نبش القرص الغامض | سماعي بياتي قديم وتقاسيم على الواحدة

كتابةمصطفى سعيد - أكتوبر/تشرين الأول 2, 2018

طلب مني الأستاذ ياسر عبد الله الكتابة عن تقسيمٍ من اختياري لأحد عازفي العود، وكنت قد اخترت فعلًا تقسيم سيكاه لـ رياض السنباطي المُسجل لشركة أوديون حوالي سنة ١٩٢٨، لكن في جبل لبنان حدث ما غيّر كل هذه الخطة، حتى أني تأخرت أكثر من شهرين عن إنجاز المهمة المطلوبة مني.

ما حدث أن السيد كميل فغالي، أحد مهندسَي الصوت بمؤسّسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية، أتى لي بقرصٍ عثر عليه في مخزنٍ قديم، استغرَب هو شكل القرص، (حين أذكر قرص، أعني ما يُطلق عليه الأسطوانة ذات ٧٨ لفّة)، لكني أخبرته أن هذه الأقراص المعدنية خفيفة الوزن استُخدمت بُعَيد الحرب العالمية الأولى، طريقةً للتسجيل المنزليّ، وهي رغم خفّة مادة الشِلاك عليها، تظل أكثر متانةً من أقراص الشمع التي كانت طريقة التسجيل الخاص قبلها بعد التخلي عنها تجاريًا، لكنّي حذّرتُه أننا إذا استمعنا إليها على الفونوغراف فلن يخرج منه صوتٌ جيّدٌ، بل وقد نضرّ القرص لأن مادة التسجيل عليه (شِلاك) جدّ خفيفة، والأسطر دقيقةٌ لا يصلح قراءتها بالإبر المعدنيّة المعتادة لقراءة التسجيلات التجاريّة، إنّما تُقرأ بإبرٍ خشبية مصمّمة لهذا النوع من الأسطر الرفيعة، وفي مرحلةٍ لاحقة ظهرت إبر نَيْلُن لا تضرّ هذا النوع من التسجيلات.

لم يكن على القرص أيّ إشارةٍ لمحتواه، وقلّ الصبر حتّى تصلنا هذه الإبرة، لكن لا مفرّ من الصبر، وها أنا واضعٌ بين أيديكم الجزء المقروء من هذا التسجيل، وهو أقلّ من ثمان دقائق، عانَينا الأمرّين حتّى نستخرجها لحال التخزين المزرية التي وجد فيها القرص.

يبدأ التسجيل بشيءٍ يبدو أنّه تجربة، أحد الأشخاص ينادي على أنطون بيه أو ما شابه: “يا سامي، يا سي قبّاني كدا تمام العود، قرّب شويّة ياسي مُحيي.” كلّ هذا استنتاج، فأول القرص مدمّر تمامًا. لكن، تأتي المفاجأة لاحقًا. السماعي البياتي العربيّ مجهول المؤلّف، يُسمَع صوت كمانٍ لا يُشكّ أنّها كمنجة الشوّا عليها السلام، على قول الشاعر، وطنبورٌ بغداديّ لست أشكّ أبدًا أنّه طنبور محيي الدين باعيون، وعودٌ تشبه ضربة الريشة عليه أسلوب إبراهيم القبّاني، وقانونٌ هادئ أشبه بقانون عبد الحميد أفندي القضّابيّ، وعازف إيقاعٍ لم أتبيّنه، ولم أتبيَّن حتّى نوع آلة الإيقاع التي يعزف بها، فبالكاد نسمع التُموم منها دون التكوك أو النقرزان.

إعلان

نبدأ بالدوزان. عند آلة القوس الوحيدة، البيّاتي من ثاني وترٍ إلى يمين العازف، بمعنى أن أول وتر إلى يساره هو قرار مقرّ البيّاتي، والدوزان خامسةٌ ورابعتَين بدءًا من القرار إلى الجواب فثاني وترٍ خامسةٌ تامّةٌ لأوّل وتر، والثالث رابعة تامّةٌ من الثاني، والرابع رابعة تامّةٌ أيضًا من الثالث. أمّا الطنبور البغداديّ، المعروف في زماننا بالبُزُق، فهو وترَين، أعلاهما ضبطهُ غريب، لكن هذا الضبط الغريب هو عين الضبط الذي استخدَمه محيي الدين باعيون لطنبوره في أغلب تسجيلاته، وهو أن أول وترٍ أعلى طنبوره فتلتان، أعلاهما مشدودة خامسة هابطة من مقرّ البيّاتي، وسُفلاهما مشدودة ثانية تامّة هابطة من مقرّ البيّاتي، أي أنّ الفتلة السُفلى من الوتر رابعةٌ تامّة للفتلة العُليا، بينما الوتر الثاني فتلتان أيضًا كلتاهما مشدودتان بنفس درجة الفتلة السُفلى للوتر الأوّل، أي راست، أي ثانية هابطة هي الأُخرى من مقرّ البيّاتي.

بالنسبة للعود فشدّه إن كان خُماسيّ الأوتار، فمقرّ البيّاتي ثاني وتر أسفل العود، وأوّل وترٍ رابعةٌ صاعدة من هذا المقرّ، وثالث وتر، أي وتر المنتصف، رابعةٌ هابطة من ثاني وتر الذي هو مقرّ البيّاتي، ورابع وترٍ الذي هو ثاني وترٍ من الأعلى، رابعةٌ هابطة أيضًا من الوتر الذي في المنتصف، وآخر وترٍ من الأعلى، أعني الوتر الخامس، هو قرار مقرّ البيّاتي المعزوف منه السماعي، والظنّ عندي أنّ هناك وترٌ سادس مشدودٌ أسفل وتر الجواب، أي أسفل الوتر الأوّل، مشدودٌ على نفس نغمة الوتر القرار، أي قرار مقرّ البيّاتي، استنتجتُ هذا من استحضار القرارات، وإن صحّ الاستنتاج، يكون تطبيقًا عمليًا للدوازين الغريبة التي أتَتْ في كتب مشّاقة وذاكر بيه والخلعي. ليس هذا موضوعنا على أيّ حال، لكن نجد العود مستحضر القرارات سواءٌ في السماعي أو في الزنّ للتقسيم على الواحدة.

أخيرًا القانون، يعفق نغمات التحوّلات النغميّة دون عربات في خانة الراست والحجاز والصبا تارةً، وأُخرى يستحضرها من ديوانٍ آخر دوزن نغمته لتلائم هذه الانتقالات.

في السماعي، تُترك الخانة الثانية، خانة الراست، للعود مُستعرضًا فيها قراراته وريشته وقفزاته الإيقاعيّة، وفي الخانة الثالثة، أعني خانة الحجاز، تُترَك الأولى للطنبور البغداديّ ليستعرض فيها انتقال التفعيلة من تفعيلة السماعي الثقيل المعتادة (مستفعلن فاعلن) البادئة في آخر تك، في الكتابة الحديثة للضرب. قبل التم الأولى في الخانة الثالثة يقلب محيي الدين التفعيلة إلى (فاعلن فعولن فاعلن) بتأكيد نبضة ريشته على طنبوره، وتُترك الإعادة لسامي الذي نقل العزف إلى القرار تزيينًا وتنويعًا، وعبد الحميد اللاعب على جماليّات صوت عفق ثالثة البيّاتي المُفسَدة بنغمة الحجاز في الخانة الثالثة. في الرابعة، من نغمة الصباح أو الصبا، عُزف ثلاثًا دون لازمة: إبرازٌ لسامي، ثمّ ردّ المجموعة ثمّ بروز محيي الدين.

يُختم السماعي بزنّة واحدة البمب، أشهر ضروب التقاسيم على الواحدة على الإطلاق. لا نعرف إن كان ثمّة توقّفٍ ما حدث، أم أنّه التلف في القرص نفسه، فالتسجيل ليس احترافيًّا كما سبقت الإشارة، لكن يبدأ سامي التقسيم كأنّ شيئًا كان يحدث من قبل، لا كأنّها بداية تقسيمٍ اعتياديّ على الواحدة، وسرعان ما نكتشف أنّ التقسيم مشتركٌ بين سامي ومحيي الدين، هناك تطييبٌ يُبرز الأسامي، لكن هناك كلامٌ جانبيّ كأنّ حوارًا ما كان يدور بين بعض الجلوس، وصوت أشبه بصوت عود ثقاب، لعلّ أحدهم أشعل سيگارة. في إحدى الزنّات بين سامي ومحيي الدين نسمع ما يشبه “قُل أنت ياسي محيي الدين”، ربما أرادوا أن يدخل ثالثٌ على التقسيم.

نصل بهذا إلى تحليل فقرات هذه التقسيمة المشتركة على الواحدة بين القوس والريشة، وبين فكرٍ وإن صحّ أنّه حلبيّ الأصل لكنّه مصريّ المنشأ والهوى، ورأسٍ آخر بيروتيّ الأصل طرابلسيّ العلم حضر إلى القاهرة للتسجيل والغناء والالتقاء بأهل النغم فيها، في ذلك الوقت.

يبدأ سامي بالتقسيم على قرار لا يتجاوز رابعته، وبنفس المنطق يردّ محيي الدين بجملةٍ أقصر، ينتظر سامي منها المزيد لكن يزنّ له محيي الدين، فيردّ سامي بجملةٍ أطول يومئ فيها لخامسة المقرّ الناقصة، عربة الشوري، فيردّ محيي الدين بالإيماء إلى عربة الصبا، الرابعة الناقصة من المقرّ، في جملةٍ تقلّ عن نصف مدّة سابقتها من سامي. يصرّ سامي على الانتقال إلى الشوري في جملةٍ طويلة، فيفاجئه محيي الدين بعدم الاستجابة في الردّ فيرفع الخامسة إلى الخامسة التامّة الاعتياديّة، الشِشكاه أو الحسينيّ، باعتبار مقرّ البيّاتي دوكاه، ويخفض سادسة المقرّ من الهفتكاه إلى أوج لتصبح نغمة النوروز، وهو سير البيّاتي التقليديّ وتطول مدّة جملته لأوّل مرّةٍ فتفوق جملة سامي، ليقفلها بتفعيلة (فعلاتن) الحرّاقة جدًا فيطيّب له ثلاثةٌ من حضور الجلسة لقطهم البوق على الأقلّ، وتطول فترة الزنّ قبل دخول سامي الذي يُبرز فرع الحجاز في الشوري، أي حجازٌ من رابعة المقرّ، مستخدمًا عربة الشوري وعربة الماهور وينزل بنفس المنطق إلى قرار الكمان ويختم بصنف البيّاتي من القرار، فيجيب محيي الدين من أقصى الجواب، من نغمة المحيّر، مستبدلًا بالنوروز الأوج في سير نغمة المحيّر، لكن يعود إليها، أعني عربة النوروز في نزوله في صنف عشّاقٍ من رابعة المقرّ، سير البيّاتي، قبل الاستقرار على الدوكاه مقرّ البيّاتي، وكأنّ التسجيل، وهذا تعبيرٌ أستخدِمُ كثيرًا للتعبير عن انتهاء التسجيل دون إنذار، كأنّ التسجيل قفل على صباعهم.

مَن يلحظ تقسيم الجمل اللحنيّة في التقسيم على الواحدة من حيث التفعيل، يجد توافقًا غريبًا مُريبًا بين الكمان والطنبور، كأنّ محيي الدين يتّفق مع سامي في التفاعيل، لكن يعانده في البنية اللحنيّة كما سبق الشرح، فكأنّه يقول أستطيع مجارات صوت قوسك المستمرّ في التفاعيل الإيقاعيّة، وإن كان ما بيدي ريشةٌ لا قوس، وأستطيع الاختلاف عنك في النغم دون إزعاج التقسيم المشترك، ونستطيع أن نتعاون رغم الاختلاف.

ما حضر في بالي، هل هذه جلسةٌ خاصّةٌ في بيت أنطون الجميِّل صاحب مجلّة الزهور المصريّة، ثمّ رئيس تحرير الأهرام وعضو الپرلمان، هذا الأديب الصحفيّ صاحب الذوق الرفيع في السماع والأدب؟ هل يمكن أن يكون هو هذا الأنطون؟ إذا كنتُ في هذه الجلسة ماسكًا عودي، هل كنت سأكتفي بالزنّ في التقسيم كما فعل إبراهيم أفندي القبّاني؟ هل كنت زاحمتُ أشهر عازفٍ حينئذٍ والضيف القادم من بيروت؟ هل كنتُ نوَّعتُ الضروب؟ هل كنتُ غيّرت النغمة وطلبتُ عزف المزيد من البشارف لتتعدَّد النغمات؟ ماذا كنت أفعل لو كنتُ في هكذا جلسةٍ يا تُرى؟ هل كذا فعل القوم لكن هذا ما وصلَنا؟

أرقام التسجيل هي HMV 7-218015 7-217903, MTR BD 1586 BD 1587. B-090886 B-090887

إعلان

تشير الأرقام الأولى لقرص ٧٨ لفّة سُجِّل لشركة هِز ماسترز ڤويِس المنبثقة عن گراموفون، ويتّضح من رقم المصفوف أنّ التسجيل يدويٌّ حوالي سنة ١٩٢٣. أمّا السطر الثاني فتشير أرقامه إلى تسجيلٍ على الكهرباء في بداية هذه التقنية للتسجيل عند بيضافون أواخر ١٩٢٧ أو أوّل ١٩٢٨، ويبدو من الأرقام أنّ التسجيل الأوّل تمّ في القاهرة، والثاني ببيروت.

فليعذرني القارئ السمّيع، لم يكن القصد الخداع، لكن هذين تسجيلَين مختلِفَين، أوّلهما لسامي الشوّا، وثانيهما لمحيي الدين باعيون، دُمِجا ليُثمِرا عن النتيجة المسموعة، والمطلوب إعادة السماع خصوصًا لجزء التقسيم، الذي يبدو كأنّه حوار، ولعلّ محيي الدين استمع إلى أسطوانة سامي فسجّل مثلها تمامًا، تقسيم على الواحدة وعلى الوجه الآخر سماعي بيّاتي قديم، وليعذرني أيضًا السادة القوميين فالنغم في مصر وبرّ الشام وحدة حال، فلن يُشعَر بفارقٍ لو كانت فرقةٌ قوامها من عازفين من مختلَف المناطق بالبَرَّيْن، أعني برّ مصر وبرّ الشام.

أخيرًا، جزيل الشكر والامتنان للأستاذ كميل فغالي ولمؤسّسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربيّة لإتاحة الوقت لإخراج هذه التجربة، والأكيد أنّ سامي ومحيي الدين وإبراهيم القبّاني وعبد الحميد القضّابي عزفوا الكثير مع بعضهم البعض لكن، مع الأسف، لم يُتَح لنا سماعهم إلّا مع شركات الأسطوانات التي لا نعلم ما حرمَتْنا منه بسبب ظروف التسجيل من ضيق وقتٍ ومساحةٍ إلى ظروف رأس المال لشركات التسجيل التي ومن الأكيد سجَّلَت ما شاءت وتَركَت ما لم تشأ تسجيله.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply