fbpx .
عجماوي جاي بانتفاضة | لماذا نسمع إسلام كابونجا

عجماوي جاي بانتفاضة | لماذا نسمع إسلام كابونجا

مي المغربي ۲۰۲۵/۰۲/۱۷

أتخيل إسلام كابونجا على الطريق الدولي الرابط بين منطقة العجمي وباقي الإسكندرية، طريق طويل وممل على جانبيه الملاحات وشركات البترول. طريق يجبرنا على الانكماش داخل ذاتنا بسبب العوادم وشكل النيران الخارجة من فوهات شركات البترول والحديد والصلب. أتخيله يمسك بموبايله ويكتب ليقتل الملل وحبسة الموصلات.

يختلف كابونجا عن باقي مغني المهرجانات بأنه لم يخرج من المناطق غير الرسمية، التي تنبذها الدولة وتحاول محوها. عاش كابونجا في منطقة العجمي وتخرج من كلية التجارة بجامعة الإسكندرية، وتلقى تدريبًا لكرة القدم والكاراتيه في نادي الاتحاد السكندري. مشى كابونجا في مسار مؤسساتي محكم ومرضي عنه، ورغم ذلك تحرر ولو جزئيًا من الاستعصاء السياسي الذي كلبش على جيل ما بعد الثورة، حيث يظهر هذا التحرر في الكلمات التي تميز مشروعه، وعليه أُطلق على كابونجا لقب دبابة الكلام.

قبل أن يصبح كابونجا مغني مهرجانات، كتب أكثر من ثلاثين مهرجان لآخرين بين عامي ٢٠١٩ و٢٠٢٢، لأبو ليلة وحمو الطيخا والتوت وفيجو الدخلاوي وحكيم. إلا أن أول محاولة غناء لكابونجا كانت في صيف ٢٠٢٠ في شاطئ النخيل بالعجمي، كضيف في فرقة خالد مايكل الاستعراضية، فرقة الكوماندوز. 

غنى كابونجا مهرجان حب عمري كيمو كونو لمودي أمين وحلقولو، وهلا والله لحمو بيكا، من كتابته، وكانوا هيتات صيف ٢٠٢٠. لم يهتم أحد من المصيفين بوجوده لولا إصرار خالد مايكل على غناء كابونجا. ربما حركت هذه اللحظة شيئًا في كابونجا دفعه لعدم الاكتفاء بالكتابة.

تشرب كابونجا الصنعة وبدأ مشروعه الغنائي في ٢٠٢٢ بكتابة وغناء مهرجان مش مجرم أنا ترجمان بالمشاركة مع حسن الكيتو، وفي خلال ساعات أصبح تريند على تيكتوك. تخلص هنا كابونجا من أي حدود أو خوف وقرر كتابة وغناء مهرجان جريء وعنيف.

كتابة كابونجا مزيج بين القصص القصيرة والقصائد الرباعية. يبحث كابونجا عن موضوع معين ثم يكتب نصًا مقسمًا على خمس أو سبع فقرات، كل فقرة قصيدة رباعية تمشي في اتجاه معين، يغير اتجاهها في الجملة الأخيرة ليدخل على ما بعدها. 

كابونجا هو الراوي وحتى شركاؤه في المهرجان يكملون ما يرويه، كأنهم امتداد لشخصيته ومشاكله. في مهرجاناته يخلق كابونجا دراما من لا شيء، فيبتعد عن الموضوعات التي تكون نتاج شخص ضارب أو خربان، فتكون أشبه بمسلسل مليء بالحكم والتحذيرات. 

لذا تحيل مهرجانات كابونجا دائمًا لإفيه من فيلم أو مسلسل أو استدعاء لشخصية سينمائية ليدلل بها على ما يريد إثباته. نجد ذلك في مهرجان يحكي عن ناصر والرفاعي، الشخصيات التي قدمها محمد رمضان في مسلسل الأسطورة، ومهرجان آخر يحكي عن شخصيات عشري وإبراهيم الأبيض التي قدمها عمرو واكد وأحمد السقا في فيلم إبراهيم الأبيض. ترجع الإحالات المهرجانات لليومي. يحاول كابونجا بمهرجاناته الاشتباك والتماهي مع هذه الدلالات ومع الوعي الجمعي.

رغم أنه يغلب على مهرجانات كابونجا – خاصة القديم منها، سواء كان كاتبها ومغنيها أو التي يغنيها فقط، الكود العام الذي تلتزم به المهرجانات؛ الذي اختُزل في آخر عشر سنوات في غدر الصحاب، تفشيخ للأخصام والخطاب التحقيري للنساء. تظهر خصوصية كابونجا عندما يقاوم هذا الكود. 

مثلًا، يؤكد كابونجا في مهرجان أيوا يا حبيبتي وحشتيني أن بإمكان المهرجان أن يكون عاطفيًا بشكل خالص. هنا يعاتب كابونجا النصيب الذي فرق بينه وبين حبيبته ويصب ما تبقى من مشاعر الحب على أصدقائه الذين ساندوه في محنته. تتلون العاطفة عند كابونجا بشكليها البرىء والعنيف؛ يظهر العنف في مهرجانات كابونجا بسبب جرح عاطفي: الخذلان، التهميش أو الفقد سواء من الحبيبة أو الأصدقاء، ويغلب الكلام عن الاصدقاء عند كابونجا فهو يعبر عن الصداقة كعلاقة حب.

“أنا مجروح من أقرب ناس

 قلبي عشان غلبان اتداس

كنت عامل لكم خدي مداس

وانتم جرحتوني جرح وجعني”

على عكس العنف الذي تعودنا عليه من المهرجانات حيث العنف لمجرد العنف أو بشكل احتياطي، يشتبك كابونجا مع العنف بشكل مرتبك، سواء عنف ضد الأخصام أو عنف ضد المرأة أو حتى ضد نفسه، فكلما تهاوى خطاب العنف المرتبط في مهرجان له يعيد تشييده وتشكيله في مهرجانه التالي. يظهر ذلك في تبريره أنه لا يختار العنف ولا يرى أنه “بيعمل صيت”، لكنه يضطر للعنف كرد فعل للاستهياف أو الخيانة أو للدفاع عن النفس، فينتقل من:

“هتكرّت ع الفيس 

هنزلك جيهتك وادّيك سكينة

قبل اما تحب تصيع

إحسبها انك هتضيع”

إلى: 

“بعد مرور يوم ع الجولة

إديت خصمي تاني محاولة

كان جايلي فاضي

إديته مطوتي الشخصية عشان يلعب”

يعتبر البعض تغيير كابونجا لخطاب العنف، الذي تم تكريسه ردًا على العنف والتهميش المجتمعي والبوليسي، وكأنه “جاب ورا”. لكن لدى كابونجا قراءة مختلفة عن الجيل السابق حول العنف الذي يؤدي للحبس، خاصة في المناطق الشعبية. يعبر كابونجا عن أكبر المخاوف التي تحوم حول جيلنا في مهرجان اللي نفسه فيا بيتي ميتوهش. يخبرنا كابونجا أن سنة ٢٠٢٣ أكتر سنة فيها مساجين، هكذا دون تذويق.

“إفتحلي الباب أعم فرج

إمتى ع الأسفلت هنطلق؟

صحيح يا عم الحر ملك

محبوس ما فيش حاجة تساوي

يا باشا لو مسكت شارع

هتعظ وافكر واراجع

مش عايز أبقى شاب ضايع”

يظهر السجن في مهرجانات كابونجا بشكل متكرر على هيئة شبح. أحيانًا لا يعرف كابونجا عنه سوى قدرته على خطف أصحابه واحدًا تلو الآخر، ليس بسبب أفعالهم فقط إنما بسبب المرشدين، ما يهدد استقراره الاجتماعي، ويقطع أي طريق لمراجعة الذات.

“السجن فيه واحد مننا

الحبسة دي بعدته عننا

إنت وحشتنا وربنا

طلعه يا رب قادر يا كريم”

و

“المرشدين في جيهتي أكتر من الأطفال

في لا سلكي متوصل

إرشد عشان توصل للقمة بسرعة”

غيّر كابونجا شكل الأخصام الكلاسيكي من أصدقاء السوء المدمنين إلى مرشدين للحكومة، يحاول تتبعهم ووصمهم حتى يتجنب شبح السجن.

 “قبل ما تسلمني للحُكام 

قولي الباشا قبضك كام” 

ركز كابونجا بشكل أكبر على المرشدين مقابل وصفه للسجن في معظم مهرجاناته، ربما لأنه لم يختبر السجن ولا يعرف ما الذي يدور في الداخل، في حين اختبر الخوف المستمر من وشاية المرشدين القادرة على الإطاحة به وبنا.

يخوض كابونجا تجربة السجن في خياله، يحاول وصف ذاته داخل الحبس الجنائي في مهرجان أنا القتيل مش النزيل. في مهرجان رسالة من مصلب عمومي، يتخيل جسده الموشوم حسب تقاليد الحبس الجنائي في مصر، ومربوط ومتكلبش. كما يحاول أحيانًا الانتحار حتى يعفي جسده من مدة السجن:

“حفرت على كتفي أمي 

ودقيت نسر يحمي ضهري

رسمت نبض يسند قلبي

مقطع كل عروقي جمبي”

و

“الهجمة قامت ع الأوض

الكل اتكلبش اتربط

طلعنا الإداري اربعات

نزلنا الحجر مدغدغين

كل دا بسبب اللبط

مصرصر في مشرط شبط

وأول واحد يتخبط

يخسر لو خابط مرتين”

يختلف وصف كابونجا للحبس الجنائي عن الوصف الكلاسيكي لـ اللول السبع في مهرجان حكاية الصحاب 2، الذي نُحت عشرات المرات فيما بعد: 

“نزلوني حوش تحت الارض وانا قلت على الله توكلت

نزلوني على الإرادات قعدونا اربعات تربعات

وحلقولي شعري الظريف وخلو شكلي بقى مخيف

ودخلوني على الزنزانة بنام واصحى على الصفارة.”

رسم اللول خريطة تحرك للجسد داخل السجن وتحكم السلطة في هذا الجسد، بينما رسم كابونجا خريطة على الجسد نفسه كفعل مقاومة للانكسار، وتحكم في جسده. 

يشرح إيقاع الكتابة الشعور بالزمن؛ زمن الحبس عند اللول وغيره كان ثقيلًا، كذلك عند كابونجا ثقيل، لكنه يحاول ألا يهدره، فيشتبك مع الظباط ويزاولهم أو يرد على مزاولتهم له، كفعل مقاومة للزمن المهدر والمخيف داخل الحبس.

“بعت للوكيل بلمح

تلغرافات عشان أروح

السجن بيأدب ويصلح

كداب كبير دا السجن مدبح

كاتب على الحيطان رسايل

بقول يا بخت عوج ومايل

أنا اللي لف كعب داير

ما حدش يوم ركبني مسرح”

في كل مرة أستمع لكابونجا أسأل هل يمكن اعتبار مشروعه شعرًا شفاهيًا؟ لكابونجا قدرة على التماهي مع الجماعة، وقدرة على بلع أي تجربة ليكتبها ويغنيها كأنها تخصه. في الشفاهية حرية من أدلجة المعنى، وحرية من حصر الشعر في شكل معين وفي لغة معينة وقواعد نظمية غير متسقة مع الجغرافيا التي يغني كابونجا لها أو من خلالها. 

أثناء كتابة هذا المقال، نشر كابونجا ثلاثة مهرجانات على مدار ثلاثة أيام، وبشكل محبط أرى فيهم نتاج قصقصة نقابة المهن الموسيقية التي عانى منها كابونجا من قبل. لا أعرف إن كان كابونجا سيظل يكتب ويغني كأن لا أحد يقف فوق كتفه ويحاول تفكيك ومقاومة الأكواد القديمة، أم أنه رصاصة طائشة سيخفت صوتها بعد قليل.

المزيـــد علــى معـــازف