على خصرنا العاري | دروس من السيدة شرموطة

فيديو السيدة شرموطة بسيط في صنعه، معقد فيما يحرّك في مُشاهده. الفيديو ساعة كاملة. هو ليس بنزوة. ليس التكرار فيه فقرًا في الخيال؛ وقد يكون التواضع في الرقص نابعًا من انعدام المهارة لكنه مقصود. ترغم هذه البساطة المشاهد على التفكير: من هي هذه الفتاة وماذا تريد؟

الفيديو غير مريح. ترى فتاة ترقص في دارها، حافية، والستائر مغلقة فتشعر بأنك تتلصص، رغم أنك تعرف أنها وضعت الفيديو بنفسها على قناتها على يوتيوب. تذكّر نفسك بذلك فتطمئن لشرعية المشاهدة، فتعود وتشاهد مقطعًا قصيرًا آخر. تحب الأغنية التي ترقص عليها السيدة وتود أن تنسجم، لكنك تشعر مرة أخرى بأن هناك ما هو ليس على ما يرام. هناك خللٌ ما في الفيديو أو في تلقيك له. تلاحظ حركاتها غير المتناسقة المقصودة، ثم تجد أنها أحيانًا لا ترقص مع الموسيقى بتاتًا. تعود وتشعر بعدم الراحة، ويبقى الفيديو معك. 

هكذا ترغمك السيدة شرموطة على قراءة النص الذي أرفقَته مع الفيديو، وتفتح عليك أبوابًا جديدة لفهم هذا العمل المخاتل. تقول لنا إن الفيديو للشعب الفلسطيني المناضل. يقفز الصوت المتشائم النامي فينا ليقول بأن هذا هو الكلام الفارغ بعينه. “لا وقت لدينا للخطاب القائل بأن الرقص والحفلات والموسيقى الحية مقاومة. هناك أبو عبيدة والضيف.” تغلق الفيديو ظافرًا.

لكنه يبقى معك. تعود وتفتحه مرة أخرى بعد يوم أو اثنين لتمر مرة أخرى بكل ما مررت به أعلاه، ثم تأخذ خطوة أخرى بعد، وتعيد قراءة ما كتبت السيدة شرموطة لتجد أنها دقيقة في ما تقول. هذا الفعل مقاومة للاكتئاب. هنا يحدث أول تحول، وتشعر بألفة مع السيدة شرموطة.

من منا لا يعرف ذلك الشعور المقرف الطاحن، وأنت ترى أهلك وأقرباءك وأبناء وبنات شعبك يُهجرون ويُقتلون ويُظلمون ويُستفزون وأنت جالس أمام الشاشة، تود أن تنفذ ألف عملية بينما تعرف جيدًا أنك على الأغلب ستموت دون أن تطلق فشكة واحدة على عدوّك. تغطس أكثر قليلًا في بؤس المصيبة وعمقها وحجمها الشاسع، الذي لا تكاد روحك تستطيع الإحاطة به. تنساه، ثم تصفن فيه، وفي لحظة عابرة، تتمكن من الإحاطة به وتدرك هول الفاجعة. ما أصابنا من ظلم على مر العقود، وأن أمك وُلدَت تحت الاحتلال ولن تعرف غيره. لحظات البؤس هذه هي ما تقاومه السيدة شرموطة. هي في وجه كل هذا، ولنا أن نتخيلها في بيتها الذي نقدّر أنه في الداخل الفلسطيني، وحدها، تكاد تنكسر روحها، لكنها لا تنهزم. بل تنهض وترقص على أغاني بلاتنم.

إدراك حجم المصيبة، ورفض الانصياع لما تخلقه فينا من غيظ لا يطاق، والنهوض للرقص، أو أي فعل آخر، بوعي كامل، هو مقاومة الانهيار الذي تُعلمنا إياه السيدة شرموطة. في بداية هذا التصالح الذي يحدث معها، تبدأ بسماع الأغاني مرة أخرى، وتقرأ أيضًا أنها تقدم قراءة لها، وهنا تبزغ حقًا أهمية ما تشاهد.

نشعر بوحدة السيدة شرموطة وتذكرنا بوحدتنا، لكننا في نفس الوقت نكتشف أننا معًا في هذه الوحدة. أن هناك مجتمعًا جديدًا له قيم متشابهة، لا تشبه قيم من قبلنا ولا من رُبّينا على تمجيدهم في الغرب، قيم تبلورت بطريقة ما في الداخل والشتات وغزة والضفة. هذا الجيل الجديد الذي سطره شب جديد بكلماته المتحدية والعدمية في آن، وفي موسيقى الناظر العالمية المستوى لكن الخاصة بطابعها، وسطور الضبور التي وجد ملايين الفلسطينيين من كافة الأعمار والخلفيات أنها تمثلهم. هذه ثقافة هذا الجيل، ثقافة هؤلاء. بلاتنم وجون بول زعتر ومحمد ومنى الكرد، هذا الجيل الذي يرى هول المهمة لكنه يمضي نحوها بلا هوادة، وبلا اكتراث. نحن لا نكترث لما يصح أن يقال، يقولون. نحن لا نكترث إن أساء أحدهم فهمنا. لكننا نكترث لما نفعل في قرارة أنفسنا. نكترث لجودة ما نقوم به، وصدقه، وكل حد ثاني يروح ينتاك. هكذا سنشكل ثقافة العالم يومًا ما، ونحقق المستحيل. ”نفك اللغز“. هؤلاء هم، والسيدة شرموطة أحدهم. هذه هي الثقة الكامنة في عمل لا يشبه أي شيء آخر، لا يشبه شيئا إلا نحن.

تقول السيدة شرموطة إن عملها قراءة لعمل بلاتنم، وقد يكون فعلًا أفضل قراءة طرحت حتى اليوم. أعمال بلاتنم عصية على الشرح لأنها سابقة لثقافة المثقفين السائدة. بلاتنم لا يكترثون، ولذلك يطرحون أغنية مثل كسخت أمريكا تغضب المنظرين الأخلاقيين من متابعيهم الباحثين عن ”بس بنفعش يحكي هيك“. يقولون ما يقولون ويمشي الموضوع. هم يحددون ما هو مقبول بناءً على قناعاتهم ويمضون به. تنطق السيدة شرموطة بالكفر الاجتماعي أيضًا، تضع الحطّة على خصرنا العاري وترقص بعشوائية تنفّر محبي الرقص ومحبي شب جديد، لكنها تأسر فئة قليلة تفهمها. الفيديو عليه بضعة آلاف مشاهدات حتى الآن، وهو لم ينتشر بأي مقياس، لكنه خلق تبعية خاصة تناقشه وتحاول تفسيره باستمرار. في كل مرة عرضت فيها الفيديو لأحدهم مر بخطوات تشبه ما وصِف أعلاه، عدم الراحة، ثم الحيرة، ثم الانصياع لقوة هذا الشيء الغريب الجميل.