مستقبل الراب العربي على ‘خط ثالث’

كتابةيزن سعدي - فبراير/شباط 9, 2013

عندي اعتراف. أنا لا أحب الراب العربي. وهذا يعود لسببين شخصيين

أولاً، أنا لحسن الحظ (أو سوئه) من هؤلاء العرب الذين نشؤوا وهم يستمعون للعصر الذهبي والفضي للراب الأفروأميركي. أنا أتحدث عن أيام عز الراب عندما كانت الكلمات تنهمر بغزارة وغضب، مرنخة بالمعاني والتلميحات الخفية، عندما كان الراب نشيد المحرومين في المناطق السكنية الفقيرة لغير البيض (Projects). كان هذا الراب أخطر من أن يحتمله أو يقبله التيار السائد، ناهيك عن أن يفهمه. كان هذا الراب نيئاً، بلا قيود، محبطاً وغاضباً. وكانت له بيتات وأنغام بيس تأزّ لتوقف شعر ظهرك وترغمك على هز رأسك

لم أكن من شوارع كومبتون أو بروكلين، والكلمات لم تكن موجهة لي، ولكن الطاقة والروح فيها بدت وكأنها تترجم إحباطاتي كشاب عربي يمتلك نوازع التمرّد

كان هذا قبل أن يتم الاستيلاء على الراب، قبل أن يسلّع. قبل أن يُسلخ ويفرغ من محتواه

ثانياً، بما أنني كنت من القلائل الذين استقبلوا الراب العربي بحرارة في بداياته، كان إحباطي مضاعفاً من رداءة الكثير منه. كان الكثير ممّا سمعته مجرد تقليد مبسّط للثقافة الأفروأميركيّة. اقتصر الموضوع على اللبس والحركات، وخلت الكلمات من المعنى والتجربة، ولم تكن هناك صلة بينها وبين محيطها. بالنسبة لي، كان الموضوع مثيراً للغثيان

إعلان

ولذا وجدت نفسي أبتعد تماماً عن هذا المشهد، بالرغم من محاولات البعض فيه لخرق هذا القالب

ولكن، بعد غيابي هذاويبدو أنني أطلت الغيابعدت لأجد هناك أن تحرّكاً ما قد بدأ، وهذا التحرك، أو هذه الفوضى، جلبت معها راباً عربيّاً واثقاً من نفسه وأصليّاً، وبعيد كل البعد عن أقفاص التقليد التي حصرت بداياته

خط ثالثمشروع يجلب لنا مجموعة من أبناء هذا المشهد من مختلف المناطق العربيّة. هذا الفريق الذي يشملطفّار،الراس،لتلتة،الفرعي،كتيبة خمسة،كلاي بي بي جي، علي طالباب، السيّد درويش، هذا الفريق المتمكن يقدم توليفة جديدة، هي أشبه بمزيج من ما كان عليه الووتانج كلانوديد بريز، وإرث الشعر العربي وأصحاب المعلقات

أسرتني الاسطوانة من بدايتها بأغنيةمن الأولمن طفّار، والتي يمكن اعتبارها على أنها نشيد الثوراتولربما تتفوق عليها من هذه الناحية فقط أغنيةأنا الشعبلمحمد عنتر، وهي أغنية قصيرة وشعريّة تتسم بالحدة، وتنافسها أغنيةرد الشعبمن مجموعةالحق‘ – وحتى النهاية في أغنيةجنة جنةمن الراس والفرعي، والتي تميّزت بـهوكّممتاز لم يخرج من رأسي لأيام عدة.

 كما كانت هناك جملة في أغنيةيا ديبللراس والسيّد درويش جعلت بدني يرتعش (ستعرفون ما هي عند سماعها). أغنيةبوفمن لتلتة هي مثال ممتاز لأغنية تماشي النمط السائد من دون أن تضحي بالمحتوى

كما هو متوقّع، ليست كل الأغاني على الاسطوانة بنفس المستوى. بعض الأغاني تبدو باهتة مقارنة بجاراتها على الاسطوانة. بعض الأغاني مثليا حيفمن طفار ورماديمن عاصفة وسلاممنأرمادي بيزرتاتعاني من التكرار في المحتوى. بدت هذه الأغاني مشوشة بعض الشيء وأقل إبداعاً

بعد أن سمعت الاسطوانة مرات عدة، توقفت لأدخّن سيجارة وأفكّر بالاسطوانة ككل. الاسطوانة بلا شك ناجحة، وتتضمّن عدّة درر. من ناحية التشكيلة، هي ليست أفضل ما هو موجود (خصوصاً بغياب أي وجود للمشهد المصري). كما أنني كنت لأفضل توسيع التشكيلة وضم عدد أكبر من المواهب الجديدة بدلاً من وضع أكثر من أغنية لنفس المجموعة أو الفنان. وجدت نفسي أيضاً أفكر بعنوان الاسطوانةمبادرة إنضاج وعي شعبيوالتي تضمر نظرة دونية للعامة وانصياعاً لمبدأشعبك الجاهلوالتي هي مفهوم طبقي ينفع الأنظمة أكثر من أي جهة أخرى.

أقنعتني هذه الاسطوانة بأن مشهد الراب العربي غنيّ ويحمل الكثير من الجودة. وأنّه تحرّر من التأرجح بين التقليد والتماشي مع النمط التجاري السائد. هناك خط ثالث جديد، ومستقبل المشهد يقع على هذا الخط.  

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply