إذا كنت تهتم بالراب، لا تصدر ألبومك في متحف

كتابةمعازف - يناير/كانون الثاني 16, 2020

ظهر المقال الأصل في بيتشفورك لكاتبه شيلدون بيرس، وترجمه فريق معازف.


الطريقة الوحيدة التي تستطيع فيها سماع أول ألبوم لـ ياسين باي خلال عقد، هي أن تكون عالقًا في متحف. جرى الترويج للعمل التركيبي yasiin bey: Negus، والذي يعرض حتى ٢٦ كانون الثاني / يناير في متحف بروكلين، على أنه تجربة هيب هوب متعددة الوسائط، تقدم ثمانيَ أغانٍ جديدة للرابر المعروف سابقًا بـ موس دِف “بعيدًا عن تشويشات التكنولوجيا.” في الحقيقة، يقلل هذا العمل التركيبي من قيمة الموسيقى، محولًا إياها إلى قطعة فنية مدّعية وصعبة الاستهلاك، وموسيقى تصويرية لمعرض فني يغدو تافهًا من دونها.

كلمة negus تعني ملك أو حاكم في الجعزية، لغة إثيوبية قديمة. في المعرض الفني، يربط ياسين باي الكلمة بقصة أمير إثيوبي من القرن التاسع عشر يدعى آليماييهو تيودورز. يستمع زوّار متحف بروكلين إلى الألبوم ذو الثمانية وعشرين دقيقة عبر سمّاعات لا سلكية، بينما يتجولون بين جداريات للفنانين المعاصرين علاء ابتكار وجولي مِهرِتو وخوسيه بارلا، إلى جانب أعمال بصرية لياسين باي نفسه. كُلّف الفنانون بإنجاز هذه الأعمال للمعرض خصيصًا بعد أن أسمعهم ياسين الألبوم.

وفقًا لإحدى بطاقات التوضيح، يسعى هذا العمل التركيبي إلى “إعادة تخيل إمكانيات الهيب هوب كوسط فني.” فيما توضّح لوحة قرب مدخل الصالة أن المعرض يسعى أيضًا لتجميع “كوكبة من الشخصيات التاريخية والمعاصرة التي، وفق وجهة نظر الفنان، عاشت حيواتٍ نبيلة،” عبر الموسيقى والفن إلى حدٍ ما – تضم هذه المجموعة الرابر الراحل مؤخرًا نيبسي هاسل، ومريضة السرطان التي لعبت دورًا في البحث الطبّي هنريِتّا لاكس، والراهبة وعازفة البيانو الإثيوبية إماهوي تسيجِه-مريم جيبرو، التي تُلعب مقطوعات من تأليفها على السماعات قبل أن يبدأ ألبوم نيجوس.

رغم أن باي قد تحدث خلال السنوات الأخيرة حول كون المشاريع الفنيّة كائنات عضويّة حيّة، وعن ضرورة عرضها في بيئة مناسبة، تتناقض تجربة نيجوس مع الطريقة الأمثل للاستمتاع بألبوم لـ ياسين باي وتقديره. يناقض العرض غايته بسبب إتاحة السماع لمرة واحدة فقط، فيما تكشف موسيقى باي عن نفسها عبر السماعات المتكررة. حتى لو لم تكن الكلمات في نيجوس كثيفة بقدر أعمال باي السابقة، إلا أنها تبني ثيمة متكاملة كانت قد فاتتني خلال السماع الأوّل. تبدو معظم الأغاني كنسخ محسّنة بعض الشيء من أغاني الألبوم الشاحب الصادر في ٢٠١٧، Dec 99th  ألبوم أصدره ياسين باي ضمن ثنائي جمعه بـ فراري شيبرد، بينما تبدو باقي الأغاني كإصدارات من النخب الثاني لـ شاباز بالاسز (تم تسجيل كافة الأغاني في لندن عام ٢٠١٥، وأنتجها صانعو الإيقاعات البريطانيون لورد تاسك، ستيفن جولين وآسيد).

إعلان

تتناقض أفكار بعض أغاني الألبوم مع المحيط الذي اختاره باي. في إحدى الأغاني، يغني مرددًا تراتيلًا مختلفة من عبارة: “هاي بروفيسور، ما الذي تعنيه بالمصطلح: حضارة؟” الرسالة واضحة: لفترة طويلة، اعتُبر التاريخ الأبيض والثقافة البيضاء أكثر تنويرًا وصفاءً من تاريخ وحضارة الشعوب من ألوان بشرة أخرى. رغم ذلك، ها هو ياسين باي يخضع للنظرة البيضاء وأفكارها المطروحة منذ وقتٍ طويل حول ما يعنيه أن تكون “متحضرًا”. عندما يصدر ياسين باي ألبومه كقطعة فنيّة متاحة فقط في المتحف، فإنه يخلق حاجزًا لا داعي له – ويعزز العمل التركيبي نفس الفجوة الثقافية التي تنتقدها الأغنية. علاوةً على ذلك، يبدو المعرض كحصيلة حشر أنصاف فكرتين مع بعضهما البعض. بينما تبدو الأعمال البصرية جذابةً إلى حدٍ ما، وذات صلة مباشرة بالموسيقى – أو ما يعتقد ياسين أن الموسيقى تمثله – في بعض المناسبات، فإن المعرض يفتقد لرؤية متماسكة تجمعه، وبالتالي لا يوجد تبرير لضرورة تلقي الأعمال المعروضة بهذه الطريقة بالذات.

لا يعدو نيجوس كونه أحدث عدة مناسبات يحاول فيها بعض الرابرز الحصول على اعتراف العالم الفني. شهدنا عدة تقاطعات بين الراب والمؤسسة الفنية، مثل أداء جاي زي لست ساعات في معرض بايس بصحبة العرض الراقص لـ مارينا أبراموفيتش، وتصويره مع بيونسِه لأغنية مصورة في متحف اللوفر، وتصوير كانيه وست لتدريبات كورالية في صالة رودن كارتر. لكن خلال السنين، أصبحت ملاطفة المؤسسة الفنية أيضًا مؤشرًا على محاولة البعض تأكيد أنفسهم كفنانين جادين، وسعيهم للحصول على المشروعية من مجتمعات لطالما وصمت الراب بأنه أقل شأنًا. في ٢٠١٥، وبعد ادعائه أن “عالم الراب الفني بمجمله يغدو مبتذلًا إلى حدٍ ما” – قام درايك بتقييم مجموعة فنيّة لصالح مؤسسة سوثبيز، فيما حاكت الأغنية المصوّرة التي أصدرها في ذات العام، هوتلاين بلينج، أعمال الفنان جايمس تورل. في ٢٠١٨، كشف معرض ٣٠ ساوث في باسدينا، كاليفورنيا عن المعرض الأوّل لرسومات تشاك دي، التي رسمها من مشاهد مأخوذة من تاريخه الشخصي في الراب.

المفارقة في محاولات التودد هذه، أنها بدأت في الواقع كحلقات مغلقة داخل ثقافة الهيب هوب ذاتها. اهتمام الهيب هوب بالفن (والعكس) يسبق جاي زي، لكن جاي زي بلا شك مسؤول عن تقريب العالمَين، منطلقًا من رائد الجرافيتي في الثمانينات جان-ميشيل باسكيا. قبل تبنّي جاي-زي لـ باسكيا كالقدّيس الراعي للراب، وتلقيب نفسه بـ الـ جان-ميشيل الجديد، وحتى التنكر بزيه في صورة مطوية لمجلّة، كان باسكيا بالفعل جزءًا جوهريًا من الهيب هوب. صمم باسكيا الغلاف الفني لأغنية بِيت بوب لـ رامِلزي وكاي-روب، وكان مقربًا من رائد الهيب هوب فاب فايف فرِيدي، كما شارك بنفسه في أداءات راب. انتشرت عقلية جاي زي هذه في جميع الاتجاهات عبر العقود الثلاثة التالية، من شراء ديدي للوحة لـ كِري جايمس مارشال بـ ٢١ مليون دولار، إلى قيام فارِل ويليامز بمقابلة النحّات والفنان جِفّ كوونز، حتى استضافة المتاحف الفنية لعروض راب محلية. كان من المنطقي أن تنتهي هذه التوجهات بإقحام مؤسسة سوثبيز لـ آيساب روكي والفنان الصيني آي ويوي في فيديو واحد.

انتهى احتضان المتاحف للراب على مضض إلى مصير حاسم عبر معرضَين أقيما مطلع الألفية. استضاف متحف بروكلين معرضًا عام ٢٠٠٠ باسم أمة الهيب هوب: الجذور، القوافي والسخط، اكتفى بعرض بعض المقتنيات التذكارية القديمة للراب. لم نشهد عرضًا فنّيًا يشتبك بالفعل مع ثقافة الهيب هوب ويعلق عليها ويستدل بها حتى عام ٢٠٠١، حين قيّم متحف برونكس للفنون معرض كوكبٌ واحد تحت الجرووف: الهيب هوب والفن المعاصر. تتبع أغلب محاولات التلاقح بين الفن والراب واحدًا من طريقَين، هناك طريق الحيل الرخيصة لـ “الارتقاء” بالراب إلى مستوى الفن الرفيع، وقبول الموسيقى والثقافة المحيطة بها كمنتوج قيّم بحد ذاته.

يسلك العمل التركيبي نيجوس، مثله مثل العديد من المحاولات الحديثة لاختراق عالم الفن، الطريق الأوّل. على أية حال، هناك أمثلة حديثة استطاع الراب فيها اختراق هذه الطبقات بطرق أخرى، عبر أعمال روّاد عالم الفن ذوي الجذور المتغلغلة في الهيب هوب، مثل كاهيند وايلي وآوُل إريزكو ورشاد نيوسَم. يستمر مركز كينيدي المرموق في واشنطن باستضافة عروض هيب هوب متنوعة سنويًا. كما استضاف متحف المِت  The Metropolitan Museum of Art in New York فعاليّة أدى فيها راقصوا هيب هوب عرضًا مرتدين دروع الفرسان. حتى الراب بحد ذاته بدأ بإنشاء مؤسساته الخاصة أيضًا: في كانون الأول / ديسمبر الماضي خصصت ولاية نيويورك ٣٫٧ مليون دولار لدعم متحف الهيب هوب الذي يجري بناؤه في البرونكس، والذي سيصبح أول مساحة من نوعها مكرّسة لثقافة الهيب هوب. من جهة أخرى، سلك متحف أطلانطا لموسيقى التراب طريقًا أكثر استقلالية لتمجيد تاريخه، حيث يلعب تي آي الدور الرئيسي في سرد هذا التاريخ. تشكّل هذه المساحات محاولاتٍ لإقامة منشآت فنية جديدة متمحورة حول الراب.

في مقاله “تناص وترجمات الفنون الجميلة والطبقة في ثقافة الهيب هوب”، يتحدى أكاديمي الراب، آدام دي باور-إيفانز، المغالطة التي ترى الهيب هوب كثقافة أقل شأنًا: “استخدام استعارات من الفنون الجميلة في سرديات الهيب هوب يبني علاقة حرجة بين القيم الثقافية المتباينة سابقًا بين الهيب هوب والفنون الجميلة، ويتحدى أعراف النظام الطبقي”. يحاجج المقال أن هناك تناصًا موروثًا بين البصري والسمعي، وبين ثقافة الهيب هوب وتحف الفنون الجميلة، منذ الأيام المبكرة للهيب هوب. علاوةً على ذلك، يؤكد الكاتب أن الهيب هوب، بكونه فنًا مشحونًا سياسيًا، يزعزع الأعراف الثقافية المقبولة للفنون “الجميلة” و”الرفيعة”. يوكّد معرض ياسين باي القناعة المغلوطة بأن الراب ليس جادًا إلا عندما يحيطه إطار برونزي في صالة متحفٍ ما. لكن الثقافات المبكّرة للهيب هوب وفن الشارع، تلك التي اعتنقها جان-ميشيل باسكيا وفاب فايف فريدي، أكدت العكس: بإمكان الهيب هوب أن يرسم جرافيتي على جدران المتحف الخارجية ويظلّ فنًا.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply