مهندسو الدَب | الرحلة من الميكسر إلى الكيبورد

هذا الجزء الرابع من سلسلة مقالات حول تاريخ الدَب. سيصدر جزء من السلسلة يوم الأربعاء من كل أسبوعين.


عام ١٩٧٥، أصدر كينج توبي ألبومه روتس أُف دَب، الذي انشغل فيه بتطوير ما ابتكره من تقنيات، حتّى بلغ مرحلةً تمكّن فيها من خلق أصوات شبيهة بصافرات الإنذار وإطلاق النار، كاشفًا مرة جديدة عن تقنياته البارعة في معالجة وتشكيل الصوت. بنى كينج توبي في هذا الألبوم علاقةً جيّدة بين آذان المستمعين وصوت الدَب في جامايكا، ما جذب إليه مهندسي الصوت الراغبين في العمل معه والتعلّم منه. رحّب كينج توبي بذلك، وحرص على نقل معرفته وحيله إلى مساعديه خلال فترة تدريبهم في استوديو إنتاج الدَب الأوّل في العالم. 

لم يكن استوديو توبي الوحيد المختص بإنتاج الدَب على الجزيرة، إذ دخل لي سكراتس بيري على المنافسة، وأسّس في بداية السبعينات استوديو بلاك آرك، الذي عمل على إنتاج الدَب عبر استخدام تقنيات كينج توبي وتطويرها. زرع لي سكراتش المايكروفونات تحت شجر النخيل، سجّل أصوات بكاء الأطفال وألعابهم، بما في ذلك لعبة تصدر صوت البقرة الذي أصبح واحدًا من علاماته. 

مارس بيري أيضًا شعائره الروحانية الخاصة خلال جلسات إنتاج الموسيقى، مثل تدخين الماريجوانا ونفخ دخانها على مسجل الأشرطة، وسكب سوائل مثل الماء، البول، الدماء أو الويسكي على الأسطوانات. كما أشعل الكثير من الشمع والبخور لطرد الأرواح الشريرة، ما انتهى بإحراقه الاستوديو، ومغادرته جامايكا في بداية الثمانينات إلى غير عودة. 

صدر عن استوديو بلاك آرك عام ١٩٧٦ ألبوم عودة القرد الرائع، والذي قام فيه بإعادة إنتاج مقطوعات من حقبة الريجي، بعد أن فككها وأعاد بناءها في مساراتٍ مختلفة، ليخلق طبقاتٍ من الصوت مع إضفاء العينات الهلوسية التي عمل على تسجيلها سابقًا. كما تحكم بترددات صوت الجيتار خلال المزج، فخرج حادًا مع طبقات ملتوية من الصدى. 

إعلان

بعد سنتين من هجرته إلى بريطانيا، أنتج لي سكراتش بيري ألبوم التاريخ والغموض والتنبؤ. اختار أغنيةً نايس تايم الصادرة سنة ١٩٦٧ لـ ذ وايلرز، أزال منها غناء بوب مارلي وتركَ صوت الكورال الصادح في الخلفية، مع دخول خجول لعينات هلوسية. فيما تحدّث في باقي المطقوعات، بصوتٍ جهير (لدرجة زائدة أحيانًا) فوق الريديم، عن نفسه وعن مغامراته مع الكوارث الطبيعية والحيوانات. 

استوديو كينج توبي 

سارع برنس جامي كي يصبح متدربًا لدى توبي. مستندًا على خبرته في الإنتاج التي اكتسبها في حقبة الريجي، سرعان ما أصبح مساعد كينج توبي الأوّل، ومهندس الصوت الرئيسي في الاستوديو عند منتصف السبعينات. تعلّم جامي استخدام وحدة الريفرب في الاستوديو، وركّز على واحدة من أكثر خصائص الدَب جموحًا، صوت السربينج ريفرب، الذي بإمكاننا سماعه في الدقيقة الأولى من مقطوعة دَب أُف رايتس. ضرب توبي على قالب السكك الحديدية في آلة فيشر ك١٧، التي استخدمت أواخر الستينات في أجهزة الراديو المخصصة للسيارات، فخرج صوت السبرينج ريفرب إلى الآذان نضرًا وعضويًا. في أوّل ألبوم دَب من إنتاجه، إن لايون دَب ستايل (١٩٧٧)، ردّد جامي الإيقاع بخطٍّ ثابت من الضربات على السكك الحديدية في الآلة، بدلًا من الضربات العشوائية، وعزل صوت البايس عن باقي مكوّنات المقطوعة بطريقته الجذابة. 

فيديو قديم يظهر ساينتست في بداية عشريناته وراء آلة مزج توبي

كان أوفرتون بروان، المتدرب الثاني في الاستوديو، مفتونًا بأسلوب توبي الحصري في المزج. حاول التلاعب بمقطوعات الريجي في منزله، فأشعلت الترددات العالية لخط البايس الوصلات الكهربائية، وأضاء جهاز مؤشّر الطاقة kt 88 على مضخّم الصوت بالأحمر، لذا طلب من توبي استخدام الاستوديو لتجاربه. جاءت فرصة براون لإظهار إمكانياته بالمزج عندما غاب برنس جامي عن المدينة، فاقترح على توبي أن يتولّى إدارة جلسة التسجيل. أكسبته هذه الجلسة اسمه الفنّي ساينتست، وانتقل من ورشة التصليح إلى وراء الميكسر. 

في نهاية الثمانينات، قدّم توبي ساينتست إلى منتجه الأوّل هنري جونجو لوس، عندما أراد الأخير مزج أغنية بارينجتُن ليفي – كولي ويد مع ريديم من حقبة السكا ماي كونفرزيشن. اختار ساينتست عينة بيانو تُسمع عند الثانية الرابعة من الريديم، ثم أدخل عينة من صوت بارينجتُن ليفي، متحكمًا بقوة الصوت والوقت المناسب لدخوله وخروجه بما يتناسب مع خط البايس ببراعة.

تنافس ساينتست وبرنس جامي طوال فترة الثمانينات على لقب الملك. تبارزا في ألبوم بيج شوداون (١٩٨٠) بالعينات الصوتية الجامحة على نظام صوت كينج توبي، وأظهرا إمكانياتهما كمهندسي صوت متدربين على يد توبي. 

أخرج ساينتست عددًا من الألبومات التجريبية الطويلة، أعطاها أسماءً مرتبطة بتخليص العالم من مصاصي الدماء أو غزو المخلوقات الفضائية، وغابت عنها العينات الغنائية لصالح المزيد من الاهتمام بالعينات الإلكترونية. في ألبوم العالم في مواجهة غزاة الفضاء (١٩٨١)، ظهر ساينتست على غلاف الألبوم في زي الأبطال الخارقين، في يده رشّاش يذيب بطلقاته النارية المخلوقات الفضائية المتساقطة من السماء. تسمع صوت الطلقات في مقطوعة بولسار، فيما استخدم في بيم داون صوت الأفعى وكأنها طريقته للتكلم أو لوصف صوت المخلوقات الفضائية. في واحدة من مقابلاته صرّح عن رغبته للتواصل مع المخلوقات الفضائية من خلال موسيقى الدَب.

فيديو يظهر أسلوب ساينتست المقارب لأسلوب كينج توبي 

إعلان

مع نهاية الثمانينات، بدأت آلات إنتاج الموسيقى الرقمية بدخول جامايكا. حصل برنس جامي على لوحة مفاتيح Casio MT-40، واستخدمها لإنتاج أول ألبوم دَب رقمي. اكتشف برنس جامي عن طريق الخطأ واحدة من الإيقاعات الرقمية التي غيّرت مسيرة الدَب، عرفت بالـ سلينج تينج ريديم، بعد أن تلاعب بإعدادات إيقاع الروك، وفكفك النمط الإيقاعي في الكيبورد. أصبحت هذه الريديم خط البايس في مقطوعة موسيقية أنتجها بالتعاون مع الموسيقي وايني سميث. بعد نجاحها الكبير، بدأ المنتجون بالتهافت على شراء هذا الكيبورد، والتجريب للخروج بمقطوعات موسيقى رقمية جديدة. استغنى المنتجون بعد هذه الخطوة عن العازفين وآلاتهم، ولم يعد استوديو توبي مقصدًا لهم بعد أن امتلكوا لوحة مفاتيح سهلة الاستعمال، ما أدى إلى  نهاية عصر الاستخدامات التجريبية للميكسر بغرض معالجة الأصوات. 

في شباط / فبراير من سنة ١٩٨٩، أطلق شخص مجهول النار على صدر توبي، وهرب بعد أن سرق محفظته. 

صقل توبي صوت الدَب، ووضع أسسًا مشى عليها منتجو الموسيقى الإلكترونية لعقودٍ قادمة، كما أعطى للصوت الإلكتروني أبعاده الكاملة في الأذن. تابعت تقنيات وأساليب توبي التطور من بعده، وساهمت في تأسيس أصناف موسيقية مختلفة. في بداية التسعينات، وصلت تقنيات الدَب إلى ألمانيا، حين قام المنتجان موريتز فون أوزوالد ومارك إرنستو، في قناة بايزك تشانل، بالعمل بتقنيات توبي والخروج بموسيقى الدَب تكنو. شجّعت تقنيات الدب أيضًا العديد من المنتجين على إعطاء أهميّة لخامات ونسيج الصوت، ومرونة تطويع المؤثرات الصوتية التي تحكموا بها على الميكسر، مثل الريفرب والصدى، لدرجة بات الميكسر فيها ينافس الآلات الموسيقية الأخرى. 

Leave a Reply