ساد سَن | إنسن

كتابةرامي أبادير - مارس/آذار 27, 2019

خلال السنوات الأخيرة، وصلت بعض الأصناف الموسيقية الراقصة كالتكنو والهاوس بجميع تفريعاتهم إلى حالة من التشبع، طالت القالب والأصوات المستخدمة، لدرجة أنه بات من الصعب تفريق أصوات المنتجين والتطلع لما هو جديد، فيما هناك أصناف لم تصل إلى هذه الدرجة من التشبع كالجانغل والجرايم والعديد من الأصناف المتناثرة في أفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية. إلا أنه بات هناك اتجاه واضح لتفكيك الموسيقى الراقصة، يسعى بدوره إلى خلق جماليات جديدة صارخة على الصعيد الصوتي والبصري، مستمدة من ألعاب الفيديو وثقافة الإنترنت وأطنان من العينات الصوتية. بناءًا على ذلك صارت هناك عدة شركات إنتاجية تركز على هذه الجماليات والإنتشار على الإنترنت، مثل إيكو فيوتشرزم كوربوريشن وكوانتم نايتيفز وفراكتل فانتزي ونون ورلدوايد وجينوم 6.66 إم بي بي وآنبا وغيرها.

يمكن إدراج ألبوم إنسن القصير الأول ساد سَن، والذي صدر عبر تسجيلات هز، ضمن نفس هذه العائلة التي تتحدى المنصات الراقصة. أول ما يلفت النظر في الألبوم هو التصميم الصوتي المتقن للثنائي بشار سليمان وإلفن براندي، حيث يعتمدا على عناصر مختلفة للموسيقى الراقصة مثل الكيك المشبعة والبايس الغليظ وتنوع ديناميكا التراك الواحد. إتقان الثنائي يظهر في توظيف إلفن براندي لعينات من صوتها الغنائي، تقوم بالتلاعب بطبقاته واستخدامه كآلة خلال معظم الألبوم. يظهر ذلك بشكل واضح في افتتاحية الألبوم دُمستيك أبيوز، ويصل توظيف إلفن لصوتها إلى قمته في تراك ترِمُر، أفضل تراكات الألبوم وأكثرهم صراحةً من حيث العنصر الراقص، إذ تتنوع الأنماط الإيقاعية وتتحول على مدار التراك دون التقيد بنمط واحد. ذلك بالإضافة إلى توظيفهم للعديد من العينات الصوتية، بالأخص في القسم الإيقاعي، الذي يتنوع بين أصوات الصدمات العنيفة والخامات المحشرجة والجليتشات، مثل التي تتضح في تراك آتاكسيا لتضاف إلى الكيكات التي تتوالى كالرصاص. نتبين هذه الأصوات أيضًا في دومستك أبيوز الذي يتميز بعيناته الصوتية الممطوطة، لتأتي السنث بادز بالخلفية مضيفةً مشهدًا صوتيًا ذا طابعٍ غامض. هذا الطابع الغامض والديستوبي يتناسب مع الفيديو الذي صوره وأخرجه باسل حسن، مؤكدًا فيه على تلك الجماليات.

تلاعب الثنائي بالعينات الصوتية الحادة يبرز بشكل واضح في تراك دوا الحافل بالبايس، والذي يأكد صوت الرابر الأردني للأسف على طاقته الراقصة. بالرغم من ازدحام هذا التراك بالأصوات، إلا أن الثنائي أجاد توظيفها في أفضل توقيت. يلخص التراك الأخير، فايندنج ماي لِجز، كل أفكار الألبوم، فتظهر مصادر مختلفة من تراكات أخرى مثل لازمة للأسف من تراك دوا، بالإضافة إلى صوت السنث الذي يظهر لأول مرة بشكل صريح، تتخلله الجليتشات والصدمات وصوت إلفن براندي، لنصل إلى أكثر لحظات الألبوم كثافة، تأسر المستمع في حالة من الهلاوس السمعية.

إعلان

لا يعد الألبوم قويًا فقط من حيث تصميم الأصوات وسمته الراقصة، بل تكتمل جميع عناصره بالإنتاج الجيد والبناء غير المتوقع وتدفق تراكاته وأفكاره بشكلٍ سلس، بالإضافة إلى إتقان (mastering) اسماعيل حسني له. خلال خمسة تراكات، يفكك الثنائي بشكلٍ تجريبي موسيقى البايس الراقصة، مضيفين لمساتهم الخاصة عليها، وطارحين رؤية مستقبلية لها.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply