ما عاد صغيرًا | كايروكي

كتابةمعازف - إبريل/نيسان 16, 2018

تحديث: حذفت كايروكي الأغنية الأمس، ونشرت محلها نسخة جديدة منقحة نحويًا، بما في ذلك تصحيح الخطأين المذكورين في النسخة الأقدم من المراجعة (الفقرة المشطوب عليها). عاش!


تبدأ أغنية كايروكي الجديدة، والمهداة إلى روح أحمد خالد توفيق، بفيديو مصور بالأبيض والأسود، تظهر فيه الفرقة مرتديةً بدلات سوداء، ونسمع في كورالًا نسائيًا من مغنيتين، وتوزيعًا هوائيًا لا إلكترونيًا. تحذر هذه البداية من عمل يستند على فهم تبسيطي للمزاج التأبيني، لكن مع تقدم الأغنية تبدأ الفرقة بتبرير هذه الجماليات والدفاع عنها.

في البداية تراجع أمير عيد وصوته المروشن إلى دورٍ ثانوي، وحتى في هذا الدور التزم بهدوء وتأنٍ بالأداء. استلم عازف الجيتار وملحن الأغنية شريف الهواري القيادة صوتيًا، حيث وجد طبقة صوتية مريحة لصوته ولآذاننا، وبسرعة بدأ صوته الذي يحتل واجهة الأغنية يجذب استلهامات من موروث أغاني مسلسلات الكارتون العربية، مستفيدًا من تعود آذاننا على تجاور الفصحى مع موسيقى الجيتار / الروك في تلك الأغاني، ومستفيدًا أيضًا من الروح النوستالجية البريئة المرتبطة لدينا بهذه الأغاني، وهي روح ملائمة للقصيدة المختارة. جذب شريف استلهاماتٍ من موسيقى الجيتار في البوب العربي أيضًا، خصوصًا من حقبة أواخر التسعينات ومطلع الألفينات الميَّالة للفلامنكو، والمرتبطة بطريقتها الخاصة بالألفة واللطف بدورها، كأغاني عمرو دياب وأصالة المبكرة.

لكن شريف الذي اقترب كثيرًا من تقديم أداء يُشهد له به، وقع في مطب مزعج يصعب التسامح معه، خصوصًا أن الأغنية مهداة إلى روح كاتب وتقوم على تلحين قصيدة. فبينما بذل الهواري جهودًا يُثنى عليها في تنقية وتجليس مخارج الحروف لديه قدر الإمكان، إلا أنه دخل إلى النحو دخوله حقل ألغام، لم يستطع أن يمشي فيه خطوتين دون أن ينفجر به فاعل مكسور أو حرفان ساكنان متعاقبان، من صغيرِك بدل صغيرُك  فاعل مان، واضحة، بشرفك إلى غبارْ الرحلة بـ راء ساكنة في نهاية غبار معطوفة على صدأُ ومرفوعة مثلها حُب. الأمر الذي يجعل الموضوع مستفزًا إلى جانب كونه يخلق عثرة في طريق الاستمتاع التام بالأغنية، هو أن موضوع ضبط الحركات لا يحتاج لأكثر من مدرس لغة عربية وجلستين تدريب لضبطه. حرام أن تظهر فجوة بهذا الحجم بسبب موضوع حله سهل لهذه الدرجة.

إعلان

داعمًا هذا الصوت الذي أسسه شريف، عرف المنتج الفلسطيني ساري هاني كيف ينقل خبرته في العمل على الموسيقى التصويرية إلى ما عاد صغيرًا، فبدأ يقود كافة عناصر الأغنية، من الكورال إلى التوزيع إلى وصلة الجيتار المنفرد المقتضبة، لتصب في مزاج واحد يزداد وضوحًا وجاذبيةً مع تقدم الأغنية ومع تكرار السماعات، والأهم من ذلك، هو مزاج يقدم الأغنية كحالة نوستالجية منفردة، يعزلها بالتالي عن الأصناف الموسيقية المجاورة وينقذها من مقارنات صعبة ومُساءلات بخصوص الجدية والمشروع. المفارقة أنه لهذه الأسباب صارت الأغنية لا تشبه كايروكي، لكنها في الوقت ذاته صارت إحدى أفضل أغانيهم.

ساهم المزاج الذي بناه ساري في كيفية تلقي الفيديو المبتعد عن الدراما والانفعال، بلقطات ثابتة واعتماد على الإضاءة لتحويل تركيز المشاهد من بقعة على الشاشة إلى أخرى. ساهم في نجاح الفيديو أيضًا الانضباط الكاريزماتي لأعضاء الفرقة والكورال، حيث كان الاتزان والأناقة عنصرين رئيسيين في نقل حالة فقد غير شخصية، أساسها الامتنان والإجلال لا التفجّع.

بالمجمل، تفاجئنا الأغنية، وتفاجئنا بشكلٍ حَسَن. تجد لكايروكي صوتًا لا يحتاج للروشنة، ولا للفهم الاستسهالي لمفهوم الموسيقى البديلة، حتى يميز نفسه ويجذب انتباهنا. هي أغنية متماسكة وأنيقة، تقدم لا صوتًا جديدًا فقط للفرقة، بل عقلية جديدة تقول إن كايروكي لا تزال تمتلك قدرات لم تتجلَّ بعد.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply