في بيتنا صباح

كتابةزيزي خير - دسيمبر/كانون الأول 3, 2014

 

مقال ضمن عدد من المقالات تحت عنوان «أنا كدة، أنا كدة»: في فنّ صباح وتفرّدها

ولا صباح في زمانها، كانت تلك مقولة أمي حين كانت تريد التعبير عن اكتمال الأناقة والجمال. هذه العبارة، والابتسامة التي تخيّلت أن صباح ولدت بها، كانتا تتحولان إلى رائحة فلّ كنت أشمها كلّما رأيتها فى أحد الأفلام الأبيض والأسود.

كانت أمي، كنموذج لفتيات الطبقة الوسطى في الستينيّات، تحكي كيف كانت وصديقاتها يذهبن إلى السينما ليشاهدن آخر صيحات الموضة من فساتين صباح كي يفصّلن مثلها، فلم تكن مجرّد حالة فنيّة يتابع الجمهور ما تقدّمه فقط، بل تسللت إلى تفاصيل حياة هؤلاء النساء.

ووسط فيديوهات الأبيض والأسود نهايات الستينيّات وأوائل السبعينيّات، ومع بداية ظهور فيديوهات الأغاني المصوّرة، تقف نجمات الغناء العربي يغنين مرتكزات أمام الكاميرا، بينما أطلت علينا صباح نصف مائلة تهزّ كتفيها، ويداها تتراقصان، وتغمز بعيونها لتبدأ موّالاً لبنانيّاً، وتطل على المسرح لتغنّي أنا كدة دلوعة دايماًلتصدم جمهوراً تعوّد على فنانات يقفن أمام الميكروفون لا يتحركن من أمامه، بينما تنزعه هي وتجوب المسرح به طولاً وعرضاً أثناء تمايلها وهي تغنّي.

إعلان



أطلقت على نفسها ما أعجبها من أسماء، عكس المعتاد الذي تطلق فيه الصحافة والنقاد الألقاب على الفنانين. فكل أسمائها كانت من وقع أغانيها: “الدلوعة، الشحرورة، الصبّوحة، شمس الشموس“.

لا أظن أن فنانة ما تحضر إلى الذهن في حالة الأمومة كصباح، فكما احتفت بأفراح وأحزان الحب احتفت بأمومتها، مرافقة بنات جيلي منذ طفولتنا المبكرة. فمن منا لم تغنّي لها أمها أكلك منين يا بطة، انتقلت معنا عندما حللنا ضفائرنا على أعتاب المراهقة لنتراقص على أمورتي الحلوة بقت طعمة“: رقصة مخلوطة بين الشرقي والدبكة، حين غنّتها بكلمات مصريّة ولحن بدايته دبكة لبنانيّة.



في أيام مراهقتي الأولى، كانت الخطابات المكتوبة جزءًا من حكايات الغرام، وكانت أغاني صباح تحتل مركزاً هامّاً من تلك الرسائل، فما من حالة تمرّ بها في قصة حب لم تعلّم في الوجدان بجملة من إحدى أغنياتها، فالحيرة في الدوّامة، وبداية الحب علمني الحب، علمني، وفي انشغال الحبيب وعتابه كل العيون حواليك شاغلها سحر عينيك، ويا واد يا ساكن حيّنا مين اللي شاغلك عنّنا“. وليس أجمل من مصالحةً نبدأه بالاتصال بالحبيب ووضع سماعة التليفون على أغنية الحلو ليه تقلان قوي“.

صباح التي لا تبكي

في العادة، لا تفضّل ذائقة الجمهور المصري العريض الأغاني بلهجات أخرى، ففي الستينيّات والسبعينيّات تغنت شادية وفايزة أحمد بأغانٍ باللهجة اللبنانيّة، ولم تثبت في ذاكرة الجمهور. لكن صباح فعلتها بسهولة في الله يقصف عمر الحب، وعالبساطة، والتي غنّت أغنية أخرى بنفس معناها باللهجة المصرية احتلت نفس المساحة لدى الجمهور أنا هنا يا ابن الحلال“.

من الصعب أن تبكيك صباح. قد تشكو حالها كما في شجن أغنية عالضيعة، أو جلال الحزن في أغنية لأ، لأ، لكنّها أبداً لا تريد أن نتذكّر معها سوى الفرحة. إذ لديها القدرة، في جملة واحدة مدّتها 20 ثانية أن تموج بك كموجة بحر، على أن تؤرجحك حنجرتها بين حالات شعوريّة متعددة في لحظات قصيرة بسهولة غريبة تبدأ جملة بقوة: “اسمع كلامي المرة دي وبلاش عنادك وعنادي، وتهدأ نبرتها بحنان بالغ: “أصل النوبة دي خصامك طال، ثم تنهيها حائرة وسبب خصامك مش عادي“.

تحضر صباح في ذهنى كحالة مكتملة لا تلمح في قصصها الطرف الآخر، فهي ليست كوردة المرتبطة في الذاكرة ببليغ حمدي، بل ترتبط بالحب ذاته، وأظن أنّه لولا شهرة رشدى أباظة لما تذكرنا اسم أحد ممن أحبتهم.

وكما تحيي دبكتيها الشهيرتين مرحبتين ومرحبتين، وجيب المجوز يا عبّودأفراح لبنان، تسللت في بداية الألفيّة أغنيتاها عاشقة وغلبانة، وزيّ العسلإلى قائمة أغاني الأفراح الشعبيّة في القاهرة التي يحيها مطربون شعبيون يعتبرونها أغاني سلطنةآخر الليل، التي يعني غناؤها وصول الفرحالى لحظة الذروة.

إعلان

في أغنية شمس الشموس، لخصت صباح فلسفة حياتها في صورة ملحميّة: فصوت الجوقة القوي وكأنّه صوت العالم حولها وصوت وديع الصافي الحائر، وتردّد هي بحنجرة قويّة واثقة صقلتها تجارب الحب والحياة، شارحة بساطة الحب وجماله كما عرفته حِب الدنيا، وحِب الدنيا، وسيب الدنيا تحب، وأن مقدرتش أبعد عنها وسيبها للي يحب، حتى يطاوعها وديع الصافي كما طاوعتها الحياة يبقى إحنا في الهوا سوا“.

اجتازت صباح كل الاختبارات الصعبة، وبقيت محافظة على مكانتها لدى الجمهور، وحازت ملايين المشاهدات على اليوتيوب لأغانيها، فأحد فيديوهاتها المجمّعة وصل إلى 2 مليون ونصف المليون مشاهدة خلال عامين، وأغنيتها عاشقة وغلبانةتخطت هذا الرقم بقليل خلال عام واحد.

ويوم رحيلها استمعت إلى كثير مما غنت، ووجدت في أغنية سلمولي على مصروصيّة مبهجة تليق بها: “فوق كل شبر قوّموا زفة عروسة، وعلى كل نخلة دوّبوا في الفجر بوسة، وابقوا افتكروني مـ الصاغة بإسورة لولي“.

الله يقصف عمر الحب



انا كدة .. انا كدة .. دلوعة ديما



شمس الشموس يا صبوحة



أكلك منين يا بطة



جيب المجوز يا عبود



مرحبتين ومرحبتين



إعلان

زى العسل



عاشقة وغلبانة



علمنى الحب



الدوامة



يا واد يا ساكن حينا



كل العيون حواليك



الحلو ليه تقلان قوى



عالبساطة البساطة

إعلان



أنا هنا يا ابن الحلال



سلمولى



 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply