ماجدالين | إف كاي إيه تويجز

كتابةصادق التجاني - دسيمبر/كانون الأول 9, 2019

سمعت بـ إف كاي إيه تويجز (تاليا بارنت) للمرة الأولى عام ٢٠١٢؛ كانت ضمن موجة الإس آند إم (السادومازوخية) الفنية التي انتشرت عبر كتب مثل فيفتي شايدز أوف جراي وأفلام مثل نيمفومانياك وألبومات مثل ترايلوجي لـ ذ ويكند. لاحظت أن موسيقى تويجز جسدية وخاضعة، السمة المحورية لأغانيها السابقة، كتوسلها لحبيبها أن يطفئ حبها عبر الجنس العنيف في بابي باسيفاي من ألبومها القصير الثاني إي بي تو. جذبني إلى هذه الموسيقى الإنتاج الذي يجمع بين الآر آند بي والإلكترونيك التجريدي والتقليلي الذي رافق هذه الإيحاءات الجنسية بصوتٍ عذبٍ رقيق، ونجح في خلق بيئة سمعية مزاجية لم تكن موجودة في ذلك الوقت. واصلت تويجز في تجريد صوتها أكثر عبر التعاون مع منتجين مثل أركا وكلامز كاسينو في ألبومها الأول إل بي وان، وبوتس وتيك في ألبومها القصير الثالث مِليسا، كما تعمقت في مواضيع الخضوع والحب. بعيًدا عن موسيقاها، مرت تويجز ببعض العقبات في حياتها الشخصية. عام ٢٠١٧، أنهت علاقتها مع الممثل روبرت باتينسون وكشفت على إنستجرام أنها خضعت لعملية جراحية لإزالة نمو الأورام الليفية المؤلمة من رحمها. قد تكون هذه الأحداث المؤلمة تلو الأخرى هي التي شكلت أغنية سِلوفاين، أول عينة من ألبوم ماجدالين، حيث أفضت تويجز بمكنوناتها علنًا لأول مرة منذ ثلاث سنوات.

بدّلت تويجز صوتها العذب والمغري بصوتٍ عتيق ومهزوم قد يفاجئ بعض مستمعيها. كأنها رزحت تحت حربٍ طويلة. تبدأ الأغنية بسؤالَين: “ألم أفعل ذلك من أجلك؟ / لماذا لم أفعل ذلك من أجلك؟”، موجّهين لحبيبها في محاولة لفهم سبب فسخ علاقتهما. تكتمل الأغنية بإنتاج تقليلي مكوّن من بيانو وصوت بقبقة اصطناعية، ما يمهد لتوجهٍ فنيٍ جديد في الألبوم. بالحديث عن هذا التوجه، تحدثت تويجز في مقابلة مع بيتشفورك عن اكتفائها من كونها قوية طوال الوقت: “باعتباري امرأة ملونة، هذه الفكرة بأني يجب أن أكون ملكة نوبية طوال الوقت مرهقة للغاية.”

يأتي الألبوم كرسالة تفتح فيها تويجز الستارة على أفكارها الشخصية خلال السنتين الأخيرتين، ويظهر وجهها باضطراب على غلاف الألبوم بأسلوب مستوحى من لوحة قديمة لـ مايكل أنجلو. تعاونت تويجز مع مجموعة مذهلة من الفنانين والمنتجين ساهموا في رؤيتها، منهم نيكولاس جار وأركا و بيني بلانكو وسكريلليكس وجاك أنتونوف وأونيوتريكس بوينت نيفر وفيوتشر. يغلف الألبوم كاملًا هذا الإحساس المعاصر والعتيق، حيث تتعالى جوقة الموسيقى الكلاسيكية مع الإنتاج الإلكتروني المستقبلي، كأنها لوحة ثلاثية الأبعاد من عصر النهضة. في افتتاحية الألبوم أ ثاوزند آيز، تغني تويجز عن شعورها بالضغط من إبقاء علاقتها سرية: “إذا لم تسحبني إلى الوراء، فسوف توقظ ألف عين.”

تتعمق تويجز أكثر في الشعور بعدم وجود حبٍ دائم في حياتها في أغنية ميرورد هارت: “وللعشاق الذين وجدوا نصفهم الآخر / يذكرونني فقط بأنني بدونك”، تغني بصوتٍ عذب وهي تسأل وتجيب عن أسئلتها المدمرة: “هل تريدني كلّي؟ / لا، ليس مدى الحياة / هل رأيتني حقًا؟ لا ليس هذه المرة.” لا يمكن تجاهل الاختلاف الواضح في غنائها، كأنها استمدت بعض الإلهام من مغنّي البوب التجريبي مثل بيورك وكايت بوش من ناحية تضخيم الكلمات وترابط الصوت بالإنتاج، والتأثير على صوتها الذي يجتاز طيفًا أثيريًا ليتحول من الهمس إلى البكاء المُعدي. تبدأ أغنية هوم ويذ يو بغناء تويجز بغضب لحبيبها عن مشاكلهما على عزف بيانو، وتنتهي بأوتار التشِلّو الرخيمة. لا تخلو الأغنية من بصمة تويجز الخاصة، حيث تحتوي على مؤثرات صوتية روبوتية وبعض الضجيج والإيقاع الكثيف. يمنح ضرب الطبل الحاد في أبيات فولِن آيليَن تأثيرًا غاضبًا في نبرة صوت تويجز، قبل أن تحيد إلى نبرة حزينة في اللازمة التي تقودها البيانو. يتضاعف الشعور بالحسرة في أغنية ساد داي، التي قد تكون أكثر أغنية مشابهة، كتابيًا وإنتاجيًا، لأعمالها السابقة. تتدفق الأغنية كقصيدة بوهيمية تناشد فيها تويجز حبيبها أن يعود إليها، بصوتٍ ذو طبقة عالية يتغلغل في أذن المستمع، لتضاف إليه بعض التأثيرات والتشويش التي تبدي غضبها وعدم صبرها، ثم ينزلق إلى حالته الأصلية بخفّة.

تتلاشى الأجواء الكئيبة والحزينة، وتنتقل تويجز إلى إعطاء نفسها فرصة ثانية للحب عبر مغازلة ودية في هولي تِراين بالتعاون مع فيوتشر، أبهج أغنية في الألبوم. يفتتح فيوتشر الأغنية برابه عن إرسال حبيبته إلى الكنيسة بحفنة من مال المخدرات لكي تكفر عن سيئاته، وتلعب تويجز دور الفتاة الواهنة التي تنتظر حبيبها وتسأله بصوتٍ هامسٍ وهوائي: “هل ستظل هناك من أجلي، عندما أصبح في متناول يديك؟ / عندما تنضج ثماري وتطفو أنت عبر أوردتي؟”، على إنتاج مستوحى من التراب المعاصر تولاه كِني بيتس وسكريليكس وأركا.

تستمد تويجز بعض الإيحاءات التوراتية، بالتحديد مريم المجدلية التي تدور قصتها في العهد الجديد حول بائعة هوى قريبة من يسوع، والتي كانت أول من يعترف بقيامه من القبر. بالإضافة إلى ذلك، تعامل تويجز الأنوثة بتقديسٍ ديني في أغنية داي-بِد، حيث تستخدم العادة السرية كوسيلة لمنع ضغوطات العالم الخارجي بالنشوة، وتغني عنها بسجع ترتيلي: “Active are my fingers/ Faux my cunnilingus”. تغني تويجز بصوتٍ متعدد الطبقات يتدلى فوق صدًى متناثر في ماري ماجدالين أنها سوف تكون وفية لحبيبها مثل وفاء مريم المجدلية لـ يسوع. ترمز لهذا الوفاء أيضًا في هوم ويذ يو: “مريم المجدلية لن تخذل أحباءها أبدًا.” قد يكون هذا تغيير كبير لتويجز، حيث صورت نفسها قبلًا كآلهة جامحة جنسيًا، كما في أغنية تو ويكس من ألبوم إل بي ون: “أستطيع أن أمارس الجنس أفضل منها”. في مقابلة مع بيتشفورك عن تقديس وتدنيس جسد المرأة، ذكرت تويجز أن ماري ماجدالين “تمثل كلا المفهومَين، وفي كلٍّ منهما تكون المرأة في أقوى حالاتها.”

رغم الإيحاءات الدينية واسم الألبوم، تسعى تويجز إلى الإيمان والإخلاص لشخص، وليس البحث عن الدين أو الرب. تريد أن تجد يسوعها المخلص الذي يطل على ماضيها ويقبلها على ما هي. أثبتت تويجز في هذا الألبوم أنها لن تتوقف عند سرد قصص شهوانية، بل نجحت في التعمق في قداسة جنسانية المرأة عبر إنتاج يكمل هذا الاتجاه الجديد.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply