ولا هذي ولا تلكَ | صلاح عبد الصبور شاعرًا غنائيًا

كتابةمحمد سالم عبادة - سبتمبر/أيلول 4, 2019

في كتابه عن الشِّعر وضع أرسطو تقسيمًا للشِّعر إلى غنائي وملحمي ودرامي. من المؤكد أن كثيرًا من المياه قد جرت في أنهار الأدب منذ عصر أرسطو، وطرأت تغيرات كثيرة على ما يفهمه الناس من أسماء هذه الأقسام الثلاثة. في شعرِنا العربي الذي بدأ غنائيًا محضًا حسب مفاهيم أرسطو، أصبحت لدينا مشكلة كبيرة متعلقة بمفهوم الغنائية في الشِّعر، حيث مازال ما يكتبه الشعراء ويطبعونه في دواوينهم يندرج في معظمه نظريًّا في الشعر الغنائي، إلا أن فكرة قابلية أي نموذجٍ منه للغناء قد تثير ضحك كثيرٍ من المشتغلين في الموسيقى فضلًا عن الجمهور. الأسباب التي أدّت إلى هذه الحال كثيرة متشابكة، لكننا نكتفي منها هنا بازدياد تعقُّد الرؤية في النص الشعري، وانطوائه أحيانًا على مرامٍ فلسفيةٍ بعيدة قد تتطلب أن يعيد المتلقي القراءة بنفسه مراتٍ كثيرةً ليقف عليها، وكذلك لتعقد الإيقاع الشعري أو تحلل القصيدة منه تدريجيًّا وصولًا إلى قصيدة النثر.

في هذا الإطار يبرز الراحل صلاح عبد الصبور الذي حلت ذكرى وفاته الثامنة والعشرون يوم ١٤ آب / أغسطس بصفته نموذجًا مهمًّا جديرًا بتتبع علاقة شعره بالغناء الفعلي. من اللافت أن ثلاث قصائد له عرفت طريقها إلى الموسيقى حسب ما نعرفه، كما لُحِّن جزءان من إحدى مسرحياته وقُدِّما كأغنيتين ضمن تلك المسرحية، وهو رقمٌ جديرٌ بالاحتفاء بين شعراء الفصحى المُحدَثين الذين لم يعرف معظمهم طريقًا يصل شعره بالغناء والموسيقى، وربما لم يحلم كثيرون منهم أصلاً بذلك.

لقاء | جواز عبور عبد الحليم حافظ

كانت قصيدة لقاء اللقاء الأول بين كمال الطويل وعبد الحليم حافظ، وشاء القدر أن يحدث على مائدة عبد الصبور الشِّعريّة؛ كما شاء القدر أن يحدث ذلك قبل أن يأخذ شعر صلاح ذلك المنحى الثوري الواقعي، وقبل أن يوغل في تجربة شعر التفعيلة الجديدة وقتذاك على الذائقة المصرية.

القصيدة عمودية مصوغة في بحر الرَّمَل (فاعلاتُن فاعلاتُن فاعِلُن)، وربما تتحول فاعلاتُن إلى فَعِلاتُن وفاعِلُن إلى فَعِلُن في بعض الأشطر، ما يخلق تنوعًا إيقاعيًا رغم الأثر الانسيابيّ الهادئ لهذا البحر. في المضمون، تنتمي القصيدة إلى المرحلة الرومانسية من شعر عبد الصبور، وهي مرحلةٌ مرَّ بها غيره من رواد التيار الواقعيّ في الشعر العربي، لاسيما نازك الملائكة التي صبغت الرومانسية شطرًا كبيرًا من إبداعها المبكر؛ وكلاهما  – صلاح ونازك – خضع لسطوة عمود الشِّعر في هذه المرحلة. في هذه المرحلة كذلك يبسط الحزن سلطانه على الجو العام رغم تسلل الفرحة من حينٍ إلى آخر إلى مفردات العمل. تحفل القصيدة بالإشارات إلى الطبيعة التي يتماهى الشاعر معها إلى درجةٍ كبيرة، وندرك هذا التماهي حين نتأمل صورةً مثل “وشهدنا النورَ يخبو حولنا / فسبحنا في جلالِ الموكبِ”، حيث تنطق بشكل من أشكال عبادة الطبيعة ولو بشكلٍ مجازي، كأننا أمام شعراء يقولون – ولو ضمنيًّا – “إنَّ هناك مدرِكًا واحدًا متحدًا مع ما يدركه”؛ وهي الجملة التي تلخص تيار المثالية الموضوعية الفلسفي الذي يضمُّ بين أعلامه الألماني شِلِنج (Schelling) ١٧٧٥-١٨٥٤ والأمريكي چوزايا رويس (Josiah Royce) ١٨٥٥-١٩١٦ وغيرهما، وهو تيارٌ يأتي في القلب من العصر الرومانسي للفلسفة الغربية الذي تأثر بمقولاته الشعراء الرومانسيون العرب. في تقديري إن إيقاع القصيدة نفسه (الرَّمَل) متّسقٌ مع هذه الرؤية العميقة، حيث يتّسم بهدوئه وانسيابيّته، في مقابل إيقاعات شعرية صاخبةٍ مندفعةٍ كبحرَي الرَّجز والكامل مثَلًا. 

إعلان

لا يفوتنا أن عبد الصبور نوّع قوافي القصيدة، أمرٌ ربما أغرى كمال الطويل بالإقدام على تلحينها، فمن الواضح أن هذا التنوع يسرب إلى لجنة الاستماع إحساس الاتصال بتراث الغناء الأندلسي وموشحاته متنوعة القوافي، كما أن التنوع يخلق تحديًا أمام الملحّن للتعامل مع نهاية كل بيتٍ بشكلٍ يبرزها ويربطها بموسيقى العمل ككل. 

جاءت مقدمة الأغنية في مقام الكُرد (كرد مرتكز على درجة ري)، حيث الحوار بين التشيلّو والوتريات ثم الكمان والوتريات. يدخل الإيقاع رباعيًّا راقصًا بطيئًا. تسكت المصاحبة الإيقاعية في “دمعُنا يَنطقُ واللفظُ أَبِي” ليتحول المقام إلى الراست في نهاية هذا الشطر تحولًا قصيرًا، ثمّ لا يلبث أن يعرِّج تعريجًا قصيرًا على جنس الحجاز على درجة صول مع بداية البيت التالي “آهِ لو تدرين”، ليعود إلى الكُرد مع تكملة الجملة “ما أكتمه في دمي” ويستقرّ على درجة ركوز المقام على ري مع نهاية البيت “يا واحةَ المغتربِ”. بعد ذلك لازمة في الكرد، ثم يُنتقل بالغناء إلى مقام نوا أثر في البيت التالي “كانت الذكرى عزائي زمنًا / يومَ فارقتُ مجالي لمحاتك”، ومنه إلى الهُزام في “كنتُ إن راجعَ قلبي شجنًا” ليخرج منه إلى الحجاز في “أتعزَّى بليالي ذكرياتك”، يعود بعد ذلك إلى الهزام في “يُطلِع الشمسَ على نورِ سِماتِك”، ثم إلى الحجاز في “ثُم ها نحن التقينا هاهنا”، وبدلًا من النزول إلى الكرد يخفض المي نصف بيمول ويمرُّ بها بدلًا من المي بيمول ليرتكز على درجة ري مجددًا في نهاية “والدجى يغمر وجه المغربِ”، مُنهيًا الجملة في مقام البياتي. اللازمة التالية في الهزام الذي يستمر مع الأبيات الأخيرة “لستُ أنساكِ غرامًا في دمي” إلى قوله “في عيوني فرحةٌ مشرقةٌ”، ليختم بالكرد كما قد بدأ به في “والدجى يغمر وجه المغربِ”.

بدا كمال الطويل كما لو كان قد راهن نفسه أن يحشد في هذا اللحن القصير أجناس أكبر عدد ممكن من المقامات (ولنا أن نحصي منها ستةً بالفعل)، وأن يحسن التخلص والانتقال من مقام إلى آخر ويربط نهايات الكوبليهات بالمقدمة على وجهٍ مُرضٍ. ربما يكون قد بالغ في هذا الأمر بعض الشيء، لكن يبقى اللحن الذي تركه هنا درسًا مهمًّا في التعامل مع قصيدة ذات إيقاعٍ وافر التنويعات، كما يظل درسًا أهمّ للملحّن الشابّ في استعراض المعرفة بإمكانيات الثراء النغمي العربي حين يكون على وشك تقديم موهبته للجنة استماعٍ ذائقتها معجونة بهذا الثراء، وهو ما حدث بالفعل ونجح عبد الحليم في انتزاع الاعتراف به مطربًا من لجنة الإذاعة، من خلال هذه الأغنية.

أيا سمرا | حل لحني على شفا الإشباع

أما قصيدة أيا سمرا فقد أغرت السوداني سيد خليفة بتلحينها وغنائها وإلباسها زيًا سودانيًا أصيلًا. تقول القصيدة:

ولا السامبا ولا الرُّمبا تساويها / ولا التانجو ولا سوينجو يُدانيها / ولا دَقٌّ لدى العُربانِ يومَ الثارْ / ولا رقصُ الهنود الحمر حول النارْ / ولا هذي ولا تلكَ / ولا الدنيا بما فيها / تساوي رقصة الخرطومِ يومَ النصر يا سمرا / أيا قَدَرَان في مجرَى / تبارك ذلك المجرَى / فيُمناهُ على اليسرى / ويسراهُ على الأخرى / فهذا الأزرق العاتي تدفَّقَ خالدًا حُرّا / وهذا الأبيض الهادي يضمُّ الأزرق الصدرا / فلا انفصلا ولا انحسَرا / ولا اختلفا ولا اشتجرا / ولا هذى ولا تلكَ / ولا الدنيا بما فيها / تساوى ملتقى النيلين في الخرطوم يا سمرا.

القصيدة تفعيليةٌ في البحر الوافر (مُفاعَلَتُنْ مفاعَلَتُن)، يُقال إن الشاعر كتبها بعد نكسة ١٩٦٧ وهو في الخرطوم، وهي تمور بالثورة التي غلبت على تجربة الشاعر بعد المرحلة الرومانسية المبكرة. في هذه القصيدة لا نجد أثرًا لذلك الراصد المتماهي مع الطبيعة، إنما الشاعر الراصد هنا يراقب موقف الطبيعة من مسافةٍ تسمح له بالتأمل الهادئ، ويتخذ مفردة النِّيلَين تُكأةً لامتداح الوحدة ورمزًا لانتصار الوطن وإرادته. جاء اللحن الخماسي البسيط والإيقاعُ الرباعي الراقص مناسبَين جدًا لمناخ الثورة المسيطر على القصيدة دون تكلُّف أي شكل من أشكال الزخرفة أو الاستعراض، وإن كانت الدراما الحاضرة بقوّة في سطور القصيدة تغرينا بتصور حلولٍ لحنيةٍ أخرى بالتأكيد.

سأقتلك | بين النطق واللغط

في السودان كذلك أقدمت فرقة عقد الجلاد على تلحين وأداء مقطع من قصيدة سأقتلك التي أرَّخها الشاعر في أكتوبر ١٩٥٦، ما يجعلها موافقة لفترة العدوان الثلاثي على مصر في أعقاب تأميم قناة السويس، والخطاب فيها موجَّه إلى العدو الغازي، وهي ضمن ديوانه الناسُ في بلادي). المقطع هو:

أهل بلادي يصنعون الحبّْ / كلامهم أنغامْ / ولغوهم بسّامْ / ويلغطون حين يلتقون بالسلامْ / عليكم السلامْ / عليكمُ السلامْ / لأنَّ من ذُرى بلادنا ترقرقَ السلامْ.

جاء اللحن بالكامل في مقام العجم على إيقاع روك رباعي، المناسب للطبيعة السكونية لهذا المقطع المبتور من سياقه الحيوي، الذي لا يخلو من صراع درامي وتأرجُح بين المعاني المتقابلة، حيث حتى في نهاية هذا المقطع يقول الشاعر: “وأنتَ يا مُدَنّسَ الخُطَى تريدُ، بئسَ ما تريدْ / لكنني سأقتلكْ / من قبلِ أن تقتلني أغوصُ في دمكْ.” هذا فضلًا عن تغيير الفرقة لبعض مفردات هذا المقطع القصير، فقالوا “الناسُ في بلدي يصنعون الحبّ” بدلًا من “أهلُ بلادي…”، ما يكسر وزن السطر الشعري المتّسق على الرَّجَز (مُفتَعِلُنْ مُستفعِلُنْ مفعولْ)؛ ويكررون ذلك حين يقولون: “وحين يتقابلون ينطقون بالسلام” بدلًا من “ويلغطون حين يلتقون بالسلام”، وهنا – فضلًا عن انكسار الوزن – يتلاشى ذلك الأثر الدرامي المرهف الذي زرعه الشاعر في هذه الجملة القصيرة، حيث إن كلمة يلغطون فيها شكل من أشكال التأنيب العابث لأهل بلاده على المبالغة في التحية وإلقاء السلام، خالقًا بذلك شكلًا من أشكال المدح بصيغة الذّمّ الذي حدّثَنا عنه البلاغيون العرب القدماء. 

إعلان

مأساة الحلاّج | مسرح عبد الصبور الغنائي

يتبقى أن نستعرض تجربة الكبير أمير عبد المجيد مع تلحين أغنية قد كنتَ عطرًا من المسرحية الشعرية الخالدة مأساة الحلاّج. الأغنية مونولوج طويل بلسان أبي بكر الشبليّ أستاذ السائرين كما يسميه الصوفية، يخاطب فيه رفيق رحلته الحسين بن منصور الحلاّج بعد إعدامه ويعاتب نفسه لخذلانه صديقه. الكلمات متسقة الوزن في بحر الرَّجَز، بحرٌ كان يفضّله الشاعر ويستخدمه بكثرة، حيث إن تنويعاته الإيقاعية (مستفعلن – مُتَفعِلُن – مُفتَعلُنْ – فعولُن – فَعِلَتُن) تساعد على نقل طاقة الثورة المسيطرة على إبداع عبد الصبور ومشاعره

في قد كنتَ عطرًا يدخل القانون وحيدًا في البداية بتقاسيم في مقام النهاوند الكردي، لتتسلم منه الوتريات في ضربة أوركسترالية تتكرر بينما يؤدي الناي جُمَلًا متفاوتة الطول، ليبدأ علي الحجار الغناء في النهاوند بصوته القادر الاستثنائي، يؤازره توزيع عبد المجيد الذي يلتفت إلى كل تفصيلة في الكلام ليجعل لها معادلًا موسيقيًّا بليغًا يخلقها خلقًا جديدًا، فحين يغني الحجّار “قد كنتَ عطرًا نائمًا في وردةٍ”، يتسلل إلينا رقيقًا صوت الپيانو الكهربي متقطعًا (staccato) معادلًا لرقّة الوردة، ثم تفاجئنا ضربة وتريات الأوركسترا التي تحمل مزيج التأنيب والحيرة والحزن النبيل المتماسك رغم عنفوانِه، حين يقول الحجار “لِمَ انسكَبتْ؟” كذلك حين يقول الحجّار “ودُرَّةً مكنونةً في بحرها”، يتصاعد صوت الپيانو الكهربي متقطعًا مرةً أخرى مع كلمة دُرَّة ليكون معادلًا نغميًّا لانكسار الضوء وتلألئه على هذه الدُّرّة الرقيقة الجميلة، ثُمّ تضربنا الأوركسترا من جديد مع السؤال التالي “لِمَ انكشفت؟” أما في السطرين “ربّاهُ لا أسطيعُ أن أمُدَّ ناظري / يجولُ في روحي وفي خواطري” تضربنا الأوركسترا ضرباتٍ سريعةً متلاحقةً معبرةً عن تسارع دقات قلب الشبلي وإحساسه القوي باللوعة لفقد رفيقه الحلاج، وبتأنيب ضميره لأنه ضعُفَ عن مؤازرته. 

لا يفوتنا أن نؤكد دور الحجار في مسرحة الأغنية، فإلى إحساسه الفياض وإمكانيات صوته القادر يرجع جزءٌ كبيرٌ من الفضل في خروج الأغنية بهذا الشكل المحتشد بالتعبير. في ختام الأغنية مثلًا حين يكرر “أنا الذي قَتَلتْ”، يصعد الحجار إلى الجواب ويهبط إلى القرار معبرًا في اقتدارٍ عن تلاعب مشاعر الشبلي بكيانه، فهو يصعد حين تستبد به اللوعة ويهبط حين يستبد به الندم، ويتأمل فعلته من قريب مستخلصًا ذلك الشرّ الكامن فيها من وجهة نظره. في الجواب والقرار يستقر الحجار على درجة صول غمّاز مقام النهاوند الكردي – أي درجته الخامسة، الدرجة التي يبلغ فيها المقام أقصى توتره، حيث ينتهي جنس النهاوند ويبدأ عنده جنس الكرد الشجي. بذلك ينقل لنا عبد المجيد بصوت الحجّار طاقة المشاعر المختلطة المتوترة بكاملها.

أما الأغنية الأخرى من المسرحية فهي صَفُّونا صَفًّا صَفَّا وهي كذلك في النهاوند الكردي، ويغنيها الحجار بمصاحبة الكورال.

انتبه هنا عبد المجيد كعادته إلى التفاصيل، كما في تنويع طبقة الصوت بين “الأجهر صوتًا والأطولْ / وضعوه في الصف الأول” و”ذو الصوتِ الخافتِ والمتواني / وضعوه في الصف الثاني.” لكنه لسببٍ ما لم ينتبه لجعل الموسيقى تفسح المجال لنطق كلمة دينار على وجهها الصحيح في “أعطَوا كُلًّا منّا دينارًا من ذهبٍ قاني”، فلم يُشبع الحجار والكورال كسرة الدال وحذفوا الياء فنطقوها “دِنارًا”. بعد ذلك يتقدم الناي على إيقاع أيوب الرباعي الراقص ممهدًا لفكرة الغوغاء الراقصين الذين يفعلون ما يقال لهم في سبيل الدينار، ويتحول المقام إلى البياتي مع جملة “قالوا: صيحوا زنديقٌ كافرْ / صحنا زنديقٌ كافرْ”، المقام الدفيء الموحي بالألفة، وهو اختيارٌ واعٍ جدًا يحاول أن ينقل إلينا فكرة إلف هؤلاء الغوغاء لتصرفهم هذا. يقفز الحجار إلى جواباته الأثيرة مبالغةً في التعبير عن حرص ولاة الأمر الظالمين على تجنيد الغوغاء وتجييشهم في وجه الحلاج الثائر، ثُم يعود المقام إلى النهاوند مع “قالوا صيحوا فَليُقتَلْ / صحنا فَليُقتَلْ” ويعود الإيقاع إلى المارش العسكري الثنائي مناسبًا لصرامة الحكم بالقتل. 

يلوح لي أنّ شعر صلاح عبد الصبور يحتشد بفرص عظيمة لخلق ألحان بديعة، لم يُتَح لنا منها إلى الآن إلا خمسة ألحان متراوحة القوة والجمال. في تقديري إن ثراءً عظيمًا من الألحان يكمن بين سطور دواوين رواد الشعر العربي الحديث من أمثال نازك وأحمد عبد المعطي حجازي وبدر شاكر السياب وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر وغيرهم، إلا أن الأمر يقتضي جرأةً عظيمةً من الملحّنين ليقبلوا على مثل تلك المغامرات. 

أما فيما يخص إرث عبد الصبور على وجه الخصوص، فإنني أتذكر كلمةً شهيرةً قالها الكاتب المسرحي النرويجي العظيم هنريك إبسن حين فرغ من كتابة آخر مسرحياته الشِّعرية، پير جِنت (Peer Gynt)، حيث قال ما معناه إنه بذلك يطوي صفحة المسرح الشعري ليتفرغ للمهمة الأصعب والأكثر جِدّيّة، وهي المسرح النثري؛ وبالفعل أبدع مسرحياته الأعظم نثرًا بعد ذلك، على غرار الأشباح وبيت دُمية وهيدا جابلر وغيرِها. كثيرًا ما أثارت هذه الكلمةُ لديَّ سؤالًا عن مسوغات بقاء المسرح الشعري أساسًا، وكثيرًا ما كانت الإجابة الأقرب تتمثل في الأوپرا والميوزيكال (المسرحية الغنائية الحديثة)، وأجدني أتساءل: كيف لم تُستغل أيٌّ من مسرحيات عبد الصبور في إعادة إحياء المسرح الغنائي أو في صناعة الأوپرا العربية التي ما زلنا في انتظارها حتى اليوم؟ يعيدنا هذا التساؤل إلى فكرة الملحّن المغامر المثقف الذي يحسن تذوق الشِّعر والنص المسرحي الشعري. الخلاصةُ أنَّه كما ترك صلاح عبد الصبور أميرته تنتظر في مسرحيته الشهيرة، فقد ترك لنا كذلك إرثه الشعريَّ كلَّه ينتظر إقدامًا وثقافةً مغايرةً لدى الملحّنين ليتحول إلى أغانٍ ومسرحياتٍ غنائية.


هذا المقال مَدين جزئيًا بمعرفة هذه الأغاني لـ مقال شريف حسن على موقع دوت مصر.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply