للفخامات مقامات | ١٨ تسجيل من حلب

كتابةهيا المويل - إبريل/نيسان 11, 2018

في حقبة امتدت حتى منتصف القرن التاسع عشر كانت حلب مدينة عالمية، تعرضت أسماع أبنائها لموسيقات مختلفة، فتقبلوها، اشتغلوا عليها وأضافوا لها ما في قلوبهم من شغف ومافي تراثهم من سمع. كانت نتيجة ذلك مزيج اسمه الطرب الحلبي. في ١٩٤٩ افتتحت إذاعة حلب التي لعبت دورًا محوريًا في تطوير الطرب الحلبي بما ضمت من أساتذة وخبراء موسيقيين أشرفوا على ما تقدمه من طرب، حتى أضحى طربًا لا يستطيع سامع مقاومته.

موشح يمر عجبًا | عمر البطش

لكل شيء ثمنه، قرص الكبة بموشح، والمحشية بدور هكذا بهذه الدسامة والجمال والمتعة كانت تساوي فنون عمر البطش، ومن تذوق الطبخ الحلبي يعلم أن هذا ليس بالقليل. يمكننا وضع البطش ليس ضمن فئة المطربين الحلبيين فحسب، بل ضمن أعلامها وروادها كما فعل صميم الشريف في كتابه الموسيقى في سورية. تعددت مواهبه والجوانب التي قدم فيها، حتى يكاد لا يمر اسم لمطرب أو منشد حلبي دون أن تجد عمر البطش بين الأسماء التي تعلم منها وأخذ عنها. تعلم على يد كبار أساتذة حلب ومن أبرزهم أحمد عقيل، وأخذ عنهم فن الموشحات ورقص السماح، حتى أصبح ضليعًا بهذين الفنين مطورًا فيهما. مثلًا، عدّل في موشحات سيد درويش وأضاف عليها الخانات الخانة، أما بالنسبة لرقص السماح فهذبه بحيث أصبح طول الوصلة ساعة تقريبًا بعد أن كانت تمتد لساعتين، وقال عنه قدري دلال أيضًا أنه ” كـان يرسم حركـة الرقص وتشكيلات الراقصين، ثم يبدو له أنـه ما من موشح يليق بها, فيلحن موشحاً خاصاً لها إمعاناً منه في التحدي، الذي لا يبلغه إلا العبقري الفذ”، لكن أبرز ما قام به البطش، وهو الشيء الذي هاجمه بسببه علماء الدين في سورية هو أنه أول من قدم عرضًا لرقص السماح يتضمن فتيات، كان ذلك في معهد دوحة الأدب في دمشق، عام ١٩٤٧.

(الموشح المذكور من ألحان عمر البطش)

تقاسيم بياتي على الناي | علي الدرويش

من أعلام ورواد حلب أيضًا الأستاذ الموسيقي والملحن الشيخ علي الدرويش، الذي تعلم على يدي الأستاذ التركي عثمان بك ثم تابع علومه على يدي الموسيقي اليوناني مهران السلانيكي، كما تعلم الناي على يدي الموسيقار التركي شرف الدين بك. عمل علي الدرويش في التكية المولوية “كرئيس لجماعة الموسيقيين والمنشدين الذين كانوا يحيون حفلات الطريقة المولوية الصوفية في القاعات الخاصة بالتكايا المولوية” صميم الشريف-أعلام الموسيقى في سورية. درس المؤلفات العربية والتركية كما اطلع على الموسيقتين الفارسية والهندية أثناء أسفاره الكثيرة، والتي كان من ضمنها أيضًا سفره إلى مصر حيث درّس حينًا في معهد الموسيقى الشرقي وتعلم على يديه كبار الملحنين أمثال رياض السنباطي.

 

وحقك أنت المنى والطلب | أحمد الفقش

مطرب حلبي تعلم الموشحات والأدوار على يد عبد الرزاق عقيلي. سجل أسطوانات في حلب لشركة أوديون، ثم بدأ بالعمل على مسارح حلب. عين أستاذًا لتعليم الموشحات الشاذلية لكورس الإذاعة السورية الإضافية.

توشيح ذكر النبي بلسم | صالح المحبك

تلميذ أحمد الأوبري في نادي التمثيل والموسيقى، ثم الموسيقي الأرمني نلبنديان الذي أخذ عنه علوم الموسيقى الغربية والصولفيج، ثم علي الدرويش، ثم درويش الحريري في مصر حيث تعلم على يديه القراءات السبع. مطرب وعازف عود، أخذ فاصل رقص السماح الجديد عن عمر البطش. آخر أعماله التدريس في معهد الموسيقى الشرقية حتى وافته المنية.

دور أصل الغرام نظرة | أسعد سالم

تلميذ آخر من تلاميذ البطش والدرويش وأحمد الفقش، تعلم الموشحات والأدوار والقصائد، وأبدع فيهم، لكنه رفض التجديد فلم يؤدي المونولوج. له تسجيلات قليلة في إذاعة حلب، وتسجيل في إذاعة دمشق لدور أصل الغرام نظرة الصعب الأداء.

سهرة موشحات | عبد القادر الحجار

أحد الأصوات المميزة في حلب، تلميذ عمر البطش الذي علمه رقص السماح واهتم به وضمه في فرقته، وبعد وفاته أنشأ الحجار فرق موسيقية لحفظ تراث البطش أقامت عدة حفلات في حلب.

نويت أسيبك | كميل شمبير

مؤلف وعازف عود وبيانو ذو حياة قصيرة وتأثير كبير. تلقى علوم الموسيقى الشرقية والغربية، وفي بداية القرن العشرين، حين كانت الضغوط الاجتماعية تضيّق على الحياة الفنية كما يذكر صميم الشريف، كان كميل من ضمن من خرجوا من البلاد متجهًا إلى إيطاليا ثم مصر حيث أقام فيها سبع سنوات. تعددت إنجازاته خلال المدة التي أقام فيها في مصر، من ضمنها أنه ترأس فرقة نجيب الريحاني وأمين عطا الله وكتب لمسرحهم عددًا من الأوبريتات. نويت أسيبك التي رشحها سعد الله آغا القلعة لتكون ضمن أفضل مئة أغنية عربية هي من ألحانه أثناء فترة إقامته في مصر، قبل أن يعود لمسقط رأسه حلب ويستقر فيها.

سماعي السلطاني يكاه | توفيق الصباغ

من أعلام الموسيقى الذين هاجروا بدايات القرن العشرين أيضًا إلى مصر والسودان لكنه ما لبث أن عاد إلى حلب بعد تسع سنوات من غيابه عنها، ثم انتقل إلى دمشق بعد الحرب السورية الكبرى وأسس فيها مع فخري البارودي النادي الموسيقي الشرقي السوري، كذلك افتتح أول نقابة موسيقية قبل أن يقوم الفرنسيون بإغلاقها 'أغلقها الفرنسيون أسوة بالأندية الأخرى التي كانت تنشط وطنيًا أسوة بالعمل الفني' صميم الشريف في كتابه أعلام الموسيقى في سورية. يعتبره الكثيرون من أعلام الموسيقى أنه ملك الكمان، وأنه يتقدم على سامي الشوا عزفًا وعلمًا موسيقيًا، إلا أنه لم يحظَ بشهرته.

جلسة خاصة | بكري الكردي

على الرغم من أنه ولد في منطقة جسر الشغور التابعة لمحافظة إدلب، إلا أنه انتقل بعد فترة من ولادته إلى حلب وتتلمذ على أيدي منشديها ومطربيها حتى اعتُبر مطربًا ومنشدًا حلبيًا، ناهيك عن أنه عمل كمؤذن في أكبر جوامعها مثل الجامع الأموي، ثم أصبح أحد أعضاء الفرقة الفنية في إذاعة حلب. ألف الكثير من الألحان لكبار المطربين أشهرها ابعت لي جواب التي لحنت لصبري مدلل وكان أول من غناها.

موشّح | نديم الدرويش

هو ابن الشيخ علي الدرويش وتلميذه النجيب، تعلم منه العزف على العود وصاحبه إلى التكايا المولوية حتى تعلم الإنشاد الديني، ثم درس على يدي عمر البطش تلحين الموشح والقصيدة والدور المصري بالإضافة لإيقاعات الموشحات والقدود. أما عن المطربين الذين علمهم فمنهم صباح فخري، إذ علمه العود وألف بعض الألحان التي غناها فيما بعد مثل قصيدة أدعوك يارب، أو بدت لنا في طالع الإسعاد، أو يا غصنًا مال مع النسيم.

أفدي التي | أديب الدايخ

هو محمد أديب الدايخ أحد منشدي حلب ومغنيها، تتلمذ على يدي والده محمد الدايخ أحد مقرئي حلب، وتعلم عنه القراءات السبعة للقرآن. ولع بالقصائد والأشعار حتى حفظ منها عشرة آلاف بيت من مختلف العصور، ضمها في مجموعة أسماها الكنز الكبير.على الرغم مما يهيج صوته (الذي يقال بأنه يصل لثلاثة أوكتافات) من مواجع داخلنا، إلا أننا لا نستطيع عند سماعه إلا الاستمتاع بمس الألم عند كل منعطف بين مقام ومقام.

موالات سبعاوية | حسن الحفار

في إحدى الأعراس الحلبية أوائل الثمانينات، والذي أقيم في خان الشونة أمام قلعة حلب، التف حضور العرس حول فرقة إنشاد حلبية، في مقدمتهم شلة السميعة كما يعرفون في حلب. خلال الاحتفال قام أحد الكبارية (كبار السن) بعمر الثمانين تقريبًا مؤديًا الرقص الحلبي على الإيقاع الساري بدقة واحترافية، حاول مشاركته بعض الشباب إلا أن شلة السميعة منعوهم من الرقص وصرخوا بهم: “اقعود ولك، تضرب منك الو”، ربما ظن الشباب أن رقص الرجل المسن جاء عن غير دراية وعفو الخاطر. كان الملك في هذا الحفل الكبير على قدر الجمال المتاح اسمه حسن الحفار، أحد أهم منشدي حلب، وأقدر الأصوات التي غنت المواويل السبعاوية. ابن الزوايا الحلبية بداية من زاوية الحفار التي كانت لعائلته مرورًا بالزاوية الهلالية والزاوية البادنجكية. عمل بفرقة ضمت عدد من كبار مطربي حلب أمثال صبري مدلل وعمر الدربي.

وصلة طرب | صبري مدلل

تلميذ ثلاثة من أساطير حلب هم عمر البطش، أحمد الفقش، وأسعد سالم. بداياته كانت كمؤذن في إحدى جوامع حلب، إذ يذكر في مقابلة معه أن مهنة المؤذن كانت يومًا ما مهنة لا يُستهان بها لما تتطلب من المؤذن من قدرة على الأداء وصوت جميل. هو أول من لُحنت له أغنية ابعت لي جواب على يدي بكري الكردي، التي غناها أثناء عمله في إذاعة حلب والذي لم يستمر به، وأنشأ بعده فرقة للإنشاد الديني.

تقاسيم | قدري دلال

اسمه محمد قدري دلال، أحد أقدر عازفي العود في حلب وخارجها، وأحد مؤسسي فرقة الكندي التي دارت العالم وكان يغني فيها كبار المطربين مثل صبري مدلل، والذي يبدو تأثيره الكبير على قدري دلال إذ ألف عنه كتابه الذي يُعد من أهم المراجع عن صبري مدلل “شيخ المطربين صبري مدلل” ، كما ألف كتابًا شاملًا آخر عن حياة عمر البطش وفنونه. يقيم قدري دلال حاليًا في الإسكندرية ويعمل مدرسًا في معهد موسيقى الاسكندرية.

موال شرقاوي | محمد خيري

قليلة هي، وبشكل غريب، المصادر التي تتحدث عن محمد خيري، رغم التسجيلات الكثيرة المتوفرة بصوته، ربما نعزو ذلك لأسباب عدة أولها تحفظ أولاده الكبير على تاريخه وعن ذكر المعلومات عنه، وثانيها حياته نفسها التي قيل فيها الكثير، منها أنه ضيعها في الشرب حتى توفي بسببه، ومنها أنه توفي في حمص بعد اعتداء عليه من قبل شبيحة الأسد، بعد أن طالبهم بحسن الاستماع، اعتداء لم يستطع احتماله فتوفي جراءه بسكتة قلبية، وهو المرجح، إذ ليس مستبعدًا على النظام الحاكم في سورية أن يتهم كل ضحاياه بالفوضى والمجون حتى يبرئ نفسه.

وإذا كان ولا بد اتصفت حياته بذلك، فهو ليس الوحيد بين زملائه، لكن طريقة تغييبه والتركيز على حياته الفوضوية مريبة جدًا. هو تلميذ أحمد الفقش وبكري الكردي، وأحد أول المطربين الذين غنوا بدايات افتتاح التلفزيون السوري في دمشق إلى جانب زملائه صباح فخري ومصطفى ماهر. وهو أخيرًا “أب هيثم” ابن حلب المدلل الذي يميلون إليه ويفضلونه في سهراتهم التي يبتغون فيها تعباية الطاسة.

وصلة | مصطفى ماهر

على الرغم من أن مصطفى صابوني، المعروف بمصطفى ماهر هو أيضًا أحد أهم مطربي حلب وأكثرهم علمًا وثقافة، وأول من ظهر على التلفزيون السوري إلى جانب محمد خيري وصباح فخري، إلا أنه لم يحظَ شهرة تليق به. تتلمذ على يدي خاله عبد القادر الحجار. تعلم النوطة وكان أحد الذين اتكل عليهم علي الدرويش في حفظ النوبة الأندلسية وتسجيلها في إذاعة حلب حين جاء بها من تونس. بدأت شهرته تخفت بدءًا من أوائل الثمانينات وانتهى به الأمر بالمشاركة في حفلات المنشد حسن الحفار.

موشحات | عمر سرميني

تعلم من زوايا حلب وأذكارها الكثير، ورافق أباه على أكثرها، فيوم السبت في حلقة الذكر التي كانت تقام في منزل الشيخ أديب خضير ويؤمها مصطفى طراب وأديب الدايخ والقرقناوي، ويوم الأحد في جامع السفاحية حيث كان يستمع لصالح دهان والعتر وعبد القادر رديف، ثم يحضر مجلس الصلاة النارية بين صلاتي المغرب والعشاء، والتي كانت تتضمن مدائح وقصائد وتوشيحات في مدح النبي، أما يوم الاثنين ففي الذكر الذي كان يقام في جامع العثمانية، حيث يستمع لكبار المنشدين مثل عمر الدربي. وبعد أن أخذ من بيئته العلم الكثير، انتقل للتعلم في معهد حلب حيث تتلمذ على يدي نديم الدرويش، ثم انتقل لتعلم الصولفيج والعزف على العود على يدي محمد القصاص، ثم على يدي عبد الرحمن دلال الذي علم أيضًا كبار المطربين أمثال صباح فخري ومحمد خيري. عمر سرميني أحد أعضاء فرقة الكندي التي أسسها جوليان فايس وضمت كبار العازفين والمطربين العرب أمثال قدري دلال (عود)، زياد قاضي أمين (ناي)، عادل شمس الدين (رق)، وصبري مدلل (غناء).

يا مالكًا مني فؤادي | صفوان العابد

أول مرة سمعت بها صوت صفوان العابد كانت في مسلسل ربيع قرطبة بإحدى المشاهد، يظهر صوته في الخلفية مؤديًا قصيدة أيا لكِ نظرةً أودت بقلبي وغادر سمها قلبي جريحا، بأدائه السلس المتمكن ولغته الفصيحة ترك صوته بصمة واضحة في سمعي لا أخطئ تمييزها. هو ابن الغناء الصوفي كالكثير من مطربي حلب. شارك في فرقة الكورال الحلبية، والكثير من المهرجانات التي أقيمت في سورية.


المصادر

الموسيقى في سورية – أعلام وتاريخ، صميم الشريف.

أعلام الأدب والفن، أدهم الجندي.

عمر البطش، محمد قدري دلال.

مقامات المسرة، فيلم وثائقي عن حياة صبري مدلل، إخراج محمد ملص.

موقع سعد الله آغا القلعة،  www.agha-alkalaa.net

Leave a Reply