شوي كتير بعيد | داكن

في عامٍ حافلٍ بالإصدارات الإلكترونية الراقصة والتجريبية الصاخبة، قرر المنتج والرابر الفلسطيني داكن اتباع طريقٍ آخر في ألبومه الجديد شوي كتير بعيد الصادر عن تسجيلات بالناقص. اشتهر داكن لإيقاعاته الـ لو-فاي وباراته المميزة، وأصبح أحد الأسماء المؤثّرة في مشهد رام الله، قبل أن يهوي هذا الألبوم كمطرقة تكسر التوقعات المبنيّة حول أسلوب داكن السابق. يجذب داكن المستمع هنا إلى عالمه الخاص، إلى جسدٍ يعاني أعراض ما بعد الصدمة، ويبني الألبوم على موسيقى محيطة مظلمة وأجواء درون (drone) أثيريّة معلّقة.

يبدأ الألبوم بتراك خارج الداخل، ويعلن عن الطابع المترقّب الذي يمتد لقرابة الساعة. يظهر البايس متنافرًا لتؤكد عليه نغمات متعددة الطبقات لصوت آلة نفخ متهالكة، تتدفق ببطء كاشفةً عن تخبّطٍ ما، في محاولة جاهدة لشق طريقها نحو النغميّة. يأتي الدرون الهادئ والعينات الإيقاعيّة المتناثرة والتسجيلات الميدانيّة المعدنيّة الصوت في تراك مدخل، لتوازن هذه الأصوات حدّة التوتر في التراك السابق. نتبيّن التغيّرات الطفيفة التي تزوّد التراك بديناميكية مقلّة، قبل أن يبدأ تراك مثلّث بخامة السنث باد والنقرات المعدنيّة. يتغيّر النسيج الصوتي بشكل تصاعدي مع دخول الريفرب طويل الأثر، كاشفًا عن فضاء صوتي عريض.

في تراك جوا بعيد، تظهر العينات المجرّدة المتشظية بإيقاعٍ ثابت، فيما يضفي داكن طابعًا حميميًا وحالمًا عبر الجيتار ذو الصوت الزجاجي بفضل مؤثر الهارمونايزر. تتغيّر بنية التراك مع دخول صوت بشري خفي وأنسجة متنافرة، ويحدث ذلك في التوقيت الأمثل ليسود الترك إحساس بالسقوط البطيء من طابقٍ عالٍ يذكرنا بألبوم تاورز. يقبع الدرون في خلفيّة كل من تراك ركائز مؤقتة ونسيت أذكرِك، حيث الجانب الأكثر غموضًا من الألبوم، والذي يجعل المستمع في حالة بينية بين الدوران واليقظة، بالأخص عند ظهور صوت الأجراس النافرة في التراك الأوّل وصوت الصرير في الثاني.

إعلان

لا يكشف الألبوم عن معالمه بوضوح أمام المستمع، وغالبًا ما تظهر تفاصيله في أماكن وأوقات غير متوقّعة وهو ما يضيف بعدًا تشويقيًا. في توازن الاختلال، تستحضر الأصوات الإيقاعيّة مكانًا مهجورًا مظلمًا تصل أصداؤه من بعيد. أما في التراك الأخير تكرار ممنهج، يحشد داكن جميع العناصر التي بنى منها الألبوم، بالإضافة إلى أصوات بشرية ممطوطة وضربات كيك تظهر لأول مرّة وتردّد إيقاعًا بطيئًا ملائمًا للختام. 

يظهر مزاج الألبوم القاتم أيضًا في غلافه (باسل عباس، روان أبو رحمة)، وفي فيديو خارج الداخل الذي تتابع فيه مشاهد ليليّة معكوسة تبعث على الشعور بالتشتت، فيما يقدّم داكن تجربته الشخصيّة بطريقة تدعو المستمع للتعاطف معها ورؤية نفسه فيها. يعزّز هذا التكامل الثيماتي من القوّة التعبيريّة لـ شوي كتير بعيد، ويكشف عن أسلوب ناضج يتحرّر من الموسيقى السريعة والصاخبة والعمل ضمن البنى التقليديّة، ويفتح لنا مجال التأمّل في تجربة داكن وكأننا ننظر إليها من الداخل، عبر تجربة سماع باعثة على التمهّل والهدوء.

 

Leave a Reply