صح وغلط | عمرو حاحا يتحدث عن الأوتوتيون

كتابةپيتر هولسلن - أكتوبر/تشرين الأول 21, 2018

في ليلة صيف حارة، جلس عمرو حاحا في استوديو التسجيل الصغير خاصته في حي الزاوية الحمراء بالقاهرة. المنطقة مفعمة بالمحلية، كقريةٍ سقطت من السماء وسط مدينة متروبولية. يقع استوديو حاحا في كوخٍ من الطوب الأحمر يصعب وصفه، داخله مساحةٌ مريحة بديكور أنيق، مع تكييف، أرضية سيراميك، وعدة ميكروفون إيه كيه جي.

عندما وصلت مع المترجم أحمد عز الدين، نهض حاحا ليُسلّم علينا، أمامه لابتوب دِل، وحوله أصدقاء مستقرين على الكراسي أو الأريكة. نجم مهرجانات مثله يستطيع التجول متباهيًا بقصة شعر الموهوك، نظارات شمسيّة على الموضة، جينز سكيني، سترة بَنك قطنية أو برنيطة، أو ربما الأفضل، كل ما سبق. أما حاحا فكان مرتديًا تي شيرت رمادي، شورت، وشبشب.

على عكس أجواء الأعراس التي يصنعها في أغانيه، سادت في الاستوديو حالة من الهدوء والتركيز. بدا الأمر لائقًا بمايسترو المهرجانات الذي وجّه تطوّر هذه الموسيقى المشاكسة والمبهجة، بيدٍ ثابتة.

جئتُ للتحدث مع حاحا عن الأوتوتيون، أداة الاستوديو المثيرة للجدل والحاضرة في كل المهرجانات تقريبًا. عندما بدأت تتضح ملامح هذا الشكل الموسيقي الجديد في بعض أكثر أحياء القاهرة فقرًا، كان الأوتوتيون تلك الأداة الرقمية البسيطة التي تساعد الفنانين غير المحترفين في تصحيح خروج أصواتهم عن النوطة، مانحةً أداءاتهم الخام تأثيرًا أكبر من المألوف. منذ ذلك الوقت، أصبح واضحًا أن الأوتوتيون أساسي في هذا النوع من الموسيقى. رغم أنه ليس كل فنان أو منتج سُعد بتبني الأوتوتيون، استطاعت هذه الأداة في أفضل استعمالاتها مضاعفة تأثير وجاذبية نجوم المهرجانات، كما منحت هذا الصنف الصاعد طابعًا عالميًا.

بدأ حاحا بتأليف بعض النغمات في ٢٠٠٤. وقتها كان يعمل في صيانة الحواسيب، وفي عمل مِكسات للأعراس على برامج مثل فروتي لوبس وآسيد برو. احتوت مهرجاناته المبكرة على عينات صوتية للطبلة الشرقية، مع آلات عربية أُخرى وبعض عناصر الهيب هوب الغربي. أصبح الأوتوتيون في هذا الوقت شائعًا بين فنانين مثل كانيه وِست وتي-باين، وكان حاحا متحمسًا لاستعماله بطريقته الخاصة: “كنت بسمع الأوتوتيون في أغاني كتير في الوقت ده، وكان منتشر ساعتها في الغرب. عجبني جدًا. عشان كان بالنسبة لودني محبب. بحس اني بسمع صوت مزيكا.”

إعلان

في مهرجان العشرين، أحد أفضل مهرجانات حاحا المبكرة، يُضيف الأوتوتيون لمسة لطيفة من العذوبة على إنتاجٍ خامٍ حدَّ السُّكر. لسبع دقائق، يُضرب إيقاع المقسوم المشوّه فوق أصوات رنين روبوتية. بعض الشباب يلقون أسطرهم بحماس كبير، مستفيدين من تحويرات في طبقة الصوت وتشكيلات نغميّة. تركيبة رائعة تذكرنا بكلاسيكيات هيب هوب مثل ألبوم راديو لـ إل إل كول جاي عام ١٩٨٤.

أخبرني محمود رفعت – مؤسس شركة تسجيلات ١٠٠ نسخة، والتي كانت وراء أكبر ضربات المهرجانات، بما في ذلك مهرجان لاء من العام الماضي – في مقابلة قبل عام كيف أنه يرى الأوتوتيون كأداة تقدم أكثر من مجرد تصحيح الغناء: “صوت نظيف، مرتّب، لكن ليس بشكلٍ ضعيف. ليس لأنهم خجلون من واقع أنهم لم يدرسوا الغناء كما يجب أو ما شابه. إنه مرتبط بالأعراس، بالاحتفالات، بالسعادة والمرح.”

بقدر ما يبدو هذا مقنعًا، من السهل تخيُّل مستمعين مصدومين عند سماع أغنية كهذه لأول مرة. في النهاية، هؤلاء ليسوا مغنين، وواقع أمر أن مهاراتهم مُدعّمة بخدع الاستوديوهات يزيد مما يراه البعض كإهانة لحرفية وتقاليد مغنين محتفى بهم مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، والذين التُقطت تسجيلاتهم التاريخية في عروضٍ حيّة. قد يكون ذلك سبب حرص بعض فناني المهرجانات على تحجيم أثر الأوتوتيون على موسيقاهم، فيشيرون إلى أن جودة المهرجان ترتبط أكثر بالكلمات، والحالة التي يخلقها المغني في حجرة التسجيل، بالإضافة إلى تجهيزات الأغنية والاستوديو قبل التسجيل. يرى سوسكا، المنتج لفرقة سوسكا الجيزاويّة، أن شعبية الأوتوتيون تراجعت عما كانته في أولى سنوات انتشاره، كون كثير من الفنانين أصبحوا يتقنون عملهم أكثر.

“ما بستخدموش كتير. (في) الأول كان الأوتوتيون عشان ما كانش في تدريب. عامة أي حد مثلًا بيلعب أي رياضة مش هينفع يبقى فيها البطل من أول مرة. لازم يتدرب الأول. في نفس الوقت المهرجان لما طلع كان كله معتمد على الأوتوتيون. كان مية في المية أوتوتيون. ما كانش فارق إيه الموضوع. “

مع ذلك، إن كنت في القاهرة في أي وقت، ستمر على الأرجح بصوت مهرجانات أوتوتيونية في مكانٍ ما. تصدح أصواتهم الرقميّة المصححة من التكاسي، الأكشاك، ومن الحفلات على القوارب في النيل. لا يستعمل جميع المنتجين الأوتوتيون بنفس الطريقة، وفي الأعراس يؤدي أغلب مغني المهرجانات دون أي تحسينات صوتية. لكنه ما زال هناك، حاضرًا في أكثر تسجيلات الاستوديوهات انتشارًا، كما هو في أكثر أعمال البوب عالميةً.

في حالة حاحا، فهو يستعمله لأسبابٍ هي مزيج بين ما يميل إليه جماليًا وبين غايات عملية: “بستخدمه لتحسين صوت المطرب، وبيخليه يطلع نفس طبقة المزيكا، ما يخرجش منها، ما يبقاش في نشاز برا المزيكا، همَّ الاتنين ماشيين مع بعض.”

في بدايات هذا العقد، ومع اكتساب المهرجانات شعبية كبيرة في كل أرجاء مصر، صقل حاحا أسلوبه. مع صديقَيه علاء فيفتي وسادات، برَدَ حاحا الحواف الخشنة في إيقاعات أغانيه، بينما ضاعف شدّتها. يتألق مهرجانه اسنجا من تلك الفترة بسطور السنث المُخدّرة وعينات الدرَمز المزخرفة. وسط جوٍّ سايكدلي كهذا يبدو علاء فيفتي وسادات خارقَين للعادة، بصوتيهما يلتمع مثل سبائك الكروم بينما يتنقلان بخفة عبر التحولات النغميّة ويلقيان سطورهما بسُرعة استثنائيّة.

منذ ذلك الوقت، أصبح تأثير الصوت الروبوتي في أغانٍ مثل اسنجا أحد أكثر العلامات المميزة للنوع شيوعًا، لدرجة ظهوره في أغنية ساخرة من المهرجانات قدمها حسين الشربيني. يحقق المنتجون ذلك التأثير في الاستوديو بتطبيق فلاتر مثل ريفرب وديلاي، وبزيادة سرعة الريتيون في برنامج الأوتوتيون. يتحكم الريتيون بتصحيح الخروج عن النوطة الذي يحصل بينما يتنقل المغني بين النوطات ضمن مجال معيّن، وذلك في الجزء من الثانية. بزيادة سرعة الريتيون ينتج صوت متذبذب ورقمي.

إعلان

في الهيب هوب، ساهم هذا التأثير بظهور ما سُمي اصطلاحًا الفتى الحزين أو الروبوت الحزين، مع استعمال فنانين مثل كِد كَدي وفيوتشر له للتعبير عن قلقٍ وجوديّ أو اكتئابٍ مُضني. على كل حال، بيد حاحا، أصبح للصوت الروبوتي مهمة مختلفة. في مهرجان مثل اسنجا، يصبح سادات وفيفتي بطلَين للشارع أكبر من واقعهما، قادرين على تحقيق انتصارات نغمية والمحافظة على طابعهما الهجومي في نفس الوقت. لصوت الأوتوتيون الروبوتي تأثيرٌ مماثل في ما لا يُحصى من الأغاني الأخرى. يستطيعُ المغنون إلقاء سطورهم بأسرع وأقسى ما عندهم، بينما لا يخرجون عن النوطة. بهذه العملية، يحافظ المهرجان على صوته الخام، إلى جانب مراعاة الجاذبية الجماهيرية عبر الهُكات النغميّة، والحيوية الاحتفاليّة المكثّفة.

طبعًا، هناك الكثير من الأمثلة الكارثيّة لاستخدام الأوتوتيون في المهرجانات. في مهرجان مفيش صاحب يتصاحب الذي ضرب عام ٢٠١٤، يُطبّق المنتج حسن برنس الأوتوتيون وعدة فلاتر أخرى بكثافة مبالغ فيها إلى حد بعيد، مبرزًا فراغ المهرجان وموسيقاه الأشبه بأغاني الأطفال. في النهاية، أنتج شيئًا مثل مهرجان بوب، أشبه بحلوى دبقة لشدة إغراقها بالسُّكّر.

في أغانٍ كهذه يستطيع المستمع فهم انتقادات الأوتوتيون، التي تصوره على أنه زيفٌ يُقلل من قدر الموسيقى. لكن المهرجانات بعيدة عن أي طبقية أو نخبوية بطبيعتها. يعتمد جزء كبير من جاذبية النوع على كونه من صنع الشباب – لا النخبة المثقفة موسيقيًا – الذين يقومون بالأشياء على طريقتهم ويقولون ما يريدونه. يُسهّل الأوتوتيون هذه العملية. “هو مثل استعمال فلتر سناب تشات معروف لدى كل الناس. أداةٌ ديمقراطية جدًا.” قال الموسيقي الإلكتروني المصري كريم لطفي.

عندما سُئل عن انتقادات الأوتوتيون، أقرّ حاحا بعض النقاط في وجهة نظر المتعففين، لكنه أكد أن الأوتوتيون مفيد للمهرجانات: “أنا شايف هو كلامهم صح، وغلط. صح لإن لو تلاحظوا المهندسين والموزعين عندنا هنا بيزودوا قوي، يعني لازم يوضحهولك قوي، يظهرهولك بطريقة عشوائية، ويخليك تزهق وحاسس إنك انت مش بتسمع صوت واحد، لأ بتسمع صوت حاجات إلكترونية. لكن إحنا بنشتغل اكتر إن احنا بنخلي الصوت أوضح وفيه أوتوتيون. بس هو حلو لأنه بيعلمك، لو انت مش فاهم مقامات، هيخليك تظبط مقاماتك صح.”

رغم أنه بدأ بأدوات بسيطة، يمتلك حاحا الآن استوديوهَي تسجيل. يستعمل ميكروفونات بجودة عالية وأحدث البرامج عندما يصنع موسيقاه. بالنسبة للأوتوتيون، لدى حاحا العديد من الخيارات، فقد نزل أكثر من ٢٠ إصدار مختلف للأوتوتيون فقط لبرنامج إف إل استوديو، بينها إصدارات مكيفة بحسب المقامات العربية. مع ذلك، يلازم حاحا الأوتوتيون المساعد في برنامج فروتي-لوبس، والذي يستعمله منذ سنوات. بحسب حاحا، الإصدار الرابع ينتج الصوت الأنقى. في الاستوديو، يميل حاحا لتطبيق الأوتوتيون مباشرةً خلال التسجيل، بدل العمل عليه لاحقًا، مستندًا إلى ذائقته المصقولة بجانب معرفته بمواضع الحاجة إلى الأوتوتيون ودرجة هذه الحاجة ليتسق الغناء والنغمة: أول حاجة هي ودني. تاني حاجة وانا بعمل مزيكا ببنيها من إيه؟ من السي ولا من الإي ولا من الدي، على حسب الطبقة اللي انا هقول منها.”

بنضوج حاحا كمنتج، تجاوز تأثير الصوت الروبوتي، فهو يسعى حاليًا إلى صوتٍ مُصحح بالأوتوتيون لكنه طبيعي بالكامل. لا شك أنه بالكاد يمكن ملاحظة الأوتوتيون في مهرجانه الأخير، خربان، حيث يلقي سادات العالمي وويجز قوافي خشنة فوق بيتس بأسلوب النيو سكول يمزج به طبولًا شرقية مع درَامز الهاي-هات من التراب: “حاطط أوتوتيون طبعًا. بس انت متحسش إن في أوتوتيون غير فحاجات تبينلك إنها فيها. لكن تحس ان هو صوت طبيعي، وهو ده المطلوب.”

ليس حاحا الوحيد الذي ترك نمطيات الأوتوتيون وراءه. في مهرجان لاء لـ الصواريخ، أحد أنجح الأعمال في تاريخ المهرجانات التي بلغت عامها الـ ١٢، يُقلَّل استخدام الأوتوتيون لصالح الضغط والصدى الخفيف، ما يُدعّم أسلوب غناء الثنائي الدواريّ. في الوقت نفسه، يستعمل النجم الصاعد سويزي الأوتوتيون في الاستوديو فقط، لا في الأداءات الحية، التي يمزج فيها المهرجانات مع أداءات الموالد المبهرة.

صحيحٌ أن الأوتوتيون عنصر أساسي في جماليات وإنتاج المهرجان، لكنه في النهاية أداة مساعدة في نوع موسيقي أصبح أكبر من أي أداة أو موجة نتجت عنه. في استوديو حاحا في القاهرة، سألتُ المنتج المخضرم عن النصيحة التي يقدمها للمنتجين الجُدد عندما يستخدمون الأوتوتيون، فكان أهم شيء برأيه أن يُطوّر كلٌّ منهم صوته الخاص بتعلُّم كيفية تمييز الصوت الذي يُحب:

“خد صوت أي حد، وحاول تحط الصوت ده على حتة مزيكا نفس الطبقة بتاعته، وحاول تزبط الكلام مع نفس المزيكا بالأوتوتيون. لو عملت كده، خلاص فهمت. مرة بمرة هتفهم كل واحدة ووزنيتها إيه. ده لو ماشي بودنك. لو هتمشي تعليم من حد، هتفهم الأوتوتيون ووزنياته طبعًا. بس انت بقى اللي تحط التتش بتاعة المهرجان.”

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply