عبده داغر | المقابلة

كتابةفيروز كراوية - مارس/آذار 15, 2018

قبل انطلاقنا إلى منزل عم عبده بحي حدايق القبة القديم نسبيًا في شرق القاهرة، جلسنا سويًا، هيا المويل وياسر عبد الله وأنا في جلسة تحضيرية؛ نعد الأسئلة عن أسلوب داغر الموسيقي، مشواره في التأليف، تحليل مؤلفاته، ومشوارنا من الموسيقى التركية ومعركة طيف من الموسيقيين المصريين معها، إلى مأساة التعليم الموسيقي وفقر التجديد. موضوعات ظنناها عميقة جدًا، وكافية لشغل جلسة حوار جادة لساعتين مثلًا.

وصلنا إلى منزله، فتحت زوجته الباب لنا بجلباب بيتي وطرحة خفيفة على الرأس، سيدة مصرية لطيفة تقترب من الخمسين. دخلنا بيتًا يشبه بيوتنا وبيوت عائلاتنا، لا يحدث فيه تغيير لألف عام، لا تبدو عليه مظاهر ملفتة أبدًا؛ صالة صغيرة تدخلنا إلى صالونه الذي استقبل فيه آلاف الموسيقيين لأكثر من أربعين سنة؛ طلاب علم وفن، معجبين مدلّهين، سميعة وفنانين ومشاهير. على كل لون يا عم عبده.

دخل علينا من غرفته، شاب في الثمانينات، عصب زي ما بنقول في مصر، نصفه طفولة ونصفه نزق. تحسبه في البداية متشككًا، لكنه ما أن احتل مكانه وسط كنبة عربي في صدر الصالون، بين لوحتين على الحائط، يبدو في أولاهما ممسكًا بكمانه، مائلًا برأسه عليه محتضنًا وذائبًا: “الصورة دي في ألمانيا وانا بالعب هناك“، حتى انطلق صوته الخشن، مثل بحة عبد المطّلب الرجولية العذبة، معلمًا خبيرًا.

بدأ الود يتسرّب إلى جلستنا شيئًا فشيء، حتى كسرت أول سيجارة استأذنته لأدخنها حاجز التشكك نهائيًا، فبدأ يستعير منّا السجائر كسرًا لحظر صحي مفروض عليه. وبدأ يحكي، يحكي وفقط، لا ينتظر أسئلتنا، ولا يدقق في مضمونها، يحكي لهواه وعلى هواه. أخذنا من التحضير العميق والحذر الذي بدأنا به لبساطة الحكي المباشر اﻷكثر عمقًا، بعد ساعة تقريبًا كنا نتبعه مشغوفين ومنهارين ضحكًا بعد كل قفشة حرّاقة، وقد تأكدنا أن أسئلتنا وبحثنا خلف المشوار لن تكبح هذا الحكي الذي انفلت، ولن توجهه، وأنه – بصراحة – كده أحلى بكتير.

يسري في الزمن، من ثلاثينات القرن العشرين في طنطا، التي يصفها فلا ترى لها صلة بما نراه ونعيشه، لستيناته وعبد الناصر الذي فركشالبلد، لأم كلثوم وعبد الوهاب الفلتة من فلتات الزمن، لمحمد منير وعمّار الشريعي، لأيام البهدلة وقسوة الأب، لمحمد عمران والنقشبندي، للحشيش والمزيكا. هو زمن يمشي على قدمين، ويبدو أنه رأى ما يجعله لا يهاب شيئًا، ولا يخجل من شيء. يعيب على البلد الظالمة ويحبها، لا يدّخر شتيمة ولا رأي سلبي، ولا يترفّع عن مدح من يحترم ويحب. مغبون الحق، مغلوب لكن غالب، واسع بحيث يرتقي ويهبط دون تحرّج المدّعين من زلّاتهم، يخلط أساطير بأوهام بحقائق بأحكام جازمة بشكوك قلقة. واثق ومتواضع بذات الحميمية.

امتدت جلستنا خمس ساعات، لم نكن نتخيّل أن ينفتح لنا هكذا، ولا أن نخرج وقد مررنا على كل تلك الأزمنة وناسها؛ عوالم وآلاتية ومشايخ ومطربين وظباط ورؤساء وقهاوي وموالد ومدن وقرى ومزيد من الأسئلة. “إزاي وصلنا هنا؟ وليه؟يسأل بحزن، وهو من أتى من الريف للقاهرة ثم لمدن أوروبا اللامعة. ونحن أمامه، المستسلمين لما ولدنا وجدناه، كأنه يحكي عما لا نتخيّل أصلًا أنه كان في يوم ما. ربما كانت مصر أحلى.


فيروز: مساء الخير يا عم عبده، عايزة اعرّفك الحوار بنعمله لمين. معازف هي مجلة متخصصة للمزيكا على الإنترنت بقالها حوالي ٥ سنين بتعمل تغطيات ودراسات ومقالات. فيه مجموعة من الناس بتكتب فيها من تخصصات مختلفة ناس في المجال وباحثين وكتّاب.

أهم حاجة يبقى فيه اختصاصات عشان العملية تبقى ماشية صح. (ينادي) اعملي شاي يا حاجة. وانتم عايزين تسألوا عن المزيكا طبعًا.

فيروز: إحنا عايزين نعمل معاك حوار مش زي اللي عملتهم قبل كده، عايزينلك تطمن لنا كده وندعبس شوية مع بعض.

هو يعني طبعًا ما بقاش فيه حقيقة، وما بقاش فيه أسرة. يعني زمان كان تبصي تلاقي إيه: الموسيقي والمغني والمونولوجست والمقريء والمبتهل والمؤلف كلهم أسرة واحدة، وعارفين بعض ويقعدوا مع بعض كل ليلة. يقعدوا هنا أو هنا، في الفيشاوي، في باب الخلق. لذلك حتى كان فيه قهاوي مخصوص؛ القهوة دي فيها فلان وفلان. لو صاحب القهوة شاف واحد غريب قاعد يقوله امشي، لأن مانتاش من هنا، لأن اللي من هنا لازم يكون على قد اللي هنا، إنما مش أي حد يقعد. إنما احنا النهاردة مفيش.

فيروز: حضرتك يا عم عبده حضرت الزمن ده؟

أنا من أيام الملك.

فيروز: أقصد لما بنقول المقرئ والمغني والممثل يعني دلوقتي دول ما يجتمعوش مع بعض، لأن المقرئ هيقول المزيكا نفسها حرام.

دي ناس بقى طلعت جديدة، زي الجماعة المسلمين الجداد. يقولك دول مش مسلمين زينا، هما بس اللي مسلمين وهما كفرة أصلًا.

فيروز: إنما حضرتك دايمًا بتأكد عـ الأصل اللي اتعلمت منه واللي بدأت منه، وإن الموسيقى العربية بشكل عام علاقتها بالتلاوة الدينية أساسية.

فيه حاجة اسمها القرآن الكريم، وهو اللي خلق المزيكا في الكون كله. الكون كله فيه حضرة وفيه أوليا، وكان فيه أنبيا حاسّين بده كله. تعالي أقرب حاجة الملحن، الملحن بيلحن ازاي؟ بيشوف المقرئ بيقرأ ازاي، ده مد وده كسر ويلحن على هذا الأساس لحن ... من القرآن لحن ... عبد الوهاب أو أم كلثوم أو السنباطي أو أو. أنا لما جيت اعمل منهج موسيقي كان عندك أعظم عازفين في العالم كلهم يهود وأصل يهود العالم كلهم عرب، هو مش سيدنا موسى كان هنا؟ وجم مصر هنا وهرب بيهم ع الناحية التانية، الحاجات اللي انتو عارفينها دي. يقولك المزيكا الشرقي، كلمة مزيكا شرقي هنا غلط لأن المزيكا الشرقي فين تبتدي من تركيا وبلغاريا وروسيا كل ده شرقي، إنما احنا هنا عربي والمزيكا بتاعتنا عربي.

فيروز: إيه الاختلاف في وجهة نظرك؟

الاختلاف إن المزيكا في الكون كله هي لغة واحدة مش اتنين، بس ده بيتكلم عربي وده إنجليزي وده روسي، إنما المزيكا واحدة هنا دو وهنا دو هنا سي وهنا سي. واحدة.

فيروز: أومال احنا ليه كنا بنتخانق خناقة المزيكا التركي والمزيكا المصري؟

لأن دي لكنة بقى، الطابع بتاعه بيقول كده واحنا بنقول كده. ده له لكنة وده له لكنة. إنما لما تيجي مثلًا يقولك ابتهالات أو قرآن كله هيقول زي بعضه.

فيروز: ده عشان قوانين الحروف واللغة والمد؟

آه، بس هناك اللي بيقرا قرآن زي هنا بالظبط، اللي بيقول ابتهالات في تركيا زي هنا، تلاقي اللي في آسيا لما ييجي يقرا قرآن يقرا زي اللي هنا ويقرا عربي، عشان يصلي لازم يقرا عربي، عشان يبتهل لازم يقرا عربي، ولغته حاجة تانية.

ياسر: طيب المشايخ دول كانوا بيتعلموا ازاي؟

القرآن نازل ملحّن ومنغّم ومرتّم. ربنا منزّل القرآن كده. أول ملحنين في التاريخ أصلًا مشايخ كلهم، ما كانش فيهم أفندي أبدًا صح؟ كلهم مشايخ.

فيروز: يعني تقصد ان الألحان جاية عندنا من العروض وبحور الشعر في القرآن والتقسيم بتاعه؟

آه من تقسيم القرآن والحروف. ييجي الملحّن يمسك العود ويقول الحرف ده مد الحرف ده كسر ويقول ... خلاص طلع اللحن ف إيده. بس هنا بقى فيه عبقرية في الترتيب والتنغيم. إدوني سيجارة بقى عشان اعرف اتكلم. أصلها مانعة عني السجاير (يشير إلى زوجته).

ياسر: ضد الحكومة يطلق المصريون على الزوجة الحكومة يعني

آه حكومة. حكومة مايعة (يضحك). لذلك الزحمة اللي احنا فيها دي ضيعت كل حاجة. يعني مثلًا أنا اللي عامل فرقة الموسيقى العربية، وانا صاحب الفكرة، واللي خدمني فيها واحد وزير وأصلًا ظابط برضه. بس ظابط ابن ناس، لأن كان فيه ظابط ابن ناس وفيه ظابط ابن وسخة، ده الفرق بقى. ثروت عكاشة لولا هو ما كانش فيه فرقة موسيقى عربية اتعملت – الشاي خفيف متهيألي (يسألنا ثم ينادي: “يا حاجة الشاي ده خفيف إنتي عاملاه بمية بيضا ولا مية حمرا“). حطوا بقى شاي هنا عشان يتقل.

ياسر: أنا خدت الخمسينة دي.

الخمسينة كوب شاي صغير دي بتاعتي انا عشان اعرف اشرب شاي مع كل اللي بييجي. ده ييجي اشرب معاه وده اشرب معاه. دي صغيرة عشان باشرب كتير.

الكمنجة فيها غُنا وفيها كل حاجة

فيروز: إزاي دخلت تكلم الوزير؟

الأول بقى طريقة علامي انا. أبويا كان مدرس مزيكا في طنطا، هو اللي معلم محمد فوزي وبليغ وغيره اسمه مصطفى داغر. بس ما كانش عايز يعلمني مزيكا، ليه؟ لأنه لما جِه يتجوز، عنده عقدة، كل ما يروح يخطب شغلتك إيه؟ موسيقي، موسيقي يعني إيه، اتوكل يابني على الله. محدش يرضى بيه أبدًا، لأن كانت المزيكا زمان والناس غير. دلوقتي فيه معاهد وماجستير ودكتوراه. خلاص كل حاجة اتغيرت.

كان عندنا ورشة بيصنّع فيها أخو الحفناوي الكبير، وأبو أحمد الحفناوي كان بيشتغل عند جدي وجدي اللي جايبه من اسطنبول، يعني أبو أحمد الحفناوي تركي من اسطنبول. فجدي كان عنده محلات موبيليا وفاتح نادي للموسيقى في طنطا، وكان زمان فيه اجتهاد فردي، فيه ناس متفتحة وفيه ناس مليسة معمولة م الطوب النَّي (يضحك).

فيروز: بنتكلم على التلاتينات والأربعينات مثلًا؟

والعشرينات. النادي بيبقى عبارة عن مكان كبير، والهواة كلهم بييجوا فيه.

فيروز: بيبقى حد غني ويوهب مكان مثلًا؟

كان زمان اللي بيحبوا المزيكا كلهم أغنيا ويحبوا يعلّموا أولادهم. لأن المزيكا فيها انفتاح للمخ. فيها كتير قوي. ييجي بقى جايب مدرسين، كان زمان المدرسين تراكوة أتراك. وكان فيه بوفيه وشاي وقهوة. وكانوا كمان بيسكروا الجماعة الأغنيا، مش بيشربوا لدرجة السكر، يعني كاس مثلًا وتلاقيه قاعد طول الليل في إيده، ياخد شفطة كل فين وفين حاجة كده تفاريح. والدي طبعًا اتعلم وكان اللي بيعلمه أجانب وتراكوة.

ياسر: كان مسموح لو انا هاوي وباحب المزيكا أروح النادي واقول انا عايز اتعلم ولا للخاصة والأعيان وولادهم؟

كان فيه ولاد الأعيان وفيه ناس هاويين بيروحوا ركن تاني. مثلًا أبويا فتح محل، نصه معهد ونصه معرض وورشة تصنيع أعواد. (يرفع البنطلون ليرينا ساقيه) الآثار لسه موجودة لحد دلوقتي، ده الشلوت اللي خدته وبيوصل للعضم.

فيروز: كان عايزك ما تنزلش من البيت؟

لأ، ما العبش مزيكا. كان عندي ٧ سنين لما بدأت، ما انا قاعد في وسطيهم أشوف ده بيعلم ناس جوّه ألقط الدرس، وبعد ما يروّح أمسك العود واقول عليه، وبعد كده غويت الكمنجة. ارتبطت بالكمنجة لأن لقيت صوتها حنيّن وفيها غُنا غير العود. الكمنجة فيها غُنا وفيها كل حاجة، يعني تقدر تعبّر بيها عن حاجات كتير.

فيروز: أنا عرفتك أول مرة من الرواية اللي كاتبها عنك خيري شلبي.

آه صهاريج اللؤلؤ، بس هو حط نفسه كده، وزعلت انا وهو عشان حط زيادات من عنده. المهم، حكاية المدرسة دي شفت الويل فيها، أنا يا مزيكا يا بلاش، وهو لأ مزيكا لأ. فبدأت معركة جامدة من هنا، وابويا كان شديد عامل زي الجماعة الفتوات. كانت العلقة بالنسبة لي مش علقة، أخش جوه المكان اللي محدش هيسمع حاجة، لا الجيران ولا أي حد، وضرب بقى جسمي ده كله يبقى تخن كده. عشان انا الكبير غير كل اخواتي، مش عايزني امر باللي هو مر بيه. فقال يا يطلع محامي يا أزهري. طبعًا معايا مفيش فايدة. بعد كده بقيت اهرب بقى. لأني تعبت وهو تعب. آخد الكمنجة واهرب عند ستي يروح يجيبني وضرب، أهرب عند خالي يجيبني، كلهم بعد كده بقوا يمنعوني اخش عندهم، امشي يا بني ما تجيبلناش مشاكل.

أيام الشتا كانت البلاد زمان نضيفة قوي، أيام الاحتلال الانجليزي، كانت الدنيا كلها بتبرق، كانت لما الدنيا تمطّر نتفرج على الطريق كده، إزاي بيلمع وازاي جميل والدنيا نضيفة وحاجة رهيبة. مش طنطا بس مصر كلها. كان البقال عندنا يوناني وبتاع الراديو طلياني، كانت مصر حاجة تانية. أيام الملك دي ما تتعوضش. وبعدين جِه واحد من الخواجات عندنا أنا صعبان عليهم، أيام حرب ١٩٤٨، وكان في طنطا الكنايس بيعملوا جمعيات كلهم يدفعوا طول السنة، ويوم الكريسماس زي النهاردا كنيسة تجيب مثلًا أحسن مغنية في العالم، والكنيسة التانية تجيب أحسن عازف كمان في العالم. فالخواجات كانوا متبنينّي وبيعطفوا عليا، وشايفين ابويا بيعمل فيا إيه، ويبقوا عايزين يمسكوا في خناقه بس مش قادرين. المهم، بقيت اروح اشتغل مع العوالم وانا عندي ١٣ سنة، العوالم زمان كانوا حلوين قوي.

فيروز: كلهم نعيمة عاكف يعني.

لأ الرقص كان في مصر القاهرة بس، اللي دخلوه مصر التراكوة. العوالم كانوا بيقولوا مونولوجات ويغنوا، والعالمة كانت بتلعب عود وبتلعب قانون، بس ما كانش حد ييجي ناحية الكمنجة عشان صعبة. آه نعيمة عاكف كانت في السيرك من طنطا برضه، وحورية حسن كانت بتشتغل في بيت واللي بتشتغل عنده سمعها، ونزّلها تشتغل مع العوالم. وكل دول كانوا بييجوا عندي اللي يشتري عود واللي يشتري كمنجة. أول فرقة اشتغلت معاها واحد اسمه حسن عوّاد.

إمتى بقى استقليت؟ لما جابوا الراجل بتاع الكمنجة دافيد أويستراخ العازف الأوكراني العالمي David Oistrakh في النادي في الكريسماس. والجماهير والدنيا. من قيمة كام سنة جِه هنا زميله يهودي مينوين Yehudi Menuhin  في الأوبرا، كان مصطفى ناجي ماسك الأوبرا ساعتها، قاله أنا عايز مستر داغر. طلع سبع ادوار في بيت مصطفى ناجي ورحت قابلته هناك.

المهم أنا شفت الراجل قلت إيه ولاد القحبة اللي بيلعبوا عندنا دول؟ بيلعبوا زي سامي الشوا، حاجة كفتة قوي. ده ماسك الكمنجة وتكنيك وبتاع، أول مرة باشوف حاجة زي كده. لدرجة تاني يوم قابلت واحد موجّه موسيقي، قلتله كان في امبارح واحد كذا كذا. قالي دخلت ازاي؟ قلتله كانوا عازميني. قالّي يا بختك ده راجل عالمي. قلتله يعني بني آدم زينا؟ قالي آه. قلتله وإيه اللي وصّله يعني؟ قالي عشان دول ناس متقدمين. قلتله واحنا؟ قالي يا بني احنا واقفين مطرحنا كده ما بنتنقلش. قلتله يعني ممكن الواحد يبقى زي ده؟ قالي لو انت عايز. فبدأت من هنا بقى. بقى في دماغي هو الموجّه بتاعي، القوس ازاي وبيلعب ازاي.

فيروز: ما كانش فيه طريقة توصل لتسجيلات أو أسطوانات؟

هو لا كان فيه تسجيلات ولا فيه نيلة، ده اللي كان عنده جروندج Grundig بتاع زمان ده كان يبقى يا بخته، أسطوانات اسمعها فين ما عنديش حتة أحط أسطوانات. بس الواحد ما دام عايز حاجة بيوصلّها باي طريقة لدرجة اني كنت بأّلف سلالم ليا عشان ابقى زي الراجل ده، واعمل القوس واعمل تكنيكات. كنت أقعد مثلًا ١٢ ساعة بتمرّن. كنت بافصّل لنفسي تمرينات؛ إزاي الصباع يجري وازاي القوس. لذلك إحنا عندنا واحد اسمه أنور منسي، اللي كان جوز صباح، أول ما جيت هنا مصر رحت نقابة الموسيقيين، وهو كان بيروح ساعات يطلع الكمنجة ويتمرن. فدخلت الأوضة اللي كان بيتمرن فيها وقعدت اتمرن. جِه هو وقعد يسمع لغاية ما سكتّ قالّي: إنت مين ومين اللي علمك؟ قلتله أنا عبده داغر وانا اللي علّمت نفسي. راح واخدني من إيدي كده، وقال للناس القوس ده مش موجود في القاموس بتاع الأقواس. جابه منين ده؟ مين بيلعب قوس زي ده؟

طبعًا احنا ما كانش عندنا منهج موسيقي عشان نتعلمه في المعاهد. المعاهد الخاصة كانوا بيدرسوا تركي وافرنجي؛ سماعي وبشرف ولونجا ومش عارف إيه، واللي عايز ممكن يدرس الاتنين افرنجي وشرقي اللي هو التركي. سامي الشوا شامي مش مصري وكان بيلعب مع عبد الوهاب، وكان الموسيقيين قليلين قوي، وكلهم بيقلدوا سامي الشوا عشان هو اللي بيلعب مع عبد الوهاب يبقى أحسن واحد.

فيروز: ليه نظام التعليم عندنا ما بيقدرش يطلع التكنيك اللي انبهرت بيه ده؟

لأن المدرس نفسه عايز يتعلم. المدرس بياخد بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراه ويطلع ما اتعلمش. ويرجع يعلّم. هيعلّم إيه؟ وبعدين مصر كلها ماشية على كده من يوم ما دخل عبد الناصر.

فضلت اهرب واجي واهرب واجي. وفي يوم عييت، وكانت الانفلونزا زمان شربة وحقنة شرجية، وتستنى عندك لغاية ما تخف لوحدك. فـ انا موجود تحت مش قادر اخرج، وأمي فارشالي سرير. أبويا نزل لقاني نايم، راح رافع دراعه وهينزل عليا، وكانت هتبقى دي الخلاصة. إيده ما نزلتش، خاف بقى، قالي روح اعمل اللي انت عايزه ياله. خلاص خدت إفراج.

العوالم والمشايخ ومصر … والعملية زاطت

فضلت اشتغل مع العوالم وهنا وهنا لحد ما عترت في المشايخ. جات واحدة شيخة اسمها هنيّات شعبان من بلد اسمها قلّين، وكان بيشتغل معاها عواد وبطانة من المشايخ زي أم كلثوم كده؛ صييتة يعني بتقول ابتهالات وتواشيح وبتلبس عقال. لما جبتها هنا عند الشجاعي محمد حسن الشجاعي في الإذاعة قالي يابني ما تجيبليش قلق، روّحها وتعالالي انت“. عارف إن أم كلثوم هتقلب عليه. المهم كان معاها عوّاد وهي قرفانة منه قوي. راحوا جايبينّي أنا عواد. كنت أدي للمشايخ البطانة السكة، تقسيمة راست مثلًا، وادخّلهم واقول معاهم، بعد كده أنا اللي اتبعهم. لغاية ما حفظت اللي بيقولوه، وبعدين تعبت من العود بقى. قلت لخالها اللي ماسك الفرقة ما تجيبوا عواد وانا هشتغل كمنجة. قالولي الكمنجة ما بتشتغلش معانا، قلتلهم جربوا وشوفوا. رحت جايبلهم عواد وانا كمنجة، والعملية زاطت وبقوا الفلاحين يقولوا عليا السنباطي. واتشهرت مع المشايخ بقوا دول ياخدوني ودول ياخدوني. فـ لقيت المزيكا أصلًا من هنا بقى؛ لذلك عبد الوهاب وأم كلثوم وسلامة حجازي وسيد درويش كل دول منين؟ لقيت العملية اتغيرت عندي، وبدأت اخش واعملهم لزم ويتبسطوا قوي. قلتلهم عايزين رق، وبدؤوا يزودوا الأجر بتاعهم وبتاعي. شوية شوية بقى تخت وشالوا المشايخ كلهم، بقيت أنا والفرقة. لدرجة بقى يجيني مشايخ من بعيد عايزين عبده داغر، وانا قاعد قدامهم أقولهم أنا، يقولولي يا وله يا قليل الأدب. فاكريني راجل كبير.

كان في الوقت ده عندي ١٧ سنة لما جا والدي قال لامي ياللا يا ولية مع ابنك روحي وانتي طالقة. هو اتجوز وخلف عيال غيرنا، وخدت اخواتي معايا عيشة وخضر ونفيسة. وبعدين رحت مولد السيد البدوي، وكان فيه عيلة الجميل في طنطا ومنهم كان النائب العام هنا في مصر. اتبنوني وبقيت اروحلهم كل يوم خميس. ناس أغنيا قوي، كانوا ياخدوا سلك من الراديو للستات تسمع جوه والرجالة معايا، واللي قاعدين فطاحل كلهم. واشتغل بقى واقسّم واعبّر عن حياتي بالكمنجة. وبقوا يدولي شهرية ويجيبولي بدل من فرنسا، ومفيش غير البلغة بس اللي كنت جايبها من مصر والباقي كله من فرنسا. كانت سهرة منزلية وانا صولو لوحدي بس.

مرة تانية في مولد السيد البدوي، وده كان هو عبارة عن التلفزيون والإعلام كله. كانت نعيمة عاكف هناك والسيرك وغيرهم وحكاية كبيرة قوي. دخلت خيمة كده فيها عوالم من الشرقية قلت اشوف الدنيا فيها إيه، دخلت لقيت بنت. جمال حاجة غريبة. ولقيتها جاية تعطف عليا وانا بقى شايف المر، مفيش حد بيعطف عليا أبدًا. واروح هنا يقولولي امشي عشان ما تجيبلناش دوشة مع أبوك. امشي امشي امشي. يا ولاد الكلب إيه ده، تعبت، ومن الضرب تعبت. فلقيت بنت جميلة جدًا ومن الشرقية بلد اسمها مشتول السوق، وبقيت اروح انقّطهم. كانت بتغني هي واختها وكانوا أصحاب فرقة، وسننا كان واحد. بس هي بقى العيون الزرق وحاجة جامدة جدًا. عملت زي الجماعة الفلاحين، بقيت انقّطها ورحت جبت ناس صحابي وبقينا ننقطهم، وهما ما يعرفوش مين ده.

فيروز: بس هي كانت واخدة بالها منك.

ما تعرفيش بقى دي حاجة طبيعية بتحصل كده. ما انا ماليش حد يحن عليا كلهم رافضينّي. قعدت استنى المولد الجاي عشان اشوفها تاني. وبقت شغلتي هي الكمنجة ودي. قعدت استنى سنة بحالها واعدّها باليوم والساعة والدقيقة. في سنة ١٩٥٤، قلت لازم انزل مصر أشق طريقي هناك. كنت باروح شارع محمد علي في قهوة التجارة، بس محدش كان يعرفني وما اشتغلتش. كنت باروح اشتغل عند أبو أحمد الحفناوي، صبي في محل أعواد في شارع بورسعيد، وبعدين محمد ابنه اللي كان شغال عندنا في طنطا جِه هو كمان. وده بيسكر وده بيسكر، بقيت أروح اجيب لده الإزازة من ورا ده ولده من ورا ده. يبص عليه يلاقيه بيشتغل ومشغول يشرب ويحط الإزازة في جيبه، والتاني نفس الحكاية. ورحت كمان في الوقت ده اشتغلت في إذاعة اسكندرية كان الراجل حافظ اللي عبد الحليم اتسمى اسمه عليه. وهناك كان فيه كوكو وميمي، ثنائي مشهورين قوي. واحدة منهم لبدت فيا، وانا اروح ورا المسرح واعيط. عايزاني أروحلها البيت وتعزمني ع الغدا وبتاع. يابني تلاقيلك مكان وتستقر، أقولهم ما بتجوزش أتجوز فين. وجت حرب ١٩٥٦ راحت مقفلة الدنيا كلها، ورجعت على طنطا تاني.

لما رجعت مصر تاني قابلني واحد اسمه سلامة زكي في قهوة التجارة. كانت مراته رقاصة اسمها فيفي سلامة، كانت مشهورة قوي، وهو بيغني. بس لما تاخده الجلالة وهي تميّل عليه وهو بيغني كان بيتفتف عليها. اتقَرَفَت منه، وفَتَحتله محل آلات موسيقية جنب قهوة التجارة على طول، وقالتله بيع واشتري فيه وسيبك من الغُنا ده. شافني قالي أنا باشبّه عليك، هو من طنطا أصلًا وكان بيشتغل مع ابويا. قالي انت منين؟ قلتله من طنطا. قالي تعرف واحد اسمه مصطفى داغر؟ قلتله ابويا. قالي أهلاً أهلًا وراح واخدني في حضنه. وقالي أنا فاتح محل تعالى اقعد معايا تبيع آلات وتصلّح زي ابوك. سبت محمد الحفناوي الكبير، وكنت باروح انام في حدايق شبرا عند الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي. ساعات ما يبقاش معايا ولا مليم آخدها مشي من شارع محمد علي لحدايق شبرا. في يوم وانا قاعد في المحل بصيت لهدومي، وحسيت ان حالتي بقت صعبة قوي. رحت مطلع الكمنجة ورحت قايل بقى. بصيت لقيت قهوة التجارة دي كلها اتلمت عليا. قالوا ده فيه ولد عند سلامة زكي لا تقولي الحفناوي ولا أنور منسي. جِه الكبير بتاعهم كان اسمه السلحدار. قالي انت بتلعب كمنجة؟ فاضي يوم الخميس؟ قلتله فاضي. قالي طيب عربون أهو ٢٥ قرش ومعادنا كذا وهنسافر. كان فيه كارم محمود، وحفلات الجيش أيام عبد الناصر كانت في كل حتة. وكان بيشغّل واحدة اسمها نادية فهمي اللي كانت بتقول يا سلام ع الهوى كانت مشهورة قوي أياميها.

ياسر: كان ليها أغنية في فيلم فيه هند رستم بتقول ابوس النار ما تحرقنيش ابوس خدك يلهلبني

كانت الأغنية دي يا سلام ع الهوى لازم في مطلعها صولو كمان ولو ما اتقالش ما تغنيش. ولازم كمنجاتي معين يروح معاها. لمّينا الفرقة ورحنا نعمل أول بروفة معاها، وأول ما ابتديت صولو الكمنجة وقفت كده، وقالت مين ده؟ جبته منين يا ابن القحبة الواد ده؟ وفضلت تحضن فيا. واشتغلت مع شفيق جلال واتشهرت وابتديت اعمل فلوس.

سعدية ... والله العظيم والنعمة الشريفة طلبتها من ربنا

مرة تانية بالصدفة رحت مولد في انشاص مدينة مصرية في محافظة الشرقية عند واحد اسمه الكمسيسي، أول خيمة دخلتها طلعت الخيمة بتاعة صاحبتنا دي. دخلت لقيتها قلت إيه ده، والله العظيم والنعمة الشريفة طلبتها من ربنا. أنا كل حاجة كنت اطلبها من ربنا مباشر. حتى من كتر العُلَق اللي كنت باكلها من ابويا كنت باروح اعيط في الشوارع، لحد ما اخلص عياط واروّح. أطلب من ربنا عايز ابقى كذا وكذا وكذا، وعلى مستوى العالم. ربنا اداهاني زي ما انا طلبت منه، إيه اللي كان هيوصّل عبده داغر للعالم؟ ما تطلبش حاجة من ربنا إلا لما يديهالك، بس المهم انت يبقى شكلك إيه من جواك.

المهم أنا مبسوط إني رحت مصر واشتغلت مع كارم وشفيق وعملت الجو ده، ورحت بلبيس، كان فيه مولد في منيا القمح هيتعمل اسمه الشيخ جودة. والعمدة هناك قال للراجل اللي ماسك الفرقة بتاعة صاحبتنا اياها في بلبيس: “لو جبتلي عبده داغر معاك هاشترك معاك ومش عايز منكم مكسب“. قاعدين بقى بيحلموا بعبده داغر ييجي عشان الراجل يشترك معاهم. (يعود للحديث عن الفتاة التي أحبها) أول ما شافتني داخل الخيمة في بلبيس جريت عليا، وقالتلي إيه اللي جابك هنا. كانوا عيلة الأباظية في الشرقية، عيلة كبيرة قوي، وبيمشوا وراهم في كل حتة ويجيبولهم هدايا لأنهم كانوا جُمال قوي. قالتلي لازم تروّح لأهلك زي ماجيت، وهي كل ده ما تعرفش انا مين. عملولي الواجب وكان معاهم فتوات بيخدموهم. راحت نادهة لراجل شكله يخوّف، قالتله ده تركبه الأوتوبيس اللي بيروح بنها ومن بنها على طنطا. يا ستي يهديكي يرضيكي. ما فيش.

الراجل خدني من إيدي وداني الموقف واستنى لحد الأتوبيس ما مشي. استنيت شوية وبعدين رحت للسواق قلتله معلش نزلني ونزلت. وسط الطريق والشوارع ضلمة قوي وتلاقي الدرة وحاجة صعبة. فضلت ماشي لحد ما لقيت قهوة سألت ع المولد لحد ما وصلتلهم. رحت لقيت العمدة قاعد معاهم. قالي ياااه ده انت شيخ، إحنا كنا عايزينك. وعرفت ان هي واختها ما بيشتغلوش عند حد ودي فرقتهم. بس هيشتغلوا عشان يشوفوا عبده داغر، والعمدة يرضى يشتغل معاهم. وعرفت اسمها، سعدية. بس ما كانتش معايا الكمنجة، كنت باخبّيها من ابويا عند واحد مزيّنحلاق أبعتله واحد بأمارة ويبعتهالي، كل مرة بَغيّر الأمارة. يومها كانت الأمارة وحياة إحسان، كان اسم بنته، والمحل بتاعه اسمه لوكس. أنا زي ما تقولي كده اتبسطت وارتحت، وقلت انا طالبها من ربنا يبقى هيديهالي خلاص. رحت خلصت مشاويري وانا متكيف وآخر سعادة، والكمنجة هتجيلي. ورحت ع المكان اللي هنشتغل فيه صوان وكراسي. الموالد زمان كان فيها رقي. وصلت لقيت المكان فاضي خالص، رحت كلت لقمة، ورحت داخل قاعد ممدد على كرسي. شوية ولقيتها هي واختها أول اتنين وصلوا. عملت نفسي نايم. دخلوا ورا المسرح المكان اللي بيلبسوا فيه ويحطوا أحمر. وانا عامل نفسي نايم.

فيروز: ده تقل بقى.

تقل دم (يضحك). لغاية ما جماعة يعرفوني من الفرقة وصلوا. أوه عبده داغر! ويحضنوني ويبوسوا فيا، ما صدقوا عبده داغر هيشتغل معاهم. دخلتلها واحدة قالتلها عبده داغر برّه. قالتلها أنهي واحد؟ قالتلها اللي لابس بدلة زيتي، قالتلها لأ ده معرفتنا من طنطا، قالتلها ما عبده داغر من طنطا. كل ده ما تعرفش اني موسيقي ولا اني عبده داغر ولا بتاع. جت بقى سلمت عليا، وانا سهّمت، وبعدين أخدت اختها ودخلت. في الشغل بقى كنت مهيّصهم والكمنجة والميكروفونات، وانا هايص ومبسوط مع نفسي. وهما مأجرين شقق هناك يطبخوا ويناموا. رحت على هناك، بصيت لقيت هي اللي بتعملي الفطار والغدا، وهي اللي بتأكلني. كنت اتكسف آكل، وكانوا البنات يأكلوني بإيدهم. يعني كان عز ما شفتوش في بيتنا وربنا اداهولي من بره.

بقت خلاص هي بتاعتي رسمي. حصل عندها مولد في بلدهم مشتول السوق. قالتلي لازم تكون معانا ودي فرصة في بلدنا. قلتلها حاضر، رحنا وبدأنا المولد. وبقوا الفلاحين يقولوا: “الراجل اللي مع سعدية بتاع الكمنجة مخلي النسوان كلها قاعدين فوق الاسطح“. الميكروفونات في الفلاحين بتضرب هنا وهنا في كل حتة، مبسوطين من الكمنجة والتقاسيم وانا هايص. وكان زمان فيه ناس فلاحين بيسمعوا سمع غريب قوي، شوف كانوا بيسمعوا أم كلثوم ازاي. وبعدين نيّموني في أوضتها، وهي كانت نايمة قصادي على السرير، هي ورضا شيحة أخت جمالات، لو قابلتي جمالات شيحة تحكيلك ع الحوار كله. وهما اللي بقوا يسلطوها عليا، يقولولها هو مش هيقولك حاجة، إنتي اللي عليكي الدور تحركيه، تعملي فيه أي حاجة.

وبعدين آخر يوم صابحين وانا هسافر على مصر بقى. بصيت لقيت دي فوق مني وهي اللي عمالة تبوس فيا. وانا سايبلها نفسي كده اعملي اللي انتي عايزة تعمليه. جوز اختها دخل عليها وهي فوق منّي. وخلاص هي أنا بالنسبة لها لازم تتجوزني. جم كلموني أختها واخوها وامها: “سعدية عايزة تتجوزك”. قلتلهم وانا عايز اتجوزها بس اتجوزها فين؟ قالولي هنا. قلتلهم أنا مكاني مش هنا، أنا رايح مصر لأني هشوف مستقبلي في مصر، إنما عشان اتجوز دلوقتي واربط نفسي كده ما ينفعش. قالولي هي وارثة من ابوها خد الفلوس واتصرف. قلت مقدرش: “اعملي حسابك أنا لازم أوضبلك شبكة بإيدي واوضبلك كل حاجة من شغلي، واتأكدي إن انا فعلًا عايز اتجوزك“.

وجت وصّلتني على محطة الأوتوبيس. وكانوا الشراقوة كلهم بيلبسوا جلاليب سودا، بس هي تقف كل اللي واقفين لازم يتلموا عليها يشوفوها، لأنهم كانوا بيتراهنوا عليها ستات ورجالة؛ اللي يبص في وشها خمس دقايق يكسب الرهان. وبعدين عقل الدنيا فيها، يعني كانت حاجة غريبة. وبعدين دي مثلًا لو كنت اتجوزتها كنت رحت في داهية، خصوصًا هابقى طالع لابويا غيرة بقى وبتاع. شوف الحب ده إيه! بس انا هاجيبها وهتجوزها واعيش عيشة فلاحين ما ينفعش.

وبعدين جيت على مصر وعملت فرقة ومشغّل محمد رشدي وشفيق جلال وعبد العزيز محمود. وكان رشدي نجح وليه أغنية قولوا لمأذون البلد مشهورة قوي. وده عايزني وده عايزني والفلوس جريت. وجبت كمان سيد أبو شفة الناياتي وجاني سامي نصير القانونجي من الصعيد وفاروق سلامة. جبتلها الشبكة كان أيامها جرام الدهب ب ٦٠ قرش، يعني اللي تلبس دهب من هنا لهنا ب ١٥ جنيه سنة ١٩٥٨. وجبت حتتين قماش اديتهم لخواجات بيفصّلوا بدل في طنطا. وباجهّز نفسي، الشغل كتير والفلوس كتير والسكن موجود. رحت في يوم طنطا أعمل بروفة على البدل، قابلتني واحدة معرفة قالتلي عايزة منك خدمة، ليا زميلتي في المدرسة عايزة تروح مصر أبوها توفى وامها عايزة تتجوز، وهي عايزة تروح عند خالها في مصر عشان يمنع الجوازة، خدها معاك وانت راجع، قلتلها حاضر ورحت للخياط وسافرت ما سألتش.

المرة اللي بعدها رحت استلم البدل، لقيت البنت ١٤ سنة جايالي بلبس المدرسة. بتقولي أبوس إيدك خدني معاك، قلتلها أنا مسافر دلوقتي قالتلي آجي معاك. وجينا مصر قالتلي خالي في العباسية. جينا العباسية في العنوان اللي معاها لقينا خالها عزّل وراح على دير الملاك. قالتلي نروح يمكن يقابلنا في الشارع. رحت معاها وفضلنا نلف في الشوارع لحد ما قلتلها خلاص انا مش قادر اتحرك، وانتي لازم تروّحي طنطا دلوقتي. قالتلي معرفش اروّح. خدتها على واحد قانونجي ومراته اسمه سعيد رحيّم، قلتله “الحكاية كذا يا عم سعيد وخليها عندك للصبح”. أنا كنت ساكن في شقة شرك، أنا أوضتين وجنب مني عيلة عندهم تلات بنات، وعايزين يتجوزوني برضه. رحنا عند عم سعيد راحت مراته واخداني على جنب: “واد يا عبده، إيه رأيك البت دي لايقالك، هجوزهالك“. قلتلها “انتي مجنونة؟ تعالى يا عم سعيد انهضني الحقني. كلمة على كلمة قالتلي يا سيدي اتجوزها ولو ما عجبتكش روّحها لامها. قلتلها هما بنات الناس لعبة كده؟ قالتلي اسمع كلامي، تقعد معاك تطبخلك تغسلّك. ورحنا واخدينها ع المأذون قال ما ينفعش دي ١٤ سنة روحي سنّنيها. وانا بقيت في دنيا غير الدنيا، عامل زي التمثال تعالى كده روح كده حاضر، تايه توهان حقيقي، هي الحكاية جت كده، ربنا عايز كده. راحوا مجوزينهالي في الليلة دي.

شفت الدنيا عاملة ازاي! رحت واخدها معايا وروّحت ومن تعبي نمت. صحيت لما النهار شقشق، وبصيت لقيتها نايمة. هو حصل ايه؟ عايز اعرف حصل ايه امبارح مش عارف. رحت سايبها نايمة ورحت على سعيد رحيّم. “إيه اللي جابك يا ولا؟” قلتله “عايز اعرف إيه اللي حصل امبارح”. “مراته قالتلي هتروح بكره تاخد الورقتين من المأذون.” طب اودي الشبكة والبدل دول فين؟” والتانية دايرة تدوّر عليا اتأخرت عليها كل ده. قلت اخلص منها. كان شارع فؤاد أغلى شارع في مصر. قلت للبنات جيراني “هاتولها أحسن فستان”، وجابولها جزمة كعب عالي وهيؤوها ع الآخر. قلتلها “بكره تاخدي القسيمة بتاعتك وتروحي تقولي لامك انا اتجوّزت”. وطبعا في الحالة دي مش هيسيبوها، وانا ابقى عملت اللي عليا وفي حل بقى.

أمها من عيلة الحو قريبة محمد فوزي، اديتها فلوس وقلتلها ما جيتيش الليلة يبقى ما تجيش خالص. راحت طنطا، امها كانت مبلغة البوليس والمستشفيات وعاملة اللالّي. أول ما شافتها لابسة وبتاع اتجوزتي مين؟ قالتلها عبده داغر وورتها القسيمة. واحد مسيحي جارنا قال “ده ابن عم مصطفى ده واد كويس”. أمها قالت “ده انا هوديه في داهية” لأنها قاصر. وقالوا هنروح لابوه ويتصرف. البت امها خرجت من هنا وهي راحت جاية على مصر. لسه واخد كمنجتي ورايح الشغل لقيتها في وشي. وجم أهلها وابويا معاهم وكنت ساكن في بيت واحدة عالمة اسمها ماسألشي في حارة العوالم، هي اللي أبرزت تصدرت له لابويا وقالتله إنت معزوم ع الغدا عندي. أنا بقى قلتلهم: “أنا مش عايز منكم حاجة بنتكم عندكم، عجبكم كلامي سيبوها، عايزينها خدوها واتوكلوا على الله“. ما انا مش هتنازل عن سعدية. قالوا “خلاص دي تعتبر مراته وانتهينا” ومشيوا. أنا ضربت في دماغي، قلت يا سيدي اتجوزها ما عجبتكش الراجل له أربعة. النجّار تحت مني راح موضبلي أوضة نوم ب ١٧ جنيه، وفضلنا قاعدين كده.

سعيد رحيّم قالي: “عملت إيه دخلت عليها؟، قلت لأ. قالي “ليه يا ابن الكلب؟ حرام”. أنا بقى ما عنديش فكرة عن حاجة، عندي ١٨ سنة. خدت واحد على جنب كده، كان طبّال اسمه فتحي كراوية ابن سيد كراوية اللي كان طبّال تحية كاريوكا. قلتله “لما يكون واحد متجوز بيعمل ايه؟” قالي: “مش عارف تعمل ايه، عليا النعمة انت نطع“. خدته عند محل اسمه البرابرة بيعمل أكل كويس وغديته وقلتله احكيلي. قالي: “أنا مفيش حاجة وردت عليا زيك، لو عايز مساعدة أنا مستعد آجي اساعدك” (نضحك). وقالي كل حاجة. عملت زي ما قال، وهي غرقت دم وانا اتخضيت، وخدت المنديل توريه لامها. عملية كانت غريبة، شوفي البني آدم مننا كل ده ومش عارف يعمل ايه في الآخر، لأن التربية في الأول كانت فظيعة فظيعة.

شهرين وراحت حملت، جابت البنت زينب وشوية راحت جايبة مصطفى. الله وبعدين؟ أنا في الوقت ده بطّلت مزيكا. الشهرة اللي خدتها دي كلها ورحت مبطّل، وبقوا ييجوا الموسيقيين عندي يقولوا “حرام عليك”. خلاص قفلت عشان خاطر سعدية، تعبت. ما عنديش استعداد خلاص، أصبحت المزيكا عندي مالهاش أي قيمة. اللي انا عايزه ما حصلش. وإيه اللي خلاني عملت كده وإيه اللي وصّلنا لكده. قعدت مع شيخ قالي “يابني ارضى باللي قسملك بيه ربنا، هي دي بتاعتك مفيش فايدة مهما تعمل”. مش قادر اشتغل وبقول لكل الناس اني بطلت شغل. لأن دي أول واحدة دخلت حياتي وأول مرة أحس ان فيه حاجة اسمها حب. لأني كنت باحب الكمنجة حب فظيع، فالعملية اتقسّمت بين هنا وهنا، ف ما بقيتش قادر امسك الكمنجة خلاص.

وبقى عندي اتنين والتالت جاي، بقيت ابيع كمنجة أصلّح كمنجة أصلّح قوس. لكن مش بالعب هالعب ليه. حوالي سنتين. لحد في يوم رحت طالب من ربنا طلب جديد. قلتله يا رب عايز وظيفة. بصيت لقيت ربنا راح باعتلي الوظيفة. هي إيه؟ مسرح البالون تبع وزارة الثقافة. عملنا حمدان وبهانة وبنت بحري وغيره. كان ماسكه وقتها شفيق أبو عوف. أنا بقى من هنا عملت فرقة الموسيقى العربية.

كان بيجيني واحد اسمه سليمان جميل أخو فايدة كامل. كان بيعمل برنامج بين الشرق والغرب اللي جاني عن طريقه مين عشان اعلمه، الله يرحمه عمّار الشريعي. ماهو عمار الشريعي كان بينام هنا. بس ما تعرفوش عمل فيا إيه بعد اللي انا عملته. وخد مني البت آمال ماهر بعد ما علمتها، ما انا معلمها هنا. وبعدين انا سبب في الاستوديو بتاعه. كان شغال معايا هو ورضا رجب أبو غادة رجب في فرقتي، وكان ييجي أحمد فؤاد حسن بتاع الفرقة الماسية وواحد اسمه عبد العظيم حليم وبليغ حمدي. ييجوا يسمعوا المزيكا بتاعتي ويمشوا. وكنت ماسك الفرقة بتاعة محمد عبد المطلب في الأندلس. جت مها صبري عشان تشتغل على الفرقة بتاعتي. وجايبة معاها واحد بتاع أكورديون وناياتي. قالت لعبد المطلب شيل الاعمى ده بتاع الأكورديون (تقصد عمار) والناياتي لأن بتوعي هما اللي هيقعدوا. أنا كنت بأجّرله الأكورديون بالشهر وانا اللي ادفع. علمته العود الأول وبعدين الأكورديون، كان هو بيلعب بيانو شوية. وكانوا أهله هنا في الزيتون عيلة الشريعي عيلة جامدة قوي. وما قالش في تاريخه إن انا عملتله كل ده. كل التاريخ اللي بيقولوه ده غلط، حتى المؤرخين بتوعنا كلهم غلط. وعشان كده إحنا رحنا في داهية كلنا، إحنا جِه عبد الناصر فركش مصر كلها، فركشها.

وبعدين جاني عمار وعلّمت حسن أبو السعود الله يرحمه. بس حسن كان يقول علني اللي علمني والكمان الأول في مصر عبده داغر. قدام الناس كلها. ورضا رجب. لأنهم عارفين. فيه ناس قلالات الأصل وأهاليهم قلالات الأصل. اللي كانوا بيضربوا الصعايدة وياخدوا أراضيهم عيلة الشريعي دول وغيرهم. المهم، صممت إن مها صبري هي اللي تشتغل على عمار. واتفرجي، هي كانت شردوحة قوي، تبرّق بعينيها كده وخدي بقى حاجة رهيبة. قلتلهاشوفي لو عملتي اللالّي، عاجبك عاجبك مش عاجبك هاتيلك فرقة اشتغلي عليها لوحدك”. وفي الآخر اشتغلت معايا على عمار والناياتي بتاعي. وبعدين خدت عمار عملّها امسكوا الخشب يا حبايب. وخدته معاها لبنان. كانت في قعدة فيها الأمير تركي السعودي وبتاع بير البترول اللي اسمه اليماني، قالوله يا عمار هناخدك أسبانيا نعملك عملية في عينك وتفتّح. قالهم “أنا مش عايز افتّح”،طب تطلب إيه؟” قالهمعايز استوديو”. قالولهنجيبلك استوديو دوّر على مكان يعجبك”. راح واخد من نبيلة قنديل مراة علي اسماعيل شقة في الدقي في العمارة تحتهم. أنا كنت باروح لعلي اسماعيل في المكان ده اديله تيمات شعبية وكده. راحوا جايبينله الاستوديو والأجهزة وكل حاجة وبقى عمار ساوند. كنت انا السبب في كل ده وعلّمته. بس سبب القطيعة النهائي كان آمال ماهر، أنا مسميها آمال بطاطس. كنت مربيها هنا وهي صغيرة جابهالي صلاح عرّام، مدرّس في مدرستها اكتشفها ووداهاله وهو جابهالي. كنت اعلّمها شوية وابص الاقيها بتلعب برّه مع العيال، لغاية ما علّمتها. وراحت التليفزيون وخدوها لحسني مبارك واداها خمستالاف جنيه. راح عمار باعت واخدها من عندي من هنا. مرة في برنامج المذيعة بتقولها مين علّمك قالت عبده داغر، خدي عندك مسكها بقى، “أوعي اسمعك مرة تانية تقولي عبده داغر”. ومن نهارها قطيعة بقى. ياللا في ستين داهية.

ماهم كانوا بيخافوا مني من كده، لأني معرفش لا ظابط ولا بتاع ماليش دعوة بده كله

فيروز: إزاي جت الفرصة انك تطرح مشروع فرقة الموسيقى العربية على الوزير ثروت عكاشة؟

معلش هاتوا سيجارة بقى عشان انا اتسلطنت قوي. ربنا بعتلي وظيفة البالون، وكان قائد الأوركسترا بتاعنا واحد اسمه عبد الحليم علي، كان بيه قوي. وكنت عامل لنفسي هناك حتة صيفي وحتة شتوي للتمارين. وكان بييجوا يسمعوني، ابراهيم حجاج، حسين جنيد، اسماعيل شبانة وعبد الحليم علي. كلهم موسيقيين كبار جدًا. اجتمعوا مع بعض كده وقالولي “طيب المزيكا اللي انت بتقولها ومألفها دي مين هيقولها؟ محدش هيقولها إلا انت بس، لأن دي حاجات صعبة وشكل جديد”. أنا شغال زي أي موسيقي في البالون وده شغلي الخاص بتاعي انا. كان يقعد معايا محمد عبده صالح القانونجي، واحفظه حتة مزيكا، ويقولي “هو انت لازم تعقّد الدنيا كده في المزيكا”. وكانوا كلهم مشغولين بيا، لأن ده يعتبر أول منهج موسيقي لمصر وللعرب كلهم. الأول كان معهد الموسيقى العربية تركي وافرنجي. أنا إمتى دخلت المعهد؟ في السبعينات. وعملت مع رتيبة الحفني اللي محدش عمله معاها في التاريخ، لدرجة اني شتمتها قدام المدرسين والمعهد والدنيا كلها. قلتلها أظن هتقولي اشتكيك ودول كلهم شاهدين، إنما انا عندي الدليل، وفضلنا على كده لغاية ما ماتت.

ياسر: هنرجع للخلاف ده بس تعالى نكمّل حكاية تأسيس فرقة الموسيقى العربية الأول.

لما بدأنا نعمل فرقة الموسيقى العربية جم المجموعة الكبيرة دي من الموسيقيين قالولي المزيكا بتاعتك دي عشان تطلع لازم تربي أجيال على إيدك، الكلام ده سنة ١٩٦٢. بدأت ألف اشوف اللي عليه الرمق اجيبه واعلمه ببلاش. وأكل وشرب وتحشيش وكل حاجة مجانًا في بيتي هنا. لأن انا باعمل لمصر، باكوّن لمصر كلها مش لفرقتي أنا. كان فيه مجموعات ياخدوهم العرب اجيب غيرهم، ياخدوهم الفرق اجيب غيرهم. وهكذا فضلت اعلّم اعلّم ولا اسألش في نفسي، يعني يمكن انا الوحيد في مصر اللي ما كسبتش حاجة من المزيكا.

اتكلمت مع سليمان جميل. قالي “إنت أمنيتك إيه؟” قلتله “أمنيتي يتعمل فرقة موسيقى عربية ويدونوا أعمال محمد عثمان والخلعي وسيد درويش. لأن كل ده هيروح، واسرائيل هتاخده وهتقول ده بتاعنا.” مين سمع الكلام ده؟ ثروت عكاشة. راح مكلم شفيق أبو عوف قالّه “فيه واحد عندك قال كذا. نفذوا الكلام ده فورًا”. وكان بييجي بنفسه يشرف علينا في معهد الموسيقى العربية. جِه أبو عوف قالّي “هناخد الأستاذ عبد الحليم علي يقود الفرقة”. قلتله ما ينفعنيش، كان تركي برضه عبد الحليم علي من تركيا. راح أبو عوف قالّه “الولد عبده داغر بيقول عليك ما تنفعش مايسترو”. والراجل بيحبني ويحترمني قوي، لأنه بيحب مزيكتي قوي، وعارف انا إيه. قلت لابو عوف “فيه واحد بس اقدر اقولك إني عايزه، واحد عامل فرقة غنائية في العتبة في المسرح القومي اسمه عبد الحليم نويرة، أنا عايز ده لأن عنده فكرة عن العربي شوية يقدر يساعدني”. ماهو ما بيفهمش أصلًا أبو عوف، عسكري برضه. عسكري رديف. يقوم يروح يوقّعني في عبد الحليم علي.

أنا معدي كده عبد الحليم علي ندهلي، قالي “يا أستاذ عبده”، وهو كان راجل بيه ومؤدب وكان موسيقي كبير قوي، قائد أوركسترا يعني حاجة جامدة جدًا. “قالي بقى انا بحبك وانت بتغلط فيا؟” قلتله “لازم العسكري اللي قالك الكلام ده”. قالي “يعني كلامه صحيح؟” قلتله “لأ اعرف الحكاية بقى. أنا قلتله أنا عايز أستاذ عبد الحليم نويرة عشان عنده فكرة عن العربي وده يساعدني. فيه موشحات وفيه أدوار وانت مالكش في الشغلانة دي”. قالي “صح ما انت عندك حق”، وراح قال ابعتولي أبو عوف. لما جِه قاله “هو كلامه صح اللي يقولك عليه تسمعه”، وقالي برافو عليك يا أستاذ داغر. وانا بالنسبة له عيل يعني إنما كان راجل محترم، ومراته كمان كانت بتلعب عود وتغني. رحنا عاملين فرقة الموسيقى العربية وجايبين عبد الحليم نويرة، أنا حياتي كده كلها زحاليق.

كان فيها كل العازفين المعروفين، عبد المنعم الحريري ومحمود القصبجي عازفا الكمان المعروفان بتوع أم كلثوم، محمد نصر الدين، يسري قطر ابن عبده قطر. وبقينا نعمل البروفات على مسرح المعهد اللي في الإسعاف. قلت لعبد الحليم نويرة “يا أستاذ عشان البنات والرجالة يغنوا مرتاحين لازم ننزل طبقة صغيرة (تون بحاله)، وكله يغني مرتاح”. هما ما يعرفوش فاكرين كله يغني زي البيانو. ما ينفعش في الموسيقى العربية لأن في أدوار وموشحات كبيرة. الرجالة في الطبقة الصغيرة هيغنوا في حتت معينة والبنات حتت تانية عشان يبقوا مرتاحين في الغُنا، دي خبرة بقى. فيقولي “في حاجة اسمها طبقة صغيرة؟” ونويرة ده إيه عامل زي مها صبري كده، ويبرّق وبتاع وراحت العملية ضاربة. بابص لقيت شفيق أبو عوف راح مميّل عليه وقاله “على فكرة ده ما بيعرفش نوتة”. قالي “تعرف نوتة؟” قلتله “لأ”، قالي “طب انزل امشي برّه”، وانا صاحب الرومّة الحكاية أو الشغل كلها، وجبتلهم اللي يحفّظ وجبتلهم كل حاجة، راحوا منزلينّي بره. وكان فيه واحد بيعملهم شاي وقهوة اسمه صادق، وعملوا انتراكت ودخلوا المكتب نويرة وابو عوف وجالهم الشاي والقهوة. أبو عوف عايز طبعًا يخلص مني عشان يبقى هو صاحب الرومّة كلها، عشان يبقى هو كل حاجة. رحت داخل عليهم في الأوضة ورحت قالب عليهم المكتب بالمية بالشاي بالقهوة، قلبتها عليهم الاتنين، يا عالم يا كذا وكذا والشتيمة ماقولكيش، ما انا ما عنديش يامّا ارحميني، بعد ما عملت ده كله تكرشوني تطردوني!

فيروز: إنت كنت كده على طول ولا بقيت عصبي من كتر ما اتحملت وانت صغير؟ وبعدين دول ظباط برضه.

ماهم كانوا بيخافوا مني من كده، لأني معرفش لا ظابط ولا بتاع ماليش دعوة بده كله. المهم راحوا كارشينّي. وكان أبو عوف بيمشي وراه قبضايات بيحرسوه، كأنه رئيس جمهورية. راحوا شايلينّي ورامينّي بره المعهد، وقالوا الراجل ده ما يخشش المعهد خالص. وعملولي جواب رفد وقتيًا، ماهو أبو عوف ماسك كل حاجة. بعد ١٥ يوم جِه نويرة ينفّذ ما عرفش. فنده لمحمد عبده صالح، وكان حاضر اللي حصل في البالون كله، عارف كل حاجة وكل اللي انا عملته. سأله “إيه رأيك في الولد اللي اسمه عبده داغر؟” قاله “رأيي إن انتو عملتوا فيه عمايل، ده هو صاحب الفكرة وهو اللي جايبك، وعمل خناقة في البالون عشان عايز عبد الحليم نويرة، وكلامه في المزيكا صح”. راح جاي لابو عوف قاله “هاتلي داغر ده وقتيًا”، قاله “ده مستحيل يخش هنا تاني واحنا عملناله رفد خلاص”. قال “أنا عايزه ومش هاطلع على المسرح ألا لما ييجي”. أبو عوف قاله “ده عصبي وقليل الأدب وهيهزأنا احنا الاتنين”. قاله “أنا هستحمل مالكش دعوة”.

بعتوا جابوني ونويرة صالحني وراح صارفلي شهر مكافأة ورحت راجع. وبقيت صوليست الفرقة، واحنا معانا فطاحل موسيقيين أم كلثوم وعبد الوهاب. وانا منقيهم وعملنا اختبارات في الأوبرا القديمة اللي اتحرقت. وكنا جايبين محمود الحفني والد رتيبة الحفني ضيف. بتاع فلوت أكتع ما ينفعش ببصلة. خدوه ألمانيا وعمل دكتوراه في التاريخ (ساخرًا)، التاريخ الغربي لأنه هنا ما يعرفش حاجة خالص. عملنا الافتتاح في قاعة سيد درويش، ومرة كان عندنا حفلتين في راس البر، بنتمشى أنا وابو عوف ومراته، هما كانوا عاملين زي رقم ١٠ هو فوق قوي وهي تحت قوي (يضحك). كانوا الظباط بيعملوا إيه، هو كان واخد فيلا في الزمالك، يكرشوا العائلات اللي فيها وياخدوها، أنا حضرت ده كله وغيره، ده عملوا مصايب عمرها ما حصلت في تاريخ الدنيا كلها. المهم، قلتله هقولك كلمتين يابو عوف ومعاك المدام، وهو كان ماسك الفرقة عندنا ولجنة الاستماع في الإذاعة ومش عارف تليفزيون إيه. ماسك ييجي ١٢ مكان وكلهم بيقبض منهم، ولو اديته شوية لب ياخدهم. قلتله كل المناصب اللي انت فيها دي هتروح. بعد ٢٠ يوم اتشال خالص وما بقاش ليه ولا منصب، كنا بعد ١٩٦٧، وبقيت انا ونويرة تمام التمام.

لما رتيبة خرجت من الكونسرفتوار قالت انا عايزة امسك المعهد. ما كانش تبع التربية والتعليم لسه كان تبع وزارة الثقافة. كان اسمه معهد فؤاد الأول بعدين معهد الموسيقى العربية. أول ما مسكت طلبت عبد الحليم نويرة يطلع يدرّب في الدور اللي فوق، قلتله ما تطلعش فوق، دي هتعمل فرقة وتاخد شغلك كله، اسمع كلامي، جِه نويرة مات. راحت جايبة يسري قطر عشان عبده داغر ما يخطيش فرقة الموسيقى العربية خلاص ويقعد على المعاش مش عايزينه.كان القذافي طلب من يسري قطر ١٧ موسيقي من عندنا لإذاعة ليبيا. نويرة قالي “رشحله الموسيقيين اللي يروحوا”، اللي انا جايبهم ومعلمهم، العيال سخنوه عليا، مساحين جوخ كله مسّاح جوخ. راحوا قالوله “مين عبده داغر ده اللي يعمل كل حاجة وانت فين”، راح لنويرة قاله “مين عبده داغر اللي بتاخدوا رأيه”. وهو ساعات كان بيقود لما نويرة يبقى عايز يستريح يقوله قود بدالي. نويرة قاله “عبده داغر يفهم عنك وعني، عاجبك ولا مش عاجبك”. من يومها بقى فيه تار قديم، ورتيبة لأنها عارفة عايزة يبقوا الاتنين عليا.

جت بنتي نجحت في اختبارات المعهد وطلّعتها في التصفية. قلتلها لو بنتي ما دخلتش المعهد هدبحك وهدبح ابوكي بتاع الملجأ، ساعة ما قلتلها يا كذا، وكان يوم اسود بقى. وراحت البت داخلة المعهد. أنا بقى روّحت بعد ما نويرة مات، بعد ما جابت يسري قطر وعبده داغر ده خلاص على المعاش ما يخشش. وبقيت امسكها وريتها اللي عمرها ما شافته، بقت تلطم، ما انا على المعاش برّه بقى. كنت امسكها ابهدلها وهي تقولي ده انا باسكر مع الوزرا، أقولها طب وريني هتعملي إيه ياختي. أنا اتعلمت كتير الدنيا لطّمتني. بعدها قعدت في البيت اعلّم بقى. وعملت ورشة عيدان وبقيت اصنّع اعواد. وبعد شوية بقى عود عبده داغر أحسن عود في الخليج كله. والفلوس جريت معايا عشان بندي للخليج على طول.

اللي طلبته من ربنا حصلي اهو، صح؟

جت أوروبا ازاي بقى؟ في ١٩٧٧-١٩٧٨ وقت الصلح مع اسرائيل بعد الحرب، بقوا يتجمعوا في أمريكا شوية وهنا وهنا. مرة كانوا مجتمعين في مصر ومعاهم صحفي ألماني. قالهم أنا عايز اعرف المزيكا المصرية، فين هي المزيكا المصرية؟ مش عاوز غُنا عايز مزيكا. خدوه شارع محمد علي وروه حاجات قالهم لأ أنا عايز المزيكا الكلاسيك بتاعتكم. ودوه المعهد يشوف فرقة أم كلثوم. هما ما عندهمش في المعهد غير تركي؛ السماعي التركي والبشرف التركي. قالهم كل ده موجود عندنا في ألمانيا أنا عاوز مصري، ماهو ده شغل ربنا بقى. وانا كنت خلاص قاعد للعيدان والمزيكا انتهينا منها خلاص. باعلّم بس موسيقيين للبلد ومجانًا، باخد بس من الخواجات وكده لكن ماخدش من المصريين خالص. أنا اللي معلّم محمد الحلو وعلي الحجار وغيرهم. المهم، عيال من المعهد من اللي بيجولي هنا قالوا للصحفي تعالى هنوديك للي عنده المزيكا الكلاسيك المصري، وجابوه وجم على هنا. برضه الطلبة اللي باعلمهم بينفعوا. وقعد الراجل وقعدت انا والمجموعة اللي كنت باعلمها وقتها نقول المؤلفات بتاعتي. الراجل راح قالع الجزمة وقاعد على الكنبة دي ومربّع. وسجل اللي لعبناه كله. قال هو ده اللي انا عايزه، هي دي المزيكا المصرية. دي ناس بتدوّر مش زينا، يروحوا أي حتة يشوفوا فيها إيه لاجل بلادهم.

أخد اللي سجله وقدمه لأكاديمية في ألمانيا كان فيها واحد اسمه رومان بونكا بيلعب جيتار. سمع الحاجات بتاعتي ملعوبة بالعود معانا. راح جايب عود من تركيا عشان يقول الحاجات بتاعتي. بعدها قابل واحد مصري أخو سيد الملاح اسمه عصام الملاح، قاله انا عايز عود كويس. جابوه شارع محمد علي هنا وقرفوه، لأنه موسيقي وفاهم. بقى واحد يشتغله ويقوله انا عندي عود رياض السنباطي، ونصب، قطّعوه. لحد ما حد قاله روح على عبده داغر. كنت باصلي العشا رجعت لقيته ماسك عود من بتاعي في الورشة ومتسلطن. وقال هو ده العود اللي انا عايزه. لما جيت ولقيته ماسك العود وبيلعب مزيكتي، ما الصحفي اداهاله بقى، قلتله “نو نو غلط”. راجع من الصلاة ولابس العباية بقى. فاتغاظ مني قوي وراح ماسك العود يديهولي وقالي “قول انت”. قلتله “لأ خليك بالعود زي ما انت وانا هصلحلك”. ورحت ماسك الكمنجة. راح رامي العود بعد ما لعبت، ووشه احمرّ وقعد يحضن فيا، ما يعرفش لسه إن انا المؤلف. ومسك فيا كأنه لقى لقيّة. خلاص بقى صديقي قوي وبقينا تمام التمام وقعدنا كام قعدة. بعد كده قالي اعرف ان احنا هنجيلك السنة الجاية زي اليومين دول، قلتله ماشي، افتكرته عايز عود تاني ولا حاجة.

فيروز: ما كانش وقتها اشتغل مع محمد منير لسه؟

محمد منير واخده من عندي من البيت، والبنت اليابانية وكلهم من عندي من هنا. منير ده أصله على كيفك قوي، صعيدي على كيفك. ده كان عايزني انا اشتغل معاه، هو عارف ان انا ما بحبوش أبدًا. قلتله عايز تغني يابني غني اللون النوبي بتاعك هتنجح بيه. قابلته في السبعينات كان لسه عجر غير ناضج، وبيغني برضه يتفتف وبيتنّك. هو كان بيحبني جدًا جدًا وعارف اني باكرهه جدًا جدًا. كل ما اروحله عند بيته في جاردن سيتي كان ساكن هناك ينزلي الشارع يطلعني بنفسه. هو لطيف يعني، بس بيروح قعدات وحشة. مرة عزموني في شقة في الهرم، وفيها أجانب وشبان وشابات. بيعملوا حاجات وسخة قوي. تفيت عليهم وقمت مشيت. وكان معانا رومان بونكا. كنت باكرهه بقى من كده، ليه يا بني ده انت حتى صعيدي.

بصيت لقيتهم جايين من ألمانيا في وقت كنت طالع عمرة أنا والمدام الله يرحمها، مش هي دي (يشير إلى زوجته الجالسة في غرفة داخلية)، دي ساتت واحدة (يضحك) كل ما اجيب واحدة ما تنفعش اقولها روّحي ياللا. قلتلهم ده انا رايح عمرة، الكلام ده سنة ١٩٨٩، لأن بعد كده رحتلهم في ١٩٩١-١٩٩٢. قالولي “أجّل العمرة”، قلتلهم “لأ”. قعدوا استنوني ١٥ يوم، كانوا عايزين يعملولي فيلم. وكان معاهم واحد نوبي بتاع عود، حمزة علاء الدين. وسموا الفيلم العود فيلم 'العود' 'Al Oud' فيلم وثائقي للمخرج الألماني Fritz Baumann، حصل على جائزة German Camera Award. وصوروا الورشة والعيدان واتكلمنا ع الصنعة وكده. الفيلم راح ألمانيا وخد جايزة، المخرج كان اسمه فريتس باومان. والمتعهدين شافوه. وسمحة الخولي كانت هناك شافته، وقالت لابني ده ابوك في ألمانيا إيه كل ده، ده احنا كنا بنحتقره، ولاد الكلب.

بعدها كلموني في التليفون من هناك قالولي احنا عايزينك ومعاك تلاتة اربعة موسيقيين. أنا قلت دي قعدة شيخ. كانوا الشيوخ يبعتولنا من سويسرا وحتت كتير بيبقوا عايزين مزيكا ويقعدوا ويتسلوا. ده كانوا بيعملوا عيد ميلاد لقطة ويعملوا حفلة. قطة! ويجيبوا الناس من مصر ومن هنا ومن هنا. بعتولنا التذاكر وخدت اربعة من العيال اللي بادرسلهم وحافظين كويس. وطلعنا على ميونيخ. بصيت لقيت المخرج بتاع الفيلم، ولاففلي بقى سجاير ومجهزهملي في العربية. والدنيا هناك لامعة قوي، المطرة والتلج، ولسه باحسب اننا رايحين لواحد شيخ. في ميونيخ قالولنا ٨ الصبح هنطلع على النمسا. أنا خدت نفسين من السيجارة وضعت، جابلي حشيش ابن كلب جامد جدًا، أنا قلت بس انا آخري هنا وحسيت اني مش قادر وباموت. ما تعرفيش السيجارة عملت فيا إيه. جايبلي حشيش اللي هو الأفغاني ده، والسيجارة مليانة، قعدت اشرب قهوة عشان افوق ورحت نايم.

طلعنا على النمسا ونزلنا في أوتيل آخر احترام في الدنيا وحاجة فخمة قوي، وقالولنا معادكو بالليل الساعة كذا. رحنا المكان لقيت الصور اللي بيعلقوها دي اسمها إيه، بوسترات، متعلقة في كل حتة. قلت يا نهار اسود، هو في نصابين هنا زي عندنا ولا إيه؟ اتخضيت عشان احنا ياما انضربنا هنا عشان الحاجات دي؛ ييجوا يتفقوا معانا وينزلونا في المكان ويخلعوا واحنا ننضرب. هو النصب في كل حتة؟ هما عاملين كده عشاني انا؟ أنا عمر ما حصلي كده هنا ولا عمري اتحطلي بوستر في مصر. مفيش الا عند المعهد دلوقتي عاملينلي بوستر كبير عشان بادرّس هناك. واحنا قاعدين لقيت واحد مصري جاي عليا: “منورنا يا أستاذ عبده ومطوّل رقبتنا، قلتله “تعالى الحقني”، هو بيدرس هناك وشغال في البوفيه. “سألته إيه ده؟” قالي “ده مهرجان كبير قوي وعمالين يذيعوا عنك”. قلتله “ليه عبد الحليم حافظ!”، مش فاهم إيه الحكاية. أتاري كل اللي جايين دول شايفين الفيلم وجايين يتفرجوا عليا.

ظبطنا تلات حتت واستراحة وتلات حتت. طلعنا ع المسرح وكان كله إسود. قلت لمصطفى “ليلتنا سودا ربنا يستر”. والمسرح كله لابس سموكن، وانا عمال اترعش، الدنيا تلج واحنا مش واخدين ع الكلام ده. طلعنا في الضلمة وكشاف صغير بس بينورلنا مكان الكراسي. أول ما طلعنا لقينا سوكسيه جامد قوي، قلتله “إيه يا مصطفى هو في حد مشهور قاعد معاهم وبيسقفوله؟” أتاريهم بيسقفولي وانا معرفش. جمدت قلبي ورحنا قايلين أول حتة، بعدها حوالي ربع ساعة وهما بيسقفوا. قلتلهم: “الله هو انا عجبتكم ولا إيه، انعجبتوا بيا؟ طب تعالوا بقى“. والدم جري ورحت قالع الجاكيت، أول ما قلعت الجاكيت راحوا مسقفين تاني. ورحنا قايلين التلات حتت تمام وسوكسيه حاجة غريبة. وفي النمسا بلد بتهوفن. وبعدين كتبوا عبده داغر رجّع الجمهور يسقف وهو واقف. أنا كل ده مش مصدق نفسي. عملنا انتراكت وحاطين أكل وشرب وكل حاجة في أوضتنا.

تاني يوم رحنا على سويسرا. مديرة المسرح قابلتنا مقابلة لئيمة قوي، الظاهر يهودية وما بتحبناش. عكننت عليا، قلت لمصطفى ممكن اقولهم مش هشتغل إلا لما تنزلوا الولية دي. المهم لعبنا زي ما لعبنا في النمسا، أول ما نزلنا قابلتنا مقابلة تانية خالص. بتسلّم عليا قلتلها “مفيش سيجارة حشيش؟” قالتلي “حشيش؟”. ومدت إيديها في جيبها ومطلعة حتة حشيش وآخر انبساط. بعدها رحنا هولندا ونفس الحكاية. وبقيت كل سنة اروح. ألمانيا عرفتني على أوروبا كلها. اللي طلبته من ربنا حصلي اهو. صح؟

أم كلثوم دي حاجة كده هي وعبد الوهاب ... ربنا مديهالنا عيّنة

ياسر: فرقة أم كلثوم بقى، لعبت معاهم كام حفلة كده وما كملتش.

يا سيدي القصبجي ومحمد عبده صالح أنا بالنسبة لهم ما بيطيقوش أي كمنجاتي غيري. فقالوا لام كلثوم الواد داغر ده لازم يبقى ورا منك على طول، هتسمعي كمنجة. كان زمان في قعدات كتير عند الناس الهاي قوي، ما كانوش يجيبوا إلا انا. كنا بنروح راس البر مع ابراهيم حمودة وأحلام ومش عارف ايه. اتعرف عليا محمد عبده صالح هناك في الستينات واتفاجيء بيا، وبقيت في دماغه. وعمدة راس البر كان ياخدنا على مركبة كبيرة قوي وفيها فرن ومنقد ويعملوا فطير ومعمّر. زمان كان العمد غاويين فن وفنانين. وكان معانا أحمد العريان ابن ابراهيم العريان اللي عامل سماعي العريان المشهور. وبقينا كلنا نلعب مع بعض. جت الهوى غلّاب رحت البروفات شوية وما كملتش، كانت بتجيلي سفريات وباقبض فيها كويس. الشيخ زكريا ده حكاية، إنتي عارفة إنه خريج الأزهر والقصبجي كمان. الفنانين زمان كانوا أسرة واحدة ودايمًا يتقابلوا، ابراهيم حمودة ده كان كل يوم يغديني ويحششني.

كانوا القصبجي وعبده صالح عايزين يعملوا كومبينة هما الاتنين مع أم كلثوم على أحمد الحفناوي، ما بيحبوش الحفناوي. وبعدين ده قريبي واتعلم هو وابويا مع بعض في طنطا، مقدرش اعمل كده. أنا باشتغل هنا وهنا، والحفناوي مالوش إلا أم كلثوم وشوية حاجات بسيطة، ومصاريفه كتير، وبيقعد كل يوم يشربله ازازة ويسكي مع مراته، هيجيب المصاريف دي منين. عرفت هي الحكاية دي راحت عاملة قعدة في بيت الحفناوي في الهرم. فيها فريد الأطرش وعبد الحليم وأحمد فؤاد حسن ومحرّم (محرّم فؤاد) كان لسه طالع جديد. كل دول جايين يتحايلوا عليا عشان العب في فرقة أم كلثوم. وفي بيت الحفناوي عشان يبقى هو اللي داعيني. وانا برضه مش قادر. لفت الأيام، وراحت ام كلثوم جاية قاعة سيد درويش أيام فرقة الموسيقى العربية. وراحت نازلة لنويرة: “يا نويرة الولد اللي عندك ده قليل الأدب، ده مش متربي، مع انه موسيقي حلو قوي، كل ما ادعيه ما يجيش وانا عايزاه“. راح نويرة باعتليمزعّل الست ليه؟” قلتله أي كلام، أصل ظروفها بتيجي معايا كده، كلموني كان وفاة ابويا وسافرت. بعدين رحت اشتغلت معاها في كام أغنية، الحب كله والقلب يعشق. وكانوا يطلبوا مني اقول الصولوهات، وهي عايزاني ورا منها على طول، قلتلهم أبدًا. هما عارفين اني مش ممكن اتعدى على الحفناوي.

مشينا على كده وبعدين حسيت اني عايز اهرب بقى. جم يجيبولي الفلوس قلت له “فلوس إيه دي يا عم، روح قولها الرقاصة بتدفع أحسن منك”. ما بتدفعش، وبروفات بروفات وتاكسي رايح وتاكسي جاي، وفي الآخر ١٥ جنيه في البروفات والحفلة وكله. ما هو للأسف محدش كان بيقدر يفتح بقه معاها. الوحيد اللي كانت بتديله ماهية محمد عبده، عشان رئيس الفرقة ويبقى معاها وهي بتحفظ وفي زورها على طول يفكّرها وكده.

أم كلثوم دي حاجة كده هي وعبد الوهاب ربنا مديهالنا عيّنة، فلتة من فلتات الزمن. بس في حاجات في كل واحد مننا بتخلي الواحد ما يقبلهاش. آخر حاجة سبتها فيها كانت أغدًا ألقاك. قبلها كنت قايلّهم الفلوس دي ما تنفعش. أنا مش عايز منها حاجة. راحت مغيّرة وخلت كله ياخد الدوبل، الفرقة كلها، ورجعت. جينا في أغدًا ألقاك عملنا بروفات. هي لما كانت الأول تعمل الحفلة، اسرائيل تسجلها على أسطوانة وتبيعها قبل هي ما تبيع. بقت تسجل الأول وتعمل الأسطوانات وبعدين تعمل الحفلة وتبيع الأسطوانات. عملنا البروفات وصابحين نسجل جالها انفلونزا، حوالي أسبوعين. رجعنا تاني نعمل بروفات ودي كلفة. عشان كده كان القصبجي ما يركبش تاكسي ولا كلام من ده، كان يتشعبط في الترماي. القصبجي يتشعبط في الترماي! بيته ورا عمر أفندي في عابدين بيت كبير قوي. كان لما اروح عنده انزل معمي، يولع لمبة سهاري للبيت كله، يتهيألي عمره ما دفع نور.

عبد الوهاب كان موسوس، أي توقيف للبروفات بيقعد يعدّل ويغيّر في اللحن. عدنا البروفات تاني ولما جينا نسجل عبد الوهاب حط رقبته في البتاعة البلاستيك بتاعة الفقرات دي شهرين، والدنيا وقفت تاني. جم بقى يدونا أوردر جديد قلتلهم “اللي فات خلاص وفلوسه خلصت، بروفات يبقى من جديد”. قالوا “يا عم عبده إنت كده هتخليها تمشّي الفرقة كلها”. قلتلهم “أنا كمان آخد حقي، أنا عملت بروفات بما فيه الكفاية”. قالوا “هي مش هتزوّد، قلتله وانا مش جاي، أم كلثوم دي على راسي، إنما انا كده”. راحوا قالوا لها، عاديك بقى ولعت، راحت مبلغة نويرة ما عملش حاجة، راحت مبلغة الوزير ثروت عكاشة، عشان اتشد من كله، بتعمل زي أبو عوف.

فيروز: ده انت موعود بقى.

موعود حبيبي، موعود وكمنجة (نضحك) قالت له “خليه ييجي وانا اراضيه”. قلتله “مش لوحدي كل الفرقة”. قالت للوزير “أنا مفيش حد يعمل معايا كده”. راح مكلم نويرة قاله: “خلي داغر ده يهدى شوية، الفرقة وعملناله فرقة الموسيقى العربية، مفيش داعي يزعّل أم كلثوم بقى، بعد كده هتروح لعبد الناصر وهيجيبوه بالبوكس، العملية كده هتبقى صعبة، كده بيحط نفسه قدام القطر“. قلتله “طيب يا أستاذ نويرة ما عنديش مانع بس ليا شرط”، وانا عارف هخرج منها ازاي، ما احنا فلاحين زي بعض واشتغلنا في الموالد زي بعض،قول للوزير وهي واقفة هعمل تقسيمة سلطنة كده لها، وانا واقف جنب منها“. الوزير قالها، قالتله “لأ خلاص مش عايزاه”. هي ما تحبش كده وعارفه أنا لما اقسّم هتسمع ازاي. الحفناوي يقسّم، القصبجي، إنما عبده داغر لأ، وقفلنا عند كده. عند أغدًا ألقاك وقلتلها ألقاكي في الآخرة بقى.

فيروز: عبد الوهاب بقى.

عبد الوهاب كنا قاعدين مرة وقلتله “عايز اجي اقعد معاك شوية في البيت”. قالي “إنت مين؟”، قلتله “عبده داغر”، قالي “آه!”، هو عارف بس كان بيتلائم،قوي قوي تشرفني”. حددلي معاد ورحت انا وشيخ اسمه طلعت الليثي كان العواد بتاعي، أنا اللي معلمه وكان كفيف. قعدنا نسمّعه واسمعه لونجا واقسّم، والعبله الحاجات بتاعته، يقولي إيه ده، كان بيتلائم عشان يشوفني عارف ايه، هو أصله سمّيع قوي. كان عنده معاد الغدا مقدس، راح يتغدى وقال لنا “استنوا لما ارجع”. معناها لسه عايز يسمع. قلتله “أنا عندي واحد شيخ عايز اسمعهولك”، قالي “ماشي”. رحت واخدله الشيخ محمد عمران، وانا اللي معلمه هنا. هو صعيدي وكان بيجيلي، بس هو كان عظيم والبلد برضه ما عرفتش تاخد منه حاجة. وانا اللي جايب برضه الشيخ سيد النقشبندي. رحت انا وعمران، واتفرجي هو بيسمع ازاي! وكان دايمًا يسجلّنا باربع مسجلات، في إيده مسجل، وأحمد عزو المحامي بتاعه مسجل، أربعة ويطمن عليهم كلهم عشان يسمع ويعرف بعد كده عايز منهم إيه. هو كان عبقري، وياخد الجملة ازاي يوظّفها.

أم كلثوم أصلها منشدة وكانت تحب مصطفى اسماعيل. وهي سميعة أصلًا وصييتة، والعقال اللي كانت بتلبسه اللي عرفونا عليه آل البيت لما جم مصر. كان زمان بعد العشا بيذكروا، كان في عز جامد، عز ديني وعز أخلاقي. قابلت الشيخ عمران وهو أصلًا من الصعيد، وقابلني في سيدنا الحسين، قال للناس عايز اروح لواحد اسمه عبده داغر. لقيته طبعًا صوته حلو والمساحة بتاعته كبيرة، قلتله ياض انت تجيلي البيت بقى. قعد معايا هنا ٨-١٠ سنين عشان اهيئه بقى للنغم.

فيروز: بتعلّم المغنيين ازاي؟

العملية كلها واحد، مش قلنا القرآن الكريم سبب في كل حاجة، أنا خدت من المقرئ ومن المبتهل ومن الصييت وعملت المنهج بتاعي. بس فيه مثلًا مقرئ مش عارف الطريق فباورّي له. عن طريق التقاسيم وباغيّر فين والتغيير هنا يبقى ازاي، واعمله تأشيرات يغيّر وهكذا. أنا أصلًا باغنّي، باقوله المقام بالكمنجة وبصوتي، يوم ورا يوم بقت فكرة كبيرة عنده، ويشرب الموضوع.

الشيخ سيد النقشبندي قابلته عند هنيات شعبان. هو سمّيع ليها قوي، من بلد جنبها. جِه في يوم قالي عاوز اسمعّك صوتي. قلتله أنا عرفت من كلامك، شكلك صوتك حلو وفيه حاجة. راح قايل بقى. كنت باجيله مخصوص من مصر لو عنده حاجة. جينا في حفلة في كفر الزيات عند جماعة عرب وكان قاعد وياهم أبو السادات، وكان سمّيع بدرجة خيالية. والسادات برضه كان سمّيع جدًا. سمعه فندهلي قالي “الراجل ده فين؟”. قلتله موجود وانا كنت قايل للشيخ سيد لازم تنقل طنطا. نقل وأخد اخوه وكانت الشقق رخيصة. وكان أبو السادات راجل جميل قوي وابيض، بس كان متجوز سودانية، وكلهم البنات والصبيان ما جاش فيهم واحد ابيض.

“اعمل حسابك ده إعدام”

أصل انا أعرف السادات من زمان، طلّعني من الأردن، قال للملك حسين ده يوصلني دلوقتي. كنا في لبنان. وبعدين أخت رياض الصلح، هناك عائلات سمّيعة يا ساتر يارب. وكنا فرقة الموسيقى العربية هناك، وهما عندهم مزارع حشيش. بقت الولية تبعتلي كل يوم سبت قد كده مليان حشيش من جميعه. قعدت افرّق ع الفرقة كلها، والبنات ونويرة وكله. وبعدين المكان اللي قاعدين فيه ومكان المهرجان كانوا مسيحيين. بلغوا عني في المطار وكنت طالع ع الأردن عندنا حفلتين. الفرقة كلها مليانة حشيش، أنا اللي مفرّق عليهم وتارسهم حشيش. بقى يجيني حشيش مخصوص ليا اللي هو الزبدة ده. رحت مفضي شنطة الكمنجة ورامي الأوتار وكله، ورحت ماليها من الحشيش بتاعي انا بقى.

بعدين يا ستي بلغوا عني واتمسكت في مطار الأردن. ما كانش معايا انا حاجة ومالي الفرقة كلها حشيش. أيامها كانوا الظباط يطلعوا الطيارات ويتخطفوا وكان الأمن جامد قوي. ندهت لكمنجاتي صغير، محمد القصبجي من عيلة القصبجي برضو، قلتله “شيل يا محمد الكمنجة بتاعتي دراعي تعبان مش قادر اشيلها”. خد الكمنجة مفيش ٣ دقايق جِه واحد من الأمن قالي “فين الشنطة بتاعتك؟ “وريتله شنطة هدومي وقلتله “مفيش غير دي”. راح واخدني جوّه: “معاك مخدرات؟، قلتله آه ووريته فتفوتة كانت في جيبي. قالي “إيه دي؟” وراحوا مفتشين الشنطة ومبهدلينها ورموا الأدوية. أنا معرفش إيه اللي حصلّي بيحصلّي جنان، قعدت اشتم فيهم وابهدلهم. بعدين لقيت واحد داخل ومعاه الغطرة ومليانة حشيش. الفرقة بذروا المطار كله حشيش، واتلم الحشيش كله وجِه عليا. قالي “اعمل حسابك ده إعدام”. قلتله “لا انت ولا الملك بتاعك يعدمني، الملك الكبير في السما  بس هو اللي يعدمني”، رحت ضاربها كده.

السفير بتاعنا اتدخل، المخابرات كلمته. قالهم “سلموه لمصر واحنا هنحاسبه بعيد عن الملك”. لأن الملك “قال يجيني ومعاه الحرز بتاعه”. وراح السفير قال لنويرة “عبده داغر يستنى الطيارة المصرية يركبها”، حياتي كلها زحل. وعملوا كردون ع الأوتيل اللي نازلين فيه خايفين لاهرب. واحنا في الأوتيل وقاعدين قلتلهم “يالا يا اخوانّا نحشش”، قالوا “ما الحشيش كله راح”، رحت مطلّع اللي كان في شنطة الكمنجة، والفرقة كلهم بقوا يتنططوا. نمنا وقمنا وحششنا وتمام التمام، وقالوا خلاص هيسافر في الطيارة المصرية. أعمل ايه في الحشيش؟ ما انا مش هسيبه أبدًا. رحت واخد هاندباج صغيرة من واحد زميلي وحطيته في الجيب البراني، عشان لو اتمسكت اقول حد حطهولي. وركبت درجة أولى ورا الطيار على طول. في المطار خدوا مني الباسبور ما رضوش يدوهولي وقالولي “إنت بلاك لِست”. ورحت النيابة قدام رئيس النيابة ونويرة معايا. وجه تقرير رئيس النيابة بص فيه وقال ده مش حشيش اللي كان معاك، دي كانت حنّة، عشان يعدّوني. وانا اقولهم “إزاي مش حشيش، أنا باشرب حشيش من عشرين سنة يبقوا بدلوه، ونويرة يدوس على رجلي، ما انا مش فاهم حاجة. بعدها السادات لما يحب يضحك بقى يقولهم احكولي حكاية عبده داغر.

فيروز: بتدخّن حشيش قبل ما تلعب ولا بعد؟

كل تماريني في حياتي كلها وانا شارب حشيش. بس مش كيف، لفترة المزيكا فقط لا غير. إنما بعد المزيكا معرفوش. وباشرب قدام الجن الازرق لو في حفلة. عارفة شربت قدام مين؟ مش هتصدقي، وفي افتتاح مكتبة اسكندرية. وولعة السيجارة ممنوعة في المكتبةكان معايا محمود حميدة وقع من ع الكرسي من كتر الضحك – وحسني مبارك تحت، وهو جايبني غصب عنه لأن الناس قالوله لازم اللي يمثل مصر عبده داغر. جبت الفرقة ورحت ورا المسرح “لف يابني”. الراجل اللي ماسك خشبة المسرح كان هيتجننمين ده؟ إزاي بيعمل كده؟” والأجانب اللي جايين جم يحششوا معانا ورا المسرح.

ياسر: أحمد عدوية جِه إمتى في التاريخ ده كله يا عم عبده؟

بعد ١٩٦٧ كنا كلنا متعورين، وكان محمد رشدي بيشتغل على فرقتي، هو وشفيق جلال وكارم محمود وعبد العزيز محمود. المهم رشدي عمل حادثة اللي ماتت فيها نادية فهمي المغنية بس انا ما كنتش سافرت معاهم اليوم ده. وكنا جوزناه واحدة رقاصة وخلّف منها واد طلع شمام بعد كده ومش عارف حصله إيه. بعد ما قام م الحادثة، قالي “أنا عايز فلوس سلف”، قلتله “تحت أمرك عايز ايه؟ اتفضل”، هو فلاح برضه من دسوق (ينطق دسوق بسخرية مرتين). لما خف راح بليغ واخده وطالع على صلاح عرام، الفرقة الذهبية. قلتله “يا محمد طب انا ليا فلوس عندك”، قالي “فلوس ايه سيبني في حالي”. كان عدوية وقتها بيلعب مزهر مع الرقاصات وبيشتغل شيّال مع الفرقة الموسيقية وكده. قلتله “أنا مش عايز منك فلوس، بس انا ممكن اطلعلك الشيّال ده ينيّمك من المغرب،” وانا عارف ان عدوية عايز يغني وبيتحايل عليا.

رحت لواحد اسمه حسيب غباشي كان بيقعد معانا ع القهوة، قلتله كملي الغنوة دي واديته مطلع السح الدح امبو، كان في واحد في كلوت بك بيقلي عصافير يقعد يقولها ويعمل كدا وبتاع، واديته خمسين قرش وطلعته عندي حششته وهيّصته، وكملها. بعدين قلت لعدوية في واحد اسمه أنور العسكري امشي وراه واحفظ منه شوية مواويل. وكان في شركة صوت الحب، صاحبها عاطف منتصر من عندنا من طنطا. واخوه كان بيلعب معانا بلي. جالي قالي “إنت مش عارفني؟ مين كان بيخطف البلي منكم زمان ويطلع يجري؟” قلتله “منتصر. ياه!”. قالي “أنا عملت هنا شركة، ومعايا مأمون الشناوي وسجلت لوردة ونجاة وبتاع”. قلتله “ما دام شركة يبقى لازم تكون بيّاع، لازم تاخد نمرة من هنا ونمرة من هنا، دي تسقط دي تنجح”. قالي “عندك إيه؟” قلتله “عندي نمرة شعبية”، قالي “شعبية إيه يا عم لأ، أنا كذا وكذا”. قلتلهمش انت عايز تكسب ولا عايز تقفل؟ ممكن نمرة تضرب تشقلب الدنيا”. قالي “تتكلف كام؟” قلتله “هات ١٥ جنيه واحجزلنا استوديو.

وعملنا السح الدح امبو وشوية مواويل على كاسيت. ورحت منقيله شوية موسيقيين جامدين جدًا، سعد العريان وسامي البابلي بتاع الترومبيت والشيخ طه، ونزل اشتغل في السوق. بقى يعمل بالعشر نمر في اليوم. وجِه فاروق سلامة عمله كذا حاجة نجحت. قالي “عايز بليغ يعملّي” قلتله “إنت شعبي ما ينفعش، عايزلك واحد بتاع أكورديون يعملك شغل بلدي عشان انت شعبي”. بليغ بعد كده عملّه مفيش، أحمد فؤاد حسن مفيش (يقصد مفيش نجاح). اخترتله واحد اسمه محمد عصفور وكان معاه مزيّن من المحلة اسمه ابراهيم عتمان، نجح معاه عصفور وبقى ملحن وافترى. رحت جايب حسن أبو السعود وانا اللي معلّمه أبوه جابهولي، قلتله امسك لحّن ونجح وبقى ملحّن. أصل انا فهمت كده، أنا ممكن اوصّل أي حد للي انا عايزه وبعدين اسيبه بقى. موصّلاتي.

فيروز: شكلك بطلت تخاف من زمان، تخش تتخانق وتزعق وكرامتك وتخلع.

اتعلمت بقى. واتعرفت بكده، بقلة الأدب. زي ما تيجي ما بيهمنيش أي حاجة. أكتر من حسني مبارك وفاروق حسني وكانوا عارفين اني بادخّن حشيش فوق!

فيروز: فكرة إنك طول الوقت بتعلّم ناس وتقدّم ناس وانت عارف اللي مش هيكمل واللي هيروح سكة تانية مش بتضايقك؟

اللي انا باجهّزه بيعدّي، وهما عارفين كده. لو رحتي لمحمد الحلو وسألتيه هيقولك اللي يعدي على عبده داغر لازم يعدي. بس انا ما بيهمنيش. أنا قلت لعدوية قدام مراته، وزعلوا مني. كان بيغني في رمضان والفجر هيأذن، والناس عايزين يتسحّروا وهو بيغني والناس تديله ويسكي. قلتله ما ينفعش كده. كان قبل الحادثة بتاعته بتلات ايام.

ومرة برضو لقيت طلعت السادات أخو السادات طالع سكران وواقف مع جماعة كده. وانا واقف مع جماعة موسيقيين بيتكلموا على الحرب. وانا كان ناري لما كان حد يقول عمرنا في حياتنا ما هنحارب اسرائيل، هو خط بارليف ده خلاص كده انتهى. قمت انا بصوت عالي قايلّهم: “ده يبقى السادات ده خول من ضهر خول، وان ما كانش يقوم ويضربهم في ٦ ساعات يبقى خول، واخوه واقف جنبي. وراح قاله، بس هما فعلًا كانوا ٦ ساعات.

فيروز: كلمنا عن المشروع الحالي، بيت الكمان

الأوبرا بعتولي لأني كنت باتخانق مع حسني مبارك وفاروق حسني بسبب المعهد. قلتلهم إنتو مالكم ومال المعهد؟ إنتو عاوزين تكوّشوا على كل حاجة؟ ثم المعهد بانيه الملك فؤاد ومش تراث أصلاً، تحلوا عنه واحنا ناخده. مشيوا هما من هنا والمعهد جالي من هنا. إيناس عبد الدايم ما هي عارفة كل حاجة. باروح يوم في الأسبوع، بياخدوا المنهج بتاعي مقطوعات ومؤلفاتي وتمارين. وكله مكتوب نوتة برضه، تلامذتي بيكتبولي الحاجات اللي بادرّسها، بس الأساس إنهم ياخدوا من الكمنجة.

فيروز: إنت طول الوقت شايف إن طريقتك مش هتنتقل بس عن طريق التدوين بتعتمد على التلقين كمان.

التدوين للمعرفة إنما ياخدوا مني انا أحسن، يعرفوا الروح بتاعتي وانا عايز ايه بالظبط.

وبعدين في حاجة مهمة لازم تعرفوها، إحنا طبعًا عبد الناصر دخل علينا كانت الموسيقات العسكرية عندنا سبع سنين ورا بعض تاخد الكاس في ايطاليا من العالم كله. دي حاجة عظيمة جدًا سبع سنين. فين احنا دلوقتي؟ وليه؟ لأن مفيش ناس فاهمين. وقلت لمبارك وللسيسي كلهم. العالم كله بيضحك علينا. فين السلام الجمهوري بتاعنا؟ دلوقتي بيذيعوا القديم من الميكروفونات. لأنهم ما يقدروش يلعبوه، بيلعبوه نشاز. كسفونا في العالم كله، لو جبتي فرقة عسكرية في بلد مبتدئة أحسن مننا.

فيروز: برّه مصر كنت بتدرّس ازاي؟ وإيه اللي عندك بيبقوا عايزين يستفيدوا منه؟

بيسمعوا كويس والنوت عندهم. لما رحت كونسيرفتوار فرنسا عندهم قسم للعربي. بيدرسوا حاجاتي، وعزموني اروح افتتح القسم. واتصلوا بالوزير والأوبرا عشان اسافر. وبنات وشبان هناك بيلعبوا حاجاتي. المزيكا بتاعتنا غنية. كنت بادرّس في هانوفر وشتوتجارت، كانوا يجولي الطلبة ولازم معاهم أساتذتهم، ولما انزل يقولوا موتسارت واقف برّه. وده حاجة كبيرة عندهم جداً. بس احنا هنا مفيش، العنصرية في كل متر، لذلك فشلنا في كل حاجة. كلهم كدابين زفة. بقينا ركش، عشان كلنا بنكره بعض. ومفيش مختصّين.

كان زمان فيه حب إنك تعمل حاجة كويسة. دلوقتي كله بيكره بعضه. وخصوصًا إننا بقينا زحمة. مع إن عندنا أصوات جميلة وعندنا كل حاجة كويسة، إنما مش عارفين نوصل لحاجة لأننا مش حلوين مع بعض. وحبنا لبعض ده هو النصر الكبير.

Leave a Reply