مقامات الموسيقى وسيمياء المقامات | مقابلة مع نداء أبو مراد

كتابةياسر عبد الله - فبراير/شباط 21, 2018

نداء أبو مراد، الدكتور في علم الموسيقى وفي الطّب، هو نائب رئيس الجامعة الأنطونيّة للشؤون الأكاديميّة والبحث العلمي، عميد كلّيّة الموسيقى وعلم الموسيقى في الجامعة الأنطونيّة (لبنان)، رئيس تحرير التقاليد الموسيقيّة في العالمَين العربي والمتوسّطي (RTMMAM)، العلميّة السنويّة والمحكّمة دوليًّا. باحث أكاديمي، له كتاب تأسيسي لنظريّة السيمياء المقاميّة (منشور بالفرنسية ٢٠١٦) و٣٠ دراسة منشورة في موسوعات ودوريّات علميّة محكّمة دوليًّا، وهو كذلك مؤلّف موسيقيّ وعازف كمان بحسب النّهج التّقليدي التأويلي العربي، له ٢٠ قرصًا مدمجًا ومشاركات في مهرجانات موسيقيّة دوليّة مرموقة.

في مقابلته مع معازف يتحدث عن مساره الشخصي في تلقي الموسيقى وطرائق التقليد الموسيقي المشرقي ويتطرق بالتفصيل إلى نظريته حول السيمياء المقامية (نحو توليديّ موسيقيّ للتقاليد المونوديّة المقاميّة المشرقيّة) التي نال عليها جائزة التميّز العلميّ ٢٠١٧، في مجال العلوم المعرفيّة المتعدّدة الاختصاصات من المجلس الوطنيّ للبحوث العلميّة في لبنان.

جرت المقابلة على جزئين، أولهما عبر اتصال مباشر، وثانيهما عبر البريد الإلكتروني، وفيه شرح نداء أبو مراد نظريته حول السيمياء المقامية باستفاضة في محاضرة وافية عنها.

الجزء اﻷول

بعد التحية واﻻحترام، لكل عازف وسميع وخاصة في الموسيقى المقامية عتبة دخول لطريق السماع أو العزف في أغلب اﻷحيان تتعدد العتبات لتنقل الشخص من مزاج موسيقي ﻵخر في البداية ما هي عتباتكم الشخصية لدخول طريق الموسيقى؟

هل أسئلتكم موجّهة إلى الموسيقيّ أم إلى الباحث في علم الموسيقى؟

أعتقد أن الباحث في علم الموسيقى والموسيقي في حالة حضرتك ﻻ ينفصلان.

بل ينفصلان حتمًا منهجيًا وهذا ما أطلبه من طلابي.

إعلان

هل يمكنك توضيح الفارق واﻻنفصال بينهما؟

الموسيقي العملي يستولد الفقرات الموسيقيّة انطلاقًا من النماذج المبطّنة فيه، في حين الباحث في علم الموسيقى يجهد في استنباط النماذج التي على أساسها تنبني الفقرات الموسيقيّة، إنّه فارق اعتباري كبير، يستفيد الباحث من الكفاية الموسيقيّة التي يتمتّع بها لبناء النماذج بشكل فذّ لكن عليه التراجع أمام الميل إلى الاستنتاجات المتسرّعة والعودة إلى الاحتكام إلى المنهجيّة العلميّة، أمّا الموسيقيّ العمليّ، فيستفيد من معرفته المنهجيّة العلميّة لتحصين ممارسته ولتقعيد عمله، لكنّه ينبغي ألّا يتفكّر كثيرًا، بل يطلق العناية للكفايات الضمنيّة الحاصرة فيه وإلاّ فيكون إنتاجه مرتبكًا، إذًا عليّ دائمًا تحديد الموقع الاعتباري الذي أعمل أو أتكلّم من خلاله، على كلّ حال فقد رجّحت خلال العقد المنصرم الخطاب العلميّ الموسيقيّ على سواه.

وما سبب هذا الترجيح لو جاز لي السؤال؟

بحكم عملي ومهامي الأكاديميّة. بخاصّة عند وضعي نظريّة السيمياء المقاميّة.

وهل في مرحلة سابقة على العقد المنصرم تداخل النهجان أو تصارعا، أعني نهج الموسيقي مع نهج الباحث الموسيقي؟ أود استيضاح العلاقة الجدلية بينهما داخلك.

لم يتصارع النهجان في داخلي بل تغذّيا من بعضهما. يبقى أنّ حيّز العمل الجامعيّ قد طغى على الممارسة الموسيقيّة، حتّى لو بقي هامش لا بأس به من الممارسة الموسيقيّة العلنيّة، أضف إلى ذلك موقع الأستاذ الجامعي، وكذلك وظيفة المسؤول الجامعي، فحدّث ولا حرج.

لنعد إلى السؤال حول عتبات الطريق الموسيقي، أردت نوعًا من كسر الجليد مع القراء حول كيف وصلت إلى هذه اللحظة الراهنة وما هي المحطات التي مررت بها؟

منذ طفولتي كان هناك دراسة الكمان الغربي في الموسيقى الكلاسيكية اﻷوروبية واتجهت بعد ذلك إلى دراسة الطب ثم حاولت المزج بين دراسة الطب ودراسة الموسيقى في باريس وعندما أنهيت دراسة الطب وجدت أنه من الضروري أن أركز على الموسيقى فتركت مهنة الطب وركزت على الموسيقى اﻷوروبية في عصر الباروك ثم العصر الوسيط اﻷوروبي ثم اكتشفتُ أن هذا يقودني إلى عتبة التقليد الموسيقي المشرقي العربي الذي اكتشفته من خلال اﻷستاذ فوزي السايب الذي التقيتُ به في باريس وطلبت الاسترشاد منه ﻷتتلمذَ على يديه، هو على آلة العود وأنا على آلة الكمان، فأرشدني من خلال سماع تسجيلات بدايات القرن العشرين فاستمعتُ للشيخ يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي وسامي الشوا ومحمد العقاد وكل هذه المدرسة النهضوية وبعد ذلك انتقلنا من مرشد السماع إلى الإبداع بالمثابرة وهذه الوسائل المتعددة فدخلت تدريجيًا إلى هذا العالم كمريد ويصح عليّ النموذج الذي طبقه الخلف على أبي نواس عندما طلب منه الإجازة كي يتعلم نظم الشعر فقال له اذهب إلى البادية واحفظ وعندما عاد إليه طلب منه أن ينسى فأقام في الدير في صمت ونسي فعاد وتحول إلى شاعر وهذا ما تعلمته على اﻷستاذ فوزي السايب رحمه الله، هذه هي العتبة اﻷساسية في تكويني وفي أني أصبحتُ مريدًا لهذا التقليد الموسيقي المشرقي العربي الفريد واستمريت في اتباع هذا المنوال وعدتُ بعد ذلك إلى بيروت وأطلقتُ تجربة إحيائية لذلك التقليد مع عدد من الموسيقيين الكبار مثل جورج أبيض وبهيج ميقاتي والتحق بنا تدريجيًا البعض اﻷكبر سنًا من بين مريدي التقليد الذي اتخذته وأطلقت عليه اسم الموسيقى الفصحى، هذا كان في التسعينيات، في بداية اﻷلفية ركزتُ على الجانب اﻷكاديمي فأنجزتُ رسالة الدكتوراه الثانية، اﻷولى كانت في الطب أما الثانية فكانت في علم الموسيقى في عام ٢٠٠٢، ثم ترأست معهد الموسيقى الذي تحول بعد ذلك إلى كلية الموسيقى في الجامعة اﻷنطونية ومركز البحث العلمي وهكذا تمكنتُ من حث بعض الشباب للولوج إلى هذا الفن وأيضًا دعم البحث في علم الموسيقى وتدريجيًا تمكننا من إعادة إطلاق هذا النهج، أما في المحطة اﻷخيرة فركزت كثيرًا على نظرية السيمياء المقامية والنحوية التوليدية التركيبية في الموسيقى إلى جانب مسؤولياتي اﻷكاديمية كعميد لكلية الموسيقى فتقلص النشاط الموسيقي نتيجة لهذه المسؤوليات. هناك أربعٌ وعشرون ساعة فقط كما تعلم.

سنعود لاحقًا للحديث بالتفصيل عن نظرية السيمياء المقامية، لكن سؤالي اﻵن عن شيخك فوزي السايب رحمه الله، كان التلقي فقط للمقطوعات الموسيقية اﻵلية ﻻ لتقنيات العزف على الكمان، ﻷنه عازف عود، صحيح؟

تعرف أن المسألة اﻷساسية هي في تكوين الجمل الموسيقية، سواء كان بالنسبة للحنجرة أو بالضرب على آلة العود أو بجر القوس على وتر الكمان، وعندما يكون العازف مكتملًا في إعداده باﻷساس يسهل عليه أن يتطور وبخاصة عندما يسمع كثيرًا لتسجيلات سامي الشوا، فالمسألة ليست في المنظار التقني الغربي حيثُ في الإطار الغربي هي ممارسة تركز كثيرًا على البحث عن تقنيات محددة، في الإطار المشرقي هناكَ النطق الموسيقي هو اﻷهم و جودة تركيب الجمل في التقاسيم وفي التحميلة، فالمسألة ليست مرتكزة على الفكرة الباغانينية في البراعة إنما على فكرة أكثر قربًا من رؤية يوهان سباستيان باخ في التركيب النحوي، وهذا التركيب النحوي الموسيقي يمكن، إذا كان موجودًا في الدماغ، أن يترجم بطريقة ليست صعبة على آلة أولى أو ثانية أو ثالثة، فالمسألة ليست في البراعة التقنية وفقط.

هل من الممكن تسمية هذه البراعة الشرقية بالفصاحة؟

نعم وهناك رسالة دكتوراه حول الموضوع أنجزها مؤخرًا الباحث المصري طارق عبد الله تتناول مفهوم الحذق في الموسيقى virtuosité، والمشكلة اﻷساسية هنا أنه مطلوب من الموسيقي أو المتموسق أن يصل إلى درجة كبيرة من الحذاقة بحيث يعرف كيف يُولد أو تتولد من خلاله نصوص موسيقية صائبة ومتينة ولها قسط كبير من التجانس والفصاحة من خلال مصدر صوتي سواء حنجرة أو آلة موسيقية، فالموضوع هو النص الموسيقي وصحته وتعبيريته وفصاحته قبل أن يكون من خلال البراعة التقنية المحضة، وهذا في التقليد الغربي الفرق بين أسلوبين أساسيين، البراعة التقنية ومثالها باغانيني، والفصاحة والبلاغة ومثالها يوهان سباستيان باخ، وكذلك في سياقنا في إطار التقليد المشرقي، هناك الفصاحة والبلاغة والبراعة في تركيب الجمل، فلكي يتمكن محمد العقاد من تأدية ما وصل إليه على الصعيد التقني هو نتيجة تأدية جمل صعبة، واﻷصابع والعضلات هي فقط مجرد أدوات تنفيذية، في حين يوجد لدى عازفي القانون بعد مدرسة العقاد والقضابي وغيرهما الكثير من البحث عن اﻻستعراض التقني والبهلوانية دون أن يكون هناك بلاغة وثقل في النصوص الموسيقية، هذه هي المفاضلة بين أن يكون الموضوع مجرد استظهار المهارات العضلية أو وضع بين مسامع السامع نصوص موسيقية أو فقرات تعبر عما هو المقام وتسهم في إثراء العالم الموسيقي لدى السامع أو السالك في المسار الموسيقي.

ذكرت حضرتك فوزي السايب وذكرت تسجيلات سامي الشوا وإبراهيم سهلون، هل من الممكن الحديث هنا عن شيوخ حاضرين في الحاضر وشيوخ غائبين في التلقي الموسيقي؟

الشيوخ الذين ماتوا ما زالوا حاضرين، تكلمنا عن العقاد مثلًا  أوالشيخ علي محمود، ﻻ أظن أنهم ليسوا هنا، فعندما تسمعهم تسمعهم اﻵن وتكون مستعدًا لتحمل الخشخشة في اﻷسطوانات القديمة (أقراص ٧٨ لفة)، أظن أن هناك بداهة أن هذا الحضور هو حضور موسيقي وروحي، وهناك شباب اﻵن يقررون أن ينتهجوا هذا النهج وهناك كثير من السامعين الشباب أيضًا يحبون هذا النهج ويستمعون لهذه التسجيلات، من المؤكد أنه في القرن العشرين كان عدد أساطين هذه المدرسة كبيرًا بالنسبة لليوم، وﻷن هذا النهج قد تم تهميشه بفعل عوامل كثيرة ﻻ مجال لذكرها اﻵن، إنما هذا النهج قد تم تهميشه واﻵن هناك موسيقات أخرى ﻻ علاقة لها بالذي نتكلم عنه فهو شيء مختلف، فالمشيخة في الفن التقليدي التأويلي أو الإبداعي الذي نتكلم عنه هي مشيخة كانت موجودة وﻻ زالت موجودة وحية إنما مهمشة ﻷن ما نسمعه اﻵن مرتبط بأنساق موسيقية مهيمنة مختلفة، وأيضّا يصح هذا على الهند حيث هناك الراغا لكنها مهمشة وﻻ يسمعون الراغا اليوم، وحتى في أوروبا هناك حيز ما للموسيقى الكلاسيكية اﻷوروبية إنما ما يسمع اليوم أنساق متفرعة عن ذلك، هناك واقع موجود وعلينا التمييز بين اﻷنساق المتعددة.

بالنسبة لرسالة الدكتوراه في الطب لم تكن بعيدة تمامًا عن الموسيقى بل كانت عن النظرية العربية عن العلاج بالموسيقى.

كان موضوعها عن النظرية العلاجية بالموسيقى عند العرب في العصر الوسيط، نتيجة ﻷني كتبتها بعد أن توقفت عن ممارسة الطب سبع سنوات ولم يكن بوسعي أن أنجز رسالة غير هذا الموضوع وتمكنت من طرح معادلات حول معالجة بعض اﻷمراض.

هل المعالجة بالموسيقى تتضمن أمراضًا عضوية أم نفسية فقط، أعتقد أنها اﻵن نظرية مهجورة ومنسية تلك التي كانت في العصر الوسيط وتحتاج إضاءات كثيرة حتى نعرفها.

هناك كتاب صغير من القرن السابع عشر الميلادي مجهول المؤلف يتكلم عن أن المقام كذا يعالج كذا، ليس مؤكدًا أن هذا من منطلق علمي إنما من المؤكد أن للموسيقى تأثيرًا علاجيًا وبخاصة الفقرات الموسيقية المقامية لها تأثير عند الناس الذين يعتادون على سماع المقامات، وأن المعالج إن كان موسيقيًا فذًا وحاذقًا يمكن أن يسهم في المعالجة لبعض اﻷعراض النفسية، أما اليوم هناك منهجيات متعددة تدرس حسب الاختلافات الثقافية لتسهم في علاج بعض اﻷمراض النفسية وأحيانًا العصبية مثل الصرع والألزهايمر، هناك منهجيات متعددة لكنها مرتكزة على موسيقات غربية ما نفعله نحن في أبحاثنا في كلية علوم الموسيقى لتكوين مسارات منهجية علاجية مبنية على الفقرات الموسيقية المقامية المونودية، وهناك، على صعيد علم النفس المعرفي، موسيقى لها تأثير ويمكن استثمارها في المعالجة.

لكنها تقتصر على فقرات من التقليد الموسيقي الفصيح وﻻ تنسحب لفقرات من الفن الشعبي العلاجي مثل الزار والكناوة.

هنا ندخل في موضوع آخر هو موضوع النشوة trance  وهو موضوع يدرس وكيف استثنت اﻷطر العلاجية اﻷوربية المعاصرة ذلك؟، لكن نحن حاليًا لا ندرس هذا في كلية علم الموسيقى.

إعلان

وهل للنشوة نفس التأثير النفسي للطرب؟

هذا موضوع طويل، نشوة الزار هي نشوة تشاركية فيها السامع يتحرك ويدخل في حركة انتشائية بينما نشوة الطرب هي نشوة باطنية أكثر، قد يتحدث عنها ويقول “الله!” إنما تظل باطنية فعندما تسمع تقسيمًا لا تقوم بالرقص مثل الزار.

ونشوة الطرب الباطنية تعتمد أكثر على المعرفة السابقة؟

ربما، ﻷن هذا الموضوع هو موضوع تخاطب موسيقي وهذا التخاطب يحدث عندما يكون هناك لسان موسيقي، وعلي تذكر هذا التمييز بين اللغة واللسان والكلام في علم اللسانيات، فهناك اللغة وهي كفاية مشتركة عند البشر، كفاية لغوية موسيقية، وهناك اللسان وهو هذا المقام الموسيقي المحدد مقاميًا الذي يمكن التخاطب من خلاله إذا كان كلامًا أو موسيقى، كذلك هناك الكلام الذي يسري عبر نظام محدد لإنسان محدد في لحظة محددة، إذًا التخاطب عبر الموسيقى يحدث عبر نظام موسيقي ومن اﻷنسب أن يكون المخاطِب والمخاطَب ملمين باللسان الذي يتخاطبان به، إذًا الطرب العظيم عندما نسمع تقسيمًا لمحمد العقاد ونتأوه “الله!” ونشعر بهذه النشوة الطربية الباطنية العميقة هذا يعني أن الرسالة قد وصلت ووجدت معبرًا لإثارة معانٍ ومشاعر ناتجة من دون أن تتحول إلى حركة هياجية وتدمير لمستوى الوعي الذي يحصل في حالة النشوة في الزار وخلافه.

وهل يمكن تشبيه الطرب وحالة التلقي بحالة المريد والشيخ؟ وتشبيه الطرب بالوجد إذا فهم المريد عبارة شيخه الصوفي المُلغزة؟

لكن المسألة ليست علاقة بين شيخ ومريد إنما علاقة السماع هي علاقة بين مُسمعٍ وسامع وليس بالضرورة أن يكون السامع مريدًا، إلا إذا أردت الحديث عن تسليكٍ معين عبر السماع الصوفي في الطريقة فهذا موضوع آخر، لكن أظن أن العلاقة بين شيخ مثل سامي الشوا أو محمد العقاد وسامعيه ليست بالضرورة علاقة تسليكية للسامعين، حتى لو كان السماع لفقرات موسيقية واردة في هذا التقليد تجعله يدخل إلى عالم موسيقي نوراني ربما يكون مختلفًا شيئًا ما عن التجربة الصوفية، هذا ممكن، لكن أظن أن معزوفات محمد العقاد وسامي الشوا لم تكن بحثًا صوفيًا بهذا المعنى، ربما الشيخ يوسف المنيلاوي والشيخ علي محمود ﻷنهما كانا منتميين إلى مسار صوفي، وربما هناك بعض من التصوف غير المتدين في الموسيقى، لكن حذاري من التصرفات القريبة من ال new age الذي يمزج بعضًا من الراغا الهندية بموسيقات أوروبية تجارية، تبقى هذه الموسيقى كما هي موسيقى كلاسيكية وظيفتها الولوج إلى عالم من الهدوء والسكينة، أكثر من هذا ﻻ أظن أن هناك ضرورة لإسقاط مفاهيم صوفية روحانية عليها، فكل شخص يريد أن يلج المسالك الروحانية الكبرى، ربما ليست الموسيقى هي اﻷساس، ربما تكون الموسيقى مدعمة لمسلكه الروحاني لكن ما هو أساسي هو الطقوس والشعائر الدينية.

أعتقد أنه ﻻ يمكن الهرب من الشحنة الصوفية في الموسيقى المقامية حتى في التشابه اللفظي ما بين مقام وطريقة وسماع وأحوال وطبوع، بشكل شخصي أظن أن الدولاب قبل الدخول في روح المقام هو نوع من التطهر كقراءة الفاتحة أو أبانا الذي في السموات، كأن الدوﻻب يُدخل إلى حالة روحية أخرى هي حالة المقام.

هناك كثير من التشابه لكني أحذر كثيرًا من القفز لنتائج متسرعة، صحيح ما تذكره من تشابه، لكن عندما تعتبر أن الموسيقى هي مسلك روحي هذا مختلف، فعلى من يريد الولوج إلى عالم روحاني أن يذهب إلى مسار محدد يشتمل على ممارسات طقسية وروحانية، والموسيقى قد تكون مسعفًا وليست هي اﻷساس، صحيح أن هناك مصطلحات مأخوذة عن اﻷدب الصوفي مثل المقامات، لكن الدراسة الإنثروبولوجية الدينية للموسيقى هي مسألة أساسية وأعود هنا لمنهجية علمية للدراسة المنهجية في علوم الموسيقى وبخاصة الإنثروبولوجية، وهذه المقاربة الإنثروبولوجية الثقافية الدينية لها ثقلها، وهذا موضوع مستقل في علم الإناسة، وهناك تمييز أساسي عند فريدريش نيتشه في هذا الموضوع بين ما هو ديونيسي وما هو أبولوني وهذا صحيح جدًا إنما يفضل أن نضيف له النسق الإبراهيمي، فهناك ثلاثة أنساق، نسق إبراهيمي حيث تكون الكلمة في قراءة ترتيلية تبليغية، ونسق سراني له طبيعة ديونيسية وهو نسق مزماري تشاركي ديني نصل فيه إلى النشوة، وهي سرانية mystique  ليست فقط مزمارية بل عادة هناك مجاوبة بين فقرة الفرد وفقرة الجماعة وهذا ما نراه في قالب التوشيح بين الشيخ والبطانة أو التحميلة ما بين العازف الفرد والتخت، والنسق الثالث هو النسق اﻷبولوني حيث النص الشعري الإنشادي، وهو نسق يركز على النشيد مثل الموشح أو الأهازيج الشعبية، هذه الأنساق الثلاثة ليست منفصلة تمامًا فقد يحدث تداخل بين اﻷول والثاني أو الأول والثالث وهكذا تتولد اﻷنساق ويمكننا أن نصنف الممارسات الموسيقية المتعددة في المشرق على أساس هذا المثلث وهذا ما تطرحه السيمياء المقامية في جزء منها، إلى جانب الجزء اﻷساسي في اقتراح نموذج جبري شفاهي للقواعد التوليدية المتضمنة في النصوص الموسيقية المشرقية، هذا بشكل سريع، فالنظرية تحاول أن تقترح نحوًا ومجموعة صغيرة من القواعد التي يمكن على أساسها شرح الطرق الموسيقية المختلفة وتوقع كيفية تولد النصوص الموسيقية المقامية، هذه هي السيمياء المقامية باختصار شديد وذلك مقترن باﻷساليب التي تكلمت عنها عند الحديث حول اﻷنساق الموسيقية الثلاثة، النسق الإبراهيمي والنسق السراني الديونيسي والنسق اﻷبولوني القيثاري النشيدي.

وهذه اﻷنساق الثلاثة تكون الوصلة المشرقية؟

الوصلة المشرقية مبنية على جدلية مثلثة، في الطرح ونقض الطرح والتفسير، أما الطرح فهو النسق الثالث اﻷبولوني النشيدي فهناك فقرات موسيقية نشيدية سواء كانت عزفية مثل السماعيات أو غنائية مثل الموشح، وهي نسق ثابت ﻻ يمكن التصرف فيه، والمرحلة الثانية إبراهيمية أكثر، وهي تعتمد على التلاوة المُنغمة لنص بالفصحى أو بالعامية سواء كان موالًا أو قصيدة مرسلة، وهناك العزف المتماهي معها وهو التقسيم، فالتقسيم هو تلاوة عزفية لنص مُبطن، والمرحلة الثالثة هي مرحلة سُرانية ديونيسية تجمع بين ما هو ثابث وما هو متحول، سواء في الدور أو في القصيدة علىى الواحدة، وهذه المقاربة ﻻ تنطبق فقط على الوصلة إنما تنطبق على مسارات موسيقية متعددة مثل الموسيقى الدينية ويمكننا أن نستخدمها في مقاربة إنثروبولوجية وإستاطيقية لعدد كبير من الظواهر الموسيقية في المشرق.

الجزء الثاني

سأقتبس من مقالك “وتندرج هذه السيمياء الموسيقية في مخطط سيمياء شاملة وبالتالي فهي تظهر أوجهًا كبيرة من الشبه مع اللسانيات وهي بخاصة تتبنى التمييز الذي اُجرته اللسانيات بين اللغة واللسان والكلام”، موسيقيًا ماذا نعني بالتحديد حين نتحدث عن اللغة واللسان والكلام؟

تنطلق السيمياء المقاميّة من مسلّمة لغويّة الموسيقى على أساس سيميائيّ غير بنيويّ، يستلهم نظريّة النحو التوليديّ التحويليّ التشومسكيّة، وفي الواقع، هي مقاربة تتأصّل في النظريّة العربيّة في التشجير المقاميّ والتأويل الموسيقيّ والتركيب النغميّ على أساس بنية أصليّة نغميّة، إذ يذكر مظفَّر الحِصني في كتابه الكشّاف في علم الموسيقى وهو مخطوط محفوظ في دار الكُتُب في القاهرة، تيمور، ص. 40-64؛ حقّقه عامر الدّيدي في Didi, A. (2015). Système modal arabe levantin du XIVe au XVIIIe siècle (Étude historique, systémique et sémiotique, éditions critiques et traductions des manuscrits). Thèse de doctorat (n. p.). Paris : Université Paris-Sorbonne. وقام نداء أبو مراد بشرح بعده السيميائيّ Abou Mrad, N. & Didi, A. (2013). Le révélatالeur musicologique d’al-Ḥiṣnī : un précis de grammaire modale transformationnelle du XVIe siècle. Revue des Traditions Musicales des Mondes Arabe et Méditerranéen, no 7, « Sémiotique et psychocognition des monodies modales (2) » (pp. 29-50). Éditions de l’Université Antonine. “فالبيوت بالأنغام كالحروف للخطّ. فكما يتركّب من الحروف اسم زيد وعمرو وغيرهما، يتركّب من البيوت نغمُ الراست والعراق وغيرهما”.

عندما يتمّ تفسير هذا الكلام في سياق التّجسير بين فنّيّ الموسيقى والخطّ، يتبدّى أنّ درجات الارتكاز النّغميّة (البيوت) تشكّل أساس الجُمل اللّحنيّة النّموذجيّة للمقامات (الأنغام)، كما تكوّن أشكالُ الحروف أساسَ تركيب بيان الكلمات (المرادفة خطّيًّا للجمل الكلاميّة). وبالتّالي، فشرعيّ إذًا أن يتمّ اقتباس منهجيّات حديثة تعتمد على فكرة النّحو التّحويليّ التّوليديّ، بُغيةَ فهم عمليّة إنتاج النصوص الموسيقيّة التّقليديّة انطلاقًا من بنية المقامات. وهي نظريّة تُلاقي صدىً لها في نظريّة هينريش شنكر النحويّة التوليديّة الموسيقيّة وفي النحو التوليديّ التشومسكيّ، وفي نظريّات نيكولا ماييوس في الأسهم الهرمونيّة وفي السيمياء الضمنيّة .

أمّا السّيمياء sémiotique، فهي دراسة أنظمة العلامات وإجراءات الدّلالة المقترنة بها. وتستحوذ المثالة السيميائيّة paradigme sémiotique على الفقرات الموسيقيّة، كونها علامات مهيكَلة signes structurés دارِسَةً إجراءات تمفصُلها articulation وإجراءات صياغتها élaboration وإجراءات دلالتها signifiance. وتندرج هذه السيمياء الموسيقيّة في مخطّط سيمياء عامّة signifiance، وبالتالي، فهي تُظهِر أوجهًا كبيرة من الشبه مع اللسانيّات linguistique.

أمّا السّيمياء العامّة، كمنهجيّة متبلورة خلال القرن العشرين، وإن عمدت في أصولها إلى اقتباس جزء أساسيّ من مفاهيمها وآليّاتها عن اللّسانيّات البنيويّة sémiologie وعن المنطق الفلسفيّ sémiotique، فلا بدّ من اعتبارها لا تتّخذ بالضّرورة من اللّغة الكلاميّة نموذجها الدّلاليّ الإلزاميّ، كما يقترحه فردينان دو سوسور SAUSSURE, Ferdinand de, 1972 (1906-1911), Cours de linguistique générale, publié par Ch. Bailly et A. Séchehaye, édition critique préparée par T. Mauro, Paris, Payot، بل إنّ الموسيقى قد تشكّل نموذجًا أساسيًّا للسّيمياء العامّة أو الشّاملة المنشودة، كما يقترحه نيكولا ميوس 3MEEÙS, Nicolas, 2012-2013, « La sémiotique musicale comme modèle pour une sémiotique générale », École doctorale « Concepts et langages » http://nicolas.meeus.free.fr/Semiotique1/index.html.

يبقى أنّ السيمياء المقاميّة تتبنّى التمييز الّذي تُجريه اللسانيّات بين:

١- اللغة langage ككفاية compétence ملازمة للإنسان تمكّنه من التواصل والتعبير عبر أنظمة صوتيّة كلاميّة، وبين ٢- اللسان langue كنظام تجريديّ من العلامات الصوتيّة المهيكَلة، وهو محدّد ومقترن بجماعة ثقافيّة معيّنة، وبين ٣- الكلام parole كتفعيل للكفاية اللغويّة العامّة عبر نظام لسانيّ محدّد ومن قبل شخص معيّن موضوع في زمان ومكان وظروف خاصّة Saussure, 1972-1906-1911. وبما أنّ الموسيقى تشكّل كفاية ملازمة للإنسان، تمكِّنُ هذا الأخير من التعبير والتواصل بواسطة الأجسام الصوتيّة الموسيقيّة، فبالتالي يتيح هذا التوصيفُ اعتبارَ الموسيقى لغة. وتتفرّع الموسيقى كلغة كلّيّة إلى ألسن موسيقيّة مختلفة من المنظار الثّقافيّ، بحيث يشكّل اللسان الموسيقيّ الواحد نظامًا تجريديًّا من العلامات الصوتيّة المهيكَلة، القابلة للتعلّم في سياق اجتماعيّ ثقافيّ معيّن. أمّا الكلام في المجال السيميائيّ الموسيقيّ، فهو تفعيل للكفاية اللغويّة الموسيقيّة العامّة عبر نظام لسانيّ موسيقيّ محدّد ومن قبل شخص معيّن موضوع في زمان ومكان وظروف خاصّة.

الألسن الموسيقية الأساسية في العالم

يمكن اعتبار ثلاثة ألسن موسيقيّة أساسيّة في العالم هي:

النظام المقاميّ الأحاديّ\المونوديّ،
النظام الطوناليّ التعدّديّ\البوليفوني،
النظام الخماسيّ pentatonique/pentapohonique الأحاديّ\المونوديّ.
تتفرّع عن كلّ لسان رزمة كبيرة من اللهجات الإقليميّة والمحلّيّة المتنوّعة، هي التقاليد الموسيقيّة المنضويّة تحت لواء أحد الأنظمة الثلاث المذكورة.

السيمياء المقاميّة تسلّم بأنّ المقامات اللحنيّة لتقليد أحادي\مونوديّ تشكّل:

إعلان

معًا، لسانًا موسيقيًّا تامًّا ومستقلاًّ.
كلّ مقام على حدة، مصفوفة جينيّة لحنيّة تتيح صياغة الفقرات الّتي تتماهى مع النّصوص الموسيقيّة (الممكنة بالقوّة أو المحقّقة بالفعل) المزدوِجة الْمَفصَلَة لهذا اللسان الموسيقيّ العابر للمقامات، في حين تكون ملازمة لمقامها المصفوفيّ.
وهي نظريّة تسحب على التحليل الموسيقيّ بعضًا من حيثيّات النظريّة النحويّة التوليديّة التشومسكيّة الأساسيّة، بحيث يضحي مفهوم النحو المقترن بمقام محدّد في تقليد موسيقيّ معيّن وبنظام إيقاعيّ وأسلوب وشكل تلحينيّ مختصّ: مجموعة محصورة من القواعد التي على أساسها يمكن توصيف، كما توقُّع، تأليف كلّ الفقرات الموسيقيّة المقترنة بالمقام (والتقليد والنظام الإيقاعيّ والأسلوب والشكل) وفقط تلك الفقرات.

تُتيح القواعدُ الّتي تحكم مثل هذا النظام وضعَ توصيف سيميائيّ له وفقًا للمرادفات الموسيقولوجيّة للمجالات الأساسيّة الخمسة للّسانيّات، وهي:

الفونيتيك phonétique ( الدرس الصوتيّ) الموسيقيّة، الّتي تهتمّ بالتركيب الصوتيّ للأجسام الموسيقيّة؛
الفونولوجياPhonologie (الدرس الصوتيّ التمييزيّ) الموسيقيّة، الّتي توصّف الارتفاعات اللحنيّة (النغمات) من ضمن أبجديّات لحنيّة هي السلالم النغميّة، كما تصنّف تلك النغمات وظيفيًّا على أساس كونها وحدات تمييزيّة unités distinctives ou phonèmes موسيقيّة تتمفصل على أساسها الأجسام الموسيقيّة الدالّة؛
المورفولوجيا morphologie (الدرس الصرفيّ) الموسيقيّة، الّتي تدرس المفصلة الصرف-صوتيّة الإيقاع-لحنيّة l’articulation morphophonologique rythmico-mélodique لتلك الوحدات التمييزيّة الصّوتيّة الموسيقيّة في تكوين الوحدات الدالّة الموسيقيّة، أي التركيب الزمنيّ الإيقاعيّ للنغمات المتوالية في الصيغ اللحنيّة الدالّة؛
التركيب syntaxe الموسيقيّ، الّذي يحلّل الترتيب الزمنيّ لتلك الوحدات الدالّة في الجمل الموسيقيّة ويوصّف صياغة سطح تلك الجُمَل بالنسبة إلى بناها التحتيّة؛
علم الدّلالة الموسيقيّة sémantique musicale  الّذي يقترن بإجراءات توليد المعنى انطلاقًا من تلك الأجسام ومن تلك الجمل الموسيقيّة.
أمّا مندرجات المقام، فهي اقترانه في هذا السياق بالأمور الأربعة على منوال قريب من التعريف المربّع الذي يعطيه تران فان خي (Tran Van Khé) عن مفهوم المقام (Tran, 1968). التالي ذكرها، وهي:

سلّم، أي مجموعة مرتّبة من النّغمات الّتي تفصل بينها مسافات لحنيّة والّتي تشكّل الوحدات التمييزيّة الخاصّة بالمخاطبة الموسيقيّة، أي، بكلام آخر، تمثّل أبجديّتَها الفونولوجيّة الموسيقيّة، أي الصوتمات أو الفونيمات phonèmes النغميّة، وهي وحدات فونولوجيّة قابلة في هذا الصدد للتنوّع في حدود دقيقة، كما الألّوفون allophone ( الصوتم التعاملي)؛
تمييز وظيفيّ لنغمات ذلك السّلّم، من خلال نظريّة النَّوِيّ المقاميّة؛
صيغة نموذجيّة سهميّة\ثويّة موجّهة vectorielle  لحنيّة تحتيّة تربط المؤشّرات النوويّة التحتيّة، وتتيح توصيف الصياغة اللحنيّة للفقرات الموسيقيّة التقليديّة كلّها المستمدّة من هذا المقام وفقط صياغة تلك الفقرات؛
إجراء دلاليّ ضمنيّ يشكّل محصّلة للنقاط الثلاث المذكورة.

ما هي المنهجية العامة للسيمياء المقامية وهل هي مجرد نظرية في التحليل أم هي أيضًا تُعنى بتوليد نحو موسيقي مبتكر؟

النظريّة تقترح مقاربة سيميائيّة نحويّة توليديّة للإنتاج الموسيقيّ المقترِن بالتقاليد الموسيقيّة الحيّة والقديمة في المشرق. وتتّخذ هذه النظريّة والمنهجيّة التحليليّة السيميائيّة المقاميّة من مفهوم المقام اللحنيّ (وهو طريقة صيرورة النصّ الموسيقيّ في مكوّنه اللحنيّ) جوهرًا لما يُصطلَح هنا على تسميته “لسان المشرق الموسيقيّ”. وهي في شقّها النظريّ تعتمد على مجموعة من سبع مسلّمات:

المسلّمة الأولى تنصّ على وجود تماسك عضويّ لحنيّ في توليد النصّ الموسيقيّ.

المسلّمة الثانية تفترض أن الموسيقى هي لغة، تندرج في ألسن، ومن بينها لسان المشرق الموسيقيّ المقاميّ، وأنّ تأليفها يأخذ شكل النحو التوليديّ التحويليّ.

المسلّمة الثالثة تؤسّس الصوتيّات phonologie اللحنيّة الخاصّة باللسان المقاميّ (كما التصنيف التحتيّ والتراتبيّ للوحدات التمييزيّة اللحنيّة، وهي النغمات المركزيّة أو البيوت) على اندراج النغمات في نواتَين متماهيتَين مع سلسلتَين متنافستَين من مسافات الثالثة، بحيث تتركّز النواة الأساسيّة على نغمة قرار\محطّ المقام.

المسلّمة الرابعة تقعّد الصوتيّات الوزنيّة للّسان الموسيقيّ ومكوّنه الصرف-صوتيّ الإيقاعيّ على تصنيف تحتيّ نوعيّ للوحدات القياسيّة الموسيقيّة الصغرى، أي النبضات ذات المدّ الزمنيّ القابل للتغيّر، وهي التي تحمل البيوت النغميّة.

المسلّمة الخامسة تفترض أنّ المكوّن الصرف-تركيبيّ للّسان الموسيقيّ يعتمد على عمليات جبرية تنطوي على أسهم سيمياء-صوتيّة توليديّة vecteurs sémiophoniques génératifs، بحيث تشكّل هذه الأسهم التصنيف التحتيّ للقطاعات الصرفيّة و\أو التركيبيّة الموسيقيّة، من خلال المزاوجة بين النويّ الخلفيّة للنغمات المركزيّة لهذه القطاعات.

المسلّمة السادسة تقضي بأنّ الفقرات الأحاديّة المقاميّة تنتج دلالات ضمنيّة endosémiotiques من خلال المقارنة بين المعطيات النحويّة اللحنيّة والطرائق الدلاليّة modalités sémiophoniques المقترنة بها.

المسلّمة السابعة تنصّ أنّ الفقرات الأحاديّة المقاميّة تنتج دلالات خارجيّة exosémiotiques أو إحاليّة référentielles، تقترن بالبناء الإيقاعيّ لتلك الفقرات، وذلك بالرجوع إلى النماذج الجمالية والثقافية السياقية.

أمّا النحو المقترن بمقام محدّد في تقليد موسيقيّ معيّن وبنظام إيقاعيّ وأسلوب وشكل تلحينيّ مختصّ، فهو يعني مجموعة محصورة من القواعد التي على أساسها يمكن توصيف، كما توقُّع، تأليف كلّ الفقرات الموسيقيّة المقترنة بالمقام (والتقليد والنظام الإيقاعيّ والأسلوب والشكل) وفقط تلك الفقرات. وبالتالي، فإنّ هذه النظريّة تمكّن من توصيف\تحليل النتاج الموسيقيّ، كما تمكّن من توقّع تأليف (أو ارتجال) فقرات جديدة منتمية إلى النطاق المقاميّ التقليديّ عينه. وقد بدأنا في الجامعة الأنطونيّة، وبالتعاون مع مختبر التكنولوجيا المعلوماتيّة في كلّيّة الهندسة، بإيجاد تطبيقات معلوماتيّة لنظريّة السيمياء المقاميّة، تأخذ شكل برمجيّة تمكّن من تحليل ممكنن لفقرات موسيقيّة تقليديّة مقاميّة. أمّا المشروع التالي (بعد بضع سنوات)، فسيأخذ شكل برمجيّة تمكّن من تلحين ممكنن لفقرات موسيقيّة جديدة تندرج في سياق تقليديّ معيّن مدروس.

عودة لحكاية أبي نواس وتعلمه الشعر التي ذكرتها سابقًا في حديثنا وفصلتها في مقالك عن مركزية التقليد في عملية التجديد الموسيقي والحديث عن التقليد الإسراري في نطاق عملية الإبداع الفني، في ظني أن المراحل الثلاث يمكن وصفها بالامتلاء والإفراغ اللاحق الذي يجهز المتلقي لتلقي وحي موسيقي خفي، لكن من المهم التساؤل هل عذرية الذهن ضرورة في المرحلة الثالثة بعد جدلية الملء والفراغ؟ أعني هل يجب على الموسيقي المبدع أن يفرغ ذهنه من كل اعتبارات نظرية قبل دخوله عملية الإبداع؟

على الموسيقيّ أن يستبطن النماذج والقواعد النحويّة التوليديّة في كيانه خلال مرحلتَي الحفظ (حفظ مصنّفات التراث) والتأويل (تأويل النماذج والقواعد من خلال تملّك المصنّفات الموروثة)، كي يتمكّن من أداء المصنّفات الموروثة بشكل صائب، مع التصرّف الابتكاريّ المطلوب، ومن تأليف\ارتجال مصنّفات جديدة على منوال الموروث. وليست عمليّة الارتجال بعمليّة فكريّة تنظيريّة، بل هي فكر موسيقيّ غير قابل للاستنطاق الكلاميّ المنطقيّ. إنّها صيرورة موسيقيّة فحسب.

ما الفارق الدلالي اﻷساسي بين استخدامنا تعبير الربع صوت الشائع لوصف النظام المقامي واستخدامنا عبارات أخرى أدق لكنها غير شائعة كالهيكلية الزلزلية؟

أوّلا يفتقد مصطلح ربع الصوت للعلميّة، إذ ينبغي على التوصيف العلميّ أن يستخدم مصطلحات مرتبطة بطبيعة الظاهرة المبتغى وصفها، وبما أنّ الأبجديّات النغميّة أي السلالم المقاميّة لا تحتوي إلاّ نادرًا على مسافة\فسحة\فاصلة\بعد ربع الطنين أو ربع الطنيني، في التقاليد الموسيقيّة المقاميّة المشرقيّة، فلا بدّ من استخدام وحدة قياسيّة أقرب إلى الواقع. لذلك اخترنا الاعتماد على مصطلح (مسافة\فسحة\فاصلة\بعد) الثانية، وعلى تصنيف متنوّع لتلك المسافة، كالتالي ذكره:

إعلان

الثانية الصغرى “صى” (1\4 طنين) 67 س ±25 سنت
الثانية الصغيرة “ص” (1\2 طنين) 100 س ±25 سنت
الثانية المتوسّطة “م” (3\4 طنين) 150 س ±25 سنت
الثانية الكبيرة “ك” (طنين) 200 س ±25 سنت
الثانية الكبرى “كى” (5\4 طنين) 250 س ±25 سنت
الثانية الزائدة “ز” (3\2 طنين) 300 س ±25 سنت.
أمّا توصيف الأبجديّات النغميّة (السلالم)، فيعتمد على تصنيف مسافات الثانية الواقعة بين النغمات المكوّنة للسلالم، مثل:

الأبجديّة الزلزليّة، المعتمدة على ثانيات متوسّطة وثانيات كبيرة؛
الأبجديّة القويّة، المعتمدة على ثانيات صغيرة (بل صغرى) وثانيات كبيرة (وكبرى)؛
الأبجديّة الملوّنة، المعتمدة على ثانيات كبرى (أو زائدة) وثانيات صغيرة (أو متوسّطة).

بوصفك أكاديمي مهتم بالتربية الموسيقية وترأس كلية علم الموسيقى في الجامعة اﻷنطونية، ما هي الفروق الرئيسة بين منهج التلقي الغربي للموسيقى المتبنى في أغلب اﻷكاديميات في البلاد العربية ومنهج التلقي الموسيقي المشرقي اﻷسبق؟ وما هي المنهجية المتبعة من قبلكم في عملية التدريس؟

في عصر النهضة الأوروبيّة وعصر الباروك، كانت المنهجيّة التربويّة الموسيقيّة المتّبعة في أوروبا شبيهة بتلك المتّبعة في الشرق، أي المسارّة عبر التواتر السمعيّ بين مرشد ومريد، على نسق النموذج النواسيّ المثلّث الأطوار، مع هدف تمكين المريد من الكفايات النحويّة الموسيقيّة التوليديّة وجعله موسيقيًّا قادرًا على الابتكار المتأصّل أي الحذاقة النحويّة التوليديّة. تغيّرت الأمور في الغرب بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، فأضحى الهمّ الأوّل هو تمكين الموسيقيّ الدارس من تقنيّات آليّة وحذاقة شبه بهلوانيّة، لا علاقة لها بالحذاقة النحويّة التوليديّة، فأضحى الموضوع محصورًا في إنجاز الأداء العزفيّ الحرفيّ الناجع لمقطوعات ثابتة مدوّنة وصعبة تقنيًّا. تأثّر المؤتمنون على المدارس الموسيقيّة الناشئة في العواصم العربيّة في القرن العشرين بهذه المنهجيّة، فطبّقوها حرفيًّا على تعليم الموروث الموسيقيّ المقاميّ التقليديّ، فركّزوا على التدوين التثبيتي لفقرات موسيقيّة أساسها خاضع للتأويل والتصرّف الأدائيّ، مرتكزين على أداء حرفيّ لمدوّنات أضحت أصنامًا للعبادة في معابد الأكاديميّات الموسيقيّة العربيّة، بل أدخلوا عليها الكثير الكثير من الفقرات ذات النحو الموسيقيّ الهارمونيّ الطوناليّ الغربيّ، وأزالوا تدريجيًا كلّ توجّه نحو التأويل المرتجَل للتقاسيم والتحميلة وما شاكلها.

أمّا في كلّيّة الموسيقى وعلم الموسيقى وفي المدرسة الموسيقيّة الأنطونيّة وفي بيت الموسيقى للنجدة الشعبيّة (تحت إشراف زميلنا الدكتور هيّاف ياسين) في لبنان، فيسعى تعليم التقليد الموسيقيّ المشرقيّ العربيّ التأويليّ الفنّيّ إلى تفعيل مقوّمات المسارّة التقليديّة، لكن في سياق حديث، هو سياق الأكاديميّة الموسيقيّة. صحيح أنّه لا مجال للعودة إلى حلقة المرشد والمريد الفذّة في دراسة تأخذ وتيرة الحصّة الأسبوعيّة، من دعوة معايشة مسارّة بين الطرفَين، لكن يستعاض عن ذلك من خلال تقنيّات التسجيل والحاسوب والشبكة العنكبوتيّة، التي تمكّن من تواصل العلاقة السمعيّة بين الطرفَين رغمًا عن الابتعاد الحياتي الجغرافيّ. وبالفعل، فقد تمكّنت هذه المؤسّسات من تنشئة جيل جديد من الموسيقيّين الحاذقين والبارعين في التقليد الموسيقيّ المقاميّ التأويليّ، ونأمل أن تشكّل هذه الظاهرة خميرة لنهضة موسيقيّة متأصّلة وقدوة لمن أراد إحياء جماليّات التقليد المقاميّ التأويليّ.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply