بل اكذبي | عندما غنّت نجاة لا تكذبي

كتابةفيروز كراوية - مايو/أيار 10, 2018

تقول الحكاية إن الشاعر كامل الشناوي كان يقرأ لنجاة الصغيرة قصيدته لا تكذبي، والتي كتبها من وحي اكتشافه أنها تحب غيره بينما هو يهيم بحبها، فإذا بها تباغته وتطلب غناء القصيدة التي أعجبتها جدًا. تصلح هذه القصة غير مؤكدة المصداقية كإشاعة صحفية مصاحبة لظهور الأغنية الملحنة من قبل محمد عبد الوهاب عام ١٩٦٢، وملائمة لتخليد الأغنية في ذاكرة المستمعين بالصورة التي استقرت عن الشاعر المذبوح على يد امرأة رقيقة الصوت سادية المشاعر؛ التناقض المغري دائمًا. لكنها تصلح أيضًا لتأسيس تحليل للأداءات اللاحقة لهذه الأغنية من قبل نجاة، وتداعياتها. 

انضمت لا تكذبي إلى مجموعة أغاني فيلم الشموع السوداء بطولة نجاة وصالح سليم، ووردت في الفيلم كأغنية أدتها امرأة \ مطربة تروي مشهدًا على لسان رجل مجروح من خيانة حبيبته، يخاطبها بضمير الأنثى على طول القصيدة. تجلس نجاة على البيانو أمام البطل الكفيف الذي اكتشفت لتوها سرّه المتسبب في عزلته وحزنه، تحكي قصيدته التي كتبها وكأنها تنكأ جرحه بسكين، ولكن هذه المرة سكين محب، فالسيدة حسب سياق الفيلم تميل لهذا الرجل، وبغنائها وكشفها فهي تستميله أيضًا.

استخدام الضمائر في الشعر الغنائي العربي مخاتل بطبعه، حيث استقر التقليد في أغلب الأغاني على عدم التصريح بحب الأنثى باستخدام الضمائر الأنثوية غالبًا لأسباب محافظة – وظل المطربون والمطربات على السواء يستخدمون الضمائر الذكرية في مخاطبة الحبيب سواء كان أنثى أو ذكر. وذلك بشكل ما يسهّل استعادة نفس الأغنية من مطرب أو مطربة دون حاجة لتغيير الضمائر. لا تكذبي استثناء، لأنها تتوجه بالحكاية والضمائر حصريًا لأنثى، ولا يمكن أن تسمح لغتها إلا أن يكون مغنيها رجل. لذلك يصبح اختيار نجاة للأغنية تعبيرًا عن حدس أو رؤية تستحق التحليل، كونها حالة لم تتكرر كثيرًا في الأغاني العربية: أنثى تغني من موقع الذكر.

الأنا التي لا تريد أن تكون

يتحدث علماء نفس مثل سيجموند فرويد وجاك لاكان عن قانون الثقافة المعاصرة المتمحورة حول القضيب Phallogocentric Law، والذي يفسر رؤيتنا لاختلاف النوع بين ذكر وأنثى. لا يتوقف الأمر عند الطبيعة البيولوجية المختلفة عند الميلاد، ولكن إدراك كل منا لنوعه Gender عبر مراحل مستمرة من التفاعل الاجتماعي تعيد تشكيل الهوية الجنسية وفق عوامل اجتماعية وثقافية مهيمنة. يرى فرويد ولاكان أن التقسيم لأنثى وذكر، وكذلك التراتبية التي يحظى فيها كل نوع بمرتبة اجتماعية معينة، تخضع جميعها للقانون الذي يعرّفنا أساسًا من حيث امتلاكنا لـ قضيب من عدمه. بذلك يستحيل للأنثى (التي لا تمتلك قضيبًا) حسب فرويد  أن يتحقق وجودُها بشكلٍ كامل إلا عبر علاقتها بالنظام الذكري المهيمن، ورؤيتها لنفسها بين النقص الجوهري المحتوم Penis lack وبين الجدل مع الآخر الذكر بغرض استكشاف هويتها ومعرفة ماهية وجودها.

إعلان

في الستينات والسبعينات، مع صعود الموجة الثانية للحركة النسوية في أمريكا وأوروبا، أعاد الكثير من الباحثين في علوم اللغة والنفس والاجتماع رؤية ونقد المنظور الفرويدي الذي يشير إلى تلك الاستحالة التي تكتنف وجود النساء في وجود الخطاب المهيمن المتمحور حول القضيب. حتى جاك لاكان الذي أكّد الرؤية الفرويدية عن القانون الحاكم، رأى في أعماله الحديثة أن هناك ما يسمى اللذة الأنثوية Feminine Jouissance، وهي نوع من التمتع الذي تتمكن الأنثى من الشعور به خارج سيطرة ثقافة القضيب الحاكمة، ويخص بشكل حصري نوعها ووجودها كأنثى.

في عالم الموسيقى، حفلت تلك الفترة بأعمال تقتحم فيها مؤديات ومؤدون عالم النوع من زاوية التمرد على التقسيم الجامد بين الذكر والأنثى، يغلب عليها قلب النوع Gender Inversion وصناعة المثال الخيالي العابر للنوع Cultivated Transvestite Imagery كما رأينا في مسيرة فريدي ميركوري ودايفد بووي على سبيل المثال. لكن ذلك التمرد لم يصغ نفسه فقط في عالم المظهر والجسد، بل امتد أيضًا إلى الصوت والأداء الصوتي. يتحدث ريتشارد ميدلتون عن التغيرات الكبرى في مفهوم الأداء الصوتي بحلول القرن العشرين: “في كتابها ‘كيف تغني أغنية (١٩١٨)’ لا تقدم فنانة الكباريه الفرنسية إيفِت جولبير شرحًا من كتابات تاريخ الغناء الكلاسيكي لتقنيات وآداب الغناء، ولكنها تتحدث بالأحرى عن نوع من إعادة اختراع الذات، ونظامًا كاملًا من المحاكاة التي تتمثّل طيفًا واسعًا من الشخصيات وتشخيصها. أصبح هذا التناول سندًا هامًا في الغناء المتداول في القرن العشرين، ونوعًا جديدًا من الفلسفة الطبيعية، حيث الصوت الأصلي والحقيقي لمطربي الروك والبلوز يصنع واقعيته عبر تقنيات تختلف كثيرًا عن مفهومنا لجماليات الغناء الكلاسيكية إيطالية المنشأ.

بدأ الأداء الصوتي في القرن العشرين يتسع لعملية التشخيص والتمثيل، فيما بدأ البحث عن أنواع جديدة من الصوت لا تخضع بالضرورة للجماليات المعروفة ولكنها تكتشف جماليات جديدة أثناء عملية اختراع الذات واشتباكها مع ذوات متعددة عبر طقس المحاكاة Mimicry. لا نستطيع القول إن الغناء العربي المعاصر التحق بالقرن العشرين متمثلًا نظام المحاكاة والتشخيص إلى آخر آفاقه التجريبية كما حدث في الغرب، لكنه انتقل نوعيًا إلى أصوات تعبّر عن جماليات تختلف أيضًا عن الغناء الكلاسيكي لعصر النهضة العربي في القرن التاسع عشر. منذ صعود محمد عبد الوهاب في العشرينات، وبداية استخدام الميكروفون في الحفلات الغنائية والانتقال إلى عصر الراديو وتكنولوجيا التسجيل وطباعة الأسطوانات؛ نلاحظ حدوث تغير كبير في اختيار الأصوات الغنائية من حيث نوعها وقدراتها وتماشيها مع المعايير الكلاسيكية لقوة الصوت ومساحته وقدراته الأدائية تحديدًا في التطريب والارتجال والتمكن من الزخرفة واستخدام العُرب الشرقية. فتح وجود الإذاعة والميكروفون الباب لأصوات تعتمد بعدًا ذاتيًا في التعبير، وتقترب من التشخيص والمحاكاة عبر اختيارات للكلمة واللحن تنظر للغة والمواقف العاطفية بمنظور أكثر ملامسة للحياتي والمعاصر. أتحدث هنا عن النقلة التي استوعبت أصوات مثل عبد الحليم حافظ وصباح وشادية ونجاة الصغيرة ومن قبلهم ليلى مراد ونجاح سلام ونور الهدى ومحمد عبد المطلب بما مثل كل منهم من أسلوب صوتي واختيارات غنائية مختلفة عن القرن السابق.

نحن نسمع أشياء لأننا لا نستطيع أن نرى كل شيء

إذا اعتبرنا الفن بطبيعته عملية تمثيلية ينتقل فيها الواقعي إلى الخيالي الفانتازي لينقل معنىً رمزيًا، فضمن هذه العملية تتم محاكاة شبه مسرحية لمشهد من الحياة الواقعية بغرض التعبير عن الرغبات والمشاعر اللاواعية، حيث يصبح التنفيس عنها بديلًا لكتمانها، أو حيلة دفاعية لتجنب الألم والصدمة التي يسببها هذا الكبت. وفي حالة تقمص النساء لدور ولغة وشخص رجل داخل عمل فني مثل تكذبي، يصبح تبادل المواقع نوعًا من الخيال المنطوي على أبعاد رمزية لا ينطق عنها فقط الشكل الخارجي والنص المكتوب أو المغنّى.

يقول ميدلتون إن استعارة موقع الرجل من المطربة الأنثى (تحديدًا في التسجيلات الصوتية التي يغيب فيها عنصر الجسد ونوعه، وليست الحفلات الحية) يُفسح دروبًا جديدة للخيال، ويعطي لصوت الأنثى موقعًا أقوى، إذ يغيب جسدها الأنثوي عن الرؤية، وأخيرًا يصبح المجال مفتوحًا أمام الخداع الجندري Gender Trickery، وتمثل كل نوع للآخر تبعًا لرؤيته. في لا تكذبي، نرى اختلافًا بين موقع الأنثى المرئية في المشهد من الفيلم، وبين غناء المطربة لنفس الأغنية على المسرح متحررة من سياق وحكاية الفيلم، واختلافًا ثالثًا عند اﻻستماع إلى التسجيل الصوتي للأغنية دون مشاهدتها.

في الفيلم، لدينا خلفية عما تسعى إليه المطربة / الممثلة عندما تغني الأغنية؛ نعرف أنها تريد التأثير على البطل وإعلان اكتشافها السر، و ضمنيًا توصيل رسالة بالقبول والحب برغم ما كشفته وعرفته. وهنا قد يصبح المنطق المسيطر على أدائها للنص المكتوب يحمل ربما مقابلة بين صورتها وصوتها المستكينين وصورة تلك المرأة الخائنة التي يصفها النص، أو صوت البطل المضمر فيه. مع تتبع المشهد نرى حرصها (أو طبعًا حرص مخرج العمل) على إلباسها ثوبًا محتشمًا لا يغري بجمال خاص، وكأنه يبعد التركيز عن جسمها كأنثى ويؤكد على عدم استعمالها له كعنصر للتأثير. هي تتحرك حرفيًا للتماهي أكثر مع موقع الذكر/ الضحية. نرى تركيز الكاميرا والمونتاج على نظرتها المتعاطفة والمتوسلة للبطل، الذي يظهر بدوره من موقعه الطبيعي كرجل غضبًا تراجيديًا، وكأنه يترجم منطوق النص الشعري.

تلك المرأة إذًا تستعير بالفعل قوة الذكر الذي تأتي الأغنية على لسانه لتوجهها نحو امرأة أخرى، معلنة عن المسافة بينهما. تتفق وجهة النظر هذه مع ما يطرحه لاكان عن تقمص الشخص لصورة فانتازية عن جنسه كمرحلة طفلية / نرجسية من مراحل النمو child mirror phase، وقد يستمر هذا التقمص في العملية الفنية كأسلوب يعبر فيه الفنان/ة عن توقه لتمثل نوعه عبر حيلة تنكرية يستعير فيها مكان النوع الآخر Same-Sex Masquerade. المرأة الغائبة هنا في نص لا تكذبي يلومها ويجلدها صوت ظاهر لذكر، لكن حلول أنثى في محله جعل لعملية التأنيب هذه موقعًا بين تنزيه الصورة الشخصية عن ارتكاب نفس الفعل، وكذلك التمني الخفي ربما لارتكابه. إذا رجعنا لقصة الأغنية المروية، والتي كانت المطربة نفسها في محل تلك المرأة الخائنة في لا تكذبي، يمكن أن نتفهم دافع الفضول والرغبة ربما في تقمص المطربة لنفسها من موقعين مختلفين، وهو ما يتيحه غناؤها لهذا النص من موقع الطرف الذي وقع عليه الأذى وليس الطرف المؤذي كما الحال في الواقع.

في الحفلة الغنائية نلمح حضورًا مختلفاً للمطربة: أقل تراجيدية وأقل اهتمامًا بإبراز الاستسلام والخضوع البريء. نستطيع أن نقارن هذا الأداء بـأداء عبد الحليم حافظ. إذ بينما لم تتغير أي عناصر موسيقية في الأغنية بين المطربين (التوزيع الموسيقي لعلي اسماعيل الذي يقود الأوركسترا بنفسه مع عبد الحليم حافظ)، يتغير الموقف النفسي والطابع الأدائي كثيرًا. يقدم عبد الحليم حافظ صوت الذكر المتألم والغاضب لكبريائه كما يمكن لأي قارئ للنص أن يتوقع. ويعتبر التقمص هنا معايشة متوافقة تمامًا مع منطق النص، وكذلك مع نوع / جنس المطرب، ما فرض عليه أن يتجه لأداء درامي عالي النبرة والانفعالية، التي تبدو زائدة أو مفتعلة في بعض المواقع.

إعلان

يبدو التفاوت بين الأداءين شبيهًا بتفاوت المواقع، إذ يحاول المطرب أن يستقطب المستمع للتماهي مع حالته وألمه، أن يصدق ما يقوله دون تشكيك، أن يغضب معه لما أصابه. أما المطربة فتبدو كمن تستدعي أغنيتها التي أصبحت ناجحة ومشهورة، غير مكترثة كثيرًا بتوصيل الغضب أو اللوم أو حتى المشهدية التي تحفل بها عبارات الأغنية، وتنهي أداءها في كل مقطع بابتسامة المطرب المنتشي بتصفيق جمهوره، خروجًا ودخولًا مستمرًا لحالة الأغنية. كأن الأغنية نفسها، بنفس الموسيقى والكلمات، منحت قوة وأريحية لأداء المطربة وأضفت انكسارًا وتراجيدية على أداء المطرب، وهي الحالة التي يعقّب عليها ميدلتون بأن انتقال المطربة لموقع المطرب الذكر هو انتقال لسلطة المفسّر Authoriality عبر امتلاك القضيب رمزيًا Phallic Exchange (لاحظ استخدام لفظ author للمبدع والمؤلف في الإنجليزية ولفظ authority بمعنى السلطة). فمن غير المتوقع أن يتساوى موقف مطرب يتمثل ذكرًا مطعونًا في كبريائه الذكوري، مع أنثى يحمل غناؤها للعمل جدلًا مع موقفها الوجودي من ذاتها ومن ذات الإناث بشكل عام.

ورأيت أنك كنتِ لي ذنبًا

يقول سلافوي جيجك في حديثه عن عملية المونتاج كأنها شبكة لتفاعل النظرات المتعددة للفيلم السينمائي، أن هذه الشبكة تتضمن بالتأكيد فراغًا داخلها يعبر عن النظرات والرسائل التي تم حذفها، هذا الفراغ ينتظر النظرة الثالثة third gaze أو الصوت غير المتوقع unexpected voice ليملأه. ما يقصده جيجك بالصوت غير المتوقع هو الصوت الذي لا ينتمي للظاهر من النص، أو الصوت الذي نتمنى بصورة لا واعية أن نسمعه ولكننا لا نستطيع. في حالة لا تكذبي أضاف حضور نجاة مؤديةً للنص هذه النظرة الثالثة التي تنفتح على المسكوت عنه الذي لم يتضمنه النص المكتوب. انتقل النص الغنائي في لا تكذبي إذًا أداءً وتفسيرًا إلى أصوات متعددة، من ضمنها بشكل أساسي الرواية عن حب الشاعر كامل الشناوي لنجاة. يملأ هنا صوت المرأة وحضورها ملقية للنص الفراغ الذي يبحث فيه المستمع أو المستمعة عن مكانه من العمل الغنائي، إذ يستطيع أن يتجول في المساحة بين الخائنة والرجل الذي خانته، ويستطيع استكشاف موقعه من الحكاية مثلما تحاول المؤدية تحديد مكانها بين هويات متعددة للأنثى الخائنة، لا تقع بالضرورة في خانة الذنب التي تحاصرها نظرة الذكر بحكم موقعه الاجتماعي. وربما يصبح المكان الجديد لها فرصة لتنتحل قوة الجلاد صاحب الحق ثم تعكس خطابها ذاك على رجل يستمع إليها، لتصبح أداة الجلد التي صنعها لأخرى (هنا كتابة القصيدة) أداة لتعذيبه هو شخصيًا بإعادة الاستماع إليها.

أصبح قلب النوع هنا بمثابة انقلاب على المعروف بالضرورة من النظام الأبوي الذي يحيط بالعلاقة بين الرجل والمرأة في علاقتهما العاطفية وما يجوز فيها وما لا يجوز. يقدم الموقع الملتبس للمؤدية إمكانية لتفكيك العلاقات الحتمية بين الجلاد والمذنبة، التي ينطبق عليها قانون مركزية القضيب بوصفه قانون كوني إلهي، ويصبح تعدد الأصوات كاشفًا ليس فقط لموقف طرفين حديين معروف مسبقًا، ولكن لمواقف متعددة ترفض هذه الثنائية، أو تتمنى أن تنحصر في إحدى طرفيها.


مصادر:

Barbra Bradley and David Laing, “Introduction” in “Gender and Sexuality”. Popular Music 20 (2001).

Yvette Gulbert. “How to sing a song : the art of dramatic and lyric interpretation” (1918).

Richard Middleton. “Voicing the Popular: On the Subjects of Popular Music” (2006).

Slavoj Zizek. “I Hear You with my Eyes” (1996).

Slavoj Zizek. “Pornography, Nostalgia, Montage”, from “I Hear You with my Eyes” (1996)

Laura Mulvey. “Visual Pleasure and Narrative Cinema” (1975)

Leave a Reply