يشدو بأورادي وليّ | مقابلة مع الشيخ محمود التهامي

كتابةFarah Zahra فرح زهرة - إبريل/نيسان 19, 2018

على غير عادته في لبس الجلباب الصعيدي والعمامة الأسيوطية، دخل علينا الشيخ محمود التهامي يوم أجرينا معه المقابلة في مكتبه بالجيزة لابسًا بدلة رياضة كُحلية وبوط وكاسكيت. استغربت ذلك للحظة، قبل أن أتذكر أن الشيخ، قبل كونه منشد مصر الأول ونقيب المنشدين والمبتهلين في جمهورية مصر العربية، هو عازف عود وأورج وكمان، وأن نجل المبدع الكبير الشيخ ياسين التهامي هو أيضًا من كبار المعجبين بمغني الروك الفرنسي جوني هاليداي.

هذه المقابلة كانت أقرب لحوار بين شيخ وتلميذته منها إلى مقابلة بين فنان وصحفية. ففي شهر يوليو (تموز)٢٠١٧ بدأت دراستي كطالبة في مدرسة الإنشاد الديني التي أسسها الشيخ محمود ياسين التهامي سنة ٢٠١٤. المحاضرات تطرقت لمواضيع كثيرة، منها: علم المقامات والنغم، روحانيات الإنشاد الديني، أخلاقيات العمل الفني والموسيقي، تكنولوجيا ضبط الصوت والاستوديوهات، وغيرها الكثير.

لذلك حاولت، في المقابلة التي أجريتها مع الشيخ محمود، أن أستكشف المواضيع التي لطالما أثارت اهتمامي وفضولي. سيحدثنا الشيخ محمود عن تفاصيل تجربته الموسيقية ومقامات أحواله الروحية ودواخلها.

شيخ محمود أنا وفريق معازف سعداء بفرصة حديثنا معك اليوم عن مواضيع حابين نعرف عنها منك ونعرف أكتر عنك، خصوصًا عن نشأتكم الموسيقية والروحية في بيت الشيخ الكبير الوالد ياسين التهامي، وعن مسيرتكم الفنية ومشاريعكم الجاية.

لو ممكن أبدأ من الآخر ومش من الأول. ليلة الجمعة اللي فاتت أحييتوا حفلة بساقية عبد المنعم الصاوي بالقاهرة افتتحتها بمقطوعة على العود بمرافقة الفرقة. عرفنا اليوم التالي بمدرسة الإنشاد الديني إنو ضهر العود انشعر. وشفنا عينيك دمعوا. ممكن الأول تقول لنا عن المقطوعة اللي لعبتها وعن العلاقة الحميمة اللي بتربطك بالعود؟

بسم الله الرحمن الرحيم ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين.
بعيدًا عن إني منشد ديني، أنا موسيقي وعازف عود، وأحيانًا بعزف على البيانو والكمان وبعض آلات الإيقاع. أما الآلة المفضلة لي هي العود. بس اهتمامي الأول طبعًا هو صوتي لأن صوتي هو اللي بيقدمني لأني في الأول والآخر منشد ديني. العود بلاقي فيه حسي كعازف وكموسيقي. وما حدش علمني عود أنا علمت نفسي بنفسي، يعني ارتجلت لحد ما وصلت لهذا المستوى وبحاول أطوره إن شاء الله. الفترة اللي جاية هتدرب أكثر لأني ما بطلعش حفلاتي كعازف عود أنا بطلع دايمًا بطلع أنشد كفوكاليست، كصولويست. بالفترة الأخيرة دي وخصوصًا في سنة ٢٠١٨، نويت إنها تكون في الإنشاد الديني: نقطة ومن أول السطر. مش كل الناس تعرف إني موسيقي. يعني أنا موسيقي قبل ما كون منشد. النية زمان كانت إني أكون موسيقار ومؤلف موسيقي ودرست فعلًا فترة في الكونسرفتوار تأليف موسيقي، وأخدت فترة في الأوبرا وفي المعهد العالي للموسيقى العربية. ده غير صحبتي الحياتية والعملية لكبار الموسيقيين. يعني بقيت فترة كبيرة مع عمار الشريعي في الاستديو بتاعه وكنت بروح له. وكنت بروح فترة للهندسة الموسيقية وهندسة الصوت. وتعلمت حاجات كتير وأخدت دورات إخراج. كل ده ساعد في تكويني الوجداني الموسيقي.

لحد ما حصل موقف ما. وأنا كان بالنسبة لي الإنشاد الديني، معلش يعني، ضعيف فنيًا. يعني منطقة عقيمة، مش متحركة. منطقة ما فيهاش الإبداع الموسيقي ولا الخطوط الهارمونية ولا الآلات ولا كل الشغف في المزيكا. والكلام ده كان في بداية التسعينات، كان لسه عمري تلات عشر-أربعة عشر سنة. يعني كنت بنشد لآخد الفلوس عشان أتعلم مزيكا. بس كان طموحي إن انا أبقى موسيقار، مش منشد. لحد ما اتقابلت مع ملحن كبير ومشهور جدًا. هذا الملحن لا داعي لذكر اسمه وليه فضل عليا. بس كنت معاه في إحدى الجلسات اللي كان بيبيع فيها لحن لمطربة مشهورة جدًا برضه. في حين ما نسوق لإحدى ألحانه، فأنا كنت بساعده شوية. بياخد من ألحاني وأفكاري وكده. فعمل قفلة معينة وأنا عملت قفلة معينة تانية. فالمطربة أعجبت بالقفلة بتاعتي وقالت إنها حابة القفلة بتاعة التهامي. يعني المفروض ده ما كانش يحصل بس هو أخد على خاطره، فقالي: “لا لا القفلة دي تعملها مع باباك في الموالد مش هنا في الاستوديو”. فأنا طبعًا خدتني الغيرة على أبويا والموالد. فبعد الجلسة عزمته على العشا وبعد ما خلصنا عشا قلت له: “مع احترامي ليك، على فكرة كان سهل جدًا أرد عليك بس احترمت إن انا في مكتبك، وما ينفعش في مكتبك أغلط فيك. بس أنا عازمك هنا عشان أقلك إن الموالد هي اللي علمت كبار الموسيقيين وكبار الفنانين بس يبدو ما علمتكمش الأدب. أنا أبقى في مكتبك وتغلط فيا! وياسين التهامي ده منشد كبير وهو اختار الموالد. والموالد دي، إن شاء الله، هترجع تعلم الموسيقيين تاني الفن.”

الموقف ده هو اللي قلب حياتي ١٨٠ درجة. قررت إن كل ما تعلمته ودرسته وكل ما سأتعلمه أسخره للإنشاد الديني. وتفرغت تمامًا للإنشاد الديني. وفعلًا بعدت عن الاستوديوهات وبعدت عن الحفلات اللي هي خاصة بالفن والموسيقى. وتفرغت إني أطور من الموالد وأطور من الإنشاد الديني وأطور من الحفلات. وابتديت ساعتها بـ قمرٌ، كانت في أواخر التسعينات. وقمرٌ حاليًا هي النشيد الوطني لكل المنشدين. وعملت مع الفنان الجميل إسلام ميرغني أغنية رسول الله زادي سنة ٢٠٠١. كانت الأغنية موزعة وفيها توزيعات هندية وغيرها. قوبلت بهجوم شديد من الناس. قالوا إيه ده جيتارات في  الإنشاد الديني، إيه الكفر ده! يعني أخدت اللي فيه النصيب. عملت ألبوم اسمه الحضرة المحمدية في نفس السنة، سنة ٢٠٠١. كان الألبوم من غير موسيقى خالص بس بيعتمد على فكرة البطانة والإيقاعات. بعد كده فوجئت إن منشدين جات بعديا عملته: ناس زي سامي يوسف عمل سنة ٢٠٠٣ ألبوم المعلم ولاقى رواج. يعني ناس كتيرة عملت الشغل ده والحمد لله إن انا كنت متقدم عليهم في الأفكار دي.

دي قصة إزاي بدأت كعازف، كموسيقي. فوجئت إن اسمي ارتبط بياسين التهامي وارتبط بالموالد والليالي وثقافتها. فكان صعب إن انا أفرض ثقافة الموسيقى على ثقافة الكلمة وعلى ثقافة الحضرة والذكر واللي بيحصل. كان صعب جدًا. ففضلت ماشي مع الناس بس بتطور بطيء جدًا. يعني أخدت ١٨ سنة لحد ما ابتديت أُدخِل الموسيقى بكل كيانها، بكل أشكالها، كل أنواعها وكل ألوانها في الإنشاد الديني. يعني كنت بطيء جدًا علَشان خاطر نضج الجمهور نفسه، وخاصة جمهورنا في الموالد والليالي. لحد سنة ٢٠١٨ بدأ الجمهور، نوعًا ما، يتقبل ذلك. أنا جسيت النبض كده من خلال كم أغنية موزعة. لاحظت إن بدأ الجمهور يتقبل، خصوصًا جمهور الشباب. طبعًا مش كل الجمهور متقبل ولا زال فيه حرب مع الجمهور.

تمام رائع، وهنرجع للنقطة دي تاني، موضوع تقبل الجمهور. بس قبل ما نتكلم عن الموضوع ده بالذات، في نقطة أثرتها عايزة أسألك عليها تحديدًا: عن العلاقة بين العزف والغناء. بمسيرتكم الشخصية في الإنشاد الديني بتختبروا إزاي الفرق بين التجربة الروحية اللي بينقلها الصوت أو الحنجرة والتجربة الروحية اللي بتنقلها الآلة؟ إيه التجربة اللي بيوصلها الصوت واللي ما تقدرش الآلة توصلها، والعكس؟ هل للصوت خاصية روحية؟

آه طبعًا. بصي يا فرح، الصوت بيعبّر عن إحساس الكلمة وروح الكلمة. وأحيانًا بيكون العزف والموسيقى أبلغ من الكلمة. يعني ممكن مقطوعة موسيقية ما تأثر فيك أكثر من القصيدة نفسها. بس الكلمة بتعبر عن معاني خاصة لأن في عنصر تاني مهم بتعبر عنه الكلمة وهو الشاعر. يعني لو في مقطوعة موسيقية يبقى معانا ملحن وعازف ومهندس صوت شاطر طبعًا. وفي وجود الغناء ووجود الكلمة، بيتولد معانا عنصر آخر اللي هو عنصر الشاعر اللي بياخد بعد أعمق خالص. فلا بد أن يعبر عن معنى الكلمة لحن قوي، ولا بد أن يترجم هذا اللحن وهذا المعنى عازف قوي.

وأنا عايز أضيف حاجة على موضوع علاقتي بالعود وعلاقة الفنان بالآلة. أنا في بداية زواجي، كنت بعرف نفسي لخطيبتي. فقلت لها: “أنا متزوج الموسيقى، والعود ده بعتبره كابني. فلو جيتي ولقيتيني أنا والعود ما تشيليش العود وتروحي في أي مكان تاني.” عشان هي تعرف العلاقة بيني وبين العود. والعود له قدسية. ولذلك في يوم من الأيام، العود اتكسر بالخطأ منها وكانت زعلة كبيرة جدًا وكانت هتودّي للانفصال والحمد لله ربنا ستر. وهي مستغربة، العود بالنسبة لها خشب. فأنا قلت لها: “اللي انتي شايفاه خشب ده، في يوم من الأيام حافظ عليا خصوصًا في فترة شبابي وأنا مشهور. كنت قاعد معاه وهو في حضني تلات أربع ساعات. هو أكتر واحد حضنّي وأكتر واحد حسّ بيا وأكتر واحد قريب إلى قلبي. العود أكتر واحد عشت معاه وأكتر واحد شكيت له وأكتر واحد ردّد اللي جوايا من غير ما اتكلم وأكتر واحد حس بيا. العود حافظ عليا من نشوة الشهرة. كان ممكن في الوقت اللي بعزف عود – وانا أخدت وقت كبير بعزف وبسمع – كان ممكن أكون في مكان آخر أخلاقي هتُفسد فيه. فهو حافظ عليا، حافظ على شبابي وحافظ عليا من الشهرة ومن الفلوس ومن كل ده. يعني كنت حريص بعد ما أخلّص حفلة أرجع البيت عشان العود وحشني عايز أعزف عليه. أو لما أخلص الدراسة كان في موعد مع العود. فكنت بعتذر عن حاجات ومواعيد كتيرة جدًا عشان خاطر في معاد مع العود. فالعود هو اللي حافظ عليا وهو ساهم في تشكيل ثقافتي وأخلاقي. وزوجتي طبعًا اعتذرت بعد كده وعرفت هو العود بالنسبة لي إيه. العود اللي شفتيه معايا من أكثر من اثنا عشر سنة. عملت عليه ألحان مهمة وصاحبني في حاجات مهمة. فإحساسي هو إحساس الأب لما ابنه ينجرح، بيتألم.
في علاقة ما بين الموسيقي والآلة الموسيقية بتاعته.

يعني حضرتك بتستنبط اللحن من الكلمة وليس العكس، صح؟

أيوة وأنا من هذه المدرسة اللي هي للأسف مش متواجدة دي الوقت. والحمد لله الموضوع ده أنا متمرس فيه وأعتقد إني الحمد لله متفرّد فيه. وأنا من مدرسة الارتجال، ومفيش حد يقدر يقف في مولد على الاستيج مش عارف يقول إيه وأي لحن وبأي أداء. بمجرد ما ربنا يبعتلي، بلحظة بختار قصيدة معينة من حال الجمهور اللي قدامي. يعني ببص على الجمهور اللي قدامي وأقول تتناسب معاهم القصيدة الفلانية. بمجرد اختياري للقصيدة، بختار من روحها الأداء واللحن وبقدر أوصل الكلمة بمعناها. يعني الـ آه بتطلع من قوة الكلمة ومن جمال الكلمة.

سؤال شخصي، أي أحب القصائد على قلبك؟

كل القصائد اللي بقولها بحسها.  قصيدة الدمع العصي مثلًا من القصائد اللي لمستني جدًا. قصيدة رسمتك في خيالي كمان. ومن أحب القصائد قصيدة البردة طبعًا. والحمد لله إني تفردت بلحن البردة اللي عملته. الحمد لله أصبح من أقوى الألحان العالمية للبردة. يعني فنانين عالميين استأذنوني إنهم يقولوه بأصواتهم.

هناك قصيدة ذكرتها مرة خلال محاضرتكم بمدرسة الإنشاد الديني وقلت إنه “لحنها ما جاش لسه”. هي قصيدة للشاعر أحمد تيمور. ممكن نسمع كم بيت منها؟

دي من القصائد الجميلة للشاعر الجميل أحمد تيمور. بتقول:

“للعشق إنشادي ولي إن الذي يشدو بأورادي وليّ
منذ ابتلاني العشق بالشوق ابتلي
لا تسألني عنه بل عني سلي
أسرفتُ في وجدي ووجدي مقتلي
حين اعتراني ما اعتراني وأنا بعدُ خَلي
قلتُ اسنداني مدداني في أوان العسلِ
قلت انهضاني حين يدنو من أواني أجلي
لم ينهضاني صحتُ قاضاني الذي لم يمهلِ
لو أنه يناس أرجالي لأنجاني من الحسن الجلي
من لي بعينٍ قطرها قطر السماء لأكتلي
حسنًا بديع البعد أودى بي طلي
للعشق في قلبي صلاة من يصليها ورائي
يصطلي شوقًا كشوقي للزمان الأولِ
للعشق إنشادي ولي إن الذي يشدو بأورادي وليّ”

القصيدة دي أعطاني إياها الشاعر الكبير أحمد تيمور وقعدت معايا سنتين. سنتين علَشان أعرف أنشدها. علَشان خاطر أوصل لمعنى وإحساس الكلمة اللي الشاعر أرادها. فالحمد لله ربنا وفقني وأنشدتها في المولد النبوي في سيدنا الحسين ولاقت استحسان كبير من الناس. وأنشدتها في إحدى الحفلات التي شاركت بها مع الفنان الموسيقار الكبير فتحي سلامة في دار الأوبرا المصرية.

بما إننا منتكلم عن اللغة، حابين نعرف عن وجه الشبه بين المقامات الموسيقية والمقامات الروحية، كما وصفها الصوفيون. هل التشابه لفظي/لغوي أم هو تشابه معنوي أيضًا؟

في علاقة قوية بينهما، وقد تكون سر الوصول وسر النجاح وسر الإشباع الروحي في ربط المقام الموسيقي بالمقام الروحي. المقام الموسيقي ما هو إلا ترجمة للحالة الروحية اللي نحن فيها، أنا في حالة معينة من الوجد والهيام والعشق والطرب والولع والألم والرثاء، وكل حال مرتبط باختيار نوع المقام، فالمقام الموسيقي ترجمة حسية وترجمة معنوية للمقام الروحي اللي أنا فيه. يعني لو أنا في حالة من العشق والوله، في مقامات تتشابه مع هذه الحالة، ولو أنا في مرحلة من الاعتزاز والكرامة، في مقامات موسيقية تتناسب مع هذه الحالة، أنا في مقام وحالة روحية من الهيام والطرب، في مقامات موسيقية تتناسب مع هذه الحالة، وفي مقامات بتعبر عن الرثاء والحزن والألم.

فطبعًا المقام الموسيقي ترجمة للمقام الروحي.

وبالحديث عن حال الطرب، بسمعك بتذكر الحال ده في سياق التأدية الارتجالية. أي أكتر حفلات أو موالد أو مجالس بتشعر فيها بالطرب؟ وإيه هي العوامل اللي بتأثر بالحال؟ هل المكان أو الجمهور؟ خصوصًا إنك بتردد قول: “إذا كان المؤدي كالحالب فالسامع كالشارب”.

في الموالد. موالد آل البيت الكبيرة. رواد المولد ييجوا من الصبح، يعني من الساعة عشرة صباحًا. بيروحوا المولد اللي عايز يتسوق أو يشتري واللي عايز يعمل أي حاجة. لكن جمهور محمود التهامي بيفضل حاجز مكانه للّيل. أنا بطلع المسرح الساعة إحدى عشر أو اتنا عشر، متأخر جدًا، ففي جمهور يبقى مستني من الساعة اتنين الضهر أو تلاتة الضهر عشان خاطر يسمع محمود التهامي، هذا الجمهور بيبقى خلاصة جمهور المولد، جمهور سمّيع، جمهور جاي من بلاده عشان يسمع هذا الإنشاد، فأنا باخد من روح هذا الجمهور اللي جاييني من آخر الدنيا، من اشتياقه للكلمة ومن اشتياقه لهذه الحالة اللي عايز يعيشها، فبنعيش كلنا حالة من الإنسجام والطرب في مولد حيث آلاف مؤلفة قدامي، مفيش نظام ومفيش حد منظم هذا الحدث، فالكلمة وروح الكلمة هي اللي بتسوقنا كلنا لمعاني ولحالة روحية بننسلخ كلنا فيها.

رائع، وهل الموالد دي مختلفة بين المدينة والصعيد؟

ده حقيقي. طبعًا. المولد في الصعيد بيكون أكثر تنظيمًا وأكثر استيعابًا، وثقافة المولد والحفلات في الصعيد أكثر جدية وأكثر احترامًا، فن السمع في الصعيد بيتميز بالنقاهة، يعني ما زالت الفطرة في الصعيد سليمة، فساد الأذواق والتلوث اللي حاصل في المدينة نوعًا ما لسه ما وصلش للصعيد، بس للأسف آخر تلات أو أربع سنين، ابتدأ التلوث يوصل لعندنا في الصعيد بس مش بنفس صخب المدينة. الجميل في الموضوع إن حتى في الموالد الكبيرة اللي منحس فيها بتوأمة كبيرة بين المؤدي والجمهور، أغلب جمهورها جاي من الصعيد، عشان كده الواحد ما بيحسش بغربة، بيحس إنه وسط أهله.

يعني ممكن نقول إن الموالد اتغيرت من أول مسيرتكم لليوم أو المقاربة لازم تحصل بين المدينة والصعيد؟

الموالد حاليًا اتغيرت طبعًا. ثقافة الموالد اتغيرت، أكتر اللي بيجوب الموالد دلوقت هو الشباب المستطلع، اللي حابب يعرف يعني إيه الثقافة دي، ففي شباب يحترم الثقافة دي ويندمج فيها وينسلخ من ثقافته ويتوه في هذه الثقافة، وفي من الناس اللي بتيجي لتنتقد هذه الثقافة. وفي ناس بتيجي لتبوّظ (تخرب) هذه الثقافة. المولد مفتوح على الجميع وللجميع: كل اللي عايز يعرف أي حاجة بييجي بيتعلمها، مفيش رقيب، الصوفية والموالد تتميز بقبول الآخر أيًّا كان، عشان كده مفيش رقيب، مفيش إقصاء لأحد، مفيش دعوات لحد.

طيب، إيه حكاية اعتلاء المسرح خلال الموالد حافي القدمين بالضبط؟

هي مش في الموالد فقط، هي طقوس شخصية وأنا للأمانة منزعج إن الموضوع ده اتعرف. دايمًا يا فرح بيكون للفنان حاجات خاصة على قاعدة “استعينوا على قضاء حوائجكم بالستر والكتمان” و “كل ذي نعمة محسود”، وأنا دايمًا بحب يكون لي استعداد روحاني زي ما ليا استعداد حسي وتدريبات صوتية. لازم التدريبات الروحية للأداء عشان الموضوع كله يخص مدى أهليتي إني أمدح سيدنا النبي، أهليتي الروحية لهذه الكلمة وهذا الثقل اللي على أساسهم أقدر أوصل المعنى المقصود والرسالة توصل. من ضمن الاستعدادات الروحية وأدبًا مع سيدنا النبي، بفضل أنشد وأنا حافي القدمين، من باب الأدب مع الكلمة وهذا المقام والإنشاد الديني، يعني بقالي خمسة وعشرين سنة بنشد كده بس ربنا يسامحه اللي انتبه لده. وبعد كده أنا بتعمد أطوّل الجلباب بتاعي عشان ما يبانش أنا لابس إيه. برضو أنا مبسوط إن الناس انتبهت إن الاستعداد الروحي مهم، يعني ما ينفعش أطلع حفلة ولسه عليا صلاة من الصلوات لازم أقضيها. عشان أطلع الحفلة لازم أكون قضيت فروض ربنا تمامًا، يعني بحاول قدر الإمكان الحفاظ على وضوئي، وفي بعض التلاوات أو الأوراد والأذكار القرآنية والصلاة على النبي تجهيز روحي بيدعمني، وللأمانة التجهيز الروحي بيفرق معايا أوي في الحفلة، والتجهيز الروحي قد يكون أهم من التجهيز الحسي والصوتي.

وبالحديث عن الاستعداد الروحي، ذكرت فكرة “التلوث الروحي أو الوجداني” الموجود. هل الحال ده ليه علاقة بانفصال ألوان الموسيقى المختلفة عن فن الإنشاد الديني/الروحي والعكس؟ خصوصًا إن اللي شهدناه بالعقود الأخيرة هو انفصال الإنشاد الديني عن أنواع الموسيقى الأخرى، واللي الشيخ محمود بحاول يعمله هو إعادة ربط أطياف الموسيقى العديدة.

الموسيقى جزء لا يتجزأ من التشكيل الوجداني والروحي، يعني هناك من المعازف والمقطوعات الموسيقية ما عيشني في حالة لم يعيشني فيها الإنشاد، والإنشاد الديني فيه حالة روحية نابعة من الكلمة ومعناها ومعايشتها مع الله ورسوله، لما يختلط بالموسيقى وروح الموسيقى شوفي الحالة هتبقى إيه، وهو ده اللي أنا بعمله، يعني ما ينفعش تنفصل الموسيقى عن الحالة الروحية للإنشاد.

وعن الموضوع ده بالذات، بتقول دايمًا إن المشايخ خصوصًا في أول القرن العشرين هم اللي وضعوا أسس الموسيقى وعلى أيديهم تعلم كبار موسيقيي مصر: كـ محمد رفعت، الشيخ زكريا، الشيخ علي محمود وغيرهم. ممكن نعرف أكتر عن التاريخ ده؟

بصي الحكاية بدايتها كده: بداية علم النغم والمقامات الموسيقية مأخوذة من فن التجويد اللي هو الفن الخاص بتلاوة وتجويد القرآن الكريم، فمن وضع أسس علم التجويد والنغم كانوا المشايخ، وضلعوا في فن التلاوة والتجويد والنغم وكانوا على دراية تامة بفن الإنشاد والغناء والعزف. ومن المشايخ من كان يعزف آلات، مثل الشيخ علي محمود اللي كان يعزف بيانو، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد كان بيعزف عود، والشيخ مصطفى إسماعيل كان بيعزف على العود برضه. فيما يخص العلم بالمقامات وأدائها وعزفها، كان لا يختلف الموسيقي عن الشيخ، بالعكس كان الشيخ هو الرائد، والشيخ هو الموسيقي الأول، وكانوا يقولوا: كل شيخ ليه طريقة في الأداء، لحد ما نُظم مؤتمر سنة ١٩٣٢ تحت رعاية فؤاد الأول لأنهم لقوا سيل من المقامات الموسيقية وسيل من الاختلاف في التسميات، وكل المسميات عملت اختلاف كبير بين الموسيقيين، يعني مقام الحجاز كار من درجة الراست غير الحجاز من درجة الدوكاه غير الحجاز من درجة اليكاه اللي اسمه شد عربان، طيب إيه الاختلاف طالما أبعاد المقام هي نفسها؟ قالوا ﻷ الإحساس بيختلف، ركوزه بيختلف وطعمه بيختلف. موضوع الطعم ده غيّر شكل المقام فأصبح اسمه مختلف. فمؤتمر ١٩٣٢ كان لتقعيد المقامات عشان نصنف المقامات ومواضيع أخرى. وأنا عندي الكتاب اللي صدر عن المؤتمر اللي فيه كل الكلام ده.

كتير من اللي كانوا معنيين بهذا العلم كانوا مشايخ تميزوا بضلوعهم بعلوم القرآن والفقه والأحاديث والعلوم الموسيقية، زي تمامًا الخليل بن أحمد اللي كان معني بعلوم النحو والصرف والعروض. زمان كنت تلاقي المشايخ مبدعين في الطب والهندسة والموسيقى وعلوم أخرى. وطلع بعد كده جيل موسيقيين تتلمذ على إيد المشايخ وتخصص في علم الموسيقى والمعازف بس ما دخلش في حتة المشايخ: يعني ما حفظش قرآن وغيرها. تخصص في الموسيقى وأصبح موسيقي مبدع لأنه تأسس على إيد مشايخ.

والحمد لله إني أخدت ده. يعني أنا درست علوم موسيقية ومقامات ودرست لغة عربية وحافظ للقرآن. وإلى جانب ده بتعامل كموسيقي. ودي ثقافة بحاول أعلمها لطلابي. دي ثقافة الشيخ. الشيخ بيبدع أكثر من الموسيقي العادي لأن عنده ملكة حفظ القرآن الكريم اللي هو أبو الفنون. القرآن الكريم منلاقي فيه كل المعاني.

ولو ممكن ضيف شيخ محمود: الشيخ شخصيته موسوعية اللي تعرف كل حاجة عن حاجة وحدة وحاجة عن كل حاجة، وهو ده اللي بيعطي تميز للفنان، وده فعلًا اللي نفتقده.

والله يا فرح أنا ده اللي بعاني فيه في مجال الإنشاد الديني. يعني في ضعف في مجال الإنشاد الديني فيما يخص علم الموسيقى وعلم النغم وعلم الهندسة الصوتية. يعني لما بقعد مع الطلاب بلاقيه معني في شق الإنشاد والتلاوة والشعر والحفظ وناسي الجانب الفني والتكنولوجي والصوتي، ولما بقعد مع ناس مبدعين في التكنولوجيا الخاصة بالهندسة الصوتية والعزف، بلاقيهم ما عندهمش أي علاقة بالقرآن الكريم ولا اللغة العربية ولا العروض. بقول يا جماعة كل الفنون دي مكملة لبعضها البعض.

طبعًا ده موضوع ممكن نتكلم عنه ساعات وساعات، بس لخاطر الوقت اللي معنا ممكن نطلع برا حدود مصر شوية؟

التهامي: آه طبعًا!

كنت عبرت عن حزنك لرحيل نجم الروك الفرنسي جوني هاليداي في شهر ديسمبر ٢٠١٧. كيف تأثر شيخ محمود بموسيقى الروك والجاز والبلوز وغيرها؟

في كثير موسيقات في العالم أثرت فيا. لما بسمع موسيقة أي ثقافة بحترمها وبسمعها من منظور شعبها مش من منظوري أنا كـ عربي أو كـ مصري. ثقافات كتير بختلف معاها، بس بحترمها. وكل اللي بيأثروا فيا بيتناولوا الموسيقى بأسلوب بيعجبني جدًا، كأسلوب جوني هاليداي للروك. ويشاء إن جوني كان معاه صراع مع السرطان زي بالظبط أختنا اللي توفت من كم يوم ريم بنا، الله يرحمها. في معرفة شخصية بيني وبينها ونحن التقينا مرتين، مرة في الأردن ومرة في لبنان. ريم كانت فنانة مناضلة والنضال كان في صوتها وأداءها، حتى في مرضها كانت مناضلة. فسبحان الله كل اللي عنده علّة بتظهر عليه في أدائه فبيوصلني إحساسه. بحس ان هذا الفنان فيه وجع بيخرجه من خلال فنّه، فأنا بحس بيه.

فـ جوني ده آخر سنين حياته كانت حفلاته لأطفال ومرضى السرطان. وهنا في نقطة مهمة بتخص دور تشكيل الحالة الإنسانية في تشكيل وجدان الفنان، يعني شوفي أداء الفنان قبل وبعد تجربة إنسانية روحية معينة، هتحسي بالفارق، هتحسي روحه تشكلت من جديد، ما يفعله من إنسانيات يرتقي بروحه ويظهر في أدائه، الروح بتعلا وبتتفوق فبتوصل لينا نحن كفنانين وناس، الإنسانيات بتغير طريقة الأداء وطريقة الكلام، أي فنان بيبقى تعامله الإنساني آخد اهتمام كبير منه، ربنا بيصبغ صبغة الإنسانية في روحه، بتلاقي روحه راقية.

والجمهور بيعرف طبعًا، بيحس، وبيقدّر.

طبعًا، أكيد.

الحديث عن التقدير يوصلنا للجزء الأخير من الأسئلة، فيما يخص جائزة جلوبال ميوزك أووردز  اللي حاز عليها ألبوم أوريجِن اللي شاركت فيه كـ مؤدي صوتًا. والألبوم مرشح للجرامي، موقفكم إيه للتقدير العالمي لعمل شاركت فيه؟ وإلى أين شيخ محمود التهامي عايز يوصّل الإنشاد الديني؟

أنا بالنسبة لي، الإنشاد الديني كفن مكانه الصحيح هذه الجوائز العالمية، يعني الإنشاد الديني كفن لا بد أن يكون الخطاب الإسلامي للعالم كله وثقافة تصدير العالم كله لثقافة الإنشاد الديني وروح الإنشاد الديني، العنف والتطرف اللي صُدِّرا عن الدين الإسلامي خطأ، في حين الإنشاد الديني يصدّر ثقافة الروحانيات والتسامح. لما عُرض عليا المشاركة في ألبوم ذ أوريجين رحّبت، وعايز أفاجئ الناس وأقول إني لم أتقاضَ أجر في هذا الألبوم رغم إن عُرِض عليا أجر كبير لكنّي رفضت عشان خاطر رسالتي توصل من خلال مشاركتي الفعلية، والحمد لله حقق الألبوم جائزة عالمية، وأنا مؤمن برسالة إليز لوبيك Elise Lebec مؤلفة الألبوم بتوصيل رسالة الموسيقى ورسالة السلام للعالم.

الإنشاد الديني هو اللي يقدر يصحح المفاهيم المغلوطة عن الدين الإسلامي. الإنشاد الديني دين روحانيات ودين ثقافة روحية ومش ثقافة عنفية. الإنشاد الديني إذًا مكانه العالمية.


صورة الغلاف من تصوير لمياء فاروق.

Leave a Reply