رأس مال الكبوة | ليبرالية الموسيقى وانهيار المركز
بحث | نقد | رأي

رأس مال الكبوة | ليبرالية الموسيقى وانهيار المركز

رامي أبادير ۲۰۲٤/۰٦/۱۳

على مدار العقد الماضي، طوال فترة كتابتي لمعازف حتى انضمامي إلى فريق التحرير، أتذكر الكم الكبير من الإصدارات المتنوعة على مستوى البوب والراب والموسيقى الإلكترونية. لعل قوائم آخر السنة لأفضل الإصدارات خير مثال على ذلك. عكس تنوع القوائم وامتلاؤها بالاختيارات ثراء العقد الماضي على مستوى الجنرات والمناطق القادمة منها، تجديد وتطوير وحماس مستمر. 

كان لمشهد الراب بموجة التراب ثم الدريل البريطاني النصيب الأكبر من التجديد، صوت متطوّر حمل تأثيرات من الألفية والعقدين السابقين لها، مدعمًا إياها بأساليب إنتاجية وإلقائية غير معهودة. تأثرت مشاهد الراب العربية لتخلق زخمًا كبيرًا على مستوى الرابرز والمنتجين والجمهور، بالأخص بعد اللجوء إلى أصوات شعبية تعكس المحيط الثقافي لتضفي مزيدًا من الخصوصية، حيث شهد الراب الفلسطيني والمصري والمغاربي طفرة كبيرة.

على مستوى البوب، كان الهايبر بوب صادمًا؛ إذ نجحت إصدارات تسجيلات بي سي ميوزك، وأسلوب سوفي الإنتاجي وذوق تشارلي إكس سي إكس، بأخذ البوب إلى منطقة أكثر مغامرة أزالت الفواصل بين ما هو بوب وتجريبي. كان عنصر المبالغة في لمعان جماليات البوب أساس الجنرا، تبيناه من خلال الأصوات الإلكترونية البراقة والدرَمز العنيفة، والبايس العميق والتلاعب في طبقة الغناء، والتركيز على الأنسجة الصوتية الحادة، ليسفر عن صوت جديد مرح، هجين من عدة جنرات إلكترونية به قدر كبير من المبالغة بغرض السخرية من الواقع الرأسمالي. بالتوازي مع الهايبر بوب، شهدنا تطورًا واضحًا لدى بيونسيه، وفنانات أخريات على قدر كبير من التجريب بفضل صلتهم بالمشهد الإلكتروني، مثل تيرزا وكيليلا وإف كاي إيه تويجز وفيفر راي.

ينقلنا ذلك إلى المشهد الإلكتروني، الذي واظب على استمراريته وتجديده بعد مرحلة ما أطلق عليه الناقد سايمون راينولدز بطيف الهاردكور. تفجرت جنرات خاصة بالسياق الثقافي الأمريكي والبريطاني، مثل الفوتوورك والجرزي والجرايم بموجته الثانية، بالإضافة إلى مشاهد أخرى متفرقة من حول العالم ساعد الإنترنت وشركات الإنتاج المستقلة على انتشارها. وقعت تلك المشاهد الأخيرة تحت ما يعرف بموسيقى الكلَب المفككة أو المغامرة أو التجريبية، أو كما يحلو للفنانين والنقاد والجمهور بتسميتها. كانت، وما زال بعضها، حافلة بأصوات هجينة وتركيز جاد على التصميم الصوتي، كما رأينا في إصدارات عدّة لدى تسجيلات بان وسبكالت وجينوت سنتر، وأورانج ميلك وإيديشنز ميجو وهاوندستوث وإيه دي ٩٣ وهايبردَب. عكست إصدارات هذه الشركات على المستوى الموسيقي والبعد المفاهيمي طفرات جمالية غنية لتلك الفترة.

حتى الإصدارات التي اتخذت من الماضي حقلًا جماليًا لها، مثل موجة الفايبروايف وإصدارات المنتج وان أوتريكس بوينت نيفر، خلت تمامًا من النوستالجيا واستعادية الألفية. حمل الفايبروايف معانٍ مفاهيمية تتحدى الرأسمالية وأعراضها، أما وان أوتريكس بوينت نيفر فركّزت العديد من إصداراته على عنصر الذاكرة وكيفية استيعابنا للماضي بصورة مشوّهة متخليًا عن الرؤية الرومانسية له.

مع دخول العقد الحالي وبداية الجائحة، عكف الفنانون في بيوتهم وتأثرت حفلاتهم وجولاتهم. برغم تأثر بعضهم بحالة الإحباط العامة، أتت الجائحة كوقود لمزيد من الإنتاج وتفريغ الطاقة المتبقية لديهم من العقد الفائت، ما أسفر عن مزيد من الإصدارات القوية على عكس المتوقع في عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢١. أفضل مثال على ذلك كانت قائمة أفضل ٨١ أغنية التي نشرناها على معازف ضمن قوائم نهاية العام.

إرهاصات الكبوة | صعود تيك توك مع الجائحة

لكن خلال العامين الماضيين عجز أغلب الفنانين عن الاستمرار في التجديد، وبدا لي العامان الأولان مجرد رواسب موسيقية من فرط بلوغ العديد من المشاهد قمتها أواخر العقد الماضي. كما من المعروف، وحدث من قبل في بداية الألفية خلال الموجة الإحيائية للبوست بانك، حينما يعجز الحاضر عن إفراز جديد ينبش بعض الفنانين في الماضي، وإن كان ذلك مشروعًا، فإن الموجات الاستعادية تنذر بكبوة موسيقية.

يعكس تيك توك ذلك بشدة، فالعديد من المحتوى الموسيقي المتواجد على التطبيق كخلفية صوتية للفيديوهات هو استعادي بشكل كبير، ويتطلب الأمر متابعة المستخدم لبضعة فيديوهات حتى يقع في فخ الخوارزمية، الذي بدوره يفيض على المستخدم بمزيد من المحتوى الاستعادي ليسبح في الماضي.

من ناحية أخرى، سمبلة موسيقى من الماضي شيء معتاد، لكن أضاف تيك توك عليها صبغة من الاستسهال حيث يوفر التطبيق مساحة أوسع وأسرع للانتشار تأتي على حساب الجودة. هناك مثالان واضحان على ذلك حققا نجاحًا واسعًا العام الماضي؛ تراك آيس سبايس ونيكي ميناج المبني على سامبل تكرارية بشكل مبالغ لتراك باربي جيرل الصادر في ١٩٩٧، الذي لا يستغرق في رأيي مجهودًا يذكر لإنتاجه حتى يُغرق تيك توك. أما التراك الثاني فهو بلايرز لـ كوي ليراي، المسمبل من تراك ذَ مسج لـ جراند ماستر فلاش الصادر عام ١٩٨٢، والذي سُمبل من قبل في ٣٢٠ أغنية على حسب موقع هو سامبلد، من ضمنهم بف دادي وتو باك وآيس كيوب وسنوب دوج وبلاك ستريت. لأول مرة بات تطبيق يملي جماليات موسيقى ما ويختزلها في فيديو قصير وهوك جذّاب، فدقيقة واحدة كافية لانتشار واستهلاك تراك ضعيف مبني على الماضي.

على عكس ساوندكلاود، الذي كان بمثابة قاعدة مغمورة ينطلق منها الكلاود رابرز بصوت جديد فرض نفسه على المينستريم، أتى تيك توك ليعزز تجارب ضعيفة مع ضمان انتشار أوسع، حتى بات العديد من الفنانين يؤقلمون نفسهم على جماليات التطبيق. تسفر هذه الجماليات عن منتج لحظي للغاية، فأتذكر عند سماعي للأغنيتين، بالإضافة إلى مثال آخر من المشهد الإلكتروني التجاري، أغنية بيجي جو التي تمحورت حول التراك التسعيناتي ناين بي إم تيل آي كَم لـ إيه تي بي، أنني أخذتهم على محمل التسلية أكثر من التعاطي معهم بشكل جاد. تأثير تلك الأغاني مؤقت وتنتهي صلاحيتها بعد شهر، ولا أتوقع أن تؤسس نفس التأثير للبوب الثمانيناتي أو بوي باندز التسعينات أو حتى إي دي إم العقد الماضي. 

خلقت العديد من الوسائط والتكنولوجيا جماليات بالفعل للموسيقى، لكن هذه الجماليات نبعت من إمكانيات امتزجت بقيود للوسيط، فأقراص الفاينل والشرائط طوّرت موسيقات مختلفة. على العكس، فإن تيك توك إمكانياته بلا حدود، وإن ساعد البعض على الانتشار السريع والترويج لهم، فإن تأثيره على المستوى الجماهيري مؤقت لا يضمن استمرارية الفنان، بالإضافة إلى عدم قدرته على تطوير مشاهد أو جنرات بعينها.

جزء كبير من تيك توك قائم على إعادة تدوير الماضي بدافع خلق تريند “جديد” منه، لذلك فإن تعاطيه مع الماضي يعكس معادلة النظام الرأسمالي القائمة على صناعة النوستالجيا: الإبقاء على الوضع الراهن وأسر المستخدم في منطقة آمنة تخلو من المغامرة والتحدي، في حين يستمر التطبيق في تحقيق أرباح هائلة كلما استخدم لساعات أكبر وكلما تهافت عليه الفنانون. 

إن كان بعض الفنانين لجؤوا للماضي، فالآخر بقي مكانه في حالة ركود تامة. عكس العام الماضي هذه الحالة، حيث كان من الصعب على فريق معازف تجميع قائمة راب بنفس المعايير العالية لعام ٢٠١٩ مثلًا. ما رصدناه هو ذبول مشهد الراب وسواد التكرار في قطبيه التراب والدريل، وبعض المحاولات اليائسة لتوليف الأخير مع الجرزي. الغريب أن الجرزي تواجد بالفعل كجنرا مغمورة منذ الألفينات، ووصل إلى حلبات الرقص على نطاق أوسع وسط العقد الماضي من خلال دي جيهات فضوليين. بعد كل ذلك الوقت وصل الجرزي إلى مشهد الراب مؤكدًا حالة الركود التي بلغها والمحاولة اليائسة للتجديد.

انعكس ذلك على مشهد الراب العربي، فعلى سبيل المثال المشهد المصري استمر على خطى معادلة صيحات الراب الأمريكية والبريطانية، من حيث الجنرات والشكل والأداء عامة، حيث أن الثقافة الاستهلاكية فرضت نفسها على المشهد، متجلّيةً في تشبع الرابرز بالروح الفردانية وهوس بالشهرة والربح السريع، والفيوهات واللايكات على السوشال ميديا ونسب المشاهدات على اليوتيوب، وخضوع لعقود شركات ببنود معسّفة؛ بالإضافة إلى تطلّع لنمط حياة الرابرز العالميين بإمكانيات مادية متواضعة. باتت النتيجة مشوّهة مقارنةً بقمة المشهد التي وصل إليها في ٢٠١٩. 

على مستوى الجماليات، ظهرت محاولات منتجين ورابرز مثل مولوتوف ووزة منتصر وموسى سام تحاول إضفاء طابع مصري يعكس ثقافة الشارع الشعبية، ولكنها لم تستمر. ما نسمعه هو تكرار لنفس فلوهات ومواضيع وأداءات الراب الأمريكي والبريطاني التي صارت باهتة، فبهت المشهد المصري بأكمله. ينطبق الأمر أيضًا لكن بقدر أقل في المشهد المغاربي والشامي. من أهم الملاحظات التي رصدتها بشكل شخصي هو انعدام عنصر المفاجأة، حيث بات من السهل توقّع بنية التراك وتنويعاته بعد الاستماع لستة عشر بار من العديد من التراكات، فالصوت العام مستنسخ إلى حدٍ كبير. 

لعل الأمل في كسر تلك الدورة الفنية القصيرة هو التحرر من الاستنساخ الرأسمالي، ومواجهته بتكتلات ومجموعات فنية تركّز أكثر على بيئتها الثقافية والتجريب لتطوير صوت جديد. نرى ذلك حاليًا مع مجموعة مكونة من منتجين ورابرز من مصر مثل داود المنطقي وترزي ووجدي ياكتر وآخرين تابعين للمجموعة نفسها، وقد بدت خلفيتهم المختلفة القائمة على التجريب وعلى سمبلة مبنية على مواد أرشيفية، مع أسلوب إلقائي ومواضيع وكلمات غير مستهلكة. 

ألبوم سلطان للناظر وشب جديد دليل قوي على استعداد للتطوير، وحس مغامر ملهم للمنتجين. إذ يظهر الناظر بشكل مختلف وقد مل من التراب والدريل متّجهًا إلى إيقاعات غير معتادة على المنطقة، مثل الجانغل والغراج والبوست بانك، مع دعمها بألحان مستلهَمة من البوب العربي الثمانيناتي والتسعيناتي بأصوات معاصرة.

بالتأكيد لكل جنرا أو مشهد دورة ما، ومع مرور الوقت وتوحّش النظام الرأسمالي، واختزال الموسيقى إلى عدد مشاهدات وكيفية ظهور الفنانين على السوشال ميديا، والحلب السريع لأي مشهد موسيقي، باتت هذه الدورة أسرع من قبل، ومستمرة في التسارع. من المتوقع أن بعث الجرزي والبايلي فَنك من جديد لن يأخذ دورة إنتاجية طويلة، بالمقارنة مع طول دورة التراب أو مشاهد أخرى مثل الجرايم أو الهايبربوب، أو شكل البوب والمشهد الإلكتروني البريطاني في التسعينات.

دورة الإلكتروني اللا نهائية | استثناءات

مع متابعة ذبول العديد من المشاهد التي تنذر بكبوة موسيقية، نابعة بالأساس من المركز الغربي الذي أثّر في مشاهد أخرى في منطقتنا بجمالياته وتوجهه الرأسمالي، يأتي المشهد الإلكتروني بشقيه المغامر والراقص لبعث بعض الأمل من ناحية إنعاش وتطوير الموسيقى. 

كما عهدنا، فإن دورة موسيقى ما تنبع بالأساس من مشاهد مغمورة ذات طابع ثقافي خاص، وتستمر بضع سنوات حتى يكبر المشهد ويأخذ منحى جماهيريًا، إلى أن يحتويه البوب مجدِّدًا نفسه. يعكس المشهد الإلكتروني ذلك بقوة إذ له نصيب كبير، ونستدل عليه من دورة مشهد الجانغل في إنجلترا في التسعينات، الذي أخذ طابعًا تجاريًا وأكثر جماهيرية في الألفينات. كذلك الدَبستب في إنجلترا الذي نتج عنه مشهد البروستب في أمريكا مؤديًا إلى جماهيرية الإي دي إم. حدث الأمر نفسه مؤخرًا مع الجرزي والبايلي فَنك اللذان توغّلا بشدة على مستوى البوب. 

