عمرو دياب يتخلّى عن التجديد

عندما يحاول مغنٍ إعادة تعبئة وتغليف وبيع ما كان قد قدّمه يوماً، عادة ما يُقابل بانتقادات شديدة. لكن مع اختلاف مقاييس السوق، قد ينجح المنتج الجديد على مستوى المبيعات وإقبال مُريدي الفنان، وإن كان غالباً إقبالاً بلا حماس، كما يتحمّس مشجعو فريق مهزوم لفريقهم بدافع الولاء لا أكثر، حتى إن رفضه المتخصصون من نقّاد الموسيقى. عمرو دياب ليس استثناءً. واللافت أن نجاح اسطوانته شفت الأيّام التي صدرت عام ٢٠١٤، والاستحسان الّلذان قوبل بهما جاءا لنفس السبب الذي قد يهوي بمنتج آخر: قام عمرو دياب بإعادة إنتاج نفس ما كان يقدمه في التسعينيّات وأوائل الألفينات.

لنأخذ مثالين من الاسطوانة مبدئياً: أغنية أنا مش أناني، الرابعة في العمل من حيث الترتيب، والتي تذكرك فوراً بالأغنية الخامسة تقدر تتكلّم من اسطوانة علم قلبي ٢٠٠٣، إذ ذهب البعض للتدليل على التشابه بقولهم أن أنا مش أناني هي الجزء الثاني من تقدر تتكلّم ذات الشعبيّة الجارفة، واللّتان تفصلهما أكثر من عشر سنوات. لتتخطّى مشاهدات أنا مش أناني على اليوتيوب خمسة ملايين مشاهدة في أقل من خمسة أشهر. ويمكن أيضاً ملاحظة تخطّي مشاهدات أغنية ساعة الفراق من الاسطوانة الجديدة ثلاثة ملايين مشاهدة، فهل لأنها تذكّر قليلاً بـ خلّيك فاكرني التي صدرت عام ١٩٩٩.

هذا يطرح التساؤل البديهي: لماذا رحب معجبو عمرو دياب بعودته إلى شكله القديم؟

في اسطوانته الأخيرة، لم يتخلّ عمرو دياب عن مغازلة إيقاعات موسيقى الـ هاوس House التي بدأ تمسّكه بها في اسطوانة الليلة دي ٢٠٠٧ على استحياء، وتحديداً في أغنية نقول إيه التي نجحت نجاحاً كبيراً وقتها. ليقرّر بعدها إفراد مساحة أكبر لهذا التصنيف من الموسيقى في اسطوانة ويّاه 2009 في أغنيتي وياه وعيني وأنا شايفه، اللتان حقّقتا نجاحاً لا بأس به، وإن لم تحظيا بنفس شعبيّة التجربة الأولى. ثم لسبب ما، يمضي عمرو دياب قدماً في زيادة نسبة الهاوس في أعماله لتصل إلى مستوىً كارثي في اسطوانة بناديك تعالا 2011 بخمسة أغانٍ، والتي ربما حقّقت أرقاماً لا بأس بها من حيث المبيعات، إلا أن الإقبال عليها كان ذلك الإقبال الفاتر. ليمرّ العمل بلا خسائر ولا أمجاد تذكر، و إن كان قد لاقى كمّاً لا بأس به من السخرية من الغلاف وعنوان الأغنية الرئيسيّة بناديك تعالى التي تحمل لهجة آمرة غريبة. لم أجد إحصاءات أمينة عن حجم الإقبال على اسطوانة بناديك تعالا، ولا أريد تحميل الموضوع أكثر ممّا يحتمل، لكن ربما عدد الأغاني الهاوس التي اعتبرتها نسبة من الجمهور على أنّها إقصاء لها، وتودّداً لشريحة معيّنة أخرى، كان سبباً في عدم الاحتفاء بالعمل. وذلك إضافة إلى المستوى المخيّب للآمال، والذي تجلّى في الأغنية التي لاقت نصيب الأسد من السخرية، يا ريت سنّك، والتي علق عليها الكثيرون بسخرية على أنّها بيدوفيليا صريحة.

تدارك عمرو دياب الكبوة نوعاً في الاسطوانة التالية، الليلة 2013، ليخفّف جرعة الهاوس نوعاً ما إلى ثلاث أغانٍ. ثم شفت الأيام بأغنيتين فقط.

ربما يرجع سر نجاح شفت الأيام إلى أنّه تسوية ترضي جميع الأطراف. إذ يبدأ العمل بأغنية تحمل نفس الاسم، والتي جاءت امتداداً لأسلوب إيقاعات الهاوس التي لا يبدو أن عمرو دياب سيتخلّى عنها قريباً بسهولة. مزجها الموزع عادل حقّي بمداخلات من الجيتارات والأكورديون، كأنه يحاول، واعياً، الوصول إلى تسوية تمزج إيقاعات الهاوس السريعة بشيء مألوف بالنسبة لمستمع عمرو دياب الذي قد لا يكون هذا النوع من الأغاني هو المفضل لديه.

تأتي بعدها جماله متوسطة الجودة والتي تبدو وكأنّها صدىً لأكثر من أغنية في أعمال عمرو دياب، بصولوهات الأكورديون التي ذكّرتني بـ وغلاوتك من شريط عوّدوني 1998. تمهّد الأغنية لـ وهتبتدي الحكايات بإيقاعات شرقيّة وانفرادات الغيتار الإلكتروني الذي أصبح، بدوره، من العلامات المميّزة للعديد من أغاني عمرو دياب. ومع انتهاء الأغنية، توشك على نسيان كبوات عمرو دياب السابقة، وتستعد للاحتفال بعمرو دياب الجديد وبتاع زمان في نفس الوقت. ما ينقلك إلى أنا مش أناني التي ربما كانت صك الغفران.

لا نزال نتحدّث عن أغانٍ منسوخة عن أغانٍ أقدم لعمرو دياب، لكن لعلّ محاولاته للتغيير الجذري جعلتها مقبولة، وربّما مرحب بها. تأتي بعدها أغنية ونعيش التي لم تكن الاسطوانة لتخسر كثيراً لو لم تتضمّنها، ويمكن تفويت الأغنية واستكمال الاستماع وصولاً إلى مش جديد، والتي تزداد فيها جرعة المألوف المحببة جداً: مبدأ الجديد /القديم الذي أعجبني شخصيّاً، بإيقاعاتها ووتريّاتها، كصدى لأغنية كده عيني عينك ورّبما أغانٍ أخرى. ثم يضرب عمرو دياب مجدداً في ساعة الفراق التي تمثّل الأغنية الحزينة المناسبة للمنفصلين حديثاً، وهي الأغنية الطقوسية اللازمة في كل عمل مذ أن قرّر غنائها للمرة الأولى وإلى الآن.

يصر عمرو دياب أحياناً على التلحين، وتأتي النتائج إمّا جيّدة جداً أو باهتة جداً، فكما لحّن كان طيب، لحّن أيضاً بلاش تكلّمها في شريط راجعين 1995. أغنية جانا للأسف من النوع الثاني.

نأتي بعدها إلى كان كل حاجة التي تستدعي فوراً كان طيب، مازجةً بين الكلمات المعبرة عن الفقد والحزن والندم، مع الإيقاعات المرحة واللحن الراقص الخفيف، وهي اللعبة التي يجيدها عمرو دياب تماماً. ثم تأتي أغنية أيوه تغيّرت التي لم أستطع تحديد موقفي منها. فبعد الاستماع إليها عدّة مرّات خلال الشهور الماضية، لا أكاد أميّز كلمة واحدة غير عبارة “أيوة تغيّرت ما فيش حاجة”، رغم التزام اللحن والتوزيع بإحدى التوليفات الـ عمرو ديابيّة التي أثبتت نجاحاً من قبل. أعتقد أن السبب في ذلك هو موقعها في الاسطوانة بين كان كل حاجة ذات اللحن الراقص من قبلها، وأهو ليل وعدّى التي اعتبرها البعض زبدة العمل.

في اسطوانته الأخيرة، تخلّى عمرو دياب عن التجديد والتجريب لصالح العودة إلى ما اعتاده وأجاده، واعتاده جمهوره وافتقده في أعماله السابقة. نجح هذا العمل من دون أن يحدث ثورة في الموسيقى الشبابية، بل ربّما نجح لأنّه لم يحدث ثورات إطلاقاً، ولم يكن ينتوي ذلك. يصعب تناول موسيقى عمرو دياب من دون الوقوع في فخ التحيّز له أو ضدّه. ويصعب جداً أن يؤثّر مقال أو نقد مكتوب في نجاح عمل فني من عدمه، و يستحيل ذلك في حالة عمرو دياب، ففي النهاية سيبقى السؤال الذي يتكرر كل صيف ومهما حدث: هو عمرو الجديد حينزل إمتى؟.