القوة | موسى وجلبة

منذ عودته القوية العام الماضي، مازال إنتاج موسى ينبض بالطاقة. لا تمر بضعة أشهر قبل أن ينزّل موسى تراكًا منفردًا أو تشويقيًا من ألبوم قادم، ليعقبه بإصدار طويل ثم يمطرنا بسلسلة فيديوهات تابعة له. ما يميز موسى هو ثيماته الشخصية، الواضحة حينًا والغامضة والملتوية أحيانًا أخرى، والتي تفصح عن تلقائيته. في الحالتين يتعلق جمهور الراب بسهولة به، ويمكن تبين تواجد دراويش له من خلال تعليقات الفانز المشفرة وإيموجي الوجه الساقع إلى آخرها من رسائل خفية من أغانيه. 

يغرد موسى في عالمه الخاص، لا ينجرف وراء دس أو بيف ولا يعبأ بالحس التنافسي الطاغي على المشهد ولا بالفخر بالذات المبالغ فيه. تصل المعادلة إلى آخرها بفضل تعاونه مع جلبة في ألبوم مقسوم الذي أسفر عن ألبوم متعدد الثيمات والبيتات، ليتأقلم موسى معها جميعًا.

يسلط تراك القوة الضوء على تلون موسى وسلاسة تنقله من جنرا إلى أخرى خلال التراك نفسه، ليعد التراك المحوري لألبوم مقسوم. يسلك النصف الأول من التراك توجهًا شعبيًا خامًا، يميّزه إلقاء موسى الذي يتأرجح بخفة بين ثلاثة تنويعات، بالإضافة إلى إيقاعات جلبة الثقيلة ولوازمه بالكيبورد التي تزيد التراك حزنًا وحيوية في ذات الوقت. أكثر ما يلفت في التراك بجانب جملة “الوش معضم بس العز فالجيب” وطاقة موسى التلقائية هو الفيديو. يلخص الفيديو بشكل واعي جزءًا كبيرًا من حالة المشهد الذي يتخبط بين ما هو محلي وأصلي، وما هو متأثر بجماليات تعجز عن عكس ثقافة الشارع المصري كالتراب والدريل، رغم نجاح البعض في تطويعها وفلترتها لتلائم السياق المصري. 

يعكس الفيديو جماليات غارقة في شعبيتها من حيث اختيار أماكن التصوير غير المألوفة بين مشهد الراب، والتي تظل أكثر إقناعًا بالنسبة لي من الثيمات الأمريكية والعصاباتية البريطانية. مع تغيّر البيت من الشعبي إلى الدريل يتقمص موسى شخصية معظم رابرز السين، فتظهر السيارات والبراندات وشلة الرابر في الخلفية وحركة المدفع باليدين؛ ليظهر الفارق بين العفوية والتمثيل.

يزداد التراك حماسًا بألحان جلبة، التي أخذت طابعًا ملحميًا بفضل كوردات السنث المتسللة والتي ترافق السنث بادز، ثم يصل إلى قمة جاذبيته مع دخول السمسمية بشكل متشابك مع الإيقاع الخافت حتى بلوغ الدروب، فينفجر التراك. يتلوّن التراك للمرة الثالثة عند نهايته ومع دخول سولو كيبورد الناي كي يعود جلبة إلى ما يتقنه وأصوله كعازف كيبورد، ويجد حلقة وصل بين الشعبي والدريل. 

التراك منتج بعناية وغني بطبقاته اللحنية والإيقاعية، لكن تأتي النقلة بين الشعبي والدريل مفاجئة وحادة الحواف، غير مترابطة من حيث إيجاد علاقة بين سرعة الإيقاع أو تواجد أي عناصر أخرى تعشّق الجزئين في بعضهما، لكن جماليات التراك التي ذكرتها تطغى على ذلك فيبقى الأثر النهائي: تراك وفيديو ضارب يعكس مهارة مخرجه محمد مغربي، ونجاح موسى من حيث اختياره الفني وتخيير المشاهد بين عالمين متباينين يتقن كليهما بالفعل.