كما رأينا فنانين واسعي الانتشار، وذوي قاعدة جماهيرية ضخمة، يتواصلون مع فنانين أقل شهرة من المشهد الإلكتروني لتجديد موسيقتهم. مثل مغازلة سكريليكس للجزء المغمور من المشهد الإلكتروني الراقص، وتعاونه مع فلودان في تراك رامبل، وظهوره مؤخرًا في مهرجان سي تي إم. كذلك تعاون بيورك مع الثنائي الإندونيسي جابر مودوس أوبراندي، وأركا وروزاليا مع سايفتي ترانس، بالإضافة إلى بيونسيه مع كلمان دوران.

ما يضمن للمشهد الإلكتروني استمراريته وتطويره هو مناورته السريعة، وتغيير جلده حينما يقع في فخ التكرار. شهدنا العقد الماضي دفع ما يسمى بموسيقى الكلَب المفككة للمشهد الإلكتروني، بصوتها الهجين وطابعها السينمائي وتصميمها الصوتي المتقن، وحين بلغ التفكيك قمته سرعان ما ساد مزاج عام لإعادة بناء ما تم تفكيكه. يمكن تتبع التغيير في الذوق بشكل عام من خلال إصدارات تسجيلات بان، فالصوت المفكك لدى أمنيجيا سكانر ومش وبان دايجينج وزيور وإيف تيومر حل محله توجه ذي بنية أكثر وضوحًا، واستعانة بالآلات الحية والغناء والاستغناء عن الاستعراض المبالغ فيه في التصميم الصوتي. توضح ذلك إصدارات لـ إيفيتا مانجي وهيث وتزوسينج وأبسامي ومارينا هرلوب وبياتريس ديلون.

أما على مستوى حلبة الرقص، نلاحظ تغيّرًا قويًا لدى المنتجة الإنجليزية أيا في ألبومها الطويل الأول، الذي أخذ طابعًا مفاهيميًا انعكس في موسيقى أكثر استساغة لدى قاعدة جماهيرية أوسع، بالمقارنة مع صوتها الراقص الملتوي تحت اسمها الفني السابق، لوفت. ينطبق الأمر نفسه في تغيّر اتجاه أركا إذا قارننا إصداراتها الأولى مثل زن وميوتانت بسلسلة إصدارات كيك. 

كانت فترة هامة، عكست بشكل كبير ثقافة مولّفَة قائمة على الإنترنت، وانعكست على الأرض من خلال المهرجانات والتغطية الصحافية، وتأثر العديد من المنتجين الجدد بهؤلاء المنتجين. حتى في قمة الجنرا أراد العديد من الفنانين التحرر من اسمها، والذين مازالوا يستعينون بمعالمها التجريبية حتى الآن باتوا خارج أي تصنيف، ما يدل على التطورات السريعة لتجنب التكرار والوصفات الآمنة.

تعيش الموسيقى المحيطة أقوى فتراتها في السنوات الأخيرة بين المشاهد الإلكترونية. تستمر تسجيلات ٣ إكس إل وموشن وردز وليلرن تايبس وسفيرك وأبندكس.فايلز وكوايت تايمز، وغيرها من الشركات، في دفع حدودها إلى منطقة جديدة ومنجرفة. تعيد إصدارات هذه الشركات تعريف الموسيقى المحيطة وتغذيها بأنسجة صوتية أكثر كثافة وبالبايس والمزيد من التسجيلات الميدانية، لتأسر المستمع وسط مشاهد صوتية غنية ومتغيرة بشكل مستمر. صوت أكثر مرونة وليونة من الموسيقى المحيطة التقليدية وطبيعتها الثابتة القابعة في الخلفية. التجريب وحده هو محرك المشهد الإلكتروني بكل تفريعاته، كما يتضح في ألبوم سبيس أفريكا الكلاسيكي أونست لايبور، والذي جمع بين التأثيرات المحيطة والتريب هوب بشكل جديد والمزيد من الآلات الحية والغناء.

على كل حال، في ظل الحاجة الملحّة للحفاظ على الزخم ومواكبة التغيّرات السريعة التي تطول المشهد، تأتي السرعة هنا على حساب الجودة. يعكس مشهد الموسيقى الراقصة سلبية عنصر السرعة، فبالرغم من نزوحها عن التعقيد المبالغ فيه أحيانًا في ما عرف بموسيقى الكلَب المفككة، وإعادة بناء ما تفكك، جاء البناء في أحيان كثيرة بشكل متسرّع يفتقر إلى أساس قوي. 

الملاحظ في العام الماضي والحالي أن الإصدارات الراقصة أُنتجت لتخدّم على الدي جايز أكثر من إبراز منتجيها، موسيقى راقصة مسطّحة ومكررة، قليلة الطبقات ومن السهل التعرّف على مصادر أصواتها. أنتجت هذه الموسيقى للاستهلاك السريع أو ما يعرف بالدي جاي تولز. مجموعة من اللوبس يتم وضعها في الدو DAW لإنتاج أنماط إيقاعية وقليل من الألحان لتسهيل تمكيسها Mixing في وصلات الدي جايز. 

يزداد الأمر بؤسًا مع الكم الكبير من الإديتس الذي نشهده، والذي يمزج بين لوبس أو تايب بيتس عامة راقصة مخلوطة بهيتّات بوب قديمة، أو ذات صبغة شعبية دون الدراية بالسياقات الأصلية. تذكرني الإديتس بتأثير التيك توك وعلاقته بالماضي أو الشعبي. هناك شعور من الألفة والمفاجأة تبنيه الإديتس مع الراقصين للوهلة الأولى، لكن وقعها مؤقت للغاية وسرعان ما يتبخر عنصر المرح والتسلية من فرط الاعتماد في وصلات الدي جايز على الإديتس واللوبس المبنية على قوالب عامة. فمن التعقيد في إنتاج الموسيقى الراقصة إلى التسطيح؛ وإن وُجدت بالتأكيد أمثلة قوية حافظت على المعادلة المحكمة بين الجانبين مع محاولات تطوير جيدة، رصدناها في قائمة أفضل الإصدارات الإلكترونية للعام الماضي.

إكزوتيكية الفاتح الأبيض | موسيقى الجنوب العالمي 

رغم تمركز المساحات والنوادي الليلية في أوروبا وإنجلترا، نظرًا لامتلاك هذا المشهد لرأس المال والإمكانيات النسبية، نرى تحوّلًا واضحًا في الذوق العام، حيث باتت الكفة تميل إلى الجنوب العالمي الحافل بجنرات ومشاهد وأصوات وإيقاعات منعشة، نتبينها من شركات إنتاج ووصلات الدي جيهات الراقصة، وميل المهرجانات الأوروبية أكثر من قبل إلى حجز فنانين ودي جايز من الجنوب العالمي. 

خلال العقد الماضي انصرف الصوت المؤسس لما أطلق عليه سايمون راينولدز بطيف الهاردكور تدريجيًا إلى صوت الموسيقى الراقصة المفككة، ليصل الآن إلى صوت عالمي متنوع يمكن تسميته بالهاردكور العالمي. كانت جنرات ومشاهد مثل الجرزي والبالتيمور كلَب والجوم والبايلي فانك نواة لإعادة تشكيل المشهد الراقص، لنشهد طفرة في العقد الجديد في إعادة إحياء البايلي فنك بمزيد من التجريب، وفي الأمابيانو والتأثيرات الشعبية القادمة من أمريكا الوسطى والجنوبية مثل الدمبو، بالإضافة إلى الشعبي العربي والشرق آسيوي ومشاهد متنوعة في شرق إفريقيا وجنوب إفريقيا. 

فنانون مثل ٣فاز وتومبا ودينا عبد الواحد مثال قوي على ضخ دماء جديدة بصوت شعبي للمشهد الإلكتروني في السنين الأخيرة، بالإضافة إلى الطفرة المستمرة في المنطقة العربية التي ينعكس تأثيرها على المشهد الإلكتروني. على مستوى شركات الإنتاج نرى تراتراتراكس ونافي وسبكالت وتشاينابوت ويس نو وايفز وسي كيوكمبر ونييجي نييجي. أدى ذلك لزيادة حجز فناني الجنوب العالمي في المهرجانات، وبالتبعية فتح آذان المستمعين ومروجي الحفلات والقيمين على المشاهد التابعة لها؛ كما ألهم العديد من الفنانين الغربيين التجريب والالتفات إلى أصوات جديدة لتطوير موسيقتهم، والالتفات إلى ثقافات أخرى وانتشالهم من التكرار. حفّز ذلك النقاد والمجّلات إلى تركيز الضوء على الخروج من المركزية الأوروبية، فباتت مراجعات الألبومات لا تخلو من فنانين من إيران أو الصين أو مصر أو كينيا على سبيل المثال.

على قدر ما يبعث كل ذلك على الأمل وتأكيده على الإمكانيات الواسعة التي تفتحها الثقافات غير الغربية، فإن الصورة ليست وردية بالكامل عند الحديث على كيفية تعامل المؤسسات الغربية معها. كما ذكرت فإن البنية التحتية ورأس المال لا يزالان تحت سيطرة الغرب، بينما العديد من الأصوات والمشاهد الجديدة في الجنوب العالمي، أي الموارد. إذا اعتمدنا هذه الثنائية، التي تتحقق بالفعل، يمكن ملاحظة ميزان القوى الذي يعكس علاقة استعمارية، تتضح ملامحها من الرؤية الإكزوتيكية لفناني تلك المناطق. 

العقلية الإكزوتيكية نابعة في الأساس من السياسات الاستعمارية القديمة؛ المكتشِف الأبيض المفتون بثروات الشعوب غير الغربية، والذي يتغذى عليها تدريجيًا ككائن طفيلي حتى استنزافها، ضامنًا استمراريته، بالطبع بعد فرض قوانينه وسلطته العسكرية القمعية. بعد انتهاء عصر الاستعمار الكلاسيكي، نسبيًا، حل محله استعمار أكثر نعومة متمثلًا في منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية التابعة لسفارات دول الغرب المسوّقة لقيم الليبرالية. 

تروّج المنظومة الليبرالية لقيم قد تبدو لها وجاهتها، تدعو للتحرر والجسور الثقافية والتخلي عن فكرة الآخر ومقاومة السلطة وغيره. لكن تناول هذه القيم يأتي بشكل سطحي، مجرّد شعارات بشرط أساسي؛ أن لا يشكل المستفيدون ضغطًا أو نقدًا يتعارض مع المنظومة الليبرالية الغربية. تجذرت هنا فكرة المنقذ الأبيض الذي يسعى لبناء الجسور بين الدول “المتقدمة” والدول المنهوبة من قِبَل الاستعمار، وبالطبع ساهم ذلك في ترويج فناني الجنوب العالمي وانتشارهم في الغرب والاستفادة منه. طغت العقلية الليبرالية على المشهد الثقافي الذي يتلقى منحًا من الاتحاد الأوروبي أو من الدولة، ما أثّر بشكل قوي على غالبية أصحاب الدعم المستقل لمواكبة التيار الليبرالي والتغيّرات الثقافية في المشهد. 

في السنوات الأخيرة انتعش تقييم مهرجانات الموسيقى الإلكترونية بفناني الجنوب العالمي، بالأخص من المنطقة العربية وشرق آسيا وأمريكا الجنوبية وأجزاء من إفريقيا. مع أن ذلك يقع جزئيًا في مصلحة الفنانين، ويضمن استمرارية المهرجانات بسبب طرحهم للتطورات العالمية في المشاهد الموسيقية الإلكترونية، بالتالي فالاستفادة متبادلة، إلا أن جزءًا كبيرًا قائم على عنصر أساسي نابع من العقلية الليبرالية بجسورها الثقافية، وهي سياسة التمثيل representation وسياسات الهويّة. كان لذلك أثرٌُ واضح على بعض فناني الجنوب العالمي الذين تماهوا مع القيم الليبرالية؛ إذ سوّقوا أنفسهم بناءً على سياسات الهويّة، ورأينا استشراقًا ذاتيًا على مستوى الترويج لموسيقتهم وكيفية تقديم أنفسهم، بشكل يجذب القيّمين الغربيين وإرضاء فيتيشيتهم الإكزوتيكية. 

بالنسبة للمهرجانات، أصبح من المهم الأخذ في الاعتبار في التقييم تواجد نسب معيّنة (كوتا) لفنانين من مناطق جغرافية وتوجهات جندرية وألوان بشرة متنوعة، لتلبية شروط التمويل الليبرالية. للوهلة الأولى يبدو ذلك شيئًا إيجابيًا، إذا قارنّاه بحقب زمنية شديدة البياض، فالتعددية بالتأكيد تفتح إمكانيات لتطور المشهد بأكمله وكسر حالة الملل في العروض. لكن السؤال الأهم هو كيفية التعامل مع هذا التنوع، هل هو بدافع براجماتي للحصول على التمويل؟ هل اختيارات الفنانين قائمة بعد دراسة أو بناءً على الكفاءة؟ أم لسد خانة والتعامل مع الفنانين كعملة لاستيفاء الكوتا؟ هل يستمع القيّمون بالفعل إلى هؤلاء الفنانين ولهم معايير واضحة للكفاءة نابعة من الإلمام بثقافتهم ومن تحليل نقدي؟ أم فقط يهرولون تجاه ما هو ضارب على السوشال ميديا وحملات التسويق (PR) ومن هو تابع لوكالة حجز فنانين معروفة؟ هل تخلو الاختيارات وطريقة تقديم الفنانين من الرؤية الإكزوتيكية؟ السؤال الأهم هل المهرجانات التي تدّعي المغامرة تأخذ المخاطرة السبّاقة في حجز فنان تتوقع إنه سيضرب يومًا ما؟ أم إنها تتبع الحجوزات الآمنة؟  

تتحقق بالفعل الرؤية الإكزوتيكية لدى العديد من المهرجانات، من خلال وصف الفنانين عن طريق التركيز على البلدان القادمين منها، وكأن لسان حالهم يقول: “سنريكم فصلًا جديدًا من أعماق الأدغال أو من الصحراء، أو فصلًا جديدًا من ألف ليلة وليلة”. أو مثلًا بوصف صوتهم بالمستقبلي، فما هو غريب وغير مسموع أو مجهول من قِبَل الغرب بات مستقبليًا، حيث أن القيّم الغربي لا يبذل المجهود والبحث الكافي بشكل مادي للتعمق في الثقافات المختلفة، وفي مشاهد بعينها للتمييز بين كفاءة الفنانين. أصبح مثلًا مصطلح مستقبلي بديل عن الآخر وما هو إكزوتيكي، وهو نوع الالتفاف في التعامل مع ما هو غريب أو “جديد”، حيث يأخذ طابعًا زمنيًا بدل المكاني.

الغريب أن العديد من الجمهور والفنانين العرب يستطيعون التمييز بين تراك جانغل أو جرزي أو دبستب جيد وآخر رديء، في حين تصبح الأمور مجرد طلاسم يصعب فكّها لدى قيّم أو مستمع غربي، للتمييز بين تراكين راقصين لمنتجين عربيين من نفس البلد والمشهد. يتساوى المنتجان في هذه اللحظة أو يصبح الفاصل بينهما هو الشكل السطحي، وكيفية تسويق صورتهما على السوشال ميديا، أو مدى انتشارهما أو تغطيتهما من قبل الصحافة، أو أي وكالة حجز تروّج لهما، أو مجرد تكرار حجز أحدهما بناءً على حجز سابق من قِبَل مهرجان آخر. 

لذلك نرى اهتمامًا كبيرًا تجاه مجموعة من الفنانين خلال فترة وجيزة، وسرعان ما يخفت نجمهم لدى المهرجانات، فتعامل المهرجانات معهم قائم على ثقافة استهلاكية تستنزف الفنانين كموارد لاستبدالها بموارد أخرى قائمة بالأساس على التمثيل، دون التركيز على الأعمال نفسها وإمكانية تطويرها. بات هناك تشابه مماثل بالدورة الاستهلاكية السريعة والعقلية الرأسمالية المتمثلة في اقتصاديات موسيقى البوب، وما نشاهده من ترندات مؤقتة تستهلك سريعًا على تيك توك.

شارك العديد من الفنانين بالفعل نقدًا لكيف يُنظر إليهم بشكل إكزوتيكي، وفي السنوات الأخيرة أستطيع تبيّن فرق أو نية واضحة لعدم تبني سرديات إكزوتيكية من بعض الصحفيين، لكن العديد من المهرجانات بالإضافة للمساحات والنوادي الليلية والمؤسسات الثقافية لم تتحرر بعد من ذلك. صار الحس الإكزوتيكي يتراكم، لينكشف الوجه الحقيقي العنصري للعديد من المؤسسات في الشهور السابقة مع بداية عملية الإبادة في غزة.

السابع من أكتوبر وانهيار المركز

السياسة عنصر أساسي في حياتنا اليومية، بما في ذلك الموسيقى حتى وإن حاول البعض تحييدها، ففي ذلك أيضًا بعدٌ سياسيَ. السياسي موجود في المساحات الراقصة والمؤسسات والمهرجانات بدءًا من العاملين واختيارات الفنانين حتى الجمهور، فالتنميط العنصري والطبقية والتمييز الجندري والعنصري كله سياسي. نشأت جميع المؤسسات والموسيقى التي نستمتع إليها تبعًا لخلفية سياسية واجتماعية، لذلك حين تحاول المؤسسات إنكار الإبادة والتمييز ضد الفنانين، وضد الجمهور المناصر للقضية الفلسطينية والمقاوم لدولة الاحتلال، أو المساوة بين المحتل والمقاوم، نتبيّن البعد العنصري وينكشف الوجه الحقيقي للسياسة الحقيقية وراء تلك المؤسسات الليبرالية التابعة لسياسات حكوماتها.

العديد من المؤسسات التي تتبنى رؤى إكزوتيكية انكشف وجهها الاستعماري، واتضحت نفس العقلية الاستعمارية البدائية التي تستنزف الثروات والموسيقى والرقصات وأصناف الطعام، بالتوازي مع سياسات الإخراس والتعتيم والمنع حين يصير الأمر مناهضًا للاستعمار. كم من مؤسسة روّجت للخطاب المناهض للاستعمار وعند أول اختبار حقيقي تراجعت لعنصريتها البدائية؟ ألمانيا والنمسا مثال قوي على ذلك، حيث باتت صدى للخطاب الاسرائيلي الهش، بجميع ما يحتويه من اتهامات فضفاضة مبنية على محاولات فاشلة لتلفيق جذور معادة السامية للعرب.

هناك بالطبع بعض المحاولات الجادة في ألمانيا، وأيضًا بقية أوروبا، للاصطفاف ضد العنصرية تجاه العرب وحلفائهم والمساندين لقضاياهم، لكن الأمر عامةً يكشف تبعيات ما بدأ بالإكزوتيكية ومصيره في النهاية، وهل كان هذا الإعجاب والانبهار نابع من منطقة صادقة أم لا. من المؤسف أنه بالرغم من حجز المهرجانات الأوروبية للعديد من المنتجين والدي جايز العرب، والرغبة في عرض موسيقتهم، وبالرغم من الخطاب التحرري والإصرار على البعد السياسي للموسيقى، لم نر أية ندوة أو حلقة نقاش أو محاضرة متعلّقة بالإبادة في غزة ضمن تقييم البرامج الحوارية للمهرجانات. بينما تنافست نفس المهرجانات لإعطاء مساحة حوارية للفنانين الأوكرانيين عقب الغزو الروسي لأوكرانيا. 

يصبح الكلام عن سياسة الاحتلال مبررًا عندما تكون القضية آمنة، متماشيةً مع توجهات الحكومات والجهات المموّلة. للمفارقة، لم تستيقظ هذه المؤسسات والمهرجانات عند بداية الغزو الروسي في ٢٠١٤ عند دخول القرم، حيث لم ينهض وقتها الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لم تحظ القضية الأوكرانية بأي تغطية في هذه المؤسسات والمهرجانات. من المفارقة أيضًا، أن العديد من البرامج الحوارية لا توجَّه أي انتقادات للحكومات في ما يخص قضية التغير المناخي، بل تسعى إلى مطالبة الفنانين والجمهور بالتحرك الفردي، وتحمل المسؤولية لإنقاذ الكوكب بشكل أخلاقي. 

من متابعتي شخصيًا لم أشهد حلقة نقاش ساخنة وجدّية عن سياسات الاستعمار الثقافي وخطاب إنهاء الاستعمار decolonization، لأنه ضمنيًا هناك استفادة من أشكال الاستعمار الثقافي المتبقية. توغّل خطاب إنهاء الاستعمار بشكل طفيف في بعض المؤسسات لكن دون التطرق للأزمات السياسية بشكل جاد، وكأنها محاولة للغرب الليبرالي لتبييض وجهه، وبالطبع تناسى تمامًا ذلك الخطاب بعد شعوره بتهديد بعد السابع من أكتوبر. كما لا نجد نقاشًا لقضايا تخص مشاكل اللاجئين وتجارة الأسلحة، والمصاعب التي تواجه الفنانين غير الأوروبيين من أقليات ذات طبقات فقيرة، وغيرها من القضايا السياسية المعقدة. تلك قضايا بنيوية أشد إلحاحًا من قضايا سياسات الهوية التي تعد بدورها متجذرة ونابعة منها. طالما قررت تلك المهرجانات تسييس نشاطها منذ البداية، فلماذا لا تستمر حتى النهاية؟ من المؤسف أن الخطاب الليبرالي مع رواسبه الاستعمارية لا يزال حاضرًا. 

لا يزال هناك الكثير على هذا المشهد لعمله للتحرر من عناصر المنظومة الرأسمالية الليبرالية ومركزيتها الأوروبية، غير ذلك سيصبح هذا المشهد بمثابة انعكاس للمنظومة الليبرالية و”الديمقراطية” التي سقطت كليًا بعد السابع من أكتوبر. من الواجب على فناني الجنوب العالمي فتح نقاش جاد مع القيمين ومروجي الحفلات والمؤسسات، وعلى الأخيرة الاستماع للنقد وللتحفظات ومحاولة تحسين الوضع الحالي قبل فوات الأوان.

من ناحية أخرى نرى توغّلًا لقيم الفردانية والتنافسية الليبرالية، من خلال التركيز الشديد على الشكل الخارجي للفنانين وكيفية ظهورهم على السوشال ميديا. مع تركيز وكالات الحجز وشركات التسويق ومروجي الحفلات والقيمين على الشكل السطحي، يشكل ذلك ضغطًا على العديد من الفنانين والصاعدين منهم، ويجعلهم مهووسين بظهورهم على السوشال ميديا، في حين تصبح الكفاءة والمحتوى شيئًا هامشيًا، وهو ما نرصده دائمًا في مشهد البوب؛ فما يعتبر نفسه بديلًا، يسلك نفس طريق ما هو جماهيري. 

نتبين ذلك أيضًا في تمسك المهرجانات بالعروض المبهرجة ذات الإنتاج الضخم المبالغ فيه. قد يصب ذلك في مصلحة الفنانين الكبار، لكن في نفس الوقت يخلق تنافسًا بين الفنانين الصغار والصاعدين، الذين لا يجدون وسيلة للإعلان عن ذاتهم إلا من خلال التماهي مع المعايير العالية التي تفرضها المهرجانات، وفي أحيانٍ كثيرة يتم الاختيار بناءً عليها، غير مكتفين بتأثير الموسيقى وحده، كما لو كانت عاجزة عن الإبهار وخلق حالة من الجمال لوحدها. يصبح بذلك المشهد الإلكتروني مرآة لمشهد البوب وآلياته، وإن افتقر نفس حجم التمويل والبنية التحتية.

في النهاية، هناك بالفعل أزمة في الموسيقى في الغرب وحالة من الملل والركود، بالرغم من ازدهار البنية التحتية والإمكانيات التكنولوجية. لكن كما رصدت تقف المنظومة الليبرالية الرأسمالية الهشّة عقبة في حدوث أي تطوّر أو خروج من هذه الأزمة. هناك إمكانيات عديدة في المشاهد الشعبية وموسيقى الجنوب العالمي استطاعت بالفعل كسر المركزية اليور-بريطاني-أمريكية في السنين الأخيرة، وسحب البساط من تحتها بالرغم من بنيتها التحتية الضعيفة، وبالرغم من اعتماد بعضها جزئيًا على الغرب. 

قد يكون الأمل أيضًا لدى المشهد الإلكتروني لما يتحلى به من أساس بديل، وكما رأينا في حقبات زمنية سابقة رسّخت قدرة هذا المشهد على تغيير جلده، ووعيه بالتغيّرات والتطوير وعدم وقوعه في فخ التكرار. لكن لا تزال الليبرالية كامنة في هذا المشهد، وقد حاولت بشكل موجز الإشارة إلى التحديات التي يواجهها قبل فوات الأوان، وقبل أن تنهار “الجسور الثقافية” كليًا.

المزيـــد علــى معـــازف