سواج لي إز دِد | زولي

كتابةرامي أبادير - فبراير/شباط 7, 2020

كان ٢٠١٨ طفرة على صعيد الراب المصري، صعدت ولمعت خلاله العديد من الأسماء مثل مروان بابلو وويجز ورابتور ودودزي وليجيسي ومروان موسى وآخرين، ليجد ذلك المشهد الحماسي لنفسه مكانًا على خريطة التراب في المنطقة. لكن مع اقتراب نهاية العام الماضي، هرم المشهد بقدرٍ كبير، كما لو مضى عليه أكثر من خمس سنوات، فلم يعد يجد جمالياتٍ جديدة وبدأ يعيد إنتاج نفسه، وإن بدا متفجرًا على المستوى الجماهيري. بنسبة كبيرة، باتت معظم الإصدارات متوقعة من فرط التكرار، الذي يتضح من خلال الثيمات المستهلكة والقوافي السهلة، والكلمات والأداء الأطلنطي (نسبةً لتراب أطلانطا) الغارقَين في ذكوريتهما بشكلٍ مفرط وكاريكاتيري ثقيل الظل. قد تظهر الفيديوهات والبرسونا والأزياء والأداء والترويج على السوشال ميديا بشكل قوي ولامع، لكن ذلك يأتي على حساب جودة الأغاني. امتد ذلك إلى صانعي البيتات، حيث باتت موسيقاهم تتبع معادلة مستنسِخة للتراب الأمريكي السهل. من ناحية أخرى، لا يزال هناك بعض المنتجين الذين يملكون علامتهم الخاصة، مثل مروان موسى ومولوتوف وزولي، القادرين دائمًا على دفع بيتات مشهد الراب المصري.

بالإضافة إلى أعماله المخصصة للاستماع وحلبات الرقص، اشتهر زولي منذ بداية عمله مع أبيوسف ببيتات تفاجئ المستمع دائمًا، وتملك في أحيان كثيرة قدرًا عاليًا من الألحان المفككة والإيقاعات المتشابكة الممتلئة بالبايس، لتكشف عن منتج مطّلع ذو لغة موسيقية خاصة، يستمدها من تأثيرات موسيقية عديدة.

على مدار سنوات، أنتج زولي العديد من التراكات لأبيوسف، تتراوح بين التراب الصريح وبين ما يميل إلى التجريب، ليصل إلى قمة تجريبه في ألبومه ترمينال الصادر نهاية ٢٠١٨، في أربعة تراكات عمل خلالهم مع كل من أبيوسف ومادو سام وأبانوب. نجح زولي في أغاني أخطبوط ومازن وأرشميدس في إضفاء ضجيج وخامات صوتية كثيفة وإيقاعات لعوبة، ليعلن أن كل شئ ممكن ومباح في الراب، وأن ليس على المنتجين والرابرز التقيد بصوت التراب التقليدي. أما في البِيت المتعدد الأمزجة لأغنية أنا غايب، فقد استخرج مهارات فريدة لأبانوب ومادو سام وأبرزها بشكل جديد.

بعد عامٍ غني ومبشر للمشهد المصري، كان زولي قد أعلن (أثناء مقابلتي معه على معازف) عن تفاؤله بالمشهد وتقديره للعديد من الرابرز، على رأسهم بابلو وويجز ودينيو وعفروتو ومجموعة سيكسناين (السويس). بالتزامن مع المقابلة، ووسط الضجة والاحتفاء النقدي الواسع بألبوم ترمينال، كان زولي يعمل بحماس على ميكستايب راب، مخصِّصًا بيتاته لأسماءٍ لامعة من الإسكندرية والسويس والقاهرة، لكن مع الأسف لم تتح له الفرصة لإكمال المشروع نظرًا لفقدانه عدته في قطار في أوروبا، وبالتالي الملفات الأصلية على آيبلتون. بعد عام على التجربة غير المكتملة، قرر زولي تنزيل مسودات هذه البيتات دون بارات الرابرز في ميكستايب تحت عنوان سواج لي إز دِد، مشيرًا إلى موت اسمه الفني القديم الذي كان يستخدمه في بداياته مع أبيوسف.

إعلان

على مدار ثلاثة عشر بِيت، يطعّم زولي عناصر التراب الأساسية بجمالياته الخاصة المبتكرة، التي تعتمد على التصميم الصوتي المتقن وتفاصيل دقيقة تظهر بشكل خفي وألحان جريئة. يمكن ملاحظة ذلك في البِيت الرابع، بسنثه الدافئ المشوش والكلاب (clap) المعكوسة التي تضيف إلى الطابع المخدر للبِيت بصوته العريض. يستخدم زولي نفس المؤثر المعكوس على البِيت الثامن، مطبّقًا إياه على السنث ليخلق تباينًا واضحًا مع إيقاع التراب متوسط السرعة. أما في البِيت الخامس، فيجلب صوتًا بريطانيًا جديدًا على المشهد، مستعينًا بعينة سنث باد تذكّر بعينات البادز التي تستخدم في الجانغل، بنفس أسلوب التلاعب بنغماتها، ليخلق لها سياقًا آخر تمامًا.

في إحدى أفضل لحظات الميكستايب، يركز البِيت السادس على عينات متناثرة وضجيج خافت، ليقتحم السنث التراك بلحنه الجذاب مدعّمًا الإحساس بالغموض الذي يسيطر على البِيت. يشترك التراك الأول والثالث بطاقة غليظة بفضل البايس الذي يُغرق البِيت فيزيد من جرعة العنف، بينما يعتمد البِيت الأخير فقط على صوت المطارق، ليسرد لحنه ذاهبًا إلى أسلوب أكثر تقليلية. كما يكثف زولي من الطابع الدرامي الملحمي من خلال ألحانه في البِيت العاشر والحادي عشر.

رغم عدم اكتمال المزج، يسفر الميكستايب عن صوت حاد وممتلئ وغني بالبايس، وإيقاعات قوية. إن كانت تراكات الراب حملت قدرًا عاليًا من التجريب في ترمينال، تأتي بيتات الميكستايب أكثر جماهيريةً، مع احتفاظ زولي بعلامته الخاصة، حيث يقف عند الخط الفاصل بين التجريبي والجماهيري، المنطقة التي دائمًا ما ينتج عنها أصوات تدفع بحدود الموسيقى إلى أماكن جديدة.

يصف زولي الميكستايب على باندكامب على أنه تراب، وما أراه في هذه المسودات غير المكتملة هو إمكانية لإضافة أفكار إنتاجية جديدة على التراب. ليست بأفكار معقدة أو كثيرة، لكنها تفتح المجال للمنتجين والرابرز لتجربة أشياء بسيطة قد يكون لها تأثير أوسع. ما يعد مشروعًا ضائعًا بالنسبة لزولي، قد يكون فرصة للمنتجين والرابرز الآخرين، في ظل غرقهم في التراب الأمريكي بأشكاله الآمنة، تنقذهم من توقف الزمن بهم في ٢٠١٨.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply