لم يعد الراب يسحرنا
بحث | نقد | رأي

لم يعد الراب يسحرنا

معن أبو طالب ۲۰۲٤/۰٦/۱۳

قد تكون الـ ٢٠١٦ هي سنة ذروة الراب. سنتها عملنا ٣ قوائم راب لحصاد العام وبرضه كنا حاسين حالنا مقصرين. سنتها يونج ثاج نزّل جيفري، وكانيه وست عمل فيديو فيموس مع ريانا واللي كان عمل فني بحد ذاته، ضمن ألبوم جوسبل مدهش بكثير من أبعاده، خصوصًا في آلترا لايت بيم، يمكن من أفضل أغاني المشهد عالإطلاق. رح نحكي كثير إذا بدنا نعدد الهبات اللي إجتنا في الـ ٢٠١٦. فيك بس تروح تراجع قوائم نهاية العام على معازف أو غيرها ورح تشوف إنك مش رح تخلص.

هاي السنة ولو إنها كانت متركزة في أمريكا – مهد الراب – لكنها مدت العالم بإلهامات كثيرة، تبلورت في العالم العربي من خلال مشاهد شمال أفريقيا وفلسطين اللي أبدعوا من وقتها لحد الـ ٢٠٢٠ تقريبًا. ولو بنرجع لاختبار مارك فيشر الذهني اللي بنتخيل فيه إنه لو بني آدم من أوائل الثمانينات بيسمع موسيقى معاصرة فمش رح يلاقي فيها إشي جديد. وعشان يثبت مارك فرضيته، وقتها ضرب أمثلة زي آيمي واينهاوس والآركتيك مونكيز، واللي كانت مقاربة صائبة كونه هذول الاثنين فعلًا فيش بشغلهم إشي جديد سوى قدرات إنتاجية متطورة بفضل تطور التكنولوجيا، إلا أنه الراب يمكن هو الجنرا الوحيد اللي كان رح يفاجئ مستمعنا التخيلي من الثمانينات، ويحس حاله بيسمع إشي من الفضاء. لو جبت سميع عايش في الواحد وثمانين مثلًا وسمعته يانج ثاج أو كانيه ويست بكون كذاب إذا قللك إنه لقى فيها شيء مألوف.

لكن اللي حاصل اليوم إنه كل إشي في الراب صار مألوف. الراب احتل العالم، وهيمن لدرجة صارت فيها كل الموسيقات راب. البوب صار راب، الروك صار راب. الموسيقى بشكلها الغربي النموذجي صارت راب.

أحد الأشياء اللي أدت إنه الراب ياكل العالم، مع العلم أنه الراب هو الجنرا الوحيد في العالم اللي بتلاقيله مشهد في كل بلد على وجه الأرض، هو ظهور التراب، واللي طغى مع فيوتشر ويانج ثاج. بعد ما كان الراب يتمحور حوالين صف الكلمات ببراعة ورسم صور شعرية، الشكل اللي أتقنه إمينم وإم إف دووم وأبيوسف، دخلوا جماعة التراب زي فيوتشر ويانج ثاج، اللي إنت مش فاهم شو عم بيحكوا نص الوقت. ولو إنه التراب بيخسر كثير من الفرص الشعرية تبعت الراب، ولكنه فتح المجال لشيء ضخم، وهو التعبير عن مدى من المشاعر اللي ما كان يسمح فيها الراب بشكله التقليدي.

أكل الكلمات والآهات اللي بتتغنى مع فيوتشر ويانج ثاج فتحت الراب ليعبر صوتيًا قبل كلاميًا عن مشاعر زي الحزن والحب والألم، بدون ما يرتبط بالضرورة بمشاعر دمها حامي زي ألم إمينم اللي ارتبط دائمًا إما بالغضب أو السخرية. غناء يانج ثاج في سلايم سيزون ٣ مثلًا، اللي بس تقرأ كلماته بتلاقيها محدودة في التفاخر، كان بيعبر عن مجموعة واسعة من المشاعر البعيدة كل البعد عن التفاخر. 

بطّل الراب مربوط بالكلمات وصار مفتوح للتأويل بشكل مجرد، زيه زي الموسيقات الآلاتية تقريبًا. كثير منا وقتها حتى صار يدور في كلمات فيوتشر عن معاني أعمق من التفاخر والسيارات والتشبيح، وكنا نخترعها اختراع، لكني اليوم بعرف إنه ولو الواحد كانت نيته صادقة، بس ما كان فيه ضرورة لإقحام هاي المعاني، لأنها كانت بتوصل من خلال الغناء نفسه. ألم فيوتشر ويانج ثاج وحزنهم ورهافة نفسهم واضحة في أصواتهم بغض النظر عن الكلمات.

لكن مشكلة هذا النوع برضه إنه معادلته سهلة وواضحة. غزارة إنتاج يانج ثاج مثلًا كانت دليل على سهولة هاي المعادلة. يانج ثاج اللي كان في فترة ينزل أكثر من ١٠٠ أغنية بالسنة، وحتى معجبينه المهووسين ما كانوش ملحقين ع إصداراته. غزارة الإنتاج هذي وكمية الناس اللي عم تنتج سارعت بانهيار المشهد. واليوم بنقدر نقول إنه الراب صار مجموعة معادلات واضحة ومألوفة. إذا راب بالانجليزي بدك تسوي يا إما زي ترافيس يا إما زي بلاي بوي كارتي يا إما إيرل سويتشيرت. إذا بالعربي فإنت يا إما زي أبيوسف يا أما زي شب جديد. الطرق كلها انفتحت، وبطل في مجال لطرق جديدة.

إذا كانت الـ ٢٠١٦ هي الذروة، فالانحدار يمكن يكون بدأ جديًا مع ألبوم آسترو وورلد لـ ترافيس سكوت في ٢٠١٨. الألبوم كان ناعم لدرجة إنك بتقدر تسمعه في أي مكان. تدخل على سوبر ماركت تلاقيه شغال، عالتلفزيون تلاقيه شغال، في المصعد كذلك الأمر، حتى في حفلات اللاونج تلاقيه شغال. الألبوم احتل الجو في العالم كله تقريبًا، وبسرعة صرنا نشوف عالمي الراب والبوب بينسخوا الألبوم، بل وبحاولوا إنه ما يخرجوا عنه كمان. صار الألبوم معادلة النجاح المضمونة، وجرّد الراب من خطورته.

هذا إشي أسبابه عديدة، لكن قد يكون أحد أهم أسبابه هو إنه الراب، كجنرا، كان منبثق عن منظومة قيم طغت في وقت ما، وهي الليبرالية. صعد مع صعود الليبرالية، ارتاح بارتياحها، وانفجر بانفجارها. كان إما بيتعارك معها وبثور عليها في بعض الأحيان زي كانيه ويست، أو بيخدمها بإخلاص زي كندريك لامار. المهم إنه كان بيتحرك في مداها. لذلك بنلاحظ إنه بعيدًا عن الجماليات الصوتية، مجموعة المعاني الطاغية كانت بتتمحور حوالين عدمية بحتة.

بعد الطوفان هاي العدمية بطل إلها محل. كان إلها محل يوم ما كانش قدامنا إلا أوسلو وجيش عدو لا يقهر. لكن اليوم كشفلنا الطوفان صراط جديد. اليوم عيب تكون عدمي والناس عم بتقدّم كل إشي بتملكه من أجل فكرة، والفكرة هاي إنت بتنتميلها وعارف في صميم قلبك وروحك إنها فكرة صادقة ومصيبة وإنها حق. صعب تتغنى وتتغزل بالضعف والهزل أو تنادي بحقوق زي الأجانب لما يكون عندك شخصيات زي أبو عبيدة والسنوار وكل مقاتل شفناه في فيديوهات القسام. 

في لحظة ما شعرنا إنه الطوفان يمكن هو الضربة القاضية. لكن لأ، الطوفان نفسه بيعطي طريق جديد، لأنه بيطرح بديل واضح ومتين لليبرالية. الخيارات بطلت ليبرالية أو فاشية أو شيوعية. الخيارات صارت ليبرالية أو ضد الليبرالية، وبسياقنا العربي المباشر، صهيونية أو ضد صهيونية.

إحنا صحيح كنا عارفين إنه الراب بيتراجع من بعد الـ ٢٠١٩، ولكن بذرة التغيير كانت موجودة في أغاني زي إن أن وشغل بلاتنم اللي سبوا فيه أميركا وتغنوا بالأنفاق وهمه بسمعونا تراكيب شعرية ولغوية جديدة، وأريحية في التعامل مع الراب كموسيقى بدون التمسك بقالب واحد. إنت بتكون تسمع أغنية راب بعدين بتلاقي حالك بتسمع مجرودة وبعدين لطمية، وبعدين أغاني عراس وتعاليل. هاي أغاني منبثقة من ثقافتنا استعارت من الراب، مش العكس. التجديد الثاني المهم هو اللي بنسمعه في إصدارات شباب جنين وغزة، زي الوعري وأبحمادة وبشندي وشباب عش الدبابير. الأغاني هاي حتى لو بعدها ما كسرت قالب الشكل لكن فيها روح قتالية، فيها رسالة وفيها عناد.

في قوائم السنة الماضية، يا دوب قدرنا نجمع أكم أغنية راب نعمل فيهم قائمة حلوة من قلب وربّ. السحر راح، وهذا إشي منيح. الدنيا اتغيرت اليوم والمنظومة اللي كانت حاكمة كل إشي انهارت. اليوم في منظومات قيمية رح تتنافس، وهذا معناه إنه المشاهد اللي كانت مرتبطة بالليبرالية رح تتبعثر وتتفرع لأشكال جديدة. هذا بحد ذاته محمس، وبخلي سؤال ممل يرجع يصير مثير: الراب لوين رايح. هل رح يندثر؟ مستحيل. الجواب هو إنه رح يتغير. وعشان يتغير لازم يتخلص من حمولات الأجيال السابقة اللي غنت عن السيارات والبتشز، وهذا إن اتغير كمعنى فلا بد يرافقه تغيير بالشكل.

أنا مش عم بنتقد اللي سمع هاي الأغاني لأني أنا نفسي كنت فيها جهبذ، واليوم بستوعب إني كنت بدور فيها على إشي مش موجود إلا في حالات نادرة. الجزء الثاني المهم من السؤال هو إنه الراب قد يكون انتهى في الغرب فعلًا، لكنه مش بس الراب اللي انتهى. كل هيمنتهم الثقافية ولّت. الجماعة مفلسين ثقافيًا وأخلاقيًا وسياسيًا. افتح نتفلكس أو روح عالسينما أي وقت أو حتى افتح يوتيوب ورح تشوف بوضوح إنهم فقدوا القدرة على إنتاج أفكار جديدة. اقرأ كتب أو مقالات فلاسفتهم ومفكّرينهم ومنظّرينهم، مش رح تلاقي إشي. انطفت الشمعة، وراح البريق.

لذلك السؤال للمرحلة القادمة ما بينفع يكون كوني، وإحنا لازم نسأل أسئلة معنية بالقطب تبعنا، اللي هو العالم العربي الإسلامي بكل ما يحمل من أطياف وتفرعات. السؤال الضيق اللي جوابه برد على أسئلة كبيرة هو: كيف بكون الراب اللي مضمونه وشكله مش عدمي، وبنفس الوقت مش محاضراتي ممل زي شغل الرابرز الملتزمين الهادفين؟ كيف بكون في راب مش ساحر، مش معني بالإغواء، بل بالحقيقة والجمال. هذا سؤال كوني اليوم، والجواب عالأغلب رح يطلع من فلسطين.

المزيـــد علــى معـــازف