غربة سمّيع الروك الثانية

كتابةشارل عقل - فبراير/شباط 12, 2014

ما إن علمت بسفري الى ألمانيا بدأت فوراً بالبحث عن حفل قريب لأي فريق أسمعه عادة ولا أجد الفرصة أبداً لحضور حفلاته. إذ أن فرصة الذهاب الى أوروبا لأحد أبناء الطبقة المتوسطة من أمثالي هي فرصة لا تتكرر في العمر سوى ثلاث مرات على الأكثر.

ولأنني أعلم بصدور أسطوانة آركتيك مونكيز، توقعت أنه بالتأكيد سوف تكون هناك جولة فنية في أوروبا وبحثت عن أقرب حفل في الأفق لأجد حفلاً في ميونخ في نفس الفترة التي أقيم فيها بالمدينةحجزت تذاكر الحفل قبل شهرين من حدوثها، حتى لا أترك أي فرصة لسوء حظي المعتاد من التوغل وإفساد الرحلة وأصدم بانتهاء التذاكر.

توقعت عند وصولي أن أجد إعلانات الحفل في كل مكان حيث أن حفلات هذه الجولة مهمة إلى حد ما، ويتم حجز كل تذاكرها في باقي أنحاء أوروبا قبل حدوثها بأسابيع، لكني لم أجد إعلانات في الشوارع وبقت التذاكر متوفرة حتى دخولي الحفلبدلاً من ذلك كانت هناك إعلانات لمسرحيات موسيقية ودراميةكان من أهمها شبح الأوبرا، وأميركا لفرانز كافكا، والأسد الملك في هامبورج ومسرحية روكي الغنائيةكانت هناك إعلانات عن مسرحية بعنوان We Will Rock You وعلى ملصقاتها سيلويت فريدي ميركوري ولكنها لم تكن بنفس ضخامة المسرحيات السابق ذكرها.

ذهبت الى الحفل في مكان اسمه مسرح سينيت هو ليس مسرح بالمعنى التقليدي، إذ كان مصنعاً تم تحويله إلى مكان ثقافي وهو أمر معتادالمكان غير حسن السُمعة من حيث جودة الصوتفلا مساحته المستطيلة ولا أرضيته المسطحة ولا جدرانه الخرسانية مصممة لتوزع الصوت بشكل معقولاختير المكان لأنه من أكبر المساحات الفنية بميونخ، حيث أنه يتسع لحوالي ٥٠٠٠ شخص. فتالي أكبر فضاء فني يستضيف نفس النوع من الحفلات يتسع لجمهور ما بين ٢٠٠٠ إلى ٣٠٠٠ شخصيجدر ذكر أن الأخير يفوق الأول بكثير من حيث جودة الصوت.

بعد التأهب للحفل لعدة شهور والاستماع الى الأسطوانة الجديدة ما يفوق المئة مرة – ١٠٩ مرة حسب إحصاء الآي بود – وحافظاً كلمات الأغاني وباحثاً في معناها كأي “غروبي” يحترم نفسه، ذهبت وحيداًبدأت الفرقة الافتتاحية The Stypes بتوقيت ألماني في تمام الثامنة، وهم خمسة يبدو عليهم دون شك أنهم من مواليد النصف الثاني من التسعينياتقدموا فقرة جيدة مليئة بالصخب بها من تنويعات AC/DC البلوزي وميزهم هارمونيكا المغني الرئيسيتفاعل معهم الحضور – ما فاق ٤٠٠٠ في رأيي، وشكرت الفرقة الحاضرين على التواجد مبكراً، حيث أن الجمهور حاضر للحفل الرئيسي وليس لهم.

إعلان

كنت قد اشتريت كوباً كبيراً من البيرة البافارية، انسكب معظمها على ملابسي ما أن بدأ الحفل بسبب تدافع مفاجئ من الخلف حينما بدأ الفريق بأول أغاني الأسطوانة ?Do I Wanna Know ، والتي ليست من أفضل الأعمال في الاسطوانة ولم أتخيلها كبداية جيدة للحفل، ولكن مع أعمال الإضاءة المتميّزة وحروف AM العملاقة في الخلفية وهي اسم الأسطوانة وفي نفس الوقت الحروف الأولية لاسم الفريق، ومع أداء حاد ودقيق من الفريق، كانت البداية محمسة بما يكفي للجمهور. كانت بداية جيدة لأن الفريق يعتمد في المقام الاول على أن الجمهور يعرفهم  ويعرف أغانيهم. لكن القردة تجاوزت مرحلة إثبات أنفسهم كموسيقيين ولذا لم يهتموا بالسخمطة والعفرتة على المسرح بعكس الفرقة السابقة التي أخرجت أحشاءها جهداًإذاً البداية كانت هادئة نسبيا ولكن ارتج لها الجمهور وتدافع بقوة حتى فعصت كوب البيرة البلاستيك في الدقيقة الأولى وفقدت عويناتي في الثانية.

توالت بعدها الأغانياختار الفريق الأغاني الهادرة من الأسطوانة الجديدة، وهي قليلة نسبياً، ومتمثلة في Arabella وI Want It All ، والكثير من الاختيارات من أصخب ما قدموه في الاسطوانات السابقة وأكثرها شهرة ومعظمها من اسطوانة Favourite Worst Nightmare وهي الأصخب والأكثر نجاحاًغاب عن الحفل أي حضور لاسطوانتهم السابقة Suck It and See الهادئة نسبياً وليست أشهر انتاجهم. Suck it and see يُعد بداية اكتساح ذوق Alex Turner – المغني الرئيسي ولاعب الجيتار – موسيقياً على حساب باقي الفريق، ويظهر ذلك في أن الاهتمام الأول في الاسطوانة هو للكلمات والنغمات الأساسية للفوكال على حساب التناغم – Harmony الصاخب للفريق الذي ميّز اسطواناتهم الأولى والثانية، وظهور أدوار الموسيقيين في المقطوعات بالتساوي حينهايمكن ملاحظة هذه السيطرة أيضاً من خلال ألبوم أليكس تيرنر الفردي Submarine والذي يشابه ذلك الخط الجديد للتأليف الموسيقي للفريق الى حد كبيرقد يبدو ذلك خروجاً عن الموضوع ولكنه ضروري لفهم الحفل، حيث أن الحضور كان شاهداً على توثيق نجم روك وهو أليكس تيرنر.

لا أكره توجه الفريق الحديث بعكس ما قد يبدو من كلاميأفضل كثيراً التنوع وتطور الفريق موسيقياً على أن أجد المتوقَّع بالضبط في كل إصدار جديدعموماً أليكس تيرنر الذي أصبح محور الفريق، يتوسط المسرح ببدلة سوداء لامعة وقصة شعر تشبه قصة الفيس بريسلي ويخرج مشطاً من جيبه ليُصفف شعره ما بين الأغنية والأخرىلفتة كوميدية لم أمانعها ولكن بعض الحضور لم يأخذها بنفس الحس الفكاهي، وبدا موضوع تصفيف الشعر مبالغ فيه قليلاً وخاصة لجمهور آركتيك مونكيز القدامىولكن ذلك لم يكن أسوأ ما حدث.

حدث أكثر ما وجدته يفوق الحد حقيقة حين انتهى الفريق من الحفل الرسميصفق الجمهور قليلا في انتظار الـ encore المتوقعرجع الفريق وعزفوا ?Are You Mine .

كنت أشعر ببعض الضيق لتواجدي وحدي في الحفل، لا يشاركني أحد أصدقائي هذا الحدث الجلل، ومعظم استمتاعي بالحفل كان من النوع الرمزي، كفرحتك بأن تأخذ صورة فوتوغرافية أمام برج إيفلهي ليست تسلية حقيقية بالضرورة ولكن رمزية الحدث هي ما يحتسب، وهكذا فحتى لا أكون كئيبا وسوداوياً ومبالغاً في التحليل، قدرت تلك الفرصة وظلت فكرة وجودي في هذا المكان أستمع الى أحد فرقي المفضلة هي ما يسند نفسيتي الموشكة على الانهيار، وهو شعور لم يكن مشتركا بيني وبين بقية الحضوربدا غريباً أن الفريق لم يعزف في قائمة الحفل الرئيسية أهم أغاني الاسطوانة الجديدة Are You Mine الأكثر شهرة والتي تجمع ما بين الكلمات الرشيقة والموسيقى البسيطة المحكمة ولكنها تلصق بالذهن التصاق تسلم الأيادي” .

والآن هل يمكنك تمييز المشكلة الرئيسية في الحدث السابق؟

المشكلة أن الحدث كان معد مسبقاً إلى درجة تفوق الاحتمالتماماً كأنك ترى تمثيل سينيمائي سيء فتخرج من حالة تعليق اللاتصديق مما يفسد كل متعتك في التورط درامياً في حالة الفيلمفي حالة الحفل كذلك، عندما تشعر أن كل شيء كان معداً بدقة، فذلك يخالف الحس الحقيقي للروكالمقطوعات مختارة بعناية، ليست بعناية لهذا الجمهور الميونيخي بالذات ولكن بعناية ليناسب أي شخص على الإطلاقالظهور الثاني للفريق بعد طلب الجمهور بالزيادة encore كان معروفا ومحسوبا الى درجة أنهم اقتصوا من القائمة الأساسية للحفل حتى تبدو العودة من باب التفضل في حين أنهم يستكملون القائمة المبتورة فقطكم هذا مؤلم، فريق روك محترم في أول ظهور له تلفزيونيا أثناء استلامه لجائزة البريت أوارد، خرج أعضاؤه إلى المسرح في حالة سكر بيّن مرتدين الجونيلات الاسكتلندية كأي فريق روك يعلن أنه لا يلعب بنفس قواعد المجتمع. يفضلون الآن مكاناً يتسع لألف شخص أكثر من مكان يفوقه في جودة الصوت، ويغني الفوكال بالبدلة اللامعة والشعر المصفف بعض الهيتس لجمهور غير مدخن، ويعرضون تي شيرتات بلوجو الألبوم بثلاثين يوروإما أنا قد تقدمت في السن بما لا يتناسب مع امكانية ابتلاع هذا الهراء أو إنني بالفعل كئيب سوداوي محب للغم.

كل هذا بغض النظر عن الحالة النفسية والسياق الاجتماعي الذي لا ينفصل عن التجربة الموسيقية بأي شكل، فالتجربة الموسيقية تكون مبتورة بدون كل معطياتها الاجتماعية والسياسيةلم يكن هناك نفس إحساس الحرمان المشترك بيني وبين الحاضرين الذي يتمم الغرض من المكسب الرمزي، ولا إحساس التفرد في فهم كلمات الأغاني ونغماتها وسط مجتع ليس له نفس الاهتماماتما يجمع الحاضرين في الحفل برباط أكثر خصوصية وأكثر اقترابا لروح الروكلا تجد في الحفل من تردد معه you left me listening to the stones, a million light years from home … ويفهمك على نفس المستوى الإنساني وتكون له نفس المرجعيةولا رقصة غريبة في غير سياقها تشاركها مع صديق مع بزوغ لحن مألوف لأنه يرجع بكلاكما لذكرى صبيانيةولا ثدي تلفه مع نغمة حزينة لأنك تشارك صاحبة الثدي نفس النوع من الأسى… There’s this tune that makes me think of you somehow and I play it on repeat

وكده

إعلان
 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply