مقسوم | موسى سام

لم يكن اسم موسى سام على رادار الكثيرين بداية العام الماضي، وإنما أحد رابرز المستمع المتمرس الذي يعرف الأجزاء المغمورة من مشهد الراب المصري. لم يكن جزءًا من مجموعة أحدهم ولا يقحم نفسه في بيف أو نكش. اختلف الأمر في ٢٠٢١، حيث انفجر اسم موسى سام بدستة من الأغاني المنفردة آخرها تعاون مع أبو الأنوار وليل بابا وألبومان طويلان هما سحابة من توزيع مهيمن ومقسوم من توزيع جلبة؛ فتحول موسى من رابر نيش إلى رابر أساسي في المشهد.

بالاستماع إلى أول تراكات مقسوم يبدو أن سام تبنّى اتجاهًا مشابهًا لسحابة؛ تأثيرات ريفرب وديلاي تعم صوت موسى واندماجه مع الموسيقى في المزج بحيث يصعب تتبع باراته. لكن سرعان ما حطم موسى وجلبة تلك الصورة في باقي الألبوم. على عكس سحابة الذي كان يوحي بثيمات هلوسية وأجواء محيطة كثيفة من إنتاج مهيمن، يكشف مقسوم عن تجلي موسى بثقة جديدة، تظهر في الإلقاء والفلو ووضوح غناء موسى في واجهة المزج، وحتى في اختيار باليتة ألوان دافئة في غلاف الألبوم والفيديو المصور لتراك زغابة، مقارنةً بالباليتة الباردة التي هيمنت على هوية سحابة البصرية.

يبدأ الألبوم فعليًا مع تراك القوة بمغازلة صريحة من جلبة وموسى للشعبي. يسيطر إيقاع وأورج شعبي على المقطع الأول، بينما يتحول فلو موسى ليشبه فلو المهرجانات. للوهلة الأولى يبدو أن موسى يحاول غناء مهرجان لكنه يراب بشكل تلقائي في باراته: “ليه؟ ليه؟ / كله بيبعني بالجنيه / ليه؟ على إيه؟ /الصحاب عطلانة على إيه؟ / الكلاب صعرانة على إيه؟” ثم يعود بالتدريج إلى فلو تراب في المقطع التالي. يأتي التراك أكثر جماهيريةً دون اللجوء إلى حيلة التعاون مع مغني مهرجانات لمجرد سد خانة المهرجان، بحيث يظهر تقدير موسى للمهرجانات، القديمة منها خاصةً كما ذكر سابقًا. كما يتناسب التراك مع خلفية جلبة الذي أنتج في العام ذاته مهرجانًا لعمر الكروان وأغنيتين لحمزة نمرة في ألبومه الأخير تحت مسمى “المشروع الشعبي”، هما استعيذوا ومش مهم.

مع انتصاف الألبوم تصبح طبيعة كتابة موسى أوضح. الكتابة في المجمل أقل هلوسة وأقرب إلى سرد مترابط مقارنة بأغاني سحابة، مع الإكثار من الحديث عن تعاطي الحشيش. كما ابتعد موسى عن مواضيعه القديمة حول الأزمة الوجودية التي كان يعاني منها والاكتئاب وعلاقته المعقدة بأسرته. مقسوم أقرب إلى الحديث عن الشارع والتبجح المعتاد في الهيب هوب والراب بشكل عام؛ لكنه لا يقع في فخ تصدير شارع غير واقعي، ولا بالحديث عن نفسه باعتباره رئيس عصابات، بل يكتفي بالحديث من منظوره كشاب “لَبَط” ليس العبث معه فكرة جيدة، كما في تراك خمسة بالحب: “أنا جاي بالحب، مش عايزة الحب / بس ازميلي هتشوفني راكب البورش / معايا بتيجي بس عاوج البوق / إنت عاوج الكاب بس ازميلي هظبطك.”

في التوزيع، يميل جلبة إلى استعراض شريحة عريضة من البيتس لتقديمها لموسى ليجاريها بالفلو المناسب. ما بين الشعبي المذكور سابقًا في القوة، يليه إيقاع يستحضر إيقاعات الأفروبيت والبوب اللاتينية في قصة حزينة، ثم يظهر إيقاع دريل ثقيل في مستشفى مثلًا. يثبت ذلك التنوع قوة جلبة كموزع وقدرته على تقديم صوت متنوع، وقوة موسى كرابر يستطيع مجاراة كل ما يقدمه جلبة ويطوّع صوته دون الإخلال بالإيقاع. لكن يأتي استعراض العضلات هذا على حساب ترابط الألبوم كوحدة أو مفهوم. يبقى الخيط الوحيد الذي يحافظ على بعد الألبوم المفاهيمي هو كلمات موسى وأسلوبه العفوي.

موسى سام وجلبة

يختم موسى الألبوم بتراك خفاش، الذي ينتزع فيه جلبة زمام الأمور على إيقاع فور أون ذَ فلور راقص؛ مع عدة عناصر آلاتية منفردة وضعها جلبة في الواجهة، مثل صوت بوق نحاسي يظهر منفردًا بشكل غير موفق، وصوت جيتار كهربي غير متوقع قدم خامة لطيفة مع صوت موسى.

يمكن القول أن موسى اختار لمقسوم أن يكون أكثر أعماله استساغة أو أخفهم وطأة على المستمعين الجدد حتى الآن؛ وهو ما يدعمه أرقام المشاهدات ووصول عدة تراكات من الألبوم إلى الترند خلال يوم من إصدارها. لكنه استطاع الموازنة بين العناصر المتوقعة على المستوى الجماهيري دون فقدان هويته المميزة سواء في ثيمات المجازات المفضلة له مثل السحابة والسفينة، أو الفلو المحكم. يشهد الألبوم مرة أخرى عفوية موسى المعتادة وصوتًا مختلفًا أقرب إلى المستمع الطيّاري؛ لذلك يمكننا أن نعده مخاطرة صوتية في وقت كان المتوقع فيه صوت أكثر تعقيدًا.