لهلك (إنتاج مقاطعة) | فراغ + داكن + هيكل

كتابةمعن أبو طالب - يوليو/تموز 23, 2015

تبدأ لهلك بأصوات مضطربة وحادة كالأجراس أو السريانات، يحملها نبض عميق سريع يشعرنا باقتراب تهكلة من نوع ما. يضحك فراغ ضحكة سوداوية، ثم تدخل الطبول. هذه الطبول تتراوح ما بين الـOffbeat والضربات المتأخرة أو السابقة قليلاً لتوقيتها synocpated لتخلق جواً أكثر غرائبيّة وكأننا نسمع أغنية آتية من المستقبل الكارثي، غير مترابطة، وعلى وشك الانهيار في أي لحظة. يبني فراغ على فوضى الإيقاع التي يحقّقها مقاطعة بسطور مضطربة تتعامل مع الإيقاع بحرية وانضباط في الوقت ذاته.

يقول فراغ يمكن إذا بتدور بتنحشر، ثم يترك طبول الإيقاع ترن وحدها، كأنه يدعونا لتأملها. يستمر على هذه الشاكلة، بسطور واضحة لكن غريبة على الأذن، تزيد من أجواء التهديد والتوتر. وبما أن الإيقاع مبني على لازمة خط البايس الذي يروح ويجيء مثل الموجة – الشيء الوحيد المنتظم في الأغنية – يغتنم فراغ هذه الفوضى ليتحرر من ربط التدفق بنهاية البار بشكل تقليدي، فنجده يصمت أحياناً، وأحياناً يترك الإيقاع يمر من أمامه كالفريسة، ليقنصه بكلمة تصيب هدفها بدقة. أحياناً يُنهي سطره قبل نهاية البار، وأحياناً يسرع ليقف فجأة عند نهايته، كما يفعل في جملته الفلسفية البسيطة بشوفك لما تخلص الأبد اللي عالق فيه“. يضيف مقاطعة أصواتاً موجية أخرى تضيف لجمال وكآبة المشهد الصوتي الذي يبنيه الفريق، كما يضاعف أحياناً من صوت فراغ في نهاية سطوره ليزيد من توتر المشهد.

يدخل داكن فور خروج فراغ ليبدأ مقطعاً أكثر تقليديّة إيقاعيّاً ولكن غني بالصور الأصلية أنا صدى مضى وسابك، وسطور تعلق في بال المستمع أنا المارد تاعك، ما وراء أفعالك، وما وراء وراء أفعالكفي جملة تستحضر مبادئ علم النفس، وتأخذ السوبر إيغو في الراب إلى مستوى جديد يقترب من الألوهيّة. يبدو داكن وكأنه يسابق كلماته بعض الشيء ويستعجلها لتبقى في نطاق الإيقاع المعقد. ولكن مع الاستماع عن قرب عدة مرات تتكشف لنا سطور شعريّة متينة وغنيّة تكافئ السماع المتأني والمتكرر: “سالب ١ واحد زبّط الشنب بس السالف زاحك“. يستمر داكن لتظهر في سطوره شيئاً فشيئاً سلطة الواقع جليّة بقبضة التكنولوجيا والحديد والأجهزة والكاميرات، ولنسمع فيها ساعات قضاها داكن ورفاقه في نقاط تفتيش ومعابر.

توقيت إيدي هيرنز يكاد يشعرك أنه يؤديه على إيقاع لهلك

إعلان

ثم يأتي دور هيكل. يعرف المتابع لهيكل غالباً أن ملكته في تطويع اللغة واللعب بالكلمات نادرة، وتنم عن خيال فاحش الرحابة. ما يقوم به هيكل لغويّاً يمكن أن يتفتح ليصبح عالماً كاملاً يكون هو ملكه، كاختصاص old dirty bastard بالراب الغنائي وقديم أعمال Busta Rhymes التي يُضخم فيها المقاطع اللفظية ويستخدم الأصوات وليس فقط الكلمات. مثلاً، يقول هيكل في الكون يا البيت فيو شوك بتمعلق، فيو سكوت بعلّق، بعبّق طلبات ريحة الريح …”، وطلى الآية بالذهب ووشمها معنوياً، بططاية استيطانياً، ديوك صيصانياًفي أغنية مقطع عناوين من إنتاج جلمود. انتظرت من هيكل بعض تحويراته اللغوية هذه في لهلك ولكنها لم تأت. ومع ذلك، كان انتظاري مجزياً.

يبدأ هيكل مقطعه بلوم نفسه “غلطت بحق حالي” ثم يتحول ليخاطب شخصاً مسؤولاً بنبرة محايدة أولاً، تتصاعد رويداً رويداً حتى تصبح سخرية “هتغوص بمشتاقاتي وتحرق حالك بسيجارة طافية يا ريّس” ثم اتهامية من زيف صلاحياتك القانونية، ثم الترهيب لكيف الصلاح أظن أنها الصلاح لولادك مقرونة فيي، وفي اللي زيي، اللي بتعرفهمش، بتقدرلهمشحتى يصل التحدي والدعوة المفتوحة للمواجهة تعال فتّش عشان أدفّش وتاخدني هناك وندردش وافضح سماك فتنصّت العميان تعال يا فندش“. ينهي هيكل هذا التوتر المتصاعد بجملته الممتازة: واثق زي اللغة.

بجمل كهذه، يفصح هيكل عن ذكاء فطري وحكمة تسبق عمره تلمح حقائق أزليّة. فجملة مثل واثق زي اللغةهي جملة فلسفيّة بامتياز. بسيطة وواضحة وفيها شيء من الحقيقة. التشتت والضياع يأتي من الالتباس في اللغة، الضياع يأتي مع ضياع اللغة، كل أزمات الهويّة سببها وحلها واللغة، ولكن اللغة لا تكترث، فهي منظومة حية متكاملة، تغذّي نفسها وتفرض نفسها وتقتل نفسها. حتى قال البعض أن اللغة هي تقرر ما يقال وليس العكس. (لن نتطرق هنا للفكرة الساذجة بأن اللغة مجرد أداة) لأنّه يتعامل باللغة الشعرية ويعيشها، يلتمس هيكل هذه الحقيقة، ويعطينا اياها بصيغة شعرية بسيطة، وثقيلة ثقل الزمن في الوقت نفسه.

لهلك

ببداية مهولة يُقنع مقاطعة المستمع بسرعة أن هذه ليست أغنية عادية. هي أغنية تطالب بالانتباه وتحصل عليهمع نهاية الأغنية، يثبت لنا مقاطعة أموراً أخرى. أولها: مقاطعة من أكثر الرابرجيّة أصالة وتجديداً في المنطقة، ويعتلي منصة الراب مع قلائل آخرين في العالم العربي. ثانياً: مقاطعة فنان جدّي معني بالتجديد، وذلك على مستوى أصبح مؤخراً باعتقادي عالمياً وليس محليّاً. يمكن بالتأكيد قراءة تأثيرات عالمية في أعمال مقاطعة ولكنه يتملكّها ويعيد صياغتها، ثم يبني عليها ويطورها ليعود ويقدمها بطريقته هو. ثالثاً: يثبت لنا مقاطعة أيضاً أنه يبني مشروعاً جديّاً بمعاونة رفاقه الموهوبين داكن وفراغ وهيكل ومجموعة من الموسيقيين الآخرين الذين يتعاون معهم على أعمال أخرى. مشروعهم محمس ومهم، وله أفق فنية رحبة جداً. وهو أيضاً مشروع فلسطيني دون أن يدّعي الفلسطينية. وهكذاً، رابعاً: يثبت لنا مقاطعة ورفاقه أن الهواجس تحكم الأعمال. الفنان يقول ما يقول، وهواجسه تظهر في العمل. إن كان الهاجس فلسطين فليكن، وسيظهر شاء الفنان أم أبى. وإن كان سيارة بورشة ولا عيب في هذا، ما دام يطرح بقيمة جمالية عالية، فسيظهر أيضاً، حتى لو غنى عن أكثر مواضيع العالم نبلاً.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply