عايشالك | إليسا

كتابةسلطان القيسي - دسيمبر/كانون الأول 12, 2019

قدّم برنامج ستوديو النجوم بين الثمانينات ومطلع الألفية أصواتًا عدة بسطت نفوذها لاحقًا على المشهد الفني. المشترك بين تلك الأصوات أنها لا تكاد تلفت أذن المستمع إلا بعد حين، ليفاجأ بأنها تحولت إلى مدرسة مستقلة وتجاوزت مسألة الاعتراف بفرادة صوتها. إليسا واحدة من هؤلاء. تقلّدت الميدالية الذهبية في ستوديو النجوم عام ١٩٩٢، مرت بعدها سبع سنوات قبل أن يصدر ألبومها الأول بدي دوب، من إنتاج شركة ليدو وتوزيع إيمي. حقق بدي دوب نجاحًا أدى لاحقًا إلى تشكيل قوام مسيرة إليسا، ولا شك أن أداءها إلى جانب جيرار فيري، المغني الفرنسي الغجري، منحها تطلعات نحو العالمية، بالإضافة إلى ظهورها في مهرجان كان الدولي للموسيقى.

على الطريق ذاته، أصدرت إليسا ألبوم وآخرتها معاك الذي تضمن الديو بتغيب بتروح مع راغب علامة، وأسهم في تثبيت خط غنائي لـ إليسا حادت عنه لاحقًا عندما اتجهت للون المصري. نتيجة للخط الذي اختطته في الألبومين الأولين، جاء عام ٢٠٠٢ ألبوم عايشالك، الذي أعده واحدًا من أهم ألبوماتها لما فيه من تنوع وتبلور لشخصيتها الصوتية، وتأكيد لبصمتها الخاصة.

كتب محمد رفاعي الأغنية، وهو شاعر وملحن ما زال يقف في المنطقة الأكثر توترًا بين جيلين يحمل كل منهما هوية مختلفة. في الكلمة التي يكتبها من الاتزان ما يغازل الفترة الكلاسيكية العربية، وفيها من المرونة ما يلبي الأغنية الحديثة. لعل أحد أسباب نجاح عايشالك وقدرتها على البقاء في الذهن قدرتها على الانصياع لمبدأ الحنين، المتمدد بين أكثر من جيل. يؤكد ذلك الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، أحد أعمدة الجيل الكلاسيكي، حيث أشار في لقاء مع الإعلامي اللبناني نيشان إلى الأغنية كواحدة من أجمل أغاني الجيل الفني الجديد. لو تأملنا كلمات الأغنية سنجد أنها قابلة للتلحين على مستوى كلاسيكي، حتى أنني أكاد أقول إنها تنسجم مع بعض نصوص أغاني وردة وفايزة أحمد: 

“عايشالك أحلى سنين / في العمر يا ضي العين 

وبقلبي يا غالي حنين / وغرام، من أول يوم في هواك

كان حلمي أكون وياك / لو يوم من عمري معاك

وكتير وانا بتمناك / يا حبيب القلب وبستناك”

تمكّن الملحنان جان ماري رياشي وحسام حبيب – الذي سجلت هذه الأغنية ولادته على الساحة الفنية، بفضل مرونة رؤيتهما المكافئة لمرونة الصيغة التي قدمها رفاعي، من نقل الأغنية إلى وقتٍ سابقٍ لوقتها بعشرات السنوات. هذه هي ربما معجزة أو لغز الأغنية. صيغ اللحن على مقام الكورد، بالناحية الأكثر شرقيّة منه. ربما لو اختار رياشي وحبيب إيقاع الوحدة الكبيرة أو البلدي، لخرجت فعلًا أغنية من زمن الطرب، ولاقتربت بشكلٍ ما من أغنية ولا على باله لـ عمرو دياب، التي كتبها رفاعي نفسه ولحنها شريكه الأثير محمد رحيم، ما يؤكد طواعية أغنيات رفاعي للحن الكلاسيكي؛ إلا أن الملحنين بإيقاعاتهما الغربية وكوردات الجيتار، بالإضافة إلى الهارموني الذي تولته الكمنجات، منحا الأغنية عمرًا أطول.

هنا، تجدر الإشارة إلى أن الفترة الأولى من مشوار إليسا، بالتوزيعات التي تولي الجيتار دور البطولة، ألقت بظلالها على هذا الألبوم، الذي شكل مساحة كافية للتحول لاحقًا إلى الأغنية المصرية بالمعنى الموسيقي، لا الشعري فقط. يمكن القول أيضًا أن الخليط الهجين للأغنية منحها تنوعًا داخليًا من شأنه أن يوصلها إلى مناطق أبعد في النفس والجغرافيا، حيث شارك في تلحينها ووزعها اللبناني الأرمني جان ماري رياشي، صاحب البصمة المتقدمة التي ثبتها في أغنيات ألبومَي إليسا الأولين، وأغانٍ أخرى مثل حبيتك أنا لـ رامي عياش وشفتو من بعيد لـ يارا ويسمحولي الكل لـ أصالة، وغيرها. صنع الحس الأرمني إلى جانب النكهة اللبنانية قالبًا للحن المصري / اللبناني، والكلمة المصرية، تمكنت إليسا التي جمعت هذه الأطياف كلها من تقديمها بصورة لائقة وضعت الأغنية على سوية عالية.

كان الفيديو كليب الخاص بالأغنية، في الفترة التي وصفت بالجرأة بنجماتها الثلاث الأبرز إليسا ونانسي عجرم وهيفاء وهبي، مفاجئًا؛ إذ كانت تعد تلك الإطلالة الفاتنة قفزًا على عادات كليبات ذلك الوقت، ما جعل الكليب مثار جدل، قبل أن تُتبعه بالكليب الصاعق حينذاك، والذي شكل نقلة لاحقًا، أجمل إحساسصوّرت إليسا عايشالك في باريس بإدارة المخرج الفرنسي فابريس بيجوتي، وكانت إليسا أول فنانة عربية تظهر رسميًا بلباس صممت خصيصًا لها من قبل ديور. نجح بيجوتي في خلق أجواء غامضة عن طريق الإضاءة القاتمة، مكنته من تصميم مشاهد الوهم التي تمر بها البطلة خلال الفيديو بسلاسة، كما ساعدت مشاهد غنائها على المسرح في تقديم إليسا كنجمة مستعدة للعالمية.

تبقى عايشالك في تصوري واحدة من الأغنيات التي صنعت لتبقى. لم تكن منعطفًا في مسار إليسا فقط، بل في مسار أغنية البوب العربية، إذ رفعت الأغنية ومثيلاتها من مستوى التوقعات لدى المتلقي العربي، بحسن صنعتها وتكامل عناصرها، وأثبتت طموح الجيل الجديد من البوب العربي آنذاك.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply