مارلبورو | زين ديزي

كتابةعمار منلا حسن - مارس/آذار 22, 2019

قد يكون مشهد الراب المصري الأغزر والأكثر كثافةً في المنطقة، لكن عددًا خجولًا فقط من الرابرز يستطيعون الاعتماد على موسيقاهم كمهنة ومصدر دخل ثابت، فيما يتعامل البقية مع الراب كهواية أو أسلوب حياة إلى جانب الدراسة أو العمل، ويكتفون بالتعاونات العفوية والإصدارات غير المنتظمة والنجاحات العابرة. يحاول زين ديزي أن يكون أحد الاستثناءات. تبدو مسيرته كتكسير مستمر لمجموعة من أبرز تقاليد الراب المصري، وحتى الآن كان هذا التكسير يصب في صالح زين.

على خلاف السائد، ركّز زين ديزي باستمرار على إصدار الألبومات القصيرة بدل الأغاني المنفردة، ولا أعني بالألبومات هنا مجرد إصدار مجموعة من الأغاني الجديدة دفعةً واحدة، بل ألبومات حقيقية يتمتع كل واحدٍ منها بهوية أسلوبية مستقلة. يكفي سماع نصف دقيقة من أيٍ من أغاني زين ديزي ليستطيع المستمع نسبها بسهولة إلى الألبوم الذي تنتمي إليه. يدرك زين أيضًا أنه لو أراد التعامل مع الراب كمشروع لا هواية، فإنه بحاجةٍ إلى الفريق الصحيح. أصدر زين ألبوميه الأولين مِدنايت ودراماتيك عبر تسجيلات ٦٩ في السويس، حيث تعاون مع أقوى المنتجين ومهندسي الصوت والمصممين البصريين والمخرجين المتاحين في مدينته، كـ مادو سام وباهر مراكشي. لكنه نهاية العام الماضي قرر أن الوقت قد حان للخروج عن المشهد المحلي، وأعلن انتهاء مسيرته تحت اسم دودزي، ليعود مطلع العام تحت اسم زين ديزي ويصدر ألبومه القصير الثالث مارلبورو.

يبدأ الألبوم بأغنية افتتاحية تأخذ مهمة التقديم للألبوم بالمعنى الحرفي، حتى أن فيها مقطعًا يعدد أسماء أغاني الألبوم: “مطمن معايا ربي / كل الناس دي هتسمعني / هبقا في ودنك زي ماري / حريف أنا ماردونا / دخاني مارلبورو“، بينما تقدّم الأغنية بالمجمل للصوت العام للألبوم. على كل حال، ما يفاجئ في الألبوم منذ المقدمة هو التعاونات الإنتاجية. استخدم زين في الإنترو إيقاعًا قدمه له ناجي رازي، أحد رواد صناعة الإيقاعات والإنتاج في الراب المغربي، الذي تجاوز تعاونه الأخير مع ماد وإل جراندي توتو المليوني مشاهدة على يوتيوب، والذي اختير من قبل موقع لا كاج المختص بالراب المغاربي كأقوى منتج في المشهد لعام ٢٠١٨.

يتخلى زين ديزي منذ المقدمة عن الآد ليبس والتأثيرات الصوتية العنيفة كالـ بيتش شيفتر  مغيِّر طبقة الصوت Pitch Shifter مكتفيًا بدرجات طفيفة من الريفرب، كما يركز على التراب الغنائي على حساب الراب التقليدي، دافعًا أسلوبه إلى منطقة أكثر انسجامًا مع إيقاعات التراب المباشرة ذات الصوت الواسع والمعاصر.

إعلان

يستمر هذا التوجه على طول الألبوم، ويبلغ ذروته في الأغنية الثانية معانا ربي من إنتاج جاك بوي. جرّب جاك بوي نفسه في العديد من الأصناف الموسيقية لسنوات طويلة قبل أن يستقر على التراب كصنفه الرئيسي، ويصبح أحد أهم المنتجين في مجموعة الـ ٩٩، إحدى أكبر مجموعات الهيب هوب في القاهرة. عثرت على نسخة قديمة من إيقاع الأغنية على متجر جاك بوي الإلكتروني، لكن الإيقاع مر بعدة تغييرات قبل استخدامه في معانا ربي، مثل إزالة تأثرات الممبل راب منه كالتشويه (distortion) في البايس، مع الحفاظ على سرعته العالية نسبيًا (١٥٨ نبضة في الدقيقة).

توفِّر معانا ربي فرصة للاطلاع على كتابة زين ديزي في أفضل مستوياتها. تدور الأغنية حول لازمة تصف مطاردة خاضها زين مع أحد ضباط الشرطة: “ورنا الموت صحبي، إزي نعيش؟ / قدامنا الخوف وإحنا منطاطيش”، بينما تمر المقاطع على ثيمات معهودة في الراب المصري، كالصداقات الدائرة حول المخدرات، شبه عزبة الجامع. يضع زين جهده في أسلوب الكتابة كي يترك بصمته على هذه الثيمات، جامعًا بين المعاني المزدوجة: “حولي شياطين مش عويم / غرقان في العيب (في إشارة إلى الـ غرقانة، طريقة لتدخين الحشيش)”، وبين قوافي سلسة: “لا تكون فاكر / عشان ساكت / إني مش قادر / لأ قادر” تسمح له باللعب على منطقة في الإلقاء بين الراب والتراب، ما ساعده على مواكبة إيقاع الأغنية السريع رغم أن مزاج الأغنية العاطفي الحزين يتطلب عادةً أسلوب غناء أكثر تمهلًا.

تحمل أغنية ماري معنىً مزدوجًا يشير إلى الماريوانا وإلى فتاة خاض معها زين علاقة فيها مشاكل طبقية. يفصّل زين مشاكله مع الاثنين، متنقلًا بينهما بمجازات ضبابية هلوسية: “هتكره بيها الناس / خلقة شيطان وسواس / ريحتها في كل مكان / عنيها واسعه ومش بتشوف.” حصل زين على إيقاع الأغنية من المنتج المغربي الصاعد إينام  Enam آخر أربع حروف معكوسة من اسمه الحقيقي نعمان Noumane، الذي حاول مقاربة أسلوب سوولكينج في أصوات السنث الحادة والمكسورة، ما انتهى بأغنية تجمع بين التراب المصري والجزائري / الفرنسي، بشكلٍ قد يكون غير مريحًا للأذن بالنسبة للبعض.

يكرر زين تعاونه مع جاك بوي في ثاني أفضل أغاني الألبوم، مش مسرح. بين عينات البيانو متوسطة السرعة، وغناء زين الأكثر هدوءًا، يبلغ الألبوم أهدافه في صوت مركّز واقتصادي. على الخلاف، لا تعثر إيقاعات ناجي رازي المحيطة والواسعة في أغنية مارادونا على الغناء المركّز والمضغوط (compressed) الذي يناسب هذه الإيقاعات عادةً، ما يترك الأغنية تعاني من عدم التوافق بين الإيقاع والغناء، ومن القوافي الضعيفة “سيما / علينا” و”دور / فوق” التي جعلت غناء ديزي مفتقر للانسيابية بالأساس.

تبلي أغاني مارلبورو بشكلٍ جيد عند سماعها متفرقة أو مخلوطةً مع أغانٍ أخرى، لكن عند سماع الألبوم دفعةً واحدة، يتضح أنه يعاني من الرتابة وأحادية النبرة لتقارب مواضيعه وأحادية أسلوب الغناء المباشر فيه، بشكلٍ يجعلنا نفتقد الديناميكية والحيوية التي ميّزت ألبوم ديزي الأوّل، مِدنايت. لكن مقابل هذه الخطوة للخلف، يقطع زين خطوتين للأمام، مكرسًا أسلوبه المستقل في الغناء، والذي في أفضل لحظاته يعرف كيف يجمع طاقة الراب مع الطيف المزاجي الواسع للتراب، كما ينفتح الألبوم على تعاونات إنتاجية نادرًا ما اجتمعت من قبل، جاذبًا التراب المصري إلى جانب المغربي في واحدة من أول المرات (سبقه إلى ذلك مؤسس تسجيلات ٦٩، مادو سام، الذي عمل مع ناجي رازي أيضًا)، ليضعا حجر أساس يمكن بناء الكثير عليه.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply