ساكسفون وقنبلة | عن مجيد مرهون وأدواته

البحرين، الثاني عشر من آذار / مارس سنة ١٩٦٦. كان ضابط المخابرات البريطاني بوب لانغديل ومساعده الأردني أحمد محسن يهمان بركوب سيارة نحو مقر عملهما. دوّى فجأة انفجار قوي أصاب كلًّا منهما بجروحٍ خطيرة. يسرد دِريك فرانكلين تفاصيل الحادثة في كتابه مذكرات ضابط شرطة استعمار قائلًا: “تخلخل جهاز السپِشل برانش قسم خاص داخل جهاز الأمن البريطاني مكلف بالاستخبارات بالكامل عندما تعرض اثنان من عملائه إلى عملية تفجيرية لسيارتيهما ألحقت بهما جروحًا متفاوتة. لم يُشفَ غليلنا إلا بعد سنوات عديدة عندما تمكنت إلى جانب المحقق يوسف إسحاق من تسليم المجرم إلى العدالة. المذنب كان أحد الناشطين في جبهة التحرير الوطني جبهة التحرير الوطني في البحرين، أول فصيل يساري في الخليج العربي. لم تكن الشبهات تحوم حوله. كان يحمل دماءً إفريقية ويدخن الماريوانا، كما لو كان موسيقي جاز.

هذا الرجل هو مجيد مرهون.

النشأة وسط وليمة

ولد مجيد مرهون وسط عائلة فقيرة في حي العدامة في المنامة، جنوب منطقة التلغراف وحيّ الحورة. كان يوم ميلاده شديد القيظ نتيجة انتشار الغبار الذري المنبعث من سقوط القنبلة الذرية على ناگازاكي قبل أسبوع، والذي انتشر في مناطق كثيرة في آسيا. بين بيوت السعف والصفيح نشأ مجيد، حيث كانت الإيقاعات الإفريقية تمتزج مع صنوف الطرب الشعبي المحلي المتأثرة بالبحر كالفجري والطنبورة. الفجري هو أحد الفنون البحرية التي تنشد على سطح المراكب، وينتشر خاصة في مواسم الغوص في الخليج العربي. كذلك الطنبورة، التي انتشرت في سواحل شبه جزيرة العرب ومصر، وتعتمد على الإيقاع والغناء والرقص. تقوم موسيقاها على آلة رئيسية تسمى بالطنبرة لها جذور في حضارات قديمة، ظهرت لدى السومريين قديمًا وانتقلت إلى شبه جزيرة العرب مع الفراعنة. تعرض مرهون لكل هذه الموسيقات، وتشبع بالتعبيرات الحركية الراقصة التي ترافق الآلات الإيقاعية والنفخية، وخاصة الليوة، القادمة من السواحل الشرقية لإفريقيا، وبالتحديد الصومال وتنزانيا وكينيا، والتي وصلت إلى الخليج العربي واليمن عبر عمان على الأغلب، من خلال تدفق الرحلات التجارية القديمة وتجارة العبيد التي كانت تتنقل من زنجبار إلى مسقط وصور وسواحل الخليج.

في الجهة المقابلة لحي العدامة، حظي حي التلغراف بنفس القدر من الحركة والموسيقى. اجتمعت فيه يوميًا فرق شعبية من مختلف الأعراق كالباكستانيين والعمانيين والهنود واليمنيين، بالإضافة إلى الفرق المحلية. لم يكن مناخ الأصوات الغني هذا على كل حال كافيًا لإشباع نهم مجيد، فتعلق الطفل بالأهازيج الفارسية التقليدية التي يدين لها بجذوره التي تعود إلى المنطقة المينائية في جنوب إيران، حيث تواجد بعض الأفارقة تاريخيًا على السواحل (بندر عباس)، وهو ما يفسر بشرته السوداء.

كانت أم مجيد، زعفرانة إسماعيل، ملمة بالفنون الشعبية والنوبان، تترنم بالفارسية والعربية وتؤدي الأغاني الفلكلورية التي تكتنز بسرديات البحر والقراصنة والمهاجرين. تلقف الفتى تلك الأصوات وأظهر نبوغًا في التعامل مع الموسيقات على اختلاف مشاربها. في سنة ١٩٥٦ لاحظ معلمه في المرحلة الابتدائية، سلمان مجيد الدلال، موهبته الفذة، وطلب منه أن يؤلف مقطوعة موسيقية. هكذا جاءتنا ياكم يا ناس تحيرونا، المقطوعة المؤلفة على سلم نغمي متواتر مع بعض التلوينات البسيطة، والتي نال بفضلها ابن السنوات العشر صيتًا واهتمامًا. يقال إن إذاعة البحرين سجلتها في نفس اليوم.

إعلان

لكن الأثر الأكبر لنشأة مجيد الموسيقية يعود على الأغلب إلى جده إسماعيل مبارك الساعدي، والذي كان عازفًا على آلة نفخية تسمى بالسازنغاره. اهتم مجيد بتلك الآلة كثيرًا، وألهمه الإنصات إلى جده مطولًا أن يقتني آلة نفخية. بعد حصوله على أول راتبٍ له من اشتغاله المبكر في سن الرابعة عشر، اشترى هارمونيكا وانطلق في العزف عليها معتمدًا على ما اختزنته ذاكرته من عزف جده على السازنغاره.

بدايتان

انتقل مرهون إلى معهد التدريب التابع لشركة بابكو، والتحق في سن الخامسة عشر بدائرة التحكم بالعمليات في معمل التكرير وحفر الآبار في الشركة. كان هنالك وقتها حركة نقابية هامة في الخليج العربي صبت ثقلها في الأوساط العمالية في بابكو، وفتحت الطريق لمجيد لينضم إلى الجبهة الوطنية للتحرير سنة ١٩٦١.

بين الأنابيب والآبار في شركة بابكو ومعمل التكرير، كثّف مجيد نشاطه داخل جبهة التحرير الوطني وشارك في الحراك النقابي الذي عرف أوجَه بين سنوات ١٩٥٤ و١٩٦٥، التي شهدت انتفاضة شعبية فجرها عمال بابكو. في تلك الفترة، اكتشف مجيد موسيقات عالمية من خلال محطة الظهران ومحطات الموسيقى الغربية التي كانت تُشغّل دومًا في أروقة بابكو. كان للجاز والبلوز والموسيقى الكلاسيكية على هذه المحطات حضور كبير، لينفتح مجيد على الموسيقى الغربية محملًا بأصوات حاضنته الإفريقية والخليجية.

متنقلًا بأذنيه من الموسيقات المحلية والبحرية في البحرين إلى الجاز الواصل من المحطات الغربية، كان عقل مجيد يرعى البذرة الأولى لأعماله التي ستستوعب علاقة عضوية بين هذين المجالين السمعيين، نظرًا لتوافق بيئة عازفي الليوة والفجري والطنبورة المنتمين لجذور زنجية وفارسية، مع طبيعة الموسيقى الزنجية لعازفي الجاز وعلى وجه الخصوص ألحان البلوز الحزينة والروحية، والتي تلتقي كقاسم مشترك مع طبيعة زنوج أمريكا وهم يعملون على نهر المسيسيبي حينما يغنون أغاني العمل وفي المساء يعودون إلى أكواخهم ليبدأوا بالأغاني التي تعبر عن الطبيعة الحزينة لحياتهم. مثلما يفعل مغنو وعازفو الألحان في الليوة الذين حملوا صلبان عبوديتهم ردحًا من الزمن عند سادة القبائل وظلوا يسكبون أحزانهم في الألحان المثقلة بالكآبة والعذاب والمعاناة.” بدر عبد الملك، الموسيقى تحلق وراء القضبان، مجلة الهدهد.

لم يعطّل نشاط مرهون السياسي على جموحه الموسيقي، ففي نفس السنة التي انضم فيها إلى جبهة التحرير الوطني أسس أول فرقة نحاسية لتصاحب المآتم ومواكب العزاء الحسيني. في هذه الأثناء، قاده الشغف مرة أخرى إلى آلة نفخية جديدة ستصاحبه إلى آخر نفس. فبعد أن أتقن الهارمونيكا والترومبيت والأكورديون، وعزف على الجيتار والكمان في فرقة أسرة هواة الفن، اقتنى مجيد ساكسوفونًا وطبع اسمه كأول بحريني عزف هذه الآلة. تعددت تجاربه الموسيقية فيما بعد، انضم إلى فرقة الأنوار، ثم غادرها نحو فرسان العرب التي بدأت بنشر ثقافة موسيقية ذات تأثرات غربية جديدة. بلغت تلك الحقبة أوجها لدى مجيد مع فرقة الزولوز التي جرّت الكثيرين نحو موسيقات جديدة، فقدمت ألحان الكاريبي والجاز وأغاني البيتلز والرولينج ستونز، وارتكزت على مشهد آلاتي مغاير يعتمد على الساكسفون وطبول الكونغا. انتشرت الزولوس وأصبحت بمثابة ظاهرة دفعت الشباب إلى تأسيس فرقهم الخاصة. أثّر مجيد مرهون على جيل كامل من الستينيين المنتشين بالموجة الهيبية في العالم، من الأصوات الغربية التي ساهمت شركة بابكو وعمالها في انتشارها، حتى مواكب عاشوراء التي كان مرهون يحمل فيها ساكسوفونه مع فرقته النحاسية ممهدًا لمشهد مجددٍ ومتمردٍ داخل الموسيقى الدينية.

في هذه الأثناء، بهدوء وسريّة تامة، صعَّد مجيد من نشاطه السري في جبهة التحرير الوطني. انضم إلى معسكرات التدريب، وانخرط في التحضير لعمليات نوعية ضد القوات البريطانية في الخليج العربي. في سنة ١٩٦٦ تمكّن مجيد مرهون من تفخيخ سيارة بوب لانغديل ومساعده الأردني، وألحق أضرارًا جسيمة بجهاز المخابرات البريطاني. أشارت تقارير الاستخبارات إلى مهارة العملية، فالتفخيخ تم ليلًا دون إضاءة بسبب الحراسة المكثفة. استدعى الأمر استجلاب أحد دهاة الأمن السياسي البريطاني، إيان هندرسون العائد لتوه من إفريقيا بعد قمع حركة التحرر الوطني في كينيا. بعد حملات اعتقال عشوائية ذات طابع انتقامي، تمكن الإنجليز من فك لغز العملية وإلقاء القبض على مجيد مرهون في معمل التكرير ببابكو. أشرف هاندرسون فيما بعد على محاكمة صورية لم تدم أكثر من نصف ساعة. الحكم الذي صدر سنة ١٩٦٩ كان قاسيًا. مؤبد، وفوقه عشر سنوات من السجن.

نبي خلف القضبان

تم اقتياد مجيد مرهون إلى معتقل جزيرة جدا الصخرية. خلال السنوات الأولى التي قضاها هناك كان مربوطًا إلى سلاسل حديدية ثقيلة إلى جانب الصنقل المثبت على قدميه. لا موسيقى. لا آلات. لا شيء غير الزنزانة الانفرادية وخيال ملتهب بالموسيقى، غذاه بالاستماع لصوت أمواج البحر المتلاطمة.

سرعان ما لفت مجيد انتباه السجانين بمهاراته اليدوية التي صقلها في معمل تكرير شركة بابكو، والتي استغلها فيما بعد لصنع آلات موسيقية من مواد بسيطة. انتبه السجانون لمهارات مجيد العملية، وتم نقله إلى جانب سجين سيلاني كان يعمل كهربائيًا ويشتغل على مواسير المياه. تعلم مجيد تلك المهام وورثها عن السيلاني حين تم الإفراج عنه. خلال فترة قصيرة أصبح السجن يعتمد على مرهون إلى حد بعيد، حتى أنه إن مرض، تعتم الجزيرة كاملة، كونه المسؤول عن محطة الطاقة الصغيرة.

في ١٩٧٣ خاض مرهون معركة تمثلت بحركة احتجاجية مظفرة لتمكين السجناء من الكتب والمطالعة. مارس كل أنواع الضغوط على مديرية السجن وقايضهم بالأشغال التي كان يقوم بها هناك، حتى نجح أخيرًا في فرض تلك الحقوق. استغل الفرصة لينكبّ على قراءة كل كتب الموسيقى التي وقعت تحت يديه. لم يكن مجيد قبل دخوله السجن يعرف شيئًا عن قراءة النوتة، لكنه تعلمها واستوعب الأسس النظرية للموسيقى في ظرف أربع سنوات. قام مجيد باجترار الموسيقات التي علقت بذهنه من النشأة، وانكب على إعادة كتابة القطع الموسيقية وأغاني الليوة والفجري والطنبورة، ثم شرع في وضع مؤلفه الضخم، القاموس الموسيقي، بعد أن لاحظ خلوّ المكتبة الموسيقية العربية من مرجع لغوي.

إعلان

تزامن نشاطه البحثي مع شروعه في وضع ألحان توزعت بين الرباعيات الوترية والسوناتا، بالإضافة إلى أعمال منفردة للجيتار والفلوت. هذا رغم عدم قدرته على الحصول على الآلات الموسيقية داخل سجن جدا. تخيل مرهون هذه الألحان ودوّنها. كان يعمل على الإصلاحات الميكانيكية والكهربائية في النهار، وينكب في الليل على القراءة ودراسة النظريات الموسيقية ومحاولاته التأليفية، التي دونها على كل ما وقع بين يديه مثل ورق أكياس الأسمنت والقراطيس وعلب السجائر. اضطر مرهون لتصغير خطه، الأمر الذي سبب له – إلى جانب انعدام الإضاءة – آلامًا وتراجعًا في بصره.

يمكن القول إن أول مؤلفات مرهون الجادة كانت ذكريات، أول عمل له داخل السجن، تلتها بعد ذلك جزيرة الأحلام التي حاول من خلالها نقل معاناة المساجين في جزيرة جدا. استطاع تهريب مسوداته التأليفية الأولى بفضل رفيقه في السجن عبد الهادي خلف، الذي كانت زوجته تشتغل في المعهد الموسيقي في الأكاديمية الملكية السويدية، والتي أطلعت مدير المعهد على أعمال مجيد، ليمررها بدوره إلى الموسيقي الشاب ستيڨن دافيد ساندستين الذي انكب على دراستها وتحليل جمالياتها، ثم كتب عنها مطولًا في رسالة الدكتوراه خاصته. لم يصدِّق السويديون آنذاك أن المخطوطات المرسلة قد خطها سجين تعلم كتابة النوتة وحده ومن دون آلة. تلقف كادر المعهد أعمال مجيد بشغف وقاموا بمراسلته وإعطائه الملاحظات والتحليلات لتحسينها. ذكر مجيد في مذكراته أثر تواصله مع ساندستين: “ذكر في رسالته حُسن قدرتي في التلوينات الصوتية والأركسة، واعتبر مستواي في الكونتربوينت في درجة الوضوح ومدح وضوح تعبيراتي في التدوين الموسيقي، سواء من ناحية الجمال أو التحكم في تحديد نماذج الألوان الصوتية وقواها المتناسبة عبر تلك الألحان، لكنه طلب مني أن أهتم بناحية الإثراء الهارموني واستحسن لي لو أقوم باستخدام طرق في البناء الهيكلي غير تقليدية في صياغة أعمالي الموسيقية.”

إلى جانب التأليف والبحث الموسيقي، انكب مجيد على الأدب العالمي. تعرف في السجن على رواية أحدب نوتردام، ثم ألف مقطوعة أسماها أزميرالدا، في إشارة إلى الغجرية التي أحبها كوازيمودو الأحدب. تبدأ المقطوعة بوتريات بطيئة، مع مساحة أكبر للآلات النفخية التي يتصدرها الساكسفون. الحزن المنهمر من أزميرالدا يختلف عن طبيعة عمله السابق حنين، حيث بدا مجيد أكثر غيرية ولم يتقوقع على حالته النفسية. ظهرت تلك الغيرية من خلال رمزية توزيع الآلات بين الساكسفون والفلوت والكلارينيت من جهة، والجيتار وبقية الوتريات من جهة أخرى. في خاتمة المقطوعة يتحرر الجيتار في تلوين أخير فيه مسحة من الفرح أو عله الأمل الذي أمسك مجيد بخيطه الرفيع طيلة فترة سجنه.

راكم مجيد المقطوعات والألحان، فألف السوناتا والأوبرا والكونشيرتو، واتجه إلى مرحلة أشد تعقيدًا فوضع السمفونية الأولى، ثم الثانية التي أسماها دعوة إلى الفرح. ألف أيضًا ألحانًا حماسية ثورية، واهتم أيضًا بموجة حركات تحرر الشعوب فوضع مقطوعتين بعنوان إلى فلسطين الثائرة وإلى لبنان الشجاع.

سنة ١٩٨٠، في سجن جدا، كان مجيد في أوج إبداعه. وضع لحنًا مميزًا لمختارات من قصيدة رسالة مسجونة أسماها فيما بعد حبيبتي، من ديوان عاشق في زمن العطش للشاعر عبد الحميد القائد: “هل تذكرين فارسًا غيبه الليل عن المدينة.” أدت الأغنية فرقة أجراس التي انضم إليها مجيد بعد الإفراج عنه.

عن وفاة والدته عام ١٩٨١ قال مجيد: لم أصدق الأمر في بادئ الأمر، كنت أعتقد بأنه محاولة جديدة لبث اليأس فيّ أو لإضعافي. وعندما تأكدت من ذلك حزنت كثيرًا فأصبحت الدنيا عندي سواد، ولم أذق طعم الحسرة والألم مثلما أدركته في وفاتها.” مجيد مرهون يروي سيرته للوقت ويرحل بعد الوفاة بخمسة أيام، قام بوضع لحن حرقة القلب. تلتها أيام قليلة بعد ليفيض بلحن آخر أسماه أغنية الراحلين.

تم تحويل مجيد مرهون من معتقل جزيرة جدا الرهيب إلى سجن جو في ٨ يناير من سنة ١٩٨٦. تكيف مرهون مع الظروف الجديدة بسرعة، فقام بتنظيم مدرسة لتعليم السجناء الموسيقى وتعليمهم العزف على جيتارات صنعها من التنك، كما استعان بطلابه لإصلاح عودٍ مكسور. تم تخصيص زنزانة لمجيد كمختبر موسيقي لمواصلة إنتاجاته. أخذت الأمور منعطفًا بعد أن تمكنت فرقة مرهون داخل السجن من تقديم الحفلات الموسيقية. عن تلك التجربة قال حسن مدن: “تمكن مجيد مرهون فيما تبقى لديه من سنوات سجنه الطويل من إعداد قائد فرقة بحريني، وعازف فلوت ماهر، وعازف أورجان، بالإضافة لإعداد مدرس موسيقى سعودي. طلبة مجيد هؤلاء تحولوا من مروجي أو متعاطي مخدرات إلى فنانين مهرة، وأصبح لدى السجن فرقة موسيقية ذات كفاءة عالية بشهادة ضباط شعبة الموسيقى وكذلك بشهادة من مدير المعهد الكلاسيكي، ووضع مجيد بعض المؤلفات الموسيقية لهذه الفرقة كما قام بتوزيع العديد من الأعمال الموسيقية لها. وصارت الفرقة تقدم حفلًا سنويًا في السجن، بمناسبة الإفراج عن السجناء الذين يصدر عنهم عفو في العيد الوطني في ديسمبر من كل عام.” مجيد مرهون فلذة من تاريخنا-حسن مدن – الحوار المتمدن

بين جدا وجو، استمر مجيد بتأليف أكبر مؤلف موسيقي في التاريخ العربي والإسلامي بعد كتاب الأغاني للأصفهاني. أسماه القاموس الموسيقي الحديث، وجمعه في تسعة مجلدات فاقت الـ ستة آلاف صفحة. استمر العمل على القاموس طيلة أربعين سنة، أصدر خلالها أيضًا كتاب الموسيقى الشعبية في الخليج العربي، والأسس المنهجية لدراسة النظرية الموسيقية في ثلاثة أجزاء. بهذه المؤلفات تجاوز مجيد مرهون كونه موسيقيًا، لتمتد عبقريته إلى التأليف العلمي معتمدًا على أسلوب سلس وبسيط.

خرج مجيد مرهون من السجن عام ١٩٩٠، واستمع إلى أعماله للمرة الأولى في لحظة ذات وقع عميق على نفسه. كانت مؤلفاته قد انتشرت خارج البحرين، إذ قامت فرقة الإذاعة السيمفونية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية بتقديم عمليه ذكريات وأزميرالدا بعد أن تم تهريب الألحان عبر السويد، وتم إصدار أسطوانة له في مهرجان الشبيبة العالمي في موسكو في الثمانينات، للفت اهتمام العالم حول قضيته كأشهر سجين بحريني.

بعد الخروج من السجن شهدت مسيرة مرهون انطلاقة جديدة عبَّر عنها في مقطوعته انطلاقة أفراحي، وهي عنوان مشروع قام به حسن الحجيري، حيث استقدم الموسيقي الألماني شوارتز وعازف الجاز النرويجي بوغي ويسلتوفت إلى البحرين سنة ٢٠١٦ في حفلٍ تكريمي لمجيد مرهون.

إعلان

ألّف مرهون ٣٧٠ عملًا موسيقيًا تقريبًا، تخلَّص مما يقارب المائة منها في السجن، ولم يتبقَّ اليوم سوى القليل من أرشيفه.


المراجع

نزار غانم، فنون إفريقية الجذور في سواحل اليمن، الحلقة النقاشية الثانية – مهرجان التراث البحرين أفريل ٢٠٠١.

بدر عبد الملك، الموسيقى تحلق وراء القضبان.

توبي ماثيسن: الهجرة، والأقليات، والشبكات الراديكالية: الحركات العمالية وجماعات المعارضة في السعودية ١٩٥٠ – ١٩٧٥.

مجيد مرهون يروي سيرته للوقت ويرحل – جهات.

مجيد مرهون فلذة من تاريخنا حسن مدن. الحوار المتمدن.

Leave a Reply