قرع الرَّجوج | عن الموسيقى التصويرية لأفلام الثورة

أدى اعتياد بُنى وأصوات معينة في الموسيقات التصويرية إلى اعتبارها في كثيرٍ من الأحيان عنصرًا تجاريًا لا فنيًا. لكن هناك دومًا من يتمردون على السائد، وهناك من يتمردون داخله، بحسب مرونة المنتجين. هذه ستة أفلام تحدثت عن الثورة، وكشفت موسيقاها التصويرية عن الحيل والأنماط السائدة في هذه الأفلام، التي يلتزم بها المؤلفون أو يتصرفون بها أو يتمردون عليها.

بيفور نايت فولز | كارتر بورويل

مشيرًا إلى اختلاف المجال الإبداعي لمخرج هذا الفيلم، الرسام جوليان شنابل، يقول المؤلف الأمريكي كارتر بُروِل المعروف بموسيقاه المسرحية وتاريخه مع الأخوين كوين:

“كان اهتمام جوليان مختلفًا فيما يتعلق بعملية التأليف. مثلما يقوم الرسام بقلب لوحة من لوحاته رأسًا على عقب بهدف الحكم على هذه المادة، كان يطلب مني جوليان أن أعزف الموسيقى عكسيًا، أو أن أقلبها بطريقةٍ ما رأسًا على عقب؛ الشيء الذي لم يكن ممكنًا دائمًا. لكن استطعت أن أفهم أنه أراد التأكد من أنني لم أجلب مادة محددة مسبقة إلى هذا المشروع، وحاولت أن أقدّر وأحترم هذا قدر المستطاع.”

تعمَّق بُوروِل في الموسيقى الكوبية، التي هي مزيج من الموسيقى الأفريقية والإسبانية والمحلية. رغم هذا التعمّق تجنّب الاستعارة المستمرة لثيمات الموسيقى الكوبية في عمله، فنراها في حالات قليلة مثل مقطوعة تريز هاف أ لايف. يتركز دور بُروِل في الفيلم على عزف الشعر أكثر من عزف المكان والزمان والقصة، على جعل الموسيقى تجسّد الصراع الفني للشاعر رينالدو أريناس، أكثر من تركيزها على نضاله المادي والجسدي. لعلّ أنجح العناصر لفيلم يتحدث عن الثورة في كوبا من خلال سرد قصة الشاعر رينالدو، هي تلك التي يتلو فيها بارديم مقاطع نثرية وشعرية باللغة الأصلية للشاعر، مصحوبًا بموسيقى كارتر الأوركسترالية، التي اعتمدت في مجملها على البيانو والتشيلّو والقليل من الآلات النفخية، لتعزز الانخراط في الصورة الشعرية من جهة، والمشاهد المصوّرة من جهة أخرى.

بادر ماينهوف كومبلكس | بيتر هاندرثر وفلوريان تسلوف

عندما نتكلم عن الأفلام التي رصدت ونقلت الثورات الشعبية، يبرز دومًا هذا الفيلم الألماني الذي أثار جدلًا كبيرًا، ومُنع من العرض في بعض الدول. الفيلم من إخراج يولي آيدل، ومأخوذ عن كتاب الصحفي برند آيكنجر، الذي يتحدث عن الأحداث المريعة في ألمانيا بين ١٩٦٠ و١٩٧٠، وما يُعرف بالجيش الأحمر. شهدت البلاد حينها اعتصامات واحتجاجات واسعة لليسار ضد اليمين الغربي والإمبريالية.

عمل مؤلفا العمل، الثنائي بيتر هندرثر وفلوريان تسلوف، مع فرقة بوب برلين الأوركسترالية، على إيجاد نمط موسيقي يحاكي التوتر والأكشن المرسوم في المشاهد. صيغت موسيقى كلاسيكية للمارش العسكري مع الافتتاح بالآلات الوترية، بالإضافة إلى الحركة الأوركسترالية التقليدية (بطيئة – نشطة – سريعة) في مشاهد المطاردة والاحتجاج؛ حيث تدخل الآلات النفخية لتضعنا في الجو العام بحركة بطيئة تمهيدًا للحدث القادم، ثم ما تلبث أن تدخل الآلات الوترية لتسارع الأحداث، ومع ذروة الحدث تبدأ كامل الأوركسترا بالعزف على إيقاع المارش العسكري. مع النهاية تأخذ الموسيقى بالتباطؤ من جديد معلنةً ختام الحدث والعودة إلى مجرى القصة الأساسية.

بالإضافة إلى تأليفهما عدة أغانٍ للفيلم، استعان الثنائي بأغانٍ من الستينات لـ جانس جوبلن وبوب ديلان، والتي حملت روحًا متماشية مع طبيعة الفيلم. اختار المؤلفان أغنية مرسيدس بنز لـ جانيس جوبلن كافتتاحية العمل، للإشارة إلى الثقافة الغربية الاستهلاكية، التي ترى السعادة والحياة في السيارات الفارهة والشاشات الكبيرة، حيث تطلب جوبلن من الله أن يثبت حبه لها بأن يشتري لها سيارة مرسيدس بنز. فيما استخدم المؤلفان أغنية ديلان، بلوينج إن ذ ويند، في مشهد الختام، لدى عرض مشاهد من الوثائقي الذي أُخذت منه أحداث الفيلم. بسؤال: “كم طريقٍ يجب على الإنسان أن يسلكه قبل أن يسمى إنسانًا؟” ختم المؤلفان العمل بمزاوجة الأغنية مع مشهد لحملة اعتقالات طالت أعضاء الجيش الأحمر.

ذ ويند ذات شايكس ذ بارلي | جورج فِنتون

قام جورج فِنتون بتأليف موسيقى ١٦ فيلم للمخرج كِن لوتش، منها لاند آند فريدوم وذَ نافيجايترز. عادةً ما تتميز تعاونات فِنتون ولوتش بطابع غامض وسوداوي، وتلعب موسيقى فِنتون دورًا أصغر مما تلعبه في أفلام أخرى. في حالة ذ ويند ذات شايكس ذ بارلي، تأتي الموسيقى الأوركسترالية حميمية وبسيطة، رغم وجود قدر من التوتر والآكشن على نحوٍ لم نعتد عليه في أفلام لوتش.

يروي الفيلم قصة حركة الجمهوريين في أوائل القرن العشرين في أيرلندا، قبل أن تنقسم البلاد داخليًا إلى شمال وجنوب، بين مؤيدٍ للكفاح المسلح ضد بريطانيا ومعارضٍ له، وما تلا هذه الانقسامات من أحداث دامية. تحتوي الثيمة الأساسية التي استخدمها فِنتون على روح الإيقاعات الأيرلندية، التي تمتاز بالخفة والسرعة والمرونة، واستخدام الآلات النقرية بالإضافة إلى مزمار القربة، كما نسمع خلفية صوتية مستمرة للآلات الوترية، وأرضية ناعمة ومكتومة للآلات النفخية.

أما موسيقى لحظات الآكشن، مثل مقطوعة آمبُش، فتقاد بالإيقاع والبيانو، وتتمحور حول وجود الإيقاع المحسّن الطاغي على العناصر الأخرى. يجري تلطيف هذا الرتم ببعض المقطوعات ذات الطابع الرثائي، مثل كريس آرّستد، التي بدت وكأنها تردد صدى الأحداث التراجيدية التي حلّت على البلاد.

ذ برث أُف أ نايشن | هنري جاكمان

يتحدث هذا الفيلم، المأخوذ عن قصة لـ نات ترنر، عن رجل أسود يقود ثورة ضد العبودية في فيرجينيا في الجنوب الأميركي، محاولًا محي الميراث العنصري الذي ارتبط بالفيلم الأمريكي صاحب الاسم نفسه، والصادر عام ١٩١٥، الذي يُعرف للمفارقة بين كونه فيلمًا عنصريًا مستفزًا، وكونه فنيًا أحد المعالم الكلاسيكية المبكرة للسينما الأمريكية والعالمية.

الموسيقى من تأليف هنري جاكمان غزير الإنتاج، والمعروف بموسيقاه للرسوم المتحركة، ولأفلام مأخوذة عن القصص المصوّرة أكثر من الدراما الحيّة. لذلك هذا الفيلم ليس من أعمال جاكمان النموذجية، إذ يظهر المؤلف هنا بأسلوبٍ قاتم يمزج بين مجموعة أنماط متباينة. هناك قرع عسكري ثقيل على الطبل ذو الوتر (سنير)، إضافة الى دراما أوركسترا الغرفة التي عزفت العلامات المنخفضة من مفاتيح البيانو والأكورديون لإضفاء جوّ ملحمي، مع إيقاع وأصوات مستوحاة من جنوب أفريقيا، كالسيلوفون الخشبي والدجمباي (من أنواع الطبول الإفريقية).

قد لا ينجح هذا المزج فعلًا في خلق وحدة متكاملة، لكنه يدخلك بطريقة أو بأخرى إلى عوالم الفيلم، ويشدّ انتباهك بغرائبيته. أفضل مثال على ذلك المقطوعة الأطول من ست دقائق، أُن تو جوروسالم، حيث تفتتح الوتريات ببطء قبل انضمام الجوقة بصوتها الملهم، يتبعها التشيلّو المنفرد بلحن مؤثر، ثم يتسع قسم الوتريات، وتعود الجوقة إلى ما يشبه القداس، قبل أن يضرب الإيقاع الأفريقي فجأةً ويمنح المقطوعة طاقة الدفع التي تحتاجها.

المشكلة مع الكثير من الموسيقى المتبقية في الألبوم أنها تمر دون وقتٍ كافٍ لخلق انطباع، فالمقطوعات قصيرة (١٧ من أصل ٢١ تلعب لمدة أقل من دقيقتين): من بيانو رقيق أو لحن تشيلّو مع الجيتار ومجموعة صغيرة من الوتريات، إلى نوبة عاطفية قصيرة من القرع أو الأصوات، إلى قطعة حزينة وبطيئة من التراجيديا. من المؤكد أن من النقاط البارزة أيضًا القطع الأكثر روحانية، إذ لا يمكن إغفال الصوت الناعم للأنثى في ماتريموني، كما بإمكاننا سماع روح حقيقية في تشِري آن. من الممتع سماع جاكمان وهو يظهر جانبًا مختلفًا من شخصيته كمؤلف.

دانتون | جان برودروميدس

أنهى الملحن جان برودروميدس مسيرته مع فيلم دانتون الصادر عام ١٩٨٣. الفيلم من إخراج أندريه وجدا، ومقتبس عن مسرحية بولندية تهتم بالصراع السياسي بين شخصيتين، دانتون وروبيسبير، خلال الثورة الفرنسية. سُجلت موسيقى الفيلم مع أوركسترا بولندية من ٨٠ آلة وجوقة من ٤٠ مغني. يتخذ العمل نهجًا جذريًا بعودته إلى موسيقى المؤلفين البولنديين التجريبيين العظماء، مثل ليجيتي ولوتسلاوسكي وبنديريشكي، ما يُضيف إلى صعوبة موسيقى جان برودروميدس المتأثرة باللامقامية (طريقة في التأليف لا تتبع القوانين الهارمونية).

ساعد استخدام الجليساندي (الانزلاق بين العلامات) والميكروتون (البعد بين العلامات في نطاق أقل من نصف تون)، مع مزيج أصوات الأوركسترا والجوقة وأصوات تمرد الجماهير الفرنسية، في إضفاء طابعٍ تشاؤمي على الحدث؛ ما يدخل المشاهد في الرعب الحاصل في تلك الفترة، ويجعل تجربة الاستماع مزعجة وفريدة في آن.

جوينت سيكيوريتي آريا | جو يونج ووك  وبانج جون سوك

يتحدث الفيلم عن جريمة قتل لجندي كوري جنوبي، أدّت الى حدوث حرب بين الكوريتَين تكبّدت من جرّائها البلَدان خسائر فادحة.

يقول مخرج العمل بارك شان ووك: “اكتشفت مبكرًا، ولأنني موسيقي، أن الموسيقى التصويرية الجيدة يمكنها المساعدة في التأثير على الجمهور ونقلهم إلى مكان آخر؛ وعلى العكس من أفلامي السابقة، لم أكلف بعض المؤلفين لصنع الموسيقى وحسب، في هذا الفيلم عملت [بنفسي] على بعض أغاني الفولك [الشعبية] والبوب.”

كانت النتيجة النهائية موسيقى تصويرية غير اعتيادية، تمزج بين الآلات المحلية والأغاني الكورية، مع بعض الاستعارات من أفلام هوليوود، أغاني الفولك المعاصرة، وحتى بعض النغمات الروسية.

يبدأ الفيلم بمقطوعة جوينت سيكيوريتي آيريا، التي تؤسس مزاج الفيلم بأصواتها التشاؤمية الغامضة وصوت الغناء الحزين في الخلفيّة. الأغنية التالية جميلة ونوستالجية، من تأليف كيم كوانج سوك المعروف في كوريا بنقاوة صوته وجيتاره الأكوستيك وعزف الهارمونيكا. يعطي صوت كوانج سوك للأغنية جماليةً خاصّة، تصاحبها فرحة مشاهدتنا للقاء الأصدقاء العسكريين الأربعة في الفيلم.

تذكرنا عدة أغانٍ بموسيقى الكانتري والفولك، وما يرافقها من أجراس وطبول، بالإضافة إلى موسيقى متقلبة المزاج تُعزف بين الحين والآخر على الفلوت والبيانو والوتريات، لتخلق انطباعًا عن تقلبات الأحداث التي حصلت؛ حيث تتصاعد في لحظة وتهبط في لحظات أخرى، دون أن تنقطع.

Leave a Reply