راديو رومانس | مشروع ليلى

كتابةعمر ذوابه - أغسطس/آب 19, 2019

…منجرب نجيب معنا بيروت وين ما منروح؛ منجرب نعمر بيروت على كل مسرح منلعب عليه.” – حامد سنو من حفل مشروع ليلى في لندن، ٢٠١٥.

تعود مشروع ليلى لبناء بيروت في صلب أحدث أغانيها المصورة، أو المرسومة هذه المرة، راديو رومانس، والتي صدرت في ليلة كان يفترض أن تحيي الفرقة خلالها حفلًا ضمن مهرجان جبيل الدولي، أُلغي “منعًا لإراقة الدماء” بعيد التهديدات بالقتل التي طالت الفرقة وجمهورها والمنظمين.

تبرز في الأغنية ثيمة متكررة في كلمات حامد سنّو تتمثل باللهجة اللبنانية غير الخالصة (مثل لفظْ “دِنيا” في المذهب)، والمطعمة أحيانًا بالمصرية غير الخالصة أيضًا (مثل لفظْ “حُصتي” في الكوبليه)، في استكمال لنهج الفرقة في قولبة اللغة الفصحى والدارجة في سبيل تقديم طرح لغوي لا يتردد في التجريب. أما الفيديو، فتدور أحداثه في بقعتين شهيرتين في بيروت: كورنيش المنارة (في بداية وختام الفيديو) وشارع غورو في الجميزة (في منتصفه). توخى رسّامو الفيديو الدقة والإتقان في نقل تفاصيل ومعالم بيروت، حيث تجلت جميعها حتى يافطات المحال كما هي اليوم في الحقيقة. إضافة إلى ذلك، يزخر الفيديو بالرمزيات، منها في مشهد الغرق / الانتقال السوريالي من الكورنيش إلى الجميزة، حيث تطفو العديد من الأجسام التي يمكن تمييزها في بيروت مثل الموتوسيكلات والأوراق النقدية ودبابة وأعلام وطربوش ومسبحة وهليكوبتر. تظهر الأرزة على أسطح بعض هذه الأجسام كتذكير بالشوفينية ذات الصعود المستمر في الآونة الأخيرة. تبدو الفرقة وكأنها توجه إصبع اتهام آخر في نهاية هذا المشهد، إذ تظهر إحدى البنايات التقليدية ذات القرميد والشبابيك المقوسة وهي تنهار لتخترقها ناطحة سحاب، في إشارة لوحوش الإعمار الذين لا يكلون من إحالة معالم بيروت التاريخية ترابًا، تنتصب مكانها ناطحات سحاب للأثرياء والنافذين. 

تمثل الشخصيتان الرئيسيتان في الفيديو حجر الزاوية، المرسومتان بملامح حيادية تمكنهما من أن تكونا امرأتين أو رجلين أو رجل وامرأة أو غير ذلك. ليست اللامعيارية الجندرية غريبة عن مشروع ليلى، إذ تجلت في نص أغنية كلام حيث تتبدل الضمائر بشكل مستمر من مؤنثة إلى مذكرة ضمن الجملة الواحدة، في تطويع فريد (وربما غير مسبوق) للغة في سياق الغناء العربي المعاصر. تحمل الرقصة التي صممها نيكولا معلوفي رمزية إضافية، فتبدو في لحظات عديدة أشبه بعراك وفي لحظات أخرى توشك أن تنقلب عناقًا أو تقبيلًا، في تلميح لاستحالة وجود مساحة كافية للحميمية بين المهمشين في مدينة مثل بيروت.

إعلان

اللافت في مشهد الجميزة وجود الشخصيتين في نفس المكان لكن في وقتين مختلفين، ما جعلهما حبيستي عالمين موازيين يكادا أن يلتقيا، إلى أن يتأزم الموقف بتدخل عنصرين خارجيين: سلطة الدولة تمثلها سيارات الشرطة (في العالم الليلي) والحرب متمثلة بحشود فارة (في العالم النهاري)، ليُدفع بالشخصيتين خارج الإطار فتعودا مجددًا لتلتقيا راقصتين على الكورنيش. قد يفسَّر ذلك بأن لا مكان للمسحوقين في وسط / متن المدينة (الجميزة، وهي الأقرب لوسط بيروت)، عليهم بالهوامش (الكورنيش، وتحديدًا الجزء الأقرب للبحر والمهدد بالخصخصة المستمرة).

“قصة حبيبين / حبيبتين تـ / يحاولان التقبيل والعناق ولا تـ / ينجحان. كناية رقيقة عن مدينة وعالم، حيث لا تزال الكثير من قصص الحب ممنوعة بسبب رهاب المثلية، ورهاب الأجانب وأي شكل آخر من أشكال العنصرية.” هكذا وصف مخرج الفيديو فلاديمير ماڤونيا-كوكا عمله، والذي يبدأ بإهداء: “إلى من لم تـ / ييأس: الحب مقاومة.” في حلكة الظروف التي رافقت إلغاء حفل مشروع ليلى في جبيل، ربما أصبح من الممكن أن نصدق هذا النوع من الشعارات دونما إحساس بالذنب أو السذاجة.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply