كونويو | تيم هكر

كتابةمحمد أشرف - أكتوبر/تشرين الأول 16, 2018

بالنسبة لفنان ارتبط اسمه بمشهد الموسيقى المحيطة، ولطالما اعتُبرت ألبوماته أحجار أساس في النوع، يبدو تصنيف تيم هكر دائمًا كمنتج موسيقى محيطة في غير محله. من المسلّم أن أغانيه لا تحتوي إيقاعاتٍ ثابتة أو البُنى المقياسية المألوفة في الأغاني، وأنها مصنوعة بمعظمها من موجات ومشاهد صوتية غارقة في الصدى؛ لكن طريقة بنائه وتقديمه لتلك المشاهد الصوتية تجعل من المستحيل تنحية الموسيقى التي يؤلفها إلى الخلفية، على عكس تعريف الموسيقى المحيطة: “موسيقى غير ملفتة بقدر ماهي مثيرة للاهتمام.” بالنسبة لأي مستمع تقريبًا، لا يمكن إلا الالتفات إلى السنث بايس الناشز باستمرار في تراك سي أُف بَّلسز من ألبوم أن إيماجينَري كَنتري، أو إلى طبقات البيانو المعالجة والمتلاطمة في لايف روم من ألبوم فِرجنز.

حتى الآن، مثل فينيز وبِن فروست، احتل هِكر مكانته كأحد السبّاقين في الموسيقى الإلكترونية التجريبية بقدرته الفريدة على غربلة تراكيب وأصوات وتوزيعات آلاتيّة أكثر عضويةً، عبر تأثيرات الضجيج والتشويش والخلل. لهذا يُمثّل كونويو – الذي يبني على ما بدأه في ألبومه السابق لَف ستريمز – نقلة ملحوظة بأسلوبه في صنع الموسيقى، وفي ملامح صوته كما هو معروف اليوم.

أول ما يبرز لدى الاستماع للألبوم هو مدى التحفظ الذي فرضه هِكر على نفسه في طريقة تعامله مع المواد الخام لتراكاته. في ألبوماته السابقة، يكاد صوت الصفير المنتحب الذي يبدأ تراك ذيس لايف أن يُدفن تحت تأثيرات التشويش والتشويه، بينما هنا نجد هذا الصوت كما هو. تكاد النغمات الأساس التي عمل عليها تبدو غير موطوءةً تمامًا، وكل ما يذكرنا بصوته السابق هو السنث المنزلق الذي يختم التراك. يؤسس هذا للمزاج العام للألبوم صوتيًا وسرديًا.

كحال فِرجنز، تأتي المواد الصوتية الخام للألبوم من تسجيله عزف موسيقيين معه في غرفة، يعالج هِكر بشكلٍ حي الأصوات التي يصدرونها، ثم يقوم بتجميع ومعالجة الأصوات مجددًا على مستوىً أعمق في مرحلة ما بعد الإنتاج. لكن في حين اعتمد فِرجنز على آلات غربية تقليدية، يتجه في كونويو إلى غير المألوف، ويعتمد على أداءات فناني الجاجاكو اليابانيين. سماع هذه الآلات للمرة الأولى هو تجربة بحد ذاتها. تبدو الـ شو تحديدًا كآلة كان ينبغي أن تجد طريقها إلى موسيقى الطنين منذ عقود. تُضيف طريقة ضبط تلك الآلات إلى غرابة الصوت بشكل عام بالنسبة لأي شخص غير معتاد على سماع الموسيقى غير الغربية. لذلك يبدو من المنطقي اختيار هِكر ألَّا يُغرق هذه الآلات بالتأثيرات المختلفة، إذ يقوى جمالها المتأصل وحده على حمل الألبوم كاملًا. هذه الآلات أيضًا هي ما جعل ألبوم هِكر هذا الأكثر محيطيةً في مسيرته.

إعلان

سرديًا، يبدو أن عناوين التراكات امتدادٌ لفكرة روحانية يابانية قديمة تُسمى يوراي، والتي تشرح – بين أشياءٍ أُخرى – الانتقال من عالم الأحياء أو ذيس لايف (كونويو) إلى عالم الأموات (أنويو). أبقِ هذه الفكرة في رأسك وأنت تقرأ الجملة المكونة من جمع عناوين التراكات: ذيس لايف، إن دِث فالي، إز أ روز بِّتَل أُف ذ دايينج كريمزن لايت، كيد أوت، إن مذر إرث فيزز، أ سوديُم كودِك هايز، أكروس تو أنويو. وستظهر تقابلات عديدة من ثنائية الحياة والموت.

تدفع هذه العناصر السردية والصوتية بالألبوم وتوجِّه تفضيلات هِكر الأسلوبية تراكًا إثر آخر. هناك إحساس بحركة متواصلة ضمن التراكات، أحيانًا بشكل غير مباشر كما في إن أ روز بِّتَل، حيث تأتي الحركة من إضافة الآلات النفخية تدريجيًا إلى نغمة السنث الرئيسية. على عكس كيد أوت وإن دث فالي، حيث الانتقالات واخزة أحيانًا. عبر التراكات، تقود الانتقالات الآلاتية المفاجئة وتقديم أصوات أكثر حدّةً وثقلًا إلى مناطق جديدة يكون فيها الألبوم في أقرب حالاته من صوت هِكر الحصري. في النهاية، هذه التراكات الديناميكية الأقرب إلى صوت هِكر الذي نعرف هي الأكثر تأثيرًا والتصاقًا بالذاكرة.

علامة الألبوم المميزة هي تراكه الختامي، أكروس تو أنويو، حيث يحشد هِكر كل ما لديه لقرابة ربع ساعة. هناك حركة، نسج صوتية غنية، وآلات تلعب في تقابل، ما يُشكل أفضل تمثيل لما أراد هِكر تحقيقه في هذا الألبوم على صعيد الصوت والمزاج. حتى دون وضع التراك في سياق أنه الخطوة الأخيرة نحو عالم الموتى، يبدو بلا شك لدى سماعه أن كل شيء يتحطم وينهار سائرًا نحو نهاية محتمة. نهاية ليست بالضرورة سوداوية، لكنها تجلب انعتاقًا من كل ما سبقها من تشوشٍ وفوضى.

قد لا يكون كونويو آخر نسخة من محاولات تيم هكر لإعادة ابتكار صوته، وقد يبدو بحاجةٍ حتى لبعض التكثيف في عدة مواضع. لكن طريقة تعامله مع الآلات والمواد الصوتية التي بين يديه تعوض ذلك بلا شك. كان من السهل أن يوقع اختيار آلات غرائبية منتجًا أقل تمكنًا منه في فخ الاستشراق، أما هِكر فقد حافظ على صوته، إلى جانب احترامه لتلك الآلات طوال الوقت. الألبوم كاملًا هو إضافة قيّمة أُخرى لإحدى أكثر المسيرات استثنائيةً بشكل مستمر في مشهد الموسيقى التجريبية.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply