آي دونت رَن | هايندز

كتابةعمار منلا حسن - مايو/أيار 3, 2018

تخلق فرقة هايندز في ألبومها الثاني وثائقيًا مهووسًا، أربعون دقيقة تدور حول لحظة خاطفة، اللحظة التي ينتابنا فيها قلق عابر، يتطور لاحقًا ليصبح إدراكًا بأننا لم نعد شبابًا يافعين بقدر ما كنّا خلال الأعوام الماضية. اللحظة التي يلاحظ فيها أحدنا أن التجاعيد التي تحاصر عينيه عند الضحك لا تزول جميعها بعده. يغوص الألبوم في هذه اللحظة وتبعاتها، الحياة التي أدت إليها وتلك التي ستلد منها، يصفها بقاموسٍ هزيل واختزالٍ يكاد يكون مُخلًا، بأسطر جيتار تبدو كأنها وليدة إقامة إبداعية في نادٍ ليلي من قبل عام ٢٠٠٠، وبجودة تسجيلية مهترئة لكن تعرف لحظات صفاءٍ مباغتة – سنة الحياة تحل ككابوسٍ مشوش على شلة من الرواد المنتظمين لأحد النوادي الليلية.

في ٢٠١١، شكلت المغنيتان وعازفتا الجيتار كارلوتا كوسيالس وآنا بِرّوتِه (لو أردتم لفظ اسم آنا الأخير بدقة، وهو لفظ يستحيل محاكاته بأحرف عربية، عليكم بالثانية العشرين من فيديو فاينالي فلوتنج) الثنائي ديرز، الذي انفصل لعامٍ ونصف ثم عاد في ٢٠١٤ وبدأ بالتوسع حتى انتهى بفرقة من أربعة موسيقيات، جميعهنّ من مدريد، غيرنّ اسم الفرقة إلى هايندز بعد مشاكل قانونية مع الفرقة الأمريكية، ذ ديرز. أصدرت هايندز ألبومها الأوَّل ليڨ مي آلون عام ٢٠١٦، كوكتيل عالِ الطاقة ولاسع الصوت ومنخفض الجودة التسجيلية من البَنك والسيرف روك، يببدو كمذكرات متفائلة بفعل الكحول لكل قصة حدثت على مدى أسبوع في نادٍ ليلي لم يعلن ولاءه للموسيقى الإلكترونية بعد.

في ملامحه الأساسية، لا يبدو صوت الفرقة في آي دونت رَن، والصادر في أول أسبوع من نيسان / أبريل الجاري، قد تغير علينا كثيرًا عمَّا كان عليه في الألبوم الأوَّل. وصلات السيرف روك الملونة على الجيتار، تأثير الفَزبُكس Fuzzbox الذي يضاعف حس الفتوة والطيش في صوتي آنا وكارلوتا، ولازمات سهلة على الأذن تشعرنا باستمرار أننا سمعناها من قبل دون أن نعرف أين بالضبط. لكن عند تدقيق النظر في هذه الملامح، تبدأ التجاعيد بالظهور. الليلة لا تزال في أولها، لكن الشباب لم يعد كذلك.

تحمل أولى أغاني الألبوم اسمًا ومكانًا ملائمين للبداية، ذ كلَب، التي تقول كوسيالس إنهنَ كتبنَها في لحظة يشعر فيها الإنسان بـ “أنه لا ينتمي إلى أي مكان على التحديد، ويحاول التمسك بأي شيء.” نسمع هذه الميلانكوليا في الجيتار اللازمة. لحظة الصفاء الكئيبة، التي تختفي بسرعة ظهورها لكنها تعشش في اللاوعي، أُتبعت بملامح النضج الأولى، وبحث عن إمكانية الحياة خارج النادي، الذي هو هنا رمز لأسلوب حياة خالِ البال ومفعم بالصبى: “أريد أن أريك أنه من الكوول أن ينضج الإنسان / أريد أن أرى لو كانت ساعتك لا تزال تتك خارج النادي.”

إعلان

تفضِّل الفرقة المباشَرة على المجاز في الأغنية الثانية، حيث يغدو الانتقال حرفيًا من النادي (ذ كلب، اسم الأغنية الأولى) إلى أرض الصحيان (سوبرلاند Sober land، اسم الأغنية الثانية)، بينما تعلن أولى جمل الأغنية: “روق، لا حرج بأن تتصرف بشكل يتفق مع عمرك.” وتلحقها إيقاعات أبطأ وأكثر تركيزًا مما اعتدناه من هايندز. في الأغنية الثالثة ليندا، ذات الإيقاع المتمهل والتجاعيد الجمالية، تغرق الكلمات بتأمل حالم بعلاقات متخيلة أطول أمدًا، تبدو كرؤوس لخيوط الاستقرار وقضاء المزيد من الوقت في المنزل.

لكن الألبوم لا يخلو من عصفات غامرة من الإنكار. تبالغ نيو فور يو مثلًا بتمثلها لجماليات الشباب والمشاكسة، فتحاول أن تقنعنا بأن التجاعيد ناتجة من كثرة الضحك ليس إلًا. سطر الجيتار الإيقاعي الراقص الذي يتكرر على طول الأغنية كحلقة، صرخات كارلوتا المفرطة بولدنتها، الغناء الجماعي الذي يسهل مصاحبته والانضمام إليه بالغناء، انتهاءً بالفيديو الذي تبدو فيه عضوات الفرقة، لو لم ندقق النظر خلال المشاهد المتقلبة بسرعة، كطالبات مدرسة منهمكات بلعب الكرة والرقص والمرح. كلمات الأغنية تتبنى الإنكار من زاوية مختلفة، تصف رغبة جائعة للتغير واختبار حياة جديدة وشخصية جديدة ونسخة أفضل من الذات، وكأنها تقول: “من كان يدري؟ ربما النضج هو أمتع مرحلة في الحياة حقًا!”

تستمر الأغاني بالانحياز إلى التصالح مع النضج تارةً وإنكاره تارةً أخرى. تقدم تو ذ مورنينج لايت إحدى أفضل لحظات الألبوم إذ تجمع العقليتين في آن، بسطر بايس ثقيل قاتم مقابل أسطر جيتار متخففة مبهرجة، وكلمات تجمع الكوابيس بضوء الفجر. بينما تصف فاينالي فلوتنج محاولة هروب من قلق النضج إلى الانهماك في النادي، ثم فشل محاولة الهرب والانتهاء برغبة أكثر صفاءً للانسجام مع سنّة الحياة: “لأنني لو استيقظت أشعر بالحنق مرةً بعد / لأنني لو استيقظت أشعر بالغثيان مرةً بعد / سأكون شخصًا يقاسي الوحدة مرةً بعد.”

يقفل الألبوم بهدية مفاجئة، أغنية ما نوي المكتوبة بالإسبانية والإنكليزية، والمسجلة بجيتارات هوائية فوق خلفية تسجيلات ميدانية لأصوات عصافير وقت الفجر. تمنحنا الأغنية الخلاصة الفاخرة لصوت هايندز، المزاج المعقد المبسط الذي لا يقوى سواهم على نسجه، منسابًا بتدفق ثلاثي دافئ، كصورة تظهر التجاعيد بشكلٍ جميل لدرجة تدفعنا لانتظار ظهورها باستعجال.

كان تسجيل وإنتاج وهندسة ألبوم بهذا المزاج والتعقيد ليكون تحديًا شاقًا، يحوِّل الألبوم إلى حقل ألغام لا يمكن إلا أن يفجر بعضها هنا وهناك. لكن الاسمان اللذان تصديا لهذه المهمة لهما سمعة عتيدة أن الألغام تخشى الانفجار تحت أقدامهم: المنتج جوردن رافايل الذي تعرّف على فرقة ذ ستروكس في أواخر التسعينات، ودعاهم إلى استوديو القبو الخاص به كي يسجل وينتج أعمالهم الأولى، وانتهى ذلك بشريطهم القصير وألبوميهم الطويلين الأولين، أحدهما ألبوم Is This It الكلاسيكي، والذي لا يزال يعده العديد من النقاد أفضل ألبوم روك في القرن الحادي والعشرين حتى اليوم؛ والمهندس الصوتي شون إفرِت، الذي هندس وأنتج عدة ألبومات، من طغيان (الذي نعتبره ثاني أفضل ألبوم روك بعد إز ذس إت) إلى نو شايب وديبر آندرستاندنج.

مارس جوردن هوايته هنا في إيجاد التوازنات المثالية بين التشويش والصفاء، عرف كيف يخفض جودة الأصوات إلى الدرجة الملائمة بالضبط، ومنح كل آلة وصوت تشويشه وخشّته الخاصة به، ما نفخ في الألبوم روحه الإنتاجية وأكسبه الشخصية التي ارتدت الأغاني كملامح وتفاصيل. تولى إفرت بعد ذلك هندسة الصوت، مصممًا طبقات ومساحات الصوت ومسارات التنقل والتبادل بينهم، لتكتسب أصوات الألبوم ديناميكية رقصة جماعية أدائية، تنتهي بأغنية ما نوي متقنة المزج وكأنها انحناءة تحية الجمهور في آخر الرقصة.

عندما نحاول الحديث عن الموسيقى نسقط عليها العديد من صفاتنا، نقول إن الموسيقى تتمهل، تتعثر، تتثاءب، ونقول إن الموسيقى تنضج. في ألبوم هايندز الثاني، تضيع حدود هذا المجاز الأخير، إذ تنضج الفرقة وتنضج موسيقاها. يبدو أن الفرقة قد تصالحت مع النضج في نهاية المطاف، إذ يوحي بذلك عنوان الألبوم (إما التوقف عن الهرب، أو التوقف عن الركض بمعنى لحاق إيقاع الحياة السريع). أما بالنسبة للموسيقى، فلا يوجد قلق إزاء النضج هنا: من الواضح أن التجاعيد أظهرت فيها جمالًا عميقًا لم نكن قد رأيناه من قبل.

إعلان
 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply