في ذكرى مارك هوليس، سيد الصمت

كتب سام سودومسكي المقال الأصل، الصادر على موقع بيتشفورك.


شكل السكون ميراث مارك هوليس، لكنه ميراث تشكّل بالتدريج. كانت هناك سوابق للفراغ الممتد البطيء الذي أصبح علامة مارك هوليس الفارقة – سوابق صوتية في البداية، كونه المغني الرئيسي في فرقة توك توك Talk Talk أساطير البوست روك، ثم لاحقًا مع وجوده بحد ذاته، حين انسحب من الحياة العلنية بعد أن أصدر ألبومه المنفرد الأول والوحيد عام ١٩٩٨. في مقابلاته، عزا هوليس استخدامه للسكون في الموسيقى إلى ولعه بالجاز، مشيرًا إلى نجوم مثل جون كولتراين، ومايلز ديفيز مع جيل إيفانس، وكذلك إعجابه بملحنين مثل جون كايج ورافِل. كان يحب الموسيقى التي يجري تأليفها وأداءها ضمن مساحة فيزيائية أكبر مما تتطلبه فعليًا. لاحظ مارك هوليس أنه بهذه الطريقة يمكن الاستماع إلى كل حركة صغيرة: الطريقة التي تهتز بها أوتار الجيتار عند تلاشي النغمة، والصوت الخشن المتموّج لنفخة طويلة في الهارمونيكا. يشبه الاستماع إلى هوليس التجوّل في حقلٍ مفتوح، إذ غنى بتهادٍ، وتعامل مع حجم الصوت من منطلقٍ مكاني.

يعلم أي شخص وقع في حب أغنية أنه لا يوجد سكون مثل الذي يأتي بعد نهايتها، وقد بنى هوليس مسيرته كتلاشٍ طويل لأغنية عظيمة. في الثمانينات – حين لعب عازف البايس في فرقة توك توك، بول ويب، نغمات خالدة عاشت حياةً جديدة لدى استعمالها في أعمال بوب صادرة بعد عقود – كانت ألبومات توك توك المبكرة جذابة ومتقنة فنيًا، مباشرة لكن طموحة. لو كنتم مثلي قد تعرفتم على موسيقى هوليس بالتنقيب فيها بعد أن غاب اسمه عن بقعة الضوء لفترة طويلة، فقد تعلمون كم من الصعب العودة بالسماع إلى ما قبل ألبوم سبيريت أُف إيدن الصادر عام ١٩٨٨، والذي يعد علامة الآرت-روك أحد فروع الروك، يشير الى أسلوب طليعي ومتحدي، ويستخدم عناصر غير تقليدية وتجريبية لفرقة توك توك، لتدركوا كم كان هوليس مغني بوب جذّاب منذ ذلك الوقت. لم يجد هوليس ما يستحق الذكر في تطوره من مغني رئيسي في فرقة سنث بوب، ومغني افتتح حفلات لفرقة ديوران ديوران وتشارك معها نفس المنتِج، إلى أحد أكثر أشباح الروك إثارةً للحيرة: “مع مرور الوقت يتغير ذوقك وهذا كل ما هنالك.”

كان هذا الإحساس بالحتمية يوجّه هوليس في كل خطوة. شكّل فصل الربيع الثيمة الرئيسية في أعماله: أشياءٌ تذوب وأُخرى تولد، حيث الطبيعة في مرحلة انتقالية، عشبٌ جديد وتقاليد قديمة. إذا أردت الاستماع الى النقطة المحورية في مسيرته، حين تغيرت درجة الحرارة في فصول حياته إلى الأبد، ستجدها في منتصف ألبوم ذ كَلَر أُف سبرينج لـ توك توك من عام ١٩٨٦. ضم هذا الألبوم في مركزه إحدى أنجح أغاني توك توك، الحياة هي ما تصنعها، حيث يغني هوليس بكبرياء عن التقدم بالعمر على وقع سطر بيانو هائج. “تلاشى الأمس / لا شيء يمكن أن يغير ذلك”، يقول هوليس قبل أن ينشد عنوان الأغنية المتفائل متبوعًا بأمرَين بسيطَين: “احتفل (بالحياة). ترقبها.”

إعلان

هناك طريقتان للاستجابة لنصيحة كهذه: أن تتعاملوا معها كدرس تنمية بشرية وتعودوا إلى منغصات الحياة التي لا مهرب منها، أو أن تستجيبوا لها وتغيروا شيئًا ما في حياتكم. توضّح الأغنية التالية من الألبوم، ذ فيفث أُف أبريل، نقطة التحول الجوهرية التي مر بها هوليس ليصبح الأسطورة التي نعرفها اليوم، آخذًا بنصيحته من الأغنية السابقة. على مدى ست دقائق، تتصاعد نغمات أرجن نحو ذروة إنجيلية، ويتحرر تخت متشابك من الآلات النفخية، فيما يتحول توسّل هوليس الأخير “دعني أتنفس” إلى رؤيته الخاصة لجملة الغواية المتداولة “دعني أتنفسك.” إنها موسيقى روحية تخترق الصدر، كانعكاسٍ لأغنية آسترال ويكس (لـ فان موريسون) على صفحة ماء. يمكنكم سماعها، حتى اليوم، وستشعرون بأنكم في حضرة شيء ارتجالي، شيءٌ يحدث من أجلكم فقط.

لو قرأتم ما يكفي من مقابلات هوليس (لا يوجد الكثير منها) ستجدون أنه وضع كل ثقته في شعار: “أن تعزف نوطة واحدة بشكل جيد أفضل من عزف نوطتَين بشكل سيئ.” يمكن فهم هذا الشعار كمجاز دقيق لأهمية ثقتنا في غرائزنا الأساسية. لم يرغب هوليس بالتدريس، بل أراد تحريرنا مما تعلّمناه، من المخاوف التي تتحول إلى هواجس، وتثقل كاهلنا بمرور الوقت. منذ أول أغنية لـ توك توك، كان ينعي محادثةً ضلّت مقصدها، مكررًا اسم فرقته حتى بدا مرادفًا صوتيًا لما يقصُّه. ليس من الصدفة أن هوليس توقف عن صناعة الموسيقى في أواخر التسعينات، عندما أصبح انتشار المعلومات أكثر وأكثر فوريةً، كتدفق فيض من النوطات رديئة العزف دفعةً واحدة على مسامع الجميع. باختفاء مارك هوليس توفي مارك هوليس في ٢٦ فبراير الماضي أصبح العالم، وسيظل، صاخبًا للغاية.

بعد صدور تحفتَي فرقة توك توك المفعمتَين بالسكون: ألبوم سبيريت أُف إيدن ثم اللاحق له والأكثر سكونًا حتى، لَفينج ستوك الصادر عام ١٩٩١، استمر صوت هوليس بالحضور. كان مسموعًا مع صعود البوست-روك، مع تداخل الموسيقى المحيطة مع البوب، وعبر موجة الشوجايز وما بعدها؛ كان صوته حاضرًا في كل فرقة تعيد اكتشاف ذاتها عبر تهدئة السرعة والتوسّع في طبقات الصوت، رافضين الانصياع لضروريات سهولة السماع والرواج. معظم متابعي هوليس من الموسيقيين، لأن قصته دارت حول العثور على السكينة دون تقديم مساومات على مستوى الرؤية الفردية.

نزّلت ألبوم سبيريت أُف إيدن من أحد المنتديات الموسيقية في بداية مراهقتي، على الأرجح لأن بعض أعضاء فرقة راديوهِد كانوا يذكرون هذا الألبوم كثيرًا في مقابلاتهم. كانت استماعاتي الأولية مع الألبوم محبطة. كنت أحس بعد كل سماع أن قطعةً ما مفقودة، وكأنني اقتربت كثيرًا من شيءٍ أكبر مني. تصالحت مع الألبوم في النهاية باعتباره الموسيقى التي لم أستطع تملّكها، والصوت الذي يمكنني أن أعود إليه مرارًا، ليس لمحاولة فهمه، بل لأسلّم نفسي له بعمق. كلما أصبح العالم مألوفًا أكثر، تزداد ندرة تجارب كهذه. من الصعب العثور على هدوء حقيقي، والأصعب الحفاظ عليه.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply