فلسطين كآلة موسيقية غير مدوزنة

في حفل التريو جبران في لندن في قاعة يونيون تشابل، بعد تأدية ٣ أغاني متشابهة إلى حد بعيد انبهر فيها الإنجليز أيما انبهار، صمت جبران الكبير، ثم نظر في المدى البعيد بعمق وأسى (مع أن الصالة كانت مغلقة)، ثم خاطب الجمهور قائلاً:

Its not easy, being a Palestinian musician. وهنا ثار الحضور وانطلقوا في وصلة تصفيق صاخبة استمرت لدقائق عدة. هذا المشهد يمكن فيه تلخيص تجربة التريو بأكملها، والتي يقدمونها للعالم الآن في صندوق اسطوانات اسمه السنين العشرة الأولى، نعتبره في معازف حدثاً يستحق من خلاله أن نلقي نظرة على تجربة التريو جبران.

في هذه السنين العشرة، استغل التريو مجموعة معطيات ثقافية وسياسية لبناء جيش من المعجبين الأجانب أولاً، ثم العرب. هم يسوقون أنفسهم إلى الغرب، ولا يترددون في وصف ألبومهم بأنه ‘The new masterpiece’ (أنظر هنا)، مما يدلل على أن كافة اسطواناتهم هي ‘تحف فنية’ وأن الأخير هو مجرد إضافة إلى كاتالوجهم التاريخي والملحمي. هذا طبعاً أمر لا يقوم به أحد في الأوساط الموسيقية الجادة، ولو قام به أحد لتم صلبه في الساحات الثقافية عامة وصحافة المراجعات خاصة. ولكن التريو يلعبون لعبة أخرى، وليس واضحاً إن كانت لعبة ساذجة أم ماكرة. التريو يستغلون المساحة بين كونهم فلسطينيين/عرباً، وبين وجودهم في باريس وتوجيه موسيقتهم إلى الغرب. الأذن الغربية ليست مدربة ولا معتادة على الموسيقى العربية، والمفهوم الثقافي العام عن العرب مشوّه ومبسّط إلى أبعد حد. ولذا، عندما يطرح التريو اسطوانة خالية تماماً من الأفكار الجديدة، اسطوانة مناسبةً فقط كخلفية غير مؤذية في مطعم راق أو مصعد، اسطوانة لا تتحدى المستمع ولا تحفز ذهنه، يجدها المستمع الغربي على أنها قمة في الإبداع. ولكنها ليست قمة في الإبداع المطلق، بل الإبداع في حدود إمكانية العربيعلى الإبداع. الغربي عندما يستمع لموسيقى كهذه فإنه معجب أولآً بنفسه لأنه يجد في نفسه تقبلاً لثقافات أخرى واطلاعاً واسعاً على ‘موسيقى العالم’ – وهي نوع موسيقي صمم بحيث يكون لطيفاً وفقط، هي موسيقى إكزوتيكية وسوق اخترعته صناعة الموسيقى في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة – ويجد فيها أيضاً طمأنة له من حيث أنها تؤكد له أفكاره عن الآخر (العربي). ويعاد تأكيد هذه الأفكار للأسف في المساحات الثقافية العربية التي تبنت هذا المفهوم للموسيقى العربية والفنون عامة كما يحدث في دبي مثلاً.

ولهذا السبب أيضاًِ، عندما يؤدي التريو موسيقاهم ويتمغطون ويتأوهون كأن الواحد منهم يصل الذروة الجنسية مع كل ضربة وتر، فإن المساحة التي يعملون بها هي الغربي الذي يفكر: هؤلاء عرب وهم حساسون ومرهفون وطفوليون بعض الشيء، ولهذا فهم يتفاعلون بهذه العاطفية والعمق مع الموسيقى، لأن العرب يتفاعلون بهذه الطريقة مع كل الأشياء. هم دراميون وعاطفيون إلى حد زائد، ليسوا مثلنا.

الفاضح في تجربة التريو هي كونهم اتكلوا تماماً على هذه الأدوار، وأصبحت آلاتهم الموسيقية مجرد أدوات ثانوية على المسرح، يستعملونها للعب هذه الأدوار. عندما يحدق جبران الكبير بأسى بالغ ثم يقول: ‘ليس من السهل أن تكون موسيقياً فلسطينياًفما يقوله هو: لا تنظر لي كموسيقي صدف أن يكون فلسطينياً، ولا تُقيّم موسيقتي كموسيقى فقط. أنظر إلي كفلسطيني أولاً وموسيقي ثانياً. التريو جبران يعملون على الكوتا الفلسطينية في موسيقاهم. وهذا يعني أيضاً أن بدلاً من التعبير عن المأساة الفلسطينية وتجسيدها فنياً كما يدّعون، هم يركبون القضية الفلسطينية ويستغلون مأساة الفلسطينيين في تبرير لركاكتهم الموسيقية، وهذا يسمح به عدم وجود مرجعية في تقييم موسيقتهم في الغرب، ولا صحافة مراجعات نشطة في العالم العربي. التريو يقول: إسمع موسيقتي لأنني فلسطيني. لا تحاسبني على ركاكتها، فأنا مظلوم ومهجر، ولذا يكفي بي فخراً أنني تمكنت من العزف على الإطلاق. وهذا طبعاً، هراء.

ولكنه هراء مُضر. هو هراء لا يمكننا التغاضي عنه، لأنه هراء يستغل كل ما هو خطأ في منظومتنا الثقافية الحالية ليحقق النجاح. لا شك أن التريو حقق النجاح على الصعيد الاحترافي بالرغم من رداءة الصعيد الفني. وهذا مُضر لأنه يوجه رسالة إلى الموسيقي الشاب تقول: وجّه موسيقاك للغرب. تأكد أن تكون لطيفة وسهلة على الأذن. لا تبتكر ولا تغامر. اسمح لنفسك بالتمادي والتصنع. أوصف نفسك بالضحية. وأخيراً: كن عربياً، حسب مفهوم الغرب للعرب. وهذه المشكلة نجد لها مرادفات في مختلف المجالات كالفن وصناعة الأفلام والعروض الأدائية.

عندما خرجت من حفل التريو في اليونيون تشابل في لندن قبل عامين، وجدني صديق كندي مهتم بالقضية الفلسطينية في الخارج. كان الملل قد تغلغل إلى أعماقي، وكانت إرادتي على الحياة قد أصبحت موضع شكّ. رآني صديقي الكندي وتوجه نحوي بسرعة وحماس قائلاً: It was amazing, right؟ نظرنا أنا وصديقي العربي إلى بعضنا البعض، ثم نظرت إليه، وقلت له: نعم، بالتأكيد.