صورة لفرقة العاشقين من مقال ٥ فرق فلسطينية في الشتات
قوائم

صاروا كبار وما نسيوش الديرة | ٥ فرق فلسطينية في الشتات

مصطفى هشام ۲۰۲٤/۰۱/۰۸

تُمثل الموسيقى ظاهرة ثقافية ذات بنية اجتماعية ورمزية، تتكون من خلال مشاركة عدد كبير من الفاعلين داخل حيز عام يحاولون من خلاله بناء سردية خاصة بهم، سردية عن الجذور والوطن والثورة والكفاح، عن المدينة في الغربة والقرية في الموطن الأم. في حالة الموسيقى الفلسطينية في الشتات، الموسيقى وسيلة بناء ذاكرة اجتماعية بديلة وروح مُتخيلة لكل من فُرِّق شملهم، ووسيلة للكفاح وإبقاء حلم العودة متجددًا.

يتحدث الباحث والموسيقي الأيرلندي لوِس برهوني في كتابه، موسيقى فلسطينية في الغربة: أصوات المقاومة، عن فرق فلسطينية في الخارج وما تُمثله موسيقاهم الجماعية: “كونهم رفاق يعني الهروب من عزلة تحمُّل هذه الفترة بشكل فردي. لكنها تعني أيضًا التعليم السياسي والمساحة لتصور موسيقى فلسطينية في المستقبل. يعني هذا الالتزام غير المكتمل للفرقة الموسيقية أن أزمات الساحات السياسية والاقتصادية، في فلسطين وتركيا والعالم بشكل عام، لا يمكن حلها إلا بشكل جماعي.” هنا تتحول الموسيقى من ظاهرة ثقافية هدفها حفظ الذاكرة وبناء السردية إلى ممارسة سياسية جماعية مارسها الفلسطينيون بكفاءة.

عملت تلك الفرق الفلسطينية في المهجر على دمج تراثها الفلسطيني الشعبي بالموسيقى المحلية للبلدان التي استقرت أو عملت فيها، تحديدًا من خلال الأجيال الأولى للمهاجرين الفلسطينيين كما في فرقة كوفية وفرقة العاشقين. تحت تأثير النكسة والهجرة للخارج، ثم الحرب الإسرائيلية اللبنانية والانتفاضة، كانت المقاومة الفلسطينية تعمد للحديث بلغتها الموسيقية، بلسانها وبألسنة أمم أخرى أحيانًا، للحث على مناصرة القضية الفلسطينية. 

في الأجيال الثانية من بعد الانتفاضة الأولى حتى الآن، تحولت الموسيقى الفلسطينية إلى تراث يُستحضر للزينة أو لتكريم الأجداد ونمط حياتهم في القرية. تريد الأجيال الجديدة لأغنيتها أن تنطلق من أرضية واحدة مع الأغنية الغربية، حتى إن استخدمت العود أو الدبكة أو الأصوات الريفية، لكنها تهتم بالمقام الأول بمضمون الأغنية وبالقضية، التي تأتي صريحة أحيانًا ومتوارية أحيانًا أخرى، على موسيقى إلكترونية وكيبورد، أو حتى على موسيقى البيت بوكس والراب. من الجيل الأول للهزيمة إلى الجيل الثاني أو ما يمكن أن نسميه جيل النضال اليومي، هنا قائمة بأهم خمسة فرق فلسطينية في المهجر.

الجيل الأول في المهجر

فرقة كوفية

بعد معركة طوفان الأقصى انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي أغنية ليفيه بالستينا، برتم عسكري تكراري وكلمات ذات توجه يساري، لا تُعرض إلا وهي مصحوبة بتجمعات حاشدة، حتى وصفت بـ أيقونة التظاهرات الغربية لدعم فلسطين، والنشيد العالمي الجديد ضد الصهيونية. الأغنية من ألبوم فرقة كوفية الثاني أرض بلادي (١٩٧٨). 

أُسست كوفية على يد مهاجر فلسطيني من الناصرة يُدعى جورج توتاري. هاجر توتاري من بلدته في أعقاب النكسة إلى السويد وتحديدًا مدينة جوتنبرج، ليجد بأن الموقف الرسمي السويدي مؤيد بكامله لإسرائيل، أو كما يقول: “يُصلون ويدعون لإسرائيل”. قرر توتاري أن يحكي قصة الشعب الفلسطيني مع الاحتلال ومعاناته الشخصية للشعب السويدي الذي لا يعلم أي شيء عن فلسطين، ليُنشئ بالاشتراك مع أصدقاء سويديين فرقة لإحياء الموسيقى والألحان الشعبية الفلسطينية. من ١٩٧٢ حتى قيام الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧ أطلقت الفرقة أربعة ألبومات، ثلاثة أسطوانات فينيل وشريط كاسيت واحد.

افتتحت الفرقة ألبومها الأول بأغنية إلد وتعني نار بالعربية، وهي بمثابة إعلان حرب ضد الصهاينة والطبقة الحاكمة السويدية، التي كانت كما يقول توتاري “صهيونية أكثر من الصهاينة أنفسهم”، وفي النهاية ضد الحكام العرب الرجعيين. على وقع عزف العود والبوزوكي اليوناني والطبول الاسكندنافية تحكي الأغنية قصة الاحتلال. في نفس الألبوم تحكي أغنية مدفعية ودبابات قصة امرأة فلسطينية يذهب زوجها ليشارك الثوار حربهم ضد الصهيونية وموشيه ديان.

في ألبومهم الثالث يغني توتاري صفق وارقص معي، حيث يتذكر أحد عازفي الفرقة بأنه استيقظ في صباح أحد الأيام والطيران الإسرائيلي يقصف جنوب لبنان بالقرب من بيته، ليأتي هذا الألبوم في ظروف مجازر صبرا وشتيلا، وانتهاكات العدوان الصهيوني في لبنان ضد المخيمات الفلسطينية.

فرقة العاشقين

تأسست فرقة العاشقين في المخيمات الفلسطينية في سوريا عام ١٩٧٧، على يد كل من الشاعر الفلسطيني سميح القاسم وحسين المنذر (أبو علي) والملحن حسين نازك، وهو من أطلق على الفرقة في البداية اسم أغاني العاشقين. أخذت الفرقة تدريجيًا في الانتشار وفي ضم فنون أخرى مثل المسرح وأغاني المُسلسلات مثل عز الدين القسام وبأم عيني، وعدد كبير من الألبومات والشرائط مثل: شريط بيروت (١٩٨٢)، ألبوم طير الغربة (١٩٨٣)، ألبوم مغناة الانتفاضة (١٩٨٩).

برز من الفرقة حسين المنذر، الذي أصبح مغني فلسطين الأول. رغم لهجته الشامية كان المنذر لبنانيًا من بعلبك، فلسطيني الهوى والنضال حتى سمّي ملك الأغنية الوطنية، حيث قدم ما يزيد عن ٣٠٠ أغنية، تركّز كثيرٌ منها خلال فترة حصار بيروت.

قدمت الفرقة عددًا كبيرًا من الحفلات وقامت بجولات في عديد من البلدان حول العالم، منها اليونان والولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي. كانت العاشقين صوت فلسطين الحر وصرختها المقاومة داخل الوطن وفي المهجر.

من أيقوناتهم أغنية إشهد يا عالم علينا وع بيروت، التي تحكي عن الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. أما هبت النار والبارود غني فقد أصبحت ملازمة لكل انتفاضة وثورة. 

الجيل الثاني في المهجر

فرقة السبعة والأربعين

فرقة السبعة وأربعين (47soul) فلسطينية أردنية، نشأت في عمّان عام ٢٠١٣، تقدم أغانيها العربية-الإنجليزية في مزيج من الهيب هوب والإلكترونيك مع الدبكة وغيرها من الموسيقى الشامية الفلكلورية. تسمي الفرقة نوعها شامستِب، كمزج بين الدَبستِب، أحدث أتجاه موسيقي بريطاني، وبين الفلكلور الشامي. تتفاعل الفرقة مع مواضيع سياسية واجتماعية وإنسانية تهم الفلسطينيين، في محاولة عصرية لإعادة إحياء وفرض حضور القضية الفلسطينية بعد أن غابت أو غُيِّبت.

للفرقة أغنية شيرين، وهي إهداء لروح الإعلامية شيرين أبو عاقلة التي اغتالها قناصة جيش الاحتلال، وفيها يحكي الفرعي عن المرابطين أمام المسجد الأقصى وحقهم في الدخول للمسجد، وفي العودة إلى الدار التي لا يجب نسيانها. في حبيت القمر تحكي الفرقة عن المشروع الاستيطاني، وكيف استخدم الصهاينة مؤامراتهم لتهجير الفلسطينيين وكُتب عليهم أن يبقوا لاجئين في الشتات، وأن يبقى لهم مفتاح الدار القديم.

فرقة مينا

تعتبر فرقة مينا مزيجًا فنيًا من عناصر ثقافية مختلفة ومتباينة تمامًا، فمن فلسطين إلى البرتغال والبرازيل وسوريا ومصر والمغرب. تقول الفلسطينية والمغنية الرئيسية للفرقة تيريز سُليمان أن الفرقة اعتنت بالأساس بإحياء الأغاني الشعبية القديمة لكل تلك الثقافات والعوالم المختلفة. تتطرق فرقة مينا في أغانيها لمواضيع الحب والحرب والعلاقات الإنسانية، والوعد بالحرية ولقاء العشاق، التيمات التي تجمع كل تلك الشعوب الهامشية معًا وتشكل ذاكرتها الجمعية. تشكلت الفرقة الفلسطينية-البرتغالية في فلسطين عام ٢٠١٦ وانطلقت في جولاتها وعروضها حول العالم.

من أشهر أغاني الفرقة يافا، أغنية أمازيغية من التراث الجزائري للفنان أدير، وفيه تدير ابنة حوارًا مع أبيها عن الدنيا الحزينة وعتمة الشتاء، وتطلب منه أن يحملها لدنيا بعيدة، لكنه يذكرها بأن هذا الشعور داخلي قبل أن يكون من الخارج.

تحكي أغنيتهم بتّي سهرانة عن قصة حب لم يتحقق دارت أحداثه في جبال الكاف الشاهقة، حيث تمر القوافل التجارية عبر تونس من الجنوب إلى الشمال لمقايضة التمر بالقمح والشعير. في القصة تقع امرأة من الكاف في حب أحد التجار، لتُعاني عندما يتزوج من العذاب الذي يحول دون إمكانية الزواج من رجل غيره، من ثم تُصر على الذهاب لحفل زفافه وإنشاد أغانيها الحزينة.

في أغنية يا طالعين الجبل يمزجون أغنية تقليدية إسبانية تنشدها النساء أثناء الخبز، مع أغنية من التراث الفلسطيني كانت تغنيها النساء عند زيارة الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث يقمن بإضافة اللام بين مقاطع الأغنية، لإيصال رسالة مموهة للأسرى بأن الفدائيين سوف يقومون بتحريرهم.

فرقة كتيبة ٥

تعتبر كتيبة ٥ أول فرقة راب فلسطيني. في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتحديدًا في مخيم البرج جنوب بيروت، ولدت الفرقة التي جمعت خمسة شبان في العشرين من عمرهم، اختاروا لأنفسهم أسماءً وألقابًا مثل موسكو ومولوتوف والجزار وسي ٤ وإن سي واي. أسس الفرقة عمرو ونادر ١٩٩٩ وحملت اسم نايمراب، وانضم اليها الأعضاء الثلاثة الأخرون عام ٢٠٠٠، لتتحول وقتها إلى كتيبة ٥. 

يكتب جميع أعضاء الفرقة كلمات الأغاني التي تدور حول القضية الفلسطينية، معاناتهم اليومية في المخيمات، عن الحلم الفلسطيني بالعودة والسرقات التي ترتكبها الجمعيات والمُنظمات باسم القضية، وحتى قضايا البطالة والتعليم والسكن والجوع، وكيف يمكن أن يكون هناك حل للقضية وعن ضرورة الوحدة. 

تعتمد الفرقة لصناعة موسيقاها على برامج الكمبيوتر بالإضافة للكيبورد، وأحيانًا بعض الآلات الموسيقية. يتميز أسلوبهم في التأليف بالجملة اللحنية القصيرة المتكررة، والأداء الغنائي لبعض الكلمات متداخلًا مع الراب. تفككت الفرقة منذ ما يقارب العشر سنوات نتيجة لتفرق أعضائها في أوروبا، منهم من استمر في الراب بصحبة الجزائريين في فرنسا ومنهم من اعتزل.

باكورة أعمالهم أغنية أهلًا فيك بالمخيمات. تتحدث الأغنية عن الحياة في المخيمات وراء السور العازل الذي يحجب المخيم عن صورة الزعيم، عن سرقة منظمات الأمم المتحدة للمساعدات، وعن اليأس المُقيم المرافق لحياتهم بين حاجتهم للسعي وفقدان الفرص، والظروف غير الآدمية في حياة المخيم. في أغنية تشرق صواريخ تتحدث الفرقة عن المقاومة في غزة، وعن سلاح الصواريخ الهادر بوجه العدو الصهيوني، الذي دفع الانتفاضة الثانية لضرورة التسلح والمواجهة العسكرية بعيدًا عن رمي الحجارة.

المزيـــد علــى معـــازف