كيف نستمع إلى الإنترنت؟ | ثلاثة مداخل لفهم الآسمر

لو كان هناك موسيقى تصويريّة تصاحب الإنترنت، كيف ستكون؟ منذ بداية الألفيّة، بدأنا شيئًا فشيئًا بالتعامل مع شبكة الإنترنت وكأنّها كيان، يحل مشاكلًا ويتسبّب بأخرى. سواءٌ استخدمنا مصطلح الحياة الشبكيّة (web life) أو العضوية الفائقة (meta-organism) أو لم نستخدم أي مصطلح، صرنا أكثر وعيًا بهذا الكيان الذي يتشكّل من الإنترنت والأجهزة والأشخاص المتّصلين به، وبدأنا نبحث في ثقافة الإنترنت واقتصاده وأخلاقيّاته وديموقراطيّته.

حوالي العام ٢٠١٠، ظهر جنرا فيديوهات غرائبي على يوتيوب وتطوّر على نحوٍ ملفت، يمنحنا فرصةً لتحليل الإنترنت وفهمه انطلاقًا من الاستماع إليه.

ما هو الآسمر؟

يمثِّل الآسمر (ASMR) – يلفظ كلمة واحدة (آيسمار) أو أربعة أحرف منفصلة (إيه إس إم آر) – حالة الخدر التي تسري كرعشة من أسفل الرقبة وخلال الجسد، التي يختبرها بعض الأشخاص عندما يبلغون مرحلة من الاسترخاء، لا تختلف كثيرًا عمّا تترجمه قناة إم بي سي تو بكلمة قشعريرة.

قبل حوالي عشر سنوات، بدأ بعض اليوتيوبرز بالتجريب مع فيديوهات تحتوي على محفّزاتٍ سمعيّة وبصريّة، من شأنها دفع المشاهدين لاختبار حالة الآسمر، أو مساعدتهم على الاسترخاء والنوم. خلال وقتٍ قصير، بدأ الكثير من المشاهدين بالحديث عن كيف استسلموا للنوم خلال مشاهدة أحد الفيديوهات، وسرعان ما أصبح الآسمر جواب يوتيوب الرسمي للذين يعانون من الأرق. أدّى ذلك إلى انفتاح الآسمر على جمهور كبير، وظهر المزيد من اليوتيوبرز المختصين في هذا الجنرا الآخذ بالتشكّل على يوتيوب.

من الصعب القول بأنّ هناك فيديو آسمر نمطي. قد يكون طول الفيديو بضعة دقائق أو عدة ساعات، وقد يكون صوتيًا فقط أو بصريًا فقط أو الاثنين. في العموم، يخاطب اليوتيوبرز مشاهديهم بشكلٍ مباشر وبمفرداتٍ لطيفة، ويستخدمون أصوات نسيجية وطبيعيّة وهادئة، مثل النقر على الخشب أو الهمس أو رشّ الماء، ومحفّزات بصريّة كتحريك مصباح صغير.

نهاية (حروب) الصخب | مدخل صوتي

لفهم الصعود المباغت للآسمر، دعونا نلقي نظرة على السياق الذي أحاط بنشأته، تحديدًا فيما يخص الموسيقى والضجيج، بما أنّ الآسمر يبدو كندٍّ لهذين الاثنين.

في الثمانينات، وبفضل الإمكانيّات التقنيّة التي أتاحها السي دي كوسط توزيع للموسيقى، انفتحَ جدالٌ مستمرّ حول مستويات الصخب (compression ضغط وتضخيم الصوت) المتزايدة في البوب، وما يتسبب به ذلك من ضرر على جودة الموسيقى والمجال الصوتي (dynamic range) للتسجيلات. اكتسب هذا الجدل، الذي حمل اسم حروب الصخب، مزيدًا مع الزخم خلال السنوات العشر الأولى من الألفيّة، حين اشتدت هيمنة منتجي الصخب على البوب.

خلال بداية الألفينات أيضًا، كان هناك جدل آخر يتقدّم إلى الواجهة، يتعلّق بموسيقى الخلفيّة (background / piped music) التي يجري بثّها في الفضاءات العامّة، مثل المتاجر والمولات والمكتبات، وأحيانًا أماكن العمل. نظّم ناشطون في المملكة المتحدة حملةً بايب داون، وطالبوا بحظر أو تقنين استخدام موسيقى الخلفية في الفضاءات العامّة، مدّعين بأن هذه الموسيقى تتسبب بأضرار للصحّة الجسديّة والعقليّة، ومن شأنها أن تؤدّي إلى الإرهاق السمعي (listeners fatigue)، الذي يصاب به بعض الأشخاص نتيجة التعرّض المستمر لأصوات كالموسيقى أو البث الإذاعي، وكذلك التعرض للأصوات المخلوقة بشكل كهربائي أو عبر المحاكاة (soundstaging)، التي تتخلل الكثير من المحتوى الإذاعي والموسيقى المعاصرة.

صاحبت هذه الحملات صدورَ دراسات علميّة تعيد النظر في فائدة الاستماع إلى الموسيقى خلال العمل، أو بشكلٍ مستمر وغير طوعي في العموم، وتستكشف الآثار السلبيّة المحتملة لذلك. كما ازداد تركيز الصحافة على نشر مقالات حول فوائد البيئات ذات المنبّهات البصريّة والسمعيّة الطبيعيّة، التي تأقلم العقل البشري على معالجتها وفلترتها خلال تطوره، مقارنةً بالبيئات ذات المنبّهات الصناعيّة / الإلكترونيّة، والتي تضع العقل في حالة توجّس واستعداد، وتتسبّب بارتفاع مؤشّرات القلق والتوتّر.

في المقابل، يتعامل الآسمر بشكلٍ حصريّ مع الهمس والكلام الهادئ، والأصوات الطبيعيّة والنسيجيّة، والمنبهّات الخافتة والداكنة، فيما يقاطع الأصوات الإلكترونيّة والكهربائيّة، وينفر من الصخب السمعي أو البصري. قد يستخدم بعض منتجي الآسمر المحترفين درجات عالية من ضغط وتضخيم الصوت، كما يحدث في أغاني البوب، لكن الجزء الأكبر من اليوتيوبرز ما زالوا يكتفون بمستويات الضغط البسيطة التي تتضمنها مسجّلات الصوت والميكروفونات.

بعد تبلور الآسمر كجنرا في ٢٠١٠، بدأ بالتطوّر وفق مسارين مختلفين. من جهة، استمرّ الآسمر بالنمو كجنرا سمعي / بصري. بحلول عام ٢٠١٦، كان هناك حوالي ٥٫٢ مليون فيديو آسمر على يوتيوب وحده. بدأت قنوات بعض منتجي الآسمر، الذين لقبوا أنفسهم بفناني الآسمر (ASMRtists)، بتجاوز عتبة المليون متابع، وبات مألوفًا أن تحقق بعض فيديوهاتهم عشرات ملايين المشاهدات. تمدّد المنتجون خارج حدود يوتيوب، إذ غدا محتوى الآسمر السمعي متاحًا بشكلٍ واسع على منصّات بث الموسيقى، وخصص سبوتيفاي مؤخرًا تصنيفًا للآسمر بصفته جنرا قائمًا بذاته.

من ناحية أخرى، تحوّل الآسمر إلى موجة أسلوبيّة امتدت خارج حدود الجنرا. في البداية، ظهرت فيديوهات من جنرات أخرى على يوتيوب تستخدم أسلوب الآسمر في تسجيل الصوت وأسلوب مخاطبة الجمهور، مثل مسابقات الأكل (mukbang) ومراجعات التقنيّات (unboxing) وتسجيلات ألعاب الفيديو؛ ثم ظهرت مقابلات صحفيّة مسجّلة بأسلوب الآسمر مع فنانين من كاردي بي إلى روزاليا.

بدأت عدة شركات كبيرة بإصدارات إعلانات بأسلوب الآسمر، مثل كاي إف سي وآيكيا. قامت آبل بالتسويق للإصدارين الخاصّين من آيفون إكس عبر نشر ثلاثة فيديوهات آسمر مصورة باستخدام الهاتفين، وبثّت شركة البيرة ميكلوب إعلانًا بأسلوب الآسمر خلال مباراة السوبربول عام ٢٠١٩. لم يعد الآسمر مجرّد جنرا فرعي بجمهور محدود، بل أصبح أسلوبًا في إنتاج الصوت من الممكن مصادفته في أي مكان.

في ٢٠١٥، أصدرت المنتجة الأمريكية هولي هرندون ألبومها الطويل الثاني المحتفى به نقديًا، بلاتفورم، ليصبح أول ألبوم احترافي يضم تراك آسمر. بفضل سمعة هولي كمنتجة تجريبية تقدميّة، بدأت الصحافة الموسيقية بالحديث عن الآسمر وعلاقته المحتملة مع الموسيقى. صدرت المزيد من الأعمال الموسيقية المتأثرة بالآسمر خلال الأعوام اللاحقة، وفي ٢٠١٩، بعد أسبوع على صدور ألبومها الأيقوني، كلّف فريق بيلي آيليش اليوتيوبر جيبي (+٢٫٧ مليون متابع) بتسجيل نسخة آسمر للألبوم. لفتت هذه الحركة مجددًا اهتمام الصحافة الموسيقية، التي عادت لتتأمل كيف صاحب التأثّر بالآسمر انخفاضَ مستوى الصخب لدى بعض نجوم البوب.

خلال السنوات العشر الأخيرة، اقترح بعض المشاركين في جدل حروب الصخب أن هذه الحروب بدأت تخمد أخيرًا، وأن موضة الموسيقى المضخّمة فقدت ألقها. كما قادت عدة أسماء من داخل صناعة الموسيقى، مثل مهندسي الصوت إيان شيبرد وبوب لودويج، حراكًا ضد مبدأ الإنتاج على أساس الصخب، وأقنعوا عدّة شخصيات ضليعة في صناعة الموسيقى بتأمُّل وجهة نظرهم. في المقابل، نجحت حملة بايب داون عام ٢٠١٦ بإقناع سلسلة متاجر مارك آند سبنسر بإيقاف موسيقى الخلفيّة في ٣٠٠ فرع لها، في واحد من عدّة انتصارات حققتها الحملة المستمرّة. ألهمت الحملة المزيد من الحراك والبحث العلمي في مجال الصخب والموسيقى في الفضاءات العامّة، والحق في أماكن محايدة صوتيًا أو هادئة.

ضمن هذا السياق، عبّر الآسمر عن هامش الديموقراطيّة الذي ما زال يوفّره الإنترنت، إذ حصد الآسمر النزق الجماعي العالمي من الصخب والأصوات الإلكترونيّة والصناعيّة المهيمنة على الفضاءات العامّة، وشكّل جزءًا من الضغط الجماهيري نحو بيئات صوتيّة وأساليب إنتاج أكثر طبيعيّة وهدوءًا.

كيف يبدو هذا الصوت؟ | مدخل اقتصادي

يعود جزء من نجاح الآسمر إلى طبيعته المراوغة والرافضة للتحديد. نظرًا لعدم كونه وسطًا فنيّا أو إبداعيًا، ولا حركة اجتماعيّة أو سياسيّة، ليس للآسمر ضوابط شكليّة أو قيمية، وبالتالي بإمكانه أن يدمج نفسه في أي شيء، وأن يعثر على موطئ قدم في أي سياق. تدفعنا حالة عدم التحديد هذه إلى طرح أسئلة حول ماهيّة الآسمر، قد نعثر على إجاباتٍ لها عند النظر في بعض الأدوار والوظائف التي يؤديها.

تزامن صعود الآسمر مع احتداد الحرب على الموسيقى الخلفيّة، ولا أعتقد أن هذا يعود إلى الصدفة كليًّا. بفضل طبيعته غير المحدّدة، نافس الآسمر موسيقى الخلفيّة على سوقها، وبرز كبديل للأشخاص الذين يبحثون عن حشوة صوتيّة (filler) للتخلص من السكون غير المريح في ظروف معيّنة، والذين لم يعودوا واثقين بنجاح الموسيقى في لعب هذا الدور، خاصّةً لحضورها القوي والطابع الذاتي للذوق الموسيقي.

