في حتة تانية | محمود العسيلي

كتابةمعازف - مايو/أيار 5, 2018

إن ميز العسيلي شيء عن سواه من نجوم البوب، فهو عفويته ومتعته الحقيقية بما يُلحنه ويغنيه. العسيلي موهوب وقادر على تأليف ألحان متنوعة (ألبومات رايح على فين ٢٠٠٣ / مين أنا ٢٠٠٦) استطاعت اقتحام السوق وتقدمة صوت جديد في نفس الوقت. كان هناك طاقة وعفوية في بعض أغاني هذين الألبومين على الأقل. في ظهوره على مسارح البرامج الحوارية، رأينا حيوية وعفوية العسيلي وهو يحمل الجيتار ليعزف ويغني آخر أغانيه. مؤخرًا، ظهر ذلك أيضًا في أغنيته مع زاب ثروت في ألبوم الأخير، الأغنية الوحيدة التي نستطيع فيها استشفاف أي أثر للحياة في الألبوم. يصعب اعتبار في حتة تانية امتدادًا لهذه الميزات عند العسيلي.

تلتزم الأغنية بتقاليد البوب المصري، تستفيد من قدرته المتراكمة على توطين العربي في إيقاعات إلكترونية، وتجد مكانًا سلسًا نسبيًا لكمانات شرقية بين الإيقاعات. توزيعيًا، لا يشذ فيها سوى صوت المزمار الحاد ومرفوع الصوت بشكلٍ نافر. لكن هذا التوزيع الخالي من المشاكل، خالي من الحياة أيضًا. قد تشكل الأغنية خلفية غير مضرّة في مول، لكن لا يوجد فيها ما يكفي لتسمعها في السيارة وحدك، ولا تملك زخمًا كافيًا لتسيطر على نادٍ ليلي. عند تشغيلها على سماعات الرأس ستجد نفسك بمواجهة صعوبات جمة.

أُعدّت الأغنية بخفّة يفترض بها أن تجذب المستمع لسماعها أكثر من مرّة، إلا أنها تفقد أي جاذبيّة ممكنة مع المرّة الثانية. منذ دخول الدي جاي الذي يحضّرك لأكثر موسيقى إلكترونيّة تقليديّةً يمكن تصورها، مرورًا بالانتقال لإيقاع المقسوم في منتصف الأغنية، وحتى الختام بالإيقاع الأوّل فور أون ذَ فلور. الكلمات تتبع نفس المنحدر: “قلبي داب”، “يا هوى”، “دنيتي بتحلى بعينيا”. أصوات الآلات المستخدمة هي كل ما يخطر ببالك عندما ترى شاشة تلفاز مفتوحة على قناة روتانا بينما الصوت على وضعية ميوت.

بالنسبة للفيديو، لم نفهم لمَ تُعالج أغنية صيفية خفيفة راقصة على تقنية تصحيح ألوان باردة (ميَّالة للأزرق) وثيم لوني ومعماري أوروبي وقور. ثم إن الفيديو كان سيستفيد من بعض التجريب، إضافة أفكار جديدة أو العبث بالأزياء. البوب يتيح ويستفيد دائمًا من مساحة صدامية أو غرائبية أو مبهرة على المستوى البصري، ما يجعل فيديو الأغنية محافظًا لدرجة مملة.

إعلان

الأغنية والكليب عبارة عن تأكيد مستمر أنه لا جديد هنا، ليس بالنسبة للبوب العربي، وبالتأكيد ليس بالنسبة للعسيلي، الذي انتقل بهذه الأغنية من حتة إلى حتة تانية، وهي للأسف ليست الحتة الصح.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply