الصوت الذي لم يروّض | صليحة والمشروع الوطني التونسي

كتابةهيكل الحزقي - أغسطس/آب 8, 2018

عندما ظهرت صليحة في الرشيدية لتغني أمام لجنة اختبارات الصوت أواخر الثلاثينات، أيقن الحاضرون أنهم عثروا على موهبة نادرة. صدر عن الفتاة الريفية التي لم يعرفها أحد صوت مطواع ونبرة بدوية خام أبهرت الحضور. كانت الرشيدية آنذاك منتشية بالفورة بالطاقة التي نتجت عن المؤتمر الأول للموسيقى العربية في القاهرة سنة ١٩٣٢. في الشرق، بدأت أم كلثوم تتصدر الساحة، لمع اسم عبد الوهاب كأحد الموسيقيين المجددين، وتابع القصبجي عمله الدؤوب بعيدًا عن الأضواء. تفاءل المشرفون على الرشيدية بأن قيام مشروع موسيقي في تونس مماثل للذي قام في مصر قد أصبح ممكنًا.

تأسس المعهد الرشيدي في تونس سُمّي اختصارًا الرشيدية، تيمنًا بمحمد الرشيد باي الذي حكم تونس بين سنتي ١٩٥٦ و١٩٥٩ وكان أول من رتّب قطع المالوف التونسي وأخرجها في قالب النوبات برفقة مجموعة من الموسيقيين والمغنين سنة ١٩٣٤ نتيجة لتوصيات المؤتمر الأول للموسيقى العربية في القاهرة سنة ١٩٣٢، القاضي بالمحافظة على التراث الموسيقي العربي والمحلي. كانت الحاجة إلى قيام مشروع موسيقي وطني ملحةً، خاصة بعد المؤتمر الأفخارستي بتونس سنة ١٩٣٠ مؤتمر كاثوليكي عُقد بتونس وتزامن مع الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر. تم إثره توزيع مناشير تبشيرية بالعربية واستعراضات فلكلورية لأطفال يجوبون شوارع العاصمة مرتدين ملابس ذات طابع ديني تسترجع الحملات الصليبية القديمة وحملات التبشير المسيحية وإغراءات التجنيس.

في هذا الوقت كانت صليحة في العشرين. كانت قد أمضت طفولتها ومراهقتها بين هجرة من الريف إلى المدينة مع عائلتها بحثًا عن حياة أفضل، ثم وفاة أخويها الصغيرين وطلاق والدَيها، وبؤس الحياة في بيئة مدينة غريبة. رغم تعاستها في تلك السنين، استفادت صليحة من نشأتها في ولاية الكاف الحاضنة لأصوات العروبي ضرب من الغناء يقابل الموال في المشرق والغناء البدوي في منطقة تبادلات تجاريّة أثمرت تثاقفًا غنائيًّا بين شمال البلاد وجنوبها، كما تلقفت أغاني من تراث البدو والرعاة، وأخذت أصول الغناء عن جدها وأمها. بعد النزوح إلى المدينة والمصاعب التي مرت بها، عملت مع أختها كخادمة في بيت محمد باي شقيق المنصف باي الذي حكم البلاد في الأربعينات وعُرف بمواقفه الصدامية ضد الاستعمار الفرنسي، وهو ما تسبب في نفيه وعزله عن العرش. أمّت هذا المنزل سهرات موسيقى وغناء ضمت شعراء وفنانين ورجال سياسة، في استمرارٍ لتقاليد العائلات الميسورة القريبة من البلاط، وفيما كانت الأميرات تتجمعن للهو والغناء، كانت صليحة تتلقف ما تسمعه وتعيد ترنيمه بطابعٍ بدوي.

لم يطل بها المقام كثيرًا هناك، فانتقلت للعمل في منزل مغنية تدعى بدرية بنهج الباشا حيث رافقت أعمالها اليومية من تنظيف وتكنيس ومسح بالمواويل والنغم. ذات مرة، استجلبت بدرية أصدقاءها، منهم منتج الأسطوانات البشير الرصايصي والمحامي حسونة بن عمار. تشير أغلب الروايات إلى أن حسونة بن عمار أعجب بصليحة كثيرًا بعد أن استمع إليها صدفة في منزل بدرية، التي سارعت فيما بعد بالتخلص من صليحة غيرةً منها. لكن حياة العاملة المنزلية البسيطة كانت ستنقلب بالكامل دون رجعة مع بدرية أو بدونها. سمعها الموسيقي البشير فحيمة، فنان ليبي هاجر إلى تونس في العشرينات وساهم في تنشيط الحياة الموسيقية بالحاضرة، وقدمها في حفلات خاصة. اختار لها اسمًا فنيًا ممصرًا هو سكينة فهمي تيمنًا بموجة التشريق، خصوصًا أن الأسطوانات الشرقية – خاصة المصرية منها – قد غزت في تلك الفترة قصور الأغنياء ومنازل الأعيان والمقاهي. في فترة لاحقة، اكتشفها متعهد الحفلات الباجي السرداحي الذي استمع لصوتها منبعثًا من إحدى السرادقات في ميناء حلق الوادي فيما كانت تغني اِفرح يا قلبي لأم كلثوم. اعتنى السرداحي بهذه الموهبة وسهر على صقلها بصحبة البشير فحيمة، قام فيما بعد بتقديمها إلى الإذاعة التونسية في أوائل حفلاتها أواخر الثلاثينات كان للإذاعة وقتها دور كبير جدًا إلى جانب الرشيدية، فقد مثلت البوابة الفعلية التي ساهمت في انتشار الأصوات الغنائية ومارست سلطة جلية في تحديد الفنانين وإطلاق شهرتهم أو تقليمها.

إعلان

شاءت الصدف أن يكون حسونة بن عمار أحد الفاعلين في تأسيس الرشيديّة. بقي بن عمار يبحث عن صليحة التي ضاعت عنه وسط فوضى البلاد بين الحربين العالميّتَين، إلى أن عثر على صوتها في حفلٍ مباشر للإذاعة التونسية أواخر سنة ١٩٣٩ مع فرقة الباجي السرداحي، معلمها الأول. اضطر السرداحي إلى التفريط بدرّتِه إلى الرشيدية إثر ضغط وإصرار من بن عمار وموسيقيين آخرين، لتبدأ إثرها صليحة مسيرةً احترافية مظفرة. ينقل المختار المستيسر في كتابه نشأة الرشيدية – المعلن والخفي عن بعض الروايات الشفوية وقتها التي سجلت للحادثة: “خلال العرض أخذ إعجابه (أي حسونة بن عمار) مأخذًا عظيمًا حتى ناداها بصوت عال: ‘الله الله عليك يا صليح’ ملمحًا لاسمها الحقيقي صلّوحة. من ذلك النعت التلقائي اشتق الحاضرون الاسم الفني الذي خلعوه عليها، بعد أن قرروا انتدابها في الرشيدية.” نشأة الرشيدية، صفحة ٢٦٠

عاصرت صليحة في الرشيدية بعض المنافسات كشافية رشدي ودليلة وفتحية خيري، لكن دليلة توفيت وانسحبت خيري وشافية رشدي من المعهد، فبقيت الساحة لصليحة التي أحاط بها كتيبة من الشعراء والملحنين خميس الترنان، محمد التريكي، صالح المهدي وقدور الصرارفي، أما الشعراء والكتاب: أحمد خير الدين، محمد العربي الكبادي، علي الدوعاجي، عثمان الغربي، جلال الدين النقاش، محمد المرزوقي، الهادي العبيدي وآخرون، مما اضطرها أن تلم بقوالب غنائية عديدة. قام خميس الترنان ومحمد التريكي ومصطفى صفر بالسهر على التكوين الاحترافي لصليحة، أداءً وموسيقى، فكانت باكورة التجريب الفعلي لما سمي وقتها بالموسيقى المتقنة في تونس. استأثر الترنان بالنصيب الأكبر من الألحان التي قدمت لصليحة، لعل أبرزها ياللي بعدك ضيع فكري وأم الحسن غنات وكيف دار كاس الحب.

بعدما أصبحت صليحة الجندي الوحيد، خضع صوتها في الرشيدية إلى تجريبٍ مكثَّف. حافظت على الشكل الخام لصوتها البدوي المنطلق والجامح مغنيةً العروبيات والفوندو، أدَّت القصائد أنوح فتسخر من أدمعي، هجر الحبيب، يا آل أحمد يا مسلمين، قف بالمنازل، عش حالمًا، عذل العواذل، يا زهرة والموشحات، ولو أنها تعثرت عند أداء بعض الكلمات لقلة إلمامها بالعربية الفصحى وإصرارها الفطري على اللهجة البدوية وخصوصياتها الإيقاعية الجبلية، مثل نطقها لكلمة هجر في مطلع القصيدة هجر الحبيب فأصبحت هجار، ما أخل عروضيًا ببنية القصيدة وانحرف بالمعنى. تكاملت أساليب الملحنين والشعراء في بعض أغانيها، كما حدث في أغانٍ منتسبة للمدرسة الأندلسية كـ أم الحسن غنات التي لحَّنها خميس الترنان وكتب كلماتها العربي الكبادي بالأسلوب الطرابلسي، وهو انطلاق الغناء من آخر مقطع في شطر البيت ليستأنف فيما بعد من البداية الطبيعية للبيت.

كان الرهان على نجاح مشروع صليحة وقتها هو إيجاد صنف أو توليفة تجمع بين صوت صليحة الواعد وما يمكن أداؤه وتقديمه من خلاله. مع التجريب المكثف والنبش في التراث رست صليحة ومن حولها على الفوندو، قالب غنائي تراثي يجمع بين الغناء البدوي والحضري في مستوى النص والمقامات والإيقاعات. يذهب الصادق الرزقي في كتاب الأغاني التونسية إلى أن الكلمة إيطالية المنشأ، تشير إلى نوع من الأحجار الكريمة، وأصبحت تستعمل فيما بعد للدلالة على نوع من الأغاني العتيقة التي تجمع بين الرصيد الكلاسيكي والشعبي مراجع أخرى تشير إلى أن الفوندو كلمة دارجة منقولة عن اللاتينية وتعني الأصل أو الأساس، كانت قديمًا تستعمل في قطاع تجارة المصوغ كتوصيف نعتي للمجوهرات الثمينة ذات المعدن الخالص، ومنها انتقلت إلى أوساط الغناء عبر الفنانين التونسيين اليهود على الأرجح للإشارة إلى القطع الفنية الجميلة ذات المقام والوزن التونسي الأصيل. احتوى الرصيد الغنائي التونسي على ٥ فوندوات غنت صليحة أغلبها (فراق غزالي، يا خيل سالم، شوشانة، لميت لم المخايل) وبرعت فيها.

تلقف سميعة ذلك العصر الفوندو بحماس وإعجاب، لدوافع جمالية وتاريخية. فمع تكثف حركات النزوح إلى المدينة، كان الفوندو عنوانًا لتعايش الموسيقات المدنية والحضرية، العالمة والشعبية، ما جعل البدوي يتصالح مع المدينة سمعيًا، ويدخل مساحةً داخل الحيز الذي رفضه بادئ الأمر لاعتبارات ثقافية واجتماعية. مثلت صليحة صورة قوية لذلك الانتصار الرمزي. ففي نفس الوقت جمعت بين أدائها لخيل سالم واسترجاع ذكريات البادية، وغنائها لفوندو شوشانة الذي يحيل إلى عوالم المدينة وعلاقات الأعيان بالخدم الزنوج وجموح الرغبة المسترقة عن أعين الزوجة.

يعتمد الفوندو على نفس المقامات المستعملة في الأزجال الكلاسيكية، فيما يتماثل النص مع طبيعة الأغاني الشعبية، فهي قائمة على الجمع بين العامية والفصحى في مزج بين اللهجة البدوية والحضرية، وينتقل القالب الشعري فيه بين الزجل والموشح، لذا يذهب البعض إلى اعتباره زجلًا هلالي المذهب، حيث قام بنو هلال وبنو سليم بجلبه إلى تونس إثر هجراتهم إلى المغرب العربي محمد قطاط، مجلة الحياة الثقافية عدد ٥١ ١٩٨٩ صفحة ٧١-٧٢. رغم أصله التاريخي المرتبط بالهجرات الهلالية والسليمة، إلا أن الفوندو أثر مهم للحقبة الممتدة من بدايات القرن العشرين، مع تعاظم حركات النزوح التي أدت إلى تلاقح الرصيد الغنائي البدوي بخصوصياته وجمالياته ومواضيعه، مع نظيره الحضري. تتماثل خاصيات الفوندو مع السمات التي ميزت مسيرة صليحة، إذ قدمت من الشمال الغربي محملة برصيد غنائي بدوي لتنشأ داخل العاصمة وتتلقف الغناء الحضري بأسلوبها الشعبي الخام الذي ميز أداءها خاصة في العروبيات العروبي في تونس يقابل الموال في المشرق مع بعض الاختلافات، 'فهو معروف عند الناس باختصاص موضوعه، إذ لا ينظم غالبًا إلا في الأمثال والحكم ويسمى محل شاهد وقد ينظم أحيانًا في وصف الأشياء أو الأعمال أو الأشواق، وهو في عرف الشعراء لا يتجاوز الأبيات المعدودة' محمد المرزوقي، الأدب الشعبي.

كان توجه الرشيدية الأخلاقي المحافظ صريحًا وواضحًا، ففي أغنية مع العزابة قام المشرفون على الرشيدية في تلك الفترة بتغيير بعض الكلمات، محولين البيت الأصلي “يا سايقين البل يا جمالة، تونس بعيدة والعرب قتّالة” إلى “تونس عزيزة والعرب رجّالة” منتصرين إلى أصولهم الحسينية ضد كلمات الأغنية. كما قادت الرشيدية محاولات تحديث حاولت من خلالها القضاء على ما اعتبرته الأغاني الخليعة وتلاحين اليهود، لكن صليحة، من حيث لا تدري، انتصرت لعفوية الموروث الغنائي الشعبي المفعم بروح التجديد رغم إكراهاته المتنوعة ومزالقه الأخلاقية المعيارية، نرى ذلك في أدائها للأغاني العتيقة كـ مع العزابة.

أدّت صليحة الأغنية معتمدةً على تلوينات الصوت وامتداداته القصيرة التي ميزت جماليات الأداء التونسي عن المشرقي، وعن المصري خاصة. فالمدرسة الغنائية الشرقية كانت تجد في تجويد القرآن محطةً هامة نحو الغناء، خلافًا لتونس التي لم تعتمد تقاليدها الغنائية على المرور من مدارس التجويد غير بعض الاستثناءات النادرة. كما لم يحفل المجودون التونسيون لقدرات طول النفس مثلًا، وهو ما يمكن ملاحظته مع علي البراق (١٨٩١ – ١٩٨١) كبير المقرئين التونسيين. على عكس عبد الباسط عبد الصمد ومدارس التجويد القديمة في المشرق، اتسمت قراءات البراق بقصر النفس والتقطيع، ليتماثل مع مذاهب الأداء في الغناء التونسي التي كانت ارتجالاته ووصلاته تأتي على شكل جمل قصيرة لا تحتاج إلى نفس طويل. لم تكن صليحة لتشذ عن هذه القاعدة، فكانت المقاطع الطويلة لا تتجاوز لديها العشر ثوان في أفضل الحالات، ما عدا استثناء وحيد متمثل في مطلع عروبي “فراق الحيا مر وصعيب” من فوندو فراق غزالي الذي تجاوز الاثنتي عشرة ثانية ليعدّ بذلك من أطول المقاطع في الغناء التونسي محمد الأسعد قريعة، قراءة في ميزات الأداء الغنائي لدى صليحة من كتاب مقالات حول صليحة، إصدار مركز النجمة الزهراء. صفحة ٥٨.

إعلان

عبرت صليحة بصوتها عن تحول كبير في تاريخ الغناء التونسي، الذي تزامن مع تقلبات سياسية واجتماعية عسيرة، واستوعبت تجارب موسعة ومختلفة ساهمت فيها ترسانة من الشعراء والموسيقيين. لكن المشروع الذي طمح إليه الرشيديون، انحصر تأثيره في تونس وبعض بلدان المغرب العربي، ولم يكتب له الانتشار خارجًا مثلما كان الأمر مع العمالقة المصريين.

بعد توظيف الجهود والموارد لصقل مشروع صليحة كرمز وطني يقف بجانب مصر أم كلثوم، ثبت أن موهبة صليحة كانت أعقد من أن تحتوى في مشروع مؤسساتي. أصبحت صليحة فعلًا بطلة المشروع الموسيقي القومي في تونس، لكن صوتها، بجمالياته الخاصة، قاوم محاولات الأدلجة والإقصاء الذي حاولت فرضها المؤسسة الرشيدية، وأفشلت حتى محاولات احتكارها من قبل الشعراء وملحني المدرسة. مثل حياتها، حمل صوت صليحة ملامحًا من حياة البداوة وجانبًا من صخب المدن. في هذا الصوت، وجد التونسيون ما يجمعهم خاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال والبحث عن تأصيل هوية جامعة.

Leave a Reply