صباح التي تعلِّمنا أن نتغزّل بها

مقال ضمن ملف «أنا كدة، أنا كدة»: في فنّ صباح وتفرّدها.

المقارنة بين فيروز وصباح مدخلًا

في ما يبدو وقع الكثيرون، بمن فيهم كاتب هذه السطور (انظر هنا)، في محظور المقارنة بين صباح وفيروز، في مناسبة وفاة الشحرورة. فبعيدًا عن مغالاة المحبين لفيروز والرافضين لمقارنتها بأي أحد، كان رأي البعض أن بالإمكان عشق الاثنين أو رفضهما معًا، وأن لا داعي لتبخيس الثانية حقها لمدح الأولى. غير أن النقد الأعمق كان لدى من رأوا أن إقامة ثنائيّة قطبيّة بين صباح وفيروز تنشئ حصرًا يعيد إنتاج التموقع بين الأم القدّيسةوالأنثى المتحرّرةفي خيال الرجل الشرقي، أيًا يكن القطب الذي يهواه الكاتب.

لكن إذا ما تجاوزنا هذه المخاطر، بالثناء على النجمتين ونجمات أخريات أيضًا، يظل علينا التشديد أن صباح لا تنحصر في صورة الأنثى المتحرّرة، بل تمتدّ لتتناول في إرثها الغنائي كثيرًا ممّا لا ينطبق على هذه الصورة الحصريّة، من غناء الفقد والشجن إلى مديح الأمومة والطفولة مديحًا مرحًا ملموسًا في خدود طفلتها وضحكها ومدرستها، فضلًا عن الغناء الساخر من الرجال ومن الزواج وحكاياتهم. بالمقابل طبعًا ليس التنزّه عن الرّغبة مضمومًا إلى أمومة تراجيديّة ما يكفي لوصف فيروز التي انتقلت بعد خروجها من عباءة الأخوين رحباني نحو مجالات أرحب في التعامل مع العلاقات العاطفيّة بشكل ساخر، لكن صورتها الأساسية في تقديري تظل التنزّه عن الزمن، وليس فقط عن الرغبة. الزمن هنا أيضًا كناية عن الملموس المادي المستمر في التحوّل والتغيّر والتصوّر في صور بشريّة متغايرة ومتقلبة تملأ شوارع المدن وأخبار العشاق، في حين تخلو منها أغاني فيروز ويخلو منها أسلوب أدائها ووقفتها المسرحية وتقديمها لنفسها (أو تقديم الرحابنة لها) وعزلتها المديدة والتي تحرص، محقّة، على حمايتها. محور المقارنة إذًا أغنى وأعقد مما قد يلوح بادئ الأمر.

لكن يظل للمقارنة بين صباح وفيروز ضرورات وفوائد. فمن الضرورات أنهن كنّ فعلًا في صراع على القمة في لبنان، لا يمنع المحبة من أن تكون جسرهما، ولم يكن من منافسة لهما إذ انكفأت نور الهدى، أو حوصرت، إثر عودتها من مصر في خسارة لا تعوّض لمن يسمعها، وتكفّلت حياة سعاد محمد ووداد، كل لأسبابها وظروفها، في حجب مثل هذا الموقع في القمة عن صوتيهما الكبيرين. تظل نجاح سلام، أطال الله في عمرها، رقمًا فريدًا في هذه المعادلة، بصوت فريد جبار وأغانٍ ناجحة. لكن سلام، إضافة إلى مركزها الاجتماعي البيروتي الذي حد من حركتها الفنيّة، كانت في أدائها أكثر مصريّة ممّا ينبغي لمن تسعى لتكون وجه لبنان الغنائي، فضلًا عن غيابها عن ساحة المسرح والسينما، وهي الساحة التي كانت تصنع النجوم واستمرارهم. لئن كانت المقارنة أساسًا أداة العقل البشري للفهم ولاستقراء ما ينظر فيه، على ما كان رأى ليفي ستروس، فإن المرء لا يرى ندًا لصباح، لأغراض للمقارنة في لبنان، سوى فيروز.

للمقارنة أيضًا فوائد: إذ أنّها تكشف المسار الذي يسمح بقبول صوت ونمط غنائي معيّن، وكيفيّة تطوّره إنتاجًا واستقبالًا وجماليّات، فضلًا عن المنبت الاجتماعي للموهبة نفسها وأثره في نجاحها. فتنزيه فيروز أو صباح عن المقارنة يفترض أن غناء الواحدة منها وصوتها أمر شخصي بحت لا يدين لحقبته ولسابقيه بشيء، ويفترض أن متعتنا بواحدتهما أو بالأخرى مستقلة عن السياق الاجتماعي الذي ربّى ذاقتنا الفنيّة، أو كأن الاستماع إلى فيروز كان ممكنًا قبل ظهور ليلى مراد ونجاة الصغيرة وزكية حمدان ومحمد عبد الوهاب، مثلما أن الاستماع إلى صباح أو شادية لاحقًا كان ممكنًا من دون ليلى مراد أيضاً ونور الهدى، أو كأن سيطرة نمط أو مدرسة في الغناء يمكن فهمها من دون مراجعة السياق السياسي والتطور التقني والمزاج الاجتماعي حولها.

بالمقابل، تشير المقارنة إلى أهميّة المؤسسة الرحبانيّة في نجوميّة فيروز، في حين شكّلت صباح نجوميّتها بنفسها وبطلاقة روحها مستفيدة من كل معاصريها بمن فيهم الأخوان رحباني، كما تشير إلى مفارقة ازدواجيّة صباح (أسطورة في لبنان/ مطربة ضمن أخريات من الزمن السينمائي المصري الجميل) في مقابل صفاء لبنانيّة فيروز والإجماع اللبناني على أهميتها. تسمح المقارنة أيضًا بإبراز الطابع الجبلي لغناء صباح، في دقّة مقاماته وأنماط زخرفاته، الذي جمعت إليه حذقها بالغناء المصري المعاصر بخصوصيته، في مقابل الطابع الكنسي (الغائب تمامًا عن صباح) أساسًا للغناء الفيروزي، الأقل زخرفة وحذقًا بالمقامات، الذي جمعت إليه الأناقة الأوروبيّة التي كساها إياها الأخوان رحباني في أدائها وتوزيع أغانيها.

تدلنا المقارنة أيضًا إلى اختلاف السياق الذي كان يسعنا خلاله بناء نجمة، فصباح كنور الهدى اكتُشفت في لبنان ولمعت في السينما المصريّة، وفي سعي المنتجين المصريين للعثور على فنانات لبنانيات مغمورات (ولا فنانين) آنذاك دلالات كثيرة على الوضع المجتمعي في البلدين، وعادت إلى لبنان نجمة مشهورة تحل ضيفة على مهرجانات بعلبك مع الأخوين رحباني في غياب فيروز الوالدة آنذاك. أي أن اكتشاف وصناعة شهرة صباح تم أساسًا في مصر، ثم استكملته بعودة جزئية ومظفّرة إلى لبنان، ذلك الذي كان في الأربعينيّات أعجز من أن يصنع أغنية لبنانية متميزة عن جواره السوري والبدوي والمصري، ناهيك بأن يصنع نجومًا خارج إطاره الضيّق (بدليل غياب أي شهرة كان وديع الصافي يستحقّها وسفره إلى البرازيل). أما صعود فيروز فتوفرت له عناصر إنشاء الإذاعات المشرقيّة وبدء سطوعها، فضلًا عن إقامة مهرجانات بعلبك والدعم الذي وفرته لها دولة لبنانية صاعدة اقتصاديًا وراغبة في بناء هويّة خاصة بها.

أخيرًا، تسمح المقارنة بإلقاء الضوء مرة جديدة على الفارق في كلمات الأغاني لدى كل من النجمتين، وفي الأداء المرح أو الجامد، وفي حياتهما الشخصيّة وخياراتهما العاطفيّة، باعتبارها عوامل لعبت دورًا في تشكيل المزاج حولهما ولا تزال معايير أساسيّة لدى الذوق العام حتى في التعامل مع غيرهما من الفنانات والفنانين.

من نافل القول الإشادة بمواهب كل هذه الكوكبة من المغنيات والمغنين والمؤلفين والملحنين وأصحاب المؤسّسات الفنيّة الذين صنعوا هذه الأوقات وسمحوا ببروز النجمات وإنشاء مناخ جديد لاستقبال الفن وإضفاء معناه على حيواتهم. إلا أنه من الضروري، في ظني، الإشارة إلى أن المواهب إن لم تسنح لها فرصة تاريخيّة مرتبطة بسياقها الاجتماعي والتكنولوجي والمعرفي، فإنها ستذهب هدرًا كمثل مئات الأصوات الجميلة التي تقدمها لنا مسابقات التلفزيونات.

إعادة اكتشاف الإرث الصباحي

قبيل رحيل صباح، ومع ثراء اليوتيوب والتسجيلات على الإنترنت، أعاد كثيرون اكتشاف إنتاج صباح الفني، بعيدًا عن انطباعاتهم عن ظهورها المتقطع في آخر سنيها على شاشات التلفزيون. كانت هنالك بالطبع أفلام لها تعرض قبل ذلك، وتظهر شقاوتها وحيويتها ودلعها، مع فريد الأطرش أو محمد فوزي أو عبد الحليم حافظ. لكنها كانت أفلامهم وغالبًا بأموالهم، فكانت صباح نجمة معهم لكننا لم نعتبرها أفلامها هي. أما الإذاعات فكانت مقصرة جدًا في حق أغانيها ورصيدها الفني الكبير، والمختلف على حجمه.

لكن سببًا آخر كان وراء إعادة اكتشاف ثراء نتاج صباح أيضًا: مرور السنوات وانتقال جيل كامل من حالة تراجيديا الحرب وصدماتها، إلى البحث مجددًا عن سعادة فرديّة وعن حضرة نسويّة مرحة وصلبة معًا كانت صباح دائمًا رمزًا لها. هكذا نكتشف صباح مقتربين من الأربعين أو ما بعدها، وقافلين من أحلام الحب العريضة والمثالية كما من أحلام السياسة والقوميّة، نحو عبث الحياة: زوجيّة كانت أو عاطفيّة.

تفتحت مرحلة جديدة أيضًا، في السياسة وفي الاجتماع، مع انتشار وسائل الاتصال الالكترونيّة وعودة الحيويّة إلى المجتمعات، والتي تفجّرت في الربيع العربي أيًا كان أو يكون مآله اللاحق. في هذه المرحلة كانت صباح أيضًا حاضرة، فهي سيدة الاستعراض أصلًا، مسرحًا وسينما وأزياء، وهي حاضرة لأنها تقبل تسجيل أغانٍ مع مغنيات من جيل أحفادها، وتقبل الظهور الضاحك في التلفزيونات، وإذ تستمتع به فهي أيضًا تنقل عدوى بهجتها إلى المتابع. في هذا الإطار، تغدو صباح مجدّدًا مرجعًا مضمرًا لفنانات الاستعراض الحاليات، وإذ نقارنهن بها غالبًا للإشارة إلى فقر أذواقهن وأصواتهن وإلى خواء طاقاتهن وبرودة مشاعرهن وتصنعها، يظل أنهن حاضرات دومًا في المشهد ويحلن، عن وعي أو لا، إلى مرجع في نفس المجال لكن بعلامات إيجابية في كل هذه المعايير. كأننا نقول لهيفا أنها جميلة لكن صباح كانت مغنية خطيرة، ونقول لأخريات إن الذكاء شطر استخدام الصوت وإن الدلع الطبيعي شطر الحضور إن لم يكن كله.

في إنتاج صباح الغنائي نعثر إذًا على مجموعات مختلفة من الأغنيات والدويتات، تبعًا لأصلها المسرحي أو السينمائي، اللبناني أو المصري، بعضها يبرز قوّة الصوت ومساحته وطول نفسه، لكن بعضه الآخر يبرز صباحًا أخرى أرق وأكثر شجنًا، في حين تختص مجموعات أخرى بالدلع والإغراء أو بالشقاوة والحيويّة والمرح. في كل ذلك، تؤدّي صباح عربًا صوتيّة دقيقة (كما في يا عزيز عيني) بحيث يمكن من خلال أداءها الشعور بفارق النغمات الأساسية (كالراست والبياتي والسيكاه) إن كانت تؤدّى في سياق لبناني أو في سياق مصري.

ولئن كان من النوادر أنها عاشت مسيرة فنية ناجحة في بلدين معًا، فإن من أندرها تمكنها إلى هذا الحد من الفوارق الدقيقة بين مقامات البلدين، بل وفي تطويرها، برفقة وديع الصافي، لفنون الأداء الصوتي الجبلي وعربه وجمالياته كما يتبدى لمن يقارنهما بإيليا بيضا أو علياء المنذر. أما في الغناء المصري فكانت صباح مع نور الهدى صوتين طيّعين لتجارب الملحنين في الأغنية السينمائيّة، وملأتا فراغ الأربعينيّات ومطلع الخمسينيّات بعد وفاة أسمهان وتوقف ليلى مراد، وهيئتا الآذان لغناء أنثوي خفيف ولعوب اندرجت فيه شادية وهدى سلطان ثم لاحقًا سعاد حسني.

في غناء صباح، وخصوصًا المسرحي، إصرار على الضحك والمرح أيًا يكن مضمون الأغنية تقريبًا (ربما شذ تسجيل أخدوا الريح من الألحان النادرة لمطر محمد عن ذلك). ذلك أن موضوع الأغنية الحقيقي هو صباح نفسها، فهي البطلة لا المؤلف ولا الملحن، وهي تؤدي أغانيها كأنما تغمز إلى كل مستمع وتغويه، لكنها أيضًا تصب في أذنيه وتعلّمه كلام الغزل الذي عليه أن يقوله لها، من هنا الاستثناء الذي تشكله مجموعة من أغانيها الموجهة إلى الأنثى (عالليلكي، أو بلوطاتك بلوطة، وصلتينا لنص البير، وغيرها)، وهو استثناء شديد الندرة في الغناء عندما لا يتكئ على قصائد بالفصحى. ولئن كان مثل هذا الغناء يصلنا سلسًا سهلًا، حتى وإن كان على لسان امرأة لامرأة، فذلك لأننا نحدس مع صباح أن الكلام هو غوايتنا نحن لها بقدر ما إن الموسيقى والصوت والعينان والضحكة غوايتها هي لنا.

كان فيلمون وهبي يلقب بالساخر الأكبر، وهو من لحّن لفيروز: “إن سألونا وين كنتوا، وليش ما كبرتوا إنتو؟ منقلن نسينا“. لكن مع صباح، في حيويتها وشغفها المعديين، يبدو العمربل الزمن نفسه نمرًا من ورق، ذلك أن مغزى الزمن هو أن يكون مجالًا للتأجيل، في حين أنها مباشرة، ومساحة للخوف، وهي لا تهاب حتى الموت، أو أن يكون الزمن عبءًا يثقل على الجفون والأكتاف، بينما كانت هي تجدد الحيويّة في ندى الصوت والنظرة والغواية. الزمن والموت والزواج والخجل والخوف والبخل كلها شؤون برهنت الصبوحة لنا، بالسخريّة منها والتلاعب بها والاحتيال عليها وكسرها، على رثاثتها وتهشم أنيابها كلما حاولت النيل منها.

صحيح أن في إعادة اكتشاف صباح جزء من الحنين، كما في خسارتها (بعد وديع الصافي وزكي ناصيف والكثيرين من جيلهما) شعور بانهيار مقوّمات المشرق العربي من دون بديل حالي. لكنه حنين، لا إلى القرية التي تسخر منها غالبًا، بل إلى الزمن الذي كان الخروج من إطار القرية ومفاهيمها وحياتها ممكنًا، وممكنًا كان الاندماج في حياة مدن كبرى كالقاهرة وبيروت، التي تعانيان اليوم من تريّفهما الحاد في القيم والمفاهيم. لكن حرية صباح الفرديّة وسيرتها، أبعد من الحنين، تحضان على الجرأة وتمنحان الحالمين والحالمات أملًا وإقبالًاعلى الحياة والمتعة والأناقة يعز في عيشنا أن نعثر على من يدعونا إليه. هل كان لبنان الستينيّات ذاك سوى تجسيد وانتشار الدعوى الصباحيّة؟ وإذ لاحظ الصديق طوني شكر أن صباح، ككل الأحرار، تعرف عبء الحرية، أي: الوحدة، يظل أن صباح، التي ربما عاشت وحيدة رغم كل زيجاتها، كانت مفعمة بالحياة والحضور والأصدقاء والحب حتى بعد أن دارت عليها دوائر الدنيا الطالعة النازلة.