قبل أن تظهر حملات مثل بايب داون وتطرح قضيّة موسيقى الخلفيّة، تعامل الكثيرون مع هذه المعضلة بشكلٍ تلقائي عبر استخدام السمّاعات العازلة للضجيج والهواتف الذكيّة. استمع العاملون في نفس المكتب إلى موسيقاتهم المفضّلة دون إزعاج بعضهم البعض. لكن بينما حلّت السماعات مشكلة ذاتيّة الذوق الموسيقي، بات حضور الموسيقى أكثر قوّةً وتشويشًا عندما تلقي بها السماعات في أذني المستمعين مباشرةً.

قدّم الآسمر بديلًا غير موسيقيّ، ومخصّصًا للاستماع الشخصي عبر السمّاعات، جاهزًا لمنافسة موسيقى الخلفيّة على سوقها. صدرت فيديوهات آسمر تمتد لساعات، مخصّصة للاستماع خلال العمل أو اللعب أو الدراسة. كما ظهرت فيديوهات خالية من الصوت البشري، أو قائمة على تسجيلات طويلة لأصوات بيئات طبيعيّة مختلفة، ساهمت في التخفيف من وطأة السمعة التابوهيّة التي رافقت الآسمر في سنينه المبكّرة، والتي عادت لاحقًا مع جنسنته.

استهدف الآسمر أيضًا سوق المحتوى المخصص للاستهلاك قبل النوم. برزت ثيمات التسلية والتمثيل والفكاهة ضمن الآسمر، وساهمت بانتشار فيديوهات المحاكاة / لعب الأدوار (role playing)، التي نافست المسلسلات الخفيفة وباقي جنرات اليوتيوب على فترة قبل النوم. أخيرًا، خلق الآسمر أسواقًا وعادات استهلاك محتوى جديدة، كالمحتوى المخصّص للاستهلاك خلال النوم.

على كلٍ، هذه الطبيعة غير المحدّدة التي منحت الآسمر انطلاقته القويّة، سرعان ما انقلبت عليه. فور انتباه وكالات الإعلان إلى الإمكانيّات التسويقيّة غير المطروقة للآسمر، سارعت إلى حثّ عملائها على ركوب الموجة. لم يتحرّج مقال جوجل من تسمية الأمور بمسمّياتها في فصلٍ بعنوان “أنصتوا أيها العلامات التجاريّة (Listen up brands)”:

“في مختبر جوجل للعلامات التجاريّة، نساعد الشركات على استغلال الإمكانيّات القصوى ليوتيوب. (…) نحن لا نتحدث فقط عن جمهور متفاعل مهول بإمكانك اختراقه؛ نتحدث عن جمهور متفاعل مهول يستخدم منتجاتكم بالفعل (…) ليس على العلامات التجاريّة أن تنتج فيديوهات آسمر خاصّة بها حتى تكسب من هذه الصيحة، إذ هناك عدة طرق لاختراق جمهور (الآسمر).”

استجابت العلامات التجاريّة إلى الدعوة؛ وخلال الأعوام الماضية، نافست المقالات حول الجدوى التسويقية للآسمر المقالات المكتوبة حول الآسمر كجنرا أو ظاهرة. لكن لعدم الاعتراف به كوسط إبداعي، لم يكتسب منتجو الآسمر امتيازات المحتوى الإبداعي على يوتيوب، ما وضعهم أمام سياسات إعلانيّة متقلّبة، وغالبًا قاسيّة، مكّنت اليوتيوب من سرقة الحصّة الأكبر من عائداتهم. أطلق البعض حملات تطالب يوتيوب بالاعتراف بالآسمر كجنرا مستقل، دون فائدة حتى الآن.

دفع ذلك منتجي الآسمر إلى قبول المزيد من الإعلانات المباشرة، والترويج للسلع خلال فيديوهاتهم، أحيانًا لعدّة مرّات خلال الفيديو الواحد. كما حاول البعض تأسيس منصّات مخصصة للآسمر، قائمة على نظام الاشتراكات المدفوعة.

لم تساعد هذه الحلول آلاف منتجي الآسمر الذين لا يحققون نسب مشاهدة عالية، ولأنّ الآسمر لا يشكّل مجتمعًا إبداعيًا يضم مبادرات تكافليّة أو دعمًا مؤسساتيًا، بقي المنتجون الصغّار متروكون على الهامش الاقتصادي. أخيرًا، ونظرًا لعدم التفاف مجتمع الآسمر حول قيم ومبادئ مشتركة، لم يظهر المنتجون الصغار الكثير من المقاومة في وجه أساليب التسليع وفرص الكسب التي ظهرت أمامهم مع الوقت. اتجه العديد منهم إلى بيع محتوًى إيحائي و/أو إباحي بأسلوب الآسمر على الجانب، وقاد ذلك إلى ظهور وجه جديد للآسمر باعتباره فيتيشًا جنسيًا، تسعى شركات إنتاج المحتوى الإباحي للكسب منه. مكّنت جنسنة الآسمر يوتيوب من فرض سياسات إعلان أشد قسوة على الآسمر، وبالتالي الحصول على حصّة أكبر من عائدات المنتجين.

لم يعد السؤال حول ماهيّة الآسمر اليوم مفتوحًا ومحيرًا بقدر ما كان قبل بضعة سنوات. اكتسبت منصّات البث ووكالات الإعلان اليد العليا على الآسمر، لدرجة ساهمت في تشكيل ماهيّته، حتى بات يبدو في بعض اللحظات كنوعٍ خارق من الإعلانات – الكأس المقدّس لخبراء التسويق في عصر الرأسمالية ما بعد الفورديّة (post-fordist capitalism)، الذين يرون في الآسمر محتوًى سحري، بالإمكان تطويعه لاستهداف العديد من الأسواق وعادات الاستهلاك، خلق أسواق وعادات استهلاك جديدة، والربح منه باعتباره محتوًى وباعتباره إعلانًا في ذات الوقت. تنهي جوجل دراستها المذكورة سابقًا بقولها:

“بغض النظر عن كيف يعمل الآسمر، من الواضح أن هناك جمهور ضخم ومنخرط ومستمر بالنمو يتفاعل معه. باعتباركم علامة تجارية، ليس عليكم أن “تفهموا الآسمر” لتستفيدوا منه. كل ما عليكم فعله أن تتفاعلوا مع هذا المجتمع الفريد وغير المستهدف بأي عدد من الطرق الإبداعيّة. الآن، كيف يبدو هذا الصوت؟ / كيف يبدو لكم هذا المقترح؟ (لعب على الكلمات: Now how does that sound?).”

كيف نتعاطى (مع) الآسمر؟ | مدخل صحّي

في معرض حديثنا عن الإنترنت باعتباره كيانًا، لا يسعنا ألّا ننتبه إلى الخطاب المتصاعد في الأعوام الأخيرة، الذي يرى شركات الإنترنت والتكنولوجيا والمحتوى (silicon valley) كشركاء في سلسلة من الجرائم، مثل الارتفاع الحادّ في نسب الاكتئاب والعزلة والانتحار والإدمان، خاصّةً عند المراهقين والأصغر عمرًا، وازدياد التطرّف العقائدي، والتباعد بين مكوّنات المجتمع.

منذ سنوات تشكّله، ربط منتجو الآسمر أنفسهم بصور نمطيّة إيجابيّة، كالدعم والمحبة والهدوء والأمان والحميميّة، وبثيماتٍ كالروحانيّة والعلاج البديل، كما أشاروا إلى فوائد الآسمر الصحيّة، كمساعدته على تحسين جودة النوم وتقليل التوتر والقلق، رغم أن الدراسات لا تزال غير جازمة فيما يتعلّق بهذه الفوائد.

حملت الكثير من فيديوهات الآسمر في عناوينها وعودًا بالتخفيف من مشاكل كالوحدة والاكتئاب والخوف. حيث يتحدّث اليوتيوبرز إلى مشاهديهم بصيغة المفرد، بشكلٍ مباشر، وبصوتٍ حانٍ ومفرداتٍ داعمة، راسمين صورة معاكسة (ولو على نحوٍ مبالغ فيه أحيانًا) للصورة النمطيّة السلبيّة للإنترنت، بوصفه حلبةً من العنف والعنصرية والتحيّز الجنسي.

ظهر الآسمر حوالي ذات الوقت الذي صعد فيه خطاب المشاكل الصحيّة للإنترنت إلى قمّة قضايا الرأي العام، وبدا لوهلة أن الإنترنت يتطوّر على نحوٍ عضويّ، ويفسح المجال لظهور موضات جديدة من شأنها أن تحلّ بعض مشاكله. تصف الكاتبة في لوس آنجلس تايمز، ماري مكنمارا، الآسمر على أنّه “الظاهرة الرقميّة ضدّ (مساوئ الحياة) الرقميّة (the anti-digital digital phenomenon)”.

بالتزامن مع صعود الآسمر كالوجبة الصحيّة على مينيو الإنترنت، انبثق حراكٌ يسعى إلى البحث في المشاكل الصحيّة للإنترنت. دعا وبشّر منظّرو الإنترنت مثل جارون لانير، وحملات مثل #StopHateForProfit (التي تدعو المعلنين الكبار إلى مقاطعة فايسبوك لدفعه إلى تبني سياسات خصوصيّة بيانات أفضل)، ووثائقيّات مثل The Social Dilemma إلى إنترنت جديد، نظيف آمن وإنسانوي.

لكن بعد أن مررنا على قصّة تسليع الآسمر والربح منه، يصبح من الصعب علينا قبول سرديّة الإنترنت اليوتوبي الذي يصلّح نفسه بنفسه، وهي سرديّة سرعان ما تكشف عن جوانبها الإشكاليّة عند وضعها تحت المجهر.

عندما تشير الصحفيّة إلى الآسمر على أنّه الظاهرة الرقميّة ضد الرقميّة، تدفعنا إلى الانتباه إلى قبولٍ ضمنيّ لحتميّة تقنيّة من نوعٍ ما، وكأنه لم يعد بإمكاننا حل مشاكل الإنترنت والتكنولوجيا إلّا باستخدامهما. يتفق ذلك مع الحراك المشبوه المتعلّق بمشاكل الإنترنت والتكنولوجيا، والذي يقوده خبراء ومطوّرون سابقون في فايسبوك وتويتر وجوجل وريديت، ينتقدون مساوئ التكنولوجيا المعاصرة من جهة، ويروجون من جهة أخرى إلى مشاريعهم التي ستستبدل أجزاءً من الإنترنت وتصلّح أخرى، مروّجين لذات الحتميّة التقنيّة المثيرة للجدل.

لا أعتقد أن هذه الحملات، ومن بينها الآسمر، تحمل مساعي إصلاحية حقيقية للإنترنت، بقدر ما تسعى إلى خلق واجهة أكثر صحّيّة وإنسانيّة واكتراثًا، لتغطية ذات المشاكل القديمة. في مقالها انظروا من يتحدث، ترصد الكاتبة ميجان مارز نزعة ظهرت منذ ٢٠١١، على مستوى تصميم تجربة المستخدم والكتابة التسويقيّة (copywriting) للبرمجيّات والإنترنت، من شأنها جعل المواقع والبرمجيّات تبدو أكثر إنسانيّة وطبيعيّة وتعقيدًا – هكذا انتقلنا من أزرار مثل “اضغط إرسال” أو “اعرف المزيد”، إلى دليل نبرة مايلتشيمب، الذي يصف الشركة على أنّها “مرحة لكن غير طفولية”، و”قويّة لكن غير معقّدة.”

لكن هذا ليس الجانب المشبوه الوحيد لسرديّة إصلاح الإنترنت. بإمكاننا عند مشاهدة The Social Dilemma مثلًا ملاحظة بروز المشاكل السياسيّة للإنترنت، كبنية الكسب وخصوصيّة بيانات المستخدمين، فيما تقع مشاكل أكثر تهديدًا مثل إدمان التكنولوجيا والمحتوى في الخلفية. لا يتحدث الوثائقي عن الإدمان ومشاكل الصحّة العقليّة على أنّها مشاكل مرتبطة بالإنترنت والتكنولوجيا بحد ذاتهما، بقدر ما يجري تقديمها كنتائج للسياسات الإشكاليّة المنصّات الحاليّة.

ينسجم هذا الطرح مع الخطاب المهيمن اليوم عند الحديث عن اضطرابات الصحّة العقليّة، والقائل بأنّ أسباب هذه الاضطرابات شخصيّة وبيولوجيّة في المقام الأوّل، تقع مسؤوليّة الإصابة بها والتعافي منها على الأفراد، أو في هذه الحالة، على المستخدمين. عادةً ما يقول المشاركون في وثائقيات مماثلة إنّهم فرضوا ضوابط لاستخدام الإنترنت والهواتف الذكيّة في منازلهم، ملقين بمسؤولية التصدي لهذه المشاكل، كالإدمان، على كاهل الأسر.

الاهتمام البحثي بكلمة آسمر حول العالم (جوجل / 2016)

الاهتمام البحثي بالآسمر حول العالم (جوجل / ٢٠١٦)

تذكرني هذه القضيّة بدعوة المفكّر الإنكليزي الراحل مارك فيشر إلى تسييس الاكتئاب، وردّ الاعتبار إلى العوامل الخارجيّة في اضطرابات الصحّة العقليّة. خلال تدريسه في الجامعة، لاحظ فيشر لدى طلّابه أعراض اكتئاب من نوعٍ مختلف. على خلاف الاكتئاب السائد المقترن بالأنهيدونيا، أي فقدان القدرة على اختبار الملذّات الأوليّة، لاحظ فيشر استغراق طلّابه في تدخين الماريوانا وشرب الكحول ومشاهدة المسلسلات الخفيفة وأكل الوجبات السريعة، فيما بدا له كعجز عن أي شيء سوى مطاردة الملذّات البدائيّة، أو ما شبّهه بقتل الوقت والعيش مع جثّته.

لم يكن فيشر الوحيد الذي ربط الاكتئاب الهيدوني بأسلوب الحياة الليبرالي. العام الماضي، نشرت المصوّرة ناتاليا سليواوسكا سلسلة صور باسم الاكتئاب الهيدوني، توثّق مشاهد انسحاب اللذة والحماس من الحفلات الجنسيّة الحافلة بالتعاطي والشرب. تشير ناتاليا إلى أنها صادفت هذا التجلي للاكتئاب في “مجتمع الطلّاب، المجتمع الذي تستطيع فيه قضاء أو استهلاك وقت فراغك.”

قد لا يكون جميع المصابين بالاكتئاب الهيدوني ليبراليين بقدر طلّاب فيشر. المشترك بين أمثلة فيشر وسليواوسكا على كلّ حل، هو ربطهما الاكتئاب الهيدوني بفائض الوقت والمال، وغياب المصاعب الملحّة على مستوى الحياة اليومية، بما يسمح بأسلوب حياة مماثل، ملذّاتي ومترف. لذا قد يكون الاكتئاب الهيدوني أكثر حضورًا وسط المجتمعات الغنيّة، وخلال مراحل الحياة الأكثر راحةً، كسنوات الجامعة. تتفق الصفات الديموجرافيّة لجمهور الآسمر مع هذه الملامح، إذ تظهر تحيزًا في انتشاره الجغرافي نحو الدول الغنيّة، وتقع أعمار حوالي نصف مستهلكي الآسمر بين ١٨ – ٢٤.

تبرز هنا إشكالية الآسمر كنوع محتوى يساهم في علاقتنا الإدمانيّة مع الإنترنت / التكنولوجيا. فمن ناحية، يغذّي الآسمر أسلوب الحياة الملذاتي، إذ يتيح للناس اختبار ملذّات لحظيّة وهامشيّة – كرعشة الآسمر – في الوقت والتكرار الذي يختارونه ويدفع بالثقافة الاستهلاكيّة إلى حدود متطرّفة، عندما تصل الأمور إلى حدّ تسليع شعور بالرعشة أو الخدر. من ناحية أخرى، يعزّز الآسمر ظهور عادات استهلاك متطرّفة، إذ بالإمكان الاستماع إليه خلال أي جزء من اليوم وبالتوازي مع أي نشاط، بما في ذلك النوم.

يشغل الآسمر في عالم المحتوى مكانة علبة الكولا زيرو في عالم الوجبات السريعة. هذه الأصناف التي يتم تسويقها في البداية كخطوة أولى اتجاه منيو صحّي، لا تزيد سوى من حدّة العادات الاستهلاكيّة القديمة ذاتها، بعد أن أضفت عليها مظهرًا أقل تهديدًا، وألقت عليها غطاءً تهرب تحته من دفعة جديدة من الانتقادات.

Leave a Reply