عن الطشت الذي يقول أستحمّي

كتابةنسرين منصور - مايو/أيار 15, 2016

“هععععععععععععععععععععاااااااااا”، هدير غليظ يربك الأذن فلا تعرف إن كان مصدره آدمياً أم إلكترونياً، يتضح تدريجياً لمّا يطول ويتمّم ب “لييييييييييل”، يتعاقب بعده حوار على ارتدادات  لحنية  لصوت رقيق عذب بإيقاع هادئ يتصاعد حتى نهاية التراك. فيرد عليه أحدهم ممازحاً “يا سلاااااام….. ما تليّلش ياخويا، التعميرة خلصت يا سي رجب “. فيرد “المليِّل”: “الله دا انا رجب، مش قلتلك يا حلوة انا رجب” ويختم جملته بقبلة مدوية “أمواااه” .

يتولد إحساس لذيذ بالمتعة المدغدغة لدى العثور صدفةً على نتاج يعطي لملذاتٍ كالكيف اهتماماً، والقلق الناتج عن انقطاعه وسط جلسة أنس مثلاً. هو قلق يَنِمُّ عن استمتاع بلحظة معينة نعتبرها من المسلمات، لطالما اختبره المتذوقون منا في حالات السلطنة الحميمة، فردية كانت أم جماعية، كانقطاع الماء ونحن نستحم، أو نفاذ آخر قطعة من حلوى العيد، أو افتقاد الكوندُم في خضم وصلة جنس حامية. لاستذكار سلطنات كهذه، ليس هناك ألذّ من وقوع العين على تراك عنوانه ثرثرة على ساوندكلاود مرفقاً بصورة لبوستر فيلم ثرثرة فوق النيل (١٩٧١).

وفي البحث عن المزيد من الملذات السمعية على الصفحة ذاتها، سرعان ما وصلت أذني لتراك آخر عنوانه جمْع مؤنث للشتائم الإيحائية في اللغة العربية. يقتطف بدوره كسميات صوت الشاعر نجيب سرور وهو يلقي بشراسة نابضة، ثابتة وبطيئة “أيُّها الواقفون على حافه المشرحة… قبل أو بعد أو مع المذبحة…” يعقب عليه رنين “ها هااا هاااى” دافئ ومدرك من احدى الجليسات وترافقه ارتدادات لحنية متصاعدة في مزيج من الإيقاع العسكري ورقص الدَّب Dub الرخيم الترانسي.

إعلان

وفي مقابل هاتين السردتين الفادحتين تراك آخر بعنوان أصابك عشق  يكمل مطلعه “أم رميت بأسهم، فما هذه إلا سجية مغرم”. سلطنة من نوع آخر يعرفها من كان يوماً متيماً ـ ومن لم يكن كذلك؟ – فالنص الشعري منسوب إلى مزيج من أبيات ليزيد ابن معاوية وقيس بن الملوح ويعود للحقبة المبكرة لانتشار الإسلام. فيه خفر يرتقي بالعشق لينافس التضرع الديني في مزج ارتدادي لحني لأغنية من اللون الصوفي بأداء هاني دهشان.

في ذكر اللحظة الكيفية

في موسيقى ابراكصوفيا استذكار أدبي ـ موسيقي مزدوج من التجريب الدقيق، يقدم فيها بسخاء تجريبي ٢٢ مساراً لاكثر من خمسة آلاف متابع على مدى سنتين. النصوص والألحان فريدة مستقاة من مخزون عربي وغربي أدبي وشعبي وصوفي متنوع يمتد من Waiting for Godot، وHowl إلى لطفي بوشناق وExorcism. كلها تدغدغ ذاكرة المستمعين الثقافية من خلال التنقيب الموسيقي على المحرمات الأدبية الناجية من مقص الرقابة وقبضتها وزنزانتها ورصاصتها الرسمية والشعبية.

وفي استرجاع للنصوص الادبية الملهمة لها، عدت الى الفيلم والرواية والكيف والعوامة وليالي انس مضت، إلى كسميات وسخطها الجنسي-السياسي وحقبة النكبة، وإلى تفريق أبيات يزيد عن قيس في محاولة مهدورة لقياس تنافس التمرد الشعري في تفضيل الهوى على العقيدة. من خلالها رشحت معالم الأنس والضحكة وعشق الكس وشتيمة الأم كركيزة لهذه النصوص المستفزة من جهة، ومخالطتها بجماليات خاصة يتيحها الخلق الموسيقي في إضفاء تجربة وبُعْدٍ سمعيّين لنصوص المحرمات من جهة أخرى. فبرز تساؤل حول التحولات السمعية التي قد تطرأ في استقبال المستمعين لاستخدام الكس الأدبي في الموسيقى وعن تداعيات التناص بينه وبين السياق الاجتماعي والسياسي والتاريخي والثقافي المرافق لها.

يتسم تواجد ابراكصوفيا على ساوندكلاود بكتمان شديد. فالاشارة الوحيدة منه لمتتبعيه تختصر في خانة التعريف بـ horseshit. تعريف عبثي يبوح بمزاج حميم وانتقائي ويفيض بترجحات متنوعة من الخلق الموسيقي. ففي بساطة موسيقية يأتي تراك ثرثرة كسردة لحنية إلكترونية رقيقة تبطِّن النص وتبرزه. في أحيانٍ أخرى يستفيض بغَزْلٍ موسيقي منمّق يرتكز على تلقيح اللحن الصوفي بمزج الكتروني ارتدادي Reverb مستوحى من رقص الدّب والتشيل آوت Chill Out

يجذب ثرثرة ببساطته اللحنية والنصية عدداً محدوداً من المعجبين الذين يتذوقون الدلالات الناتجة عن اختيار هذا المقطع بالذات من الفيلم وليس غيره لمناجاة الكيف. فيدور الحوار تحت ثرثرة حول تململ الجمع من نفاذ الكيف الى أن ينقذ الموقف أنيس (عماد حمدي) وهو ضيف جديد ليقدم طرف لـ علي (عادل أدهم) عميد الجلسة الملقب بالإمبرطور. تنقلب الجلسة من التحسر إلى التبجل، ويقوم الجمع بتكريم الضيف ورفعه على كرسي وتنصيبه هتافاً “يعيش وزير شؤون الكيف، يا باسطنا، يا محششنا، يا منقذنا” حتى انتهاء التراك. وبهذا، فالنص المنتقى لا يسائل ولا يجادل ولا يطرح أياً من القضايا السياسية لمسألة تحريم وتجريم الكيف. بل هو بمثابة ثرثرة مساطيل طريفة وإجلالية. تبدو التركيبة الموسيقية النصية كأنها تحية فردية مخصصة لمتعة تذوق الكيف لا تتوجه إلى أحد بأي خطاب نضالي، بل تنفرش على الصفحة متيحة لمن يتذوقها ويخصها الود ذاته.ثرثرة

بالطبع، لا يغيب سوء صيت الكيف الشعبي والسياسي بالكامل عن التراك. بل من خلال الحوار، ينضح البعد السياسي الأوسع حيث يقوم الامبرطور بتهديد مَرِح لرجب في حال استحالة تأمين الكيف فهو وأصحابه سوف “نروّح ونسيب المقال”. هنا يتوسل له رجب “لا فعرضك أوعى تسيب المقال” وبعد توفر التعميرة يعود الإمبرطور ليكافئ رجب “حضرتك تروح تلعب في السيما عشان أكتب عنك”.

الإمبرطور هو من أكبر النقاد نفوذاً، يتبجح بكتابته عن أعمال لا يشاهدها إلا أصحابه من الفنانين الهابطين. يصوِّر ثرثرة الكيفيين على أنهم مثقفون فاسدون، تناسوا رسالتهم الأدبية لحساب صفقات تنفيعية يحييها الكيف وجلسات أُنْسِهِ المشبوهة. لا يبخل الفيلم بعرض أسباب فسادهم المستحدث هذا. بالرغم من أنهم كانوا قد دعوا للثورة واعتقلوا من أجلها، إلا أنهم أصيبوا بالاحباط بعدما همشهم النظام فيما اعترضوا على تناقضاته المرافقة للنكسة. وعوضاً عن مساءلة التناقضات النظامية المؤدية إلى الاحباط، يُجَرِّم الفيلم الإحباط على أنه سبب إفلاسهم الثقافي وانحلالهم.

ويتجلى هذا الانحلال بتأنيث الاحباط الكيفي وإلصاقه بالهبوط الجنسي، فنشاهد رجب الذي وبالرغم من موهبته، يتمختر ـ في المقطع الوحيد من الفيلم المصور بالألوان ـ بثوب لاميه وباروكة ستّاتِيّة مُحَزِّماً وسطه متراقصاً على أنغام الطشت قالي لعايدة الشاعر. يصور الفيلم الكيفية المحبطة على أنها امرأة وصولية تتدلع على الدعوات المتكررة للطشت الي “قالي استحمي” وتشترط عليه بطمعٍ شَبِقٍ لتزهو بفراغها. ويصل هذا التوصيف إلى جميع الشخصيات النسائية المنجذبة إلى العوامة، وعلى رأسها سنية الألماظية (نعمت مختار) التي بعثت بجملتها الايقونية “رجب حوش صاحبك عني” نفساً جديداً في ثبات الهبوط المعاصر الذي تجلى في أغنية هيفاء. الاستثناء الوحيد هو سمارة (ماجدة الخطيب) الناطقة بصوت الوعي القومي.

وبهذا يُعتَبَر الكيفيون، بانكفائهم إلى العوامة الكيفية من الخوارج عن منظومة القومية. وهذا يبرر في نهاية الفيلم (بخلاف الرواية) لجوء حارس العوامة إلى “حل نهائي” يقضي بفك مرسى العوامة ودفعها إلى الغرق في النيل بمن فيها. كل هذا التجريم يقع خارج فحوى التراك الذي لا يترك له مكاناً.

إعلان

كسم الهبوط السياسي

في المقابل يستحضر مسار كسميات المساءلة السياسية الغائبة عمداً عن ثرثرة. فيأخذنا في نص واقعي ولحن متصاعد إلى ردح صارخ يطلقه مثقفو الحقبة ذاتها تجاه تناقضات النظام، فمن خلال الردح هذا يفجر نجيب سرور تأججه واحباطه عبر استعارة الجنس لمساءلة الخيانة.

جذبت البذاءة الصريحة الكامنة في “كسميات” كمّاً أكبر من المستمعين في تفاعل آتٍ بتَوْقٍ مزدوج. يتميز الأول بكسر الحياء السمعي من خلال التعابير اللفظية الجنسية كالكس والنيك. فيعلن سرور ” فاخلعوا الردية/ واتبعوني/ أنا أهوى العُري والصَّرمحة/ رايتي أن تضحك الملحمة/ وشعاري النياكة”. فتجلت التعليقات بصراحة لفظية مماثلة مثل “احا جامدة فشخ” و”ايه الفُجْر ده”.

يتمثل التوق الثاني بفضح مشين لخيانة الأنظمة العربية المتمثلة بالنكسة وبسحق السلطة الأردنية لحركة فتح إبان أيلول الأسود عام ١٩٧٠، وبقمع نظام السادات لمظاهرات الطلاب سنة ١٩٧٢ والتي أشار اليها أمل دنقل في كعكته الحجرية التي بنى عليها سرور معارضته الكسمية. فالهدف ليس خدش الحياء السياسي فحسب بل تقصّد فضحه وتعريته حتى الوصول إلى جوهر الخيانة المبني عليه. فيعلن: “يا بلادى العزيمه/ أنتِ لن تسـقطي تحت أقدام جيـش الكلابْ/ حبّه الرمل قنبله/ غير انهم سلمَّوا رملنا لليهود”.

في ذروة المعارضة تلك تناصّ مزدوج يتوجه فيه سرور إلى أنوثة “بلاده العظيمة” ويستحلفها “فاذكريني كما تذكرين الطشتَ الذى يقول “استحمي/ للبغي اللي ياللي”. وبهذا فهو يقلب الهبوط على رأسه ويضم “الطشت” إلى هوابط اخرى مثل “…المعَّرصَ والمتناكَ والخائنَ/ والجاسوسَ والراقصه/ … / ومدْمنو حبوب منع الحملْ/ منع حمل السلاحْ”. بتلصيق النيك بالخيانة، ها هو الجنس يُستعار من ملكوته الشهواني والحميم إلى ملكوت الممنوعات والمُحَقِّرات الكبرى الذي تربينا عليه، فتصبح النياكة موازية للغضب وللاقتصاص من القهر. ولعلّ هذا من أشد الخطابات النمطية شيوعاً لدى مثقفي المنطقة وشعوبها على السواء فتُقَدَّسُ أم الدنيا بشرف كسها القومي المُعَرَّض للاغتصاب، ويبقى المثال الأبرز لهذا التنميط توصيف فلسطين كأرض مغتصبة ومؤخراً، سوريا كبلاد نازفة لكثرة انتهاك عرضها.ثرثرة فوق النيل

مجمل التعليقات على ساوندكلاود أعربت عن تقدير شديد للنص وافتتان بالتأويل الموسيقي له وبفرادة التناص الكامن في “عظيمة جداً كالمذبحة”. بهذا تدفعنا الموسيقى إلى بعد سمعي مغاير للإلقاء الشعري الصرف. فيأخذنا التراك من جوهر الكلمة الشعرية الذي يتخطى التنميط المعنوي للجنس إلى إحساس سمعي موسيقي سابق للغة Prelinguistic المجندرة. يلمس هذا الإحساس الغضب من القمع والخيانة اللذين نشعر بهما في داخلنا والممتدين إلى النكسات المتعاقبة حتى أيامنا هذه والتي غالباً ما تزال تختزل بشرف الكس وعاره وذلك  في ظلّ غياب خطاب ثقافي وشعبي مغاير يفك ارتباط الجنس بالقهر ويعيده إلى ملكوته الشهواني الأنيس.

إرتدادات على ملكوت الحميمية المسلوب

تتجلى أهمية هذه اللحظة السمعية للغة من خلال الإقبال الكثيف على مسار أصابك عشقاً، وتثمين البراعة في إبراز تناص لامتناهٍ بين شعر العشق والارتدادات الصوفية يأخذ المستمعين إلى حالة حال وصف باللهجة المغربية للتعبير عن الـ Trance، حالة حسية وجدانية تختلف عن نشوى النيك الصرف. ويستفيض النص الشعري في تقديس العشق على أنه استلذاذ بمتعة شهوانية يعتبرها الشاعر محقة ويسائل فيها محَرِّميها “فوالله لولا الله/ فالله لولا الله والخوف من الحياء/ لقبلتها، للثمتها، لعضدتها، لضممتها بين العقيق وزمزم”. هنا يمثل الله والحياء رادعين أكبرين مزدوجين. بخلافهما، لم يكترث الشاعر للدين، فيكمل “وإن حرم الله في شرعه الزنا، فما حرم التقبيل يوماً على الفم/ وإن حرما يوماً على دين محمد، فخذها على دين عيسى ابن مريم”. وهنا يتدنى الدين الى مرتبة إجرائية قابلة للاستبدال.

بالرغم من رواج نسخة وَتَرِيَّة منها بأداء عبد الرحمن محمد، فقد أودى انتقاص الدين الى استهجان غالبية التعليقات على يوتيوب وإداناتها بالكفر. بالمقابل أشادت التعليقات على ساوندكلاود مجملاً بقدرات التراك الإدمانية المختصرة بـ”ملكوووووووت”، غير انه أصاب الكثيرمنها بالارتباك والخوف “يا للهول.. دنيا تانية.. بس خرمبيت الكلام الي يكَفَّر الواحد”. اتهمها البعض الآخر صراحة بالكفر. إلا أن الآراء المختلفة لقت لها مكاناً أوسع للتبادل والنقاش فأتاحت لتعليقات مثل “وانت مالك؟” و”مدام حرام بتسمعه ليه” وبـ”هو حر، هو فضل حب الحبيبة عن حب الله، هو حر”.ثرثرة فوق النيل

إلا أنه يكمن في الحنايا الخلفية لنص التراك توصيف للعشق يلفت إلى قلق من نوع آخر. فيفصح الشاعر “أغار عليها من فمي المتكلم/ أغار عليها من ابيها وامها اذا حدّثاها بالكلام المغمغم/ أغار عليها من ثيابها إذا لبستها فوق جسم مُنَعَّمِ”. ترشح هذه الغيرة بنَفَس تملكي ذكوري (وأنثوي) شائع يحَرِّك منطق الكثير من العلاقات العاطفية. يبدو الاختلاف في التلقي هذا جلياً في تعليق مستمعة على يوتيوب تعترف بأسى أنها تدمن على سماع المقطوعة لأنها تذكرها بحبيب سابق أهداها اياها ومن ثم انفصل عنها لاحقاً، لتوضح بانها تعمد إلى سماعها لكي “تُزيدَ من ذنوبه” بعدد مرات استماعها لها.

بخلاف ذلك، فقد فسر متذوقو تراك ابراكصوفيا الغيرة بـ”العشق الابدي” وغاب بُعْد المرارة والخيانة والاقتصاص من العشق. فالتراك بارتداداته الصوفية المحبوكة بعناية جمالية خاصة اخرج هذا المعنى من فحوى الحال التي تمثل جوهره. بهذا يبدو أنه اذا ما لقينا لها سبيلاً تجريبياً، يمكن لأذننا ان ترتقي بالعشق والجنس والكس والأم في حال تأخذنا إلى ما بعد ما بعد ما بعد الطشت والدين والحياء.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply