راكّا | فلاديسلاف ديلاي

عندما حاولت تخيُّل الأجواء التي ألهمت هذا الألبوم، التُندرا القطبية، وجدتُ نفسي أفكر في حقول الثلج التي تملأ الأفق، تلك المشاهد الطبيعية المكسوة بالبياض التي نراها في الوثائقيات عن الطبيعة. تستحضر هذه الصور شعورين بنفس القدر: السلام والفناء. من وجهة نظر موسيقية، لا يحتاج المستمع للبحث أبعد من ألبوم بايوسفير البارز، سَبستراتا، أو ألبوم بِّرمافروست لـ توماس كونر، ليجد أكمل تجسيدٍ ممكن لهذه الحالة. لكن في ألبومه الأول بعد انقطاع ست سنوات، يُقدّم ساسو ريباتي منظورًا مختلفًا بالكامل: واقع قاحلٌ وقاسٍ وغير مأهول، أو كما وصفه ريباتي: “(الألبوم) أشبه بحقل حجري، حيث لا تغطي الجبال والأراضي سوى الصخور.” هناك قواسم مشتركة تجعل منظور ريباتي أقرب إلى البلاك ميتال الذي استُلهم من هذه المشاهد الطبيعية من قربه من نظرائه في الموسيقى الإلكترونية.

بإمكاني تفهم حيرة مستمعي ساسو ريباتي الذين يعرفونه من إصداراته تحت اسم فلاديسلاف ديلاي، وحتى حاجتهم للتأكد أكثر من مرة من أنهم يستمعون إلى الألبوم الصحيح، عندما تواجههم أغنية الألبوم الافتتاحية، راكًا. كاندلاع النيران، يبدأ الألبوم بإيقاعٍ مسحوق يصبح لاحقًا الخيط الرئيسي الذي يربط أجزاءه، معلنًا عن نقطة انعطاف حادة في بصمة ريباتي الصوتية.

تميزت معظم إصدارات فلاديسلاف ديلاي بإضافاتٍ حذقة، اهتمام مفرط بالتفاصيل، وأصوات متباينة تتلاحم لتشكّل كُلًا متجانسًا. عودتنا موسيقاه على تطلّبها صبرًا لتؤتي ثمارها، التي لطالما استحقت الانتظار. لا داعي للبحث أبعد من تحفة التكنو المحيط هْوون من ألبوم مُلتيلا (٢٠٠٠)، أو من التراك المُكحّل بالدَب هي ليفد ديبلي من ألبوم ويسلبلوَر (٢٠٠٧)، لسماع هذه الثيمات واضحةً ومهيمنة. على كل حال، يتخلى ريباتي هنا عن كل ذلك، ويبني مشهدًا صوتيًا مباشرًا ومشوّهًا ومريبًا أكثر مما فعل في أي إصدارٍ آخر تحت أيٍّ من أسمائه المستعارة الكثيرة.

تكشف الاستماعات المتعددة للألبوم عن عالم من التناقضات. يحتل الإيقاع المذكور آنفًا وسط المسرح وهو أول ما يجذب الأذن، لكن، كما في كل إصدارات فلاديسلاف ديلاي، هناك دومًا مجال للأصوات المحيطة والخامات التي تغلف تلك العناصر الإيقاعية. يبدأ ثاني تراكات الألبوم، راجات، بأسلوبٍ قد لا يختلف كثيرًا عن تراك سبيريت فينجرز لـ فور تِت، لكنه سرعان ما يسلك طريقه الخاص بطريقة توظيفه للبادز المحيطة، وتلك الأجواء المختلفة التي تتعاون لترويض الحواف الخشنة. نظريًا، يجب أن لا ينجح اجتماع تلك الأصوات، أو في أحسن الأحوال أن تبدو ناشزة لدى وضعها بجانب بعضها البعض وبمستويات صوت واحدة، لكنها تنسجم هنا، وذاك التوتر الكامن بينها هو ما يغذي إثارة الألبوم عبر كل تراكاته. التراك الآخر الذي يحقق أفضل إفادة من توظيف تلك العناصر المتناقضة هو الذي يختتم الألبوم: راسايت، حيث نحصل بالإضافة إلى البادز على آربيجات تتصاعد كالفقاعات من تحت السطح، ويتراكب كل شيء نحو نهاية تعكس بشكلٍ كامل الطريقة التي يبدأ بها الألبوم كمرآة.

إعلان

تظهر ذُرى الألبوم عندما يقرر ريباتي أن يفسح المجال بالمطلق للضجيج، أبرز مثال على ذلك تراكَي راكاين ورامبا. يضم راكاين كيكات الـ ٨٠٨ إلى الأصوات البشرية المبتورة لتشكيل القسم الإيقاعي الرئيسي في التراك، والذي يتوقف ويبدأ باستمرار في لحظات مفاجئة، مولدًا أمواجًا من الضجيج والهاي هات والإيقاع الخشن. تنسجم كل هذه الأصوات بشكلٍ بديع، ويؤدي توجيه هذه العناصر المتباينة في أماكن محددة من مجال الستيريو (المجال الأفقي للصوت) إلى خلق تراكين شبه مستقلين على القناتَين اليمنى واليسرى، فيما يمكن اعتباره إنجازًا تقنيًا وموسيقيًا للألبوم. لا يختلف الإيقاع الذي يبدأ تراك رامبا كثيرًا عن إيقاع راكاين، كما يتشابه التراكان بالبنية أيضًا، لكن ذُرى رامبا أثقل وأكثر صخبًا وسحرًا. الكيك البطيئة المستمرة ومقاطع السنث مبنية ومركبة بمنتهى العناية، وتتقاطع بطريقة آسرة مع الأجزاء الأكثر صخبًا وتشوشًا في التراك. يمكن مقارنة هذه المقاطع بأعمال إمبتيسِت الثقيلة من ناحية الصوت، لكن طريقة توظيفها ضمن التراك تبدو أشبه بالبريكداون في أعمال الميتالكور أكثر من أي شيء آخر. إنها لحظات طاقة محضة أغنت الألبوم.

سيكون من غير الدقيق القول إنه من المستحيل تتبع أصول بعض عناصر الألبوم في أعمال ريباتي السابقة. كان ألبومه السابق، فيزا (٢٠١٤)، متمحورًا حول خامات نافرة متكررة وسريعة الظهور، شكلت الثيمة الرئيسية للألبوم؛ كما انغمس ألبومه القصير إسبوو (٢٠١٢) في تراكات ذات بنية مباشرة. أيضًا، من المهم وضع الألبوم في سياقه بالنسبة لكيف تغيرت حياة ريباتي منذ تسجيله ألبوماته السابقة. خلال السنوات الست الفاصلة بين إصداريه الأخيرّين، انتقل ريباتي إلى جزيرة على سواحل فنلندا، باع معظم عدته الموسيقية، وعند النظر إلى الصورة الكبيرة يبدو أن عالمه قد تغير كليًا. في مقابلته المطوّلة مع مجلة كراك، يغوص ريباتي في ثيمة التغيير هذه، ويضع عملية صناعة الألبوم في سياقها، مؤكدًا أن هذا ليس “الوقت المناسب للموسيقى الاحتفالية أو المسترخية.” لا بد أن العمل على ألبوم يعكس التغيرات التي يمر بها الموسيقي، والاضطرار للتعامل مع معدات جديدة، سيتركان أثرهما دائمًا، وفي هذه الحالة، هذا الأثر هو صوتٌ منعش وإضافةً مثيرة وممتعة وومرحّب بها إلى أرشيفه الضخم.

Leave a Reply