كتاب لأمين معلوف.

طيب لو بنتكلم على إن الكتابة بتغير، طيب ما تكتبي أحسن من إنك تلعبي مزيكا؟

لو كنت حلوة في كتابة مقالات تغير الواقع، والله من عيوني (تضحك).

طيب عندك أمثلة واضحة من أي مشهد على إنه إزاي المزيكا عملت تغيير واضح؟

والله فيه برشا، مثلًا خاصةً الديسكو في السبعينات والهاوس ميوزك في التمانينات في ديترويت ونيويورك بالكوير كوميونيتي، يعني الكوير كوميونيتي انفتحت والناس بقيت تقدر أكتر الكوميونيتي دي، خاصةً البلاك جايز، لإنه الأول عامة الناس كانوا يشوفوا البلاك جايز ناس عندهم إيدز ودايمًا يحبوا يعملوا سكس، وكأنهم وحوش. فالموسيقى دي خليتهم يجتمعوا ويشتغلوا وناس من خارج الكوميونيتي بييجوا يحضروا الحفلات ويلعبوا مزيكتهم. ومثلًا نحكي مثلًا في الموسيقى البوب، بنفكر في مادونا، مادونا بالنسبة لي أنا هي من أول النساء اللي خليت البنات تنفتح على السكشواليتي بتاعتهم وجانيت جاكسون حبت تعمل هيك بس أبوها ما خلهاش. ده على المستوى الاجتماعي.

إعلان

على المستوى السياسي بنفكر في بوسي رايوتس في روسيا، يعني في سانت بيترسبرج ولا موسكو فيه ناس بتنفتح شوية شوية بفضل بوسي رايوتس، والناس كمان من برا روسيا فهموا إنه فيه ناس روسية مش كلهم مؤيدين لبوتين. في السياسة أكيد أصعب، لازم يكون الفنان مستعد عشان يواجه العواقب، يعني ولد الكانز عمل تراك البوليسية كلاب، مسكين الأخ خاف على حياته وهو بفرنسا دلوقتي وقال إنه ما توقعش الحكاية راح تكون بهالجدية.

مفروض إنك حتشاركي بمهرجان سي تي إم الجاي في برلين، ودي حتبقى تاني مرة ليكي. المرة الأولى كانت تبع الراديو لاب وعملتي عرض تحت اسم أول هيل ماذر إنترنت، وكان احتفاء بالإنترنت. كلميني على العرض ده.

الإنترنت سهّل حاجات كتيرة خاصةً مع الجيل الجديد اللي زيي اللي انولدت لما الإنترنت صار ديمقراطي جدًا. ما اتربيتش على إني أروح الميوزك ستور وأقضي يوم كامل عشان نسمع المزيكا اللي بادوّر عليها. لما كنت في الدوحة بالتلفزيون كان فيه كايبل فكان فيه في إتش وان وتنقطع عشان فيه سنسُرشيب، ماريا كاري كلها مغطية. من ٢٠٠٣ صار عندنا كومبيوتر بيشتغل بالمودِم ونشوف حاجات أخرى. وبابا وأمي أصلًا ما كانوش يحبوا المزيكا، ما تعنيلهمش شي.

فأول هيل ماذر إنترنت مش بس عن المزيكا، العرض كان بيحكي عن الكويرنس بتاعتي والسكشواليتي بتاعتي. حتى الوعي بالعدالة والسياسة كان بالإنترنت مش في الجرائد اللي موجودة بقطر اللي لازم تعدي على وزارة الداخلية في قطر عشان تخرج للنشر. حتى كنت في مدرسة تونسية مؤيدة لبن علي. الإنترنت لوضعي كان الطريقة الوحيدة اللي نخرج بيها على برا. فأول هيل ماذر إنترنت يعني الإنترنت خد مكان أمي. وهداك علاش نعمل مزيكا، هو طريقة عشان نحكي بيها الشباب في البلدان العربية إنه فيه ناس عرب موجودين زيك. إنه أنا حسيت في مخي حسيت روحي إني أنا اللي مش أوكيه.

طيب بالنسبة لشغلك كدي جاي، عايز أعرف إيه أسلوبك وفكرتك من الديجاينج؟

ما بحبش المزيكا النضيفة قوي، نحب حاجة تكون جيتو وخام وبتضرب وحاجة ماتكونش أكاديمية ومن غير فلسفة. ومزيكا تكون بتحكي مع كل الناس. المزيكا باحطها ورا بعض حتى لو هم مش نفس الجنرا أو التمبو، بنزل وبطلع، بس على حسب الفينيو اللي جايبني ومين يلعب قبلي ومين بعدي. وعمري ما نجيب حاجة حاضرة، عمري، كله ارتجال، وأهم حاجة في وصلات الدي جاي هو الميلودي والستراكتشر. بنحب في وصلات الدي جاي نقدر مزيكا الجيتو والمشاهد المغمورة المختلفة بنفس القدر اللي الناس تقدر بارشا آيفكس توين.

اتعاونتي السنة دي مع فيفر راي في ألبومها الأخير في تراك بإسم آن إِتش، إزاي اتقابلتوا وطبيعة الشغل كانت عاملة إزاي؟

لعبت مرة لايف عام ٢٠١٥ بليسبون وهي كانت موجودة بتـ دي جاي تبع الجروب بتاعها كريم & كرم. حكيت معيا إنها تعمل ألبوم وقالتلي نشتغل وإديتها الإيميل بتاعي. في يوم من الأيامات بعد سنة أو سنة ونص بعتتلي قالت يلا ابعتيلي أي حاجة عشان أغني عليها للألبوم، الددلاين كان قصير واستعجلتني. بعتلها أول إدِت وقالتلي خلاص حلو، هاتي الستِمز والبروجكت وحاشتغل فيه. أنا النسخة بتاعتي كانت كْلَب كْلَب وقالتلي إنه مش لازم يكون بوب وقالتلي مش لازم أعمل نسخة ثانية عشان بيدر مانرفِلت، الكو بروديوسر في الألبوم، اللي هو راح يعمل الحاجات دي. هو أخد الستِمز واشتغل عليها برشا واتحولت الأغنية الكْلَب لأغنية بوب بـ فرس وكورس.

طيب إيه خطتك خلال الفترة الجاية؟

عندي لايف تور في أوروبا، هو ده اللي راح يصير. آنفينه يحبوني نعمل إي بي وأنا أكيد بودي، بس مش عايزة دِدلاين فبتفاوض معاهم إني ماعملش. قلتلهم ما عنديش أفكار، ماليش ولا دِمو جديد. هم عجبهم الحكي (تضحك) بحاول نهدّي شوية.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply