من الدجل إلى الفن | قصة الزار في مصر
عربي جديد

من الدجل إلى الفن | قصة الزار في مصر

مصطفى هشام ۰۳/۰٤/۲۰۲٤

سألتُ أمي في أحد الأيام: ما أكثر شيء تتذكرينه لجدي؟ أجابتني بلا تردد: الزار. كانت تأتي فرقة الزار إلى الحي يوم الجمعة من كل أسبوع، وتُعقد طقوسه الخاصة في بيت جدي القديم، الطقوس التي لطالما أثارت خوف أمي واستغرابها أيضًا، فكيف لبيتٍ من المتعلمين أن يقبل مثل تلك الطقوس والحفلات التي تدعي الاتصال بعالم الأرواح وكل تلك الخرافات، بل وتصبح روتينًا أسبوعيًا. 

مضت أعوام حتى تعثرت بموسيقى الزار لفرقة مزاهر، لأكتشف عالمًا آخر وراء الخرافات والطقوس المرعبة، وأحصل على إجابات لأسئلة والدتي حول الزار الذي شكل ثقافة أجيال كاملة على مدار ما يزيد عن قرنين من الزمن، قبل أن يأخذ في الاندثار ودون أن يفهمه أحد.

أصول محتملة

ما أن نتتبع أصل كلمة زار حتى نقع في مشكلة، فأصلُ الكلمة يبعدُ غورًا في أكثر من لغة ويُشير إلى أكثر من مدلول، لكن يبدو أن علماء اللغة وعلماء الأنثروبولوجي لديهم دليل قوي أن أصل تلك الكلمة يأتي من إثيوبيا؛ ففي شمال إثيوبيا وتحديدًا مدينة جوندار، تعود الكلمة إلى جذر لغوي في اللغة الأمهرية هو جار [Mtooltip description=”Jar” /]، ويعني إله السماء.

تحكي لنا وثائق من بدايات القرن التاسع عشر قصة اثنين من المبشرين، هما جون كارف وتشارلز آيزنبيرج، وقد شاهدا طقسًا مماثلًا لما نعرفه اليوم بالزار في قرية بشمال إثيوبيا. للكلمة أصل أيضًا في العبرية وخصوصًا بسبب حضور المجتمعات اليهودية في منطقة اليمن وإثيوبيا وما حولها، فالكلمة تعني بالعبرية غريب ولها جذر لغوي يعني الانحراف أو التخلص من، وفي كل الأحوال فالكلمة دائمًا ما تأتي مقرونة بالأرواح والعلاج الروحاني، لتصف طريقة بدائية من العلاج النفسي فكر بها القدماء لعلاج حالات الاكتئاب والرغبات الانتحارية والغم، دون توصيفها كما نعرف اليوم، لتأتي طقوس الزار متشابهة مع طقوس وممارسات روحانية وشامانية أخرى أقدم، من الهند وأمريكا الجنوبية وحتى إفريقيا.

على عكس طقوس طرد الأرواح المسيحية أو الإسلامية، فإن الزار لم يأت لطرد الأرواح، بل بالأحرى لخلق حالة من التوازن بين الإنسان (الممسوس) وبين سيده أو الكائن السفلي الذي تلبسه، وهو ما يستدعي ممارسة دورية لطقوس الزار دون أن تدعي قدرتها على الشفاء التام، أو تحصين أي إنسان من أزماته النفسية والروحية.

الزار في مصر

غلبت على الزار في بداياته في إثيوبيا ممارسات وثنية مثل تقديم الأضاحي (دجاج في الغالب)؛ لتلافي غضب الأرواح الشريرة المتلبسة جسم المريض. من خلال رقصات تكرارية تأخذ رتمًا تسارعيًا، تقوم الشيخة (الريسة، كوديا) التي تدير جلسة الزار بذبح الأضحية لتصبح حلقة وصل بين عالمي البشر والجن، وعن طريق صوتها وموسيقى الرقصة تنادي هذه الأرواح، كلَّا باسمه وصفاته ومحاولة مغازلته وطلب السماح والعفو.

انتقلت تلك الطقوس والممارسات تدريجيًا من وسط إفريقيا إلى مصر، في الغالب عن طريق جارية إثيوبية انتقلت للعيش عند إحدى العائلات المصرية الثرية في نهاية القرن الـ ١٨ وبداية القرن الـ ١٩، لتقدم وسيلة لعلاج الأمراض التي فشل الطب التقليدي في علاجها مثل الاكتئاب والقلق والصرع والميول الانتحارية وغيرها. بما أن تلك الأمراض لم تكن مُشخَّصة وقتها ولم يكن لها توصيف وعلاج علمي؛ فقد اعتُبرت نوعًا من المس وتلبُّس الجن أو الأسياد (بحسب التسمية المصرية) في صورتها الإسلامية الصرفة، وما لهذا المس من قدرة على إلحاق الأذى بالبشر عقليًا وجسديًا.

تتطابق طقوس الزار في إثيوبيا والسودان ومصر وإيران، إلا أنها أخذت في مصر صورة إسلامية لتنتقل من أصلها الوثني الذي يخاطب آلهة أو أرواح الأجداد، وتقتصر على طقوس وموسيقى ورقص يقبله الوعي الإسلامي الشعبي في مصر. عندها انقسم الزار إلى نوعين؛ الأول هو ما يُعرف بـ الحضرة التي تقام في الجمعة من كل أسبوع ما عدا شهر رمضان، وفيه تُعزف الموسيقى وتُدق الدفوف في بيت الشيخ أو الشيخة. أما النوع الثاني فيُعرف باسم فرح الزار، وهو مُناسبة خاصة لا يحضرها عوام الناس مثل الحضرة، وتُقام في بيت المرأة أو الرجل الممسوس؛ فبعد تهيئة الأجواء من خلال وضع طاولة في منتصف الغرفة مفروش عليها قطعة من القماش الأبيض، يحيط بها الشمع وفي مركزها الأضحية، تبدأ جلسة الزار بدق الدفوف والرقص التكراري العنيف والغناء، على أساس أن المريض يؤمن بأن الأرواح سوف تقوم بالتجسُّد من خلاله وتعلن عن هويتها، لتحقيق طلباتها في المستقبل من ثم تحقيق التصالح بين المريض والأسياد.

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أخذ الزار في التنوع والانقسام جغرافيًا وثقافيًا في مصر، حتى استقر على ثلاثة أشكال: الزار الصعيدي، الطنبورة السوداني، وأبو الغيط. يُقدم النساء حصرًا الزار الصعيدي، وغالبًا ما يكن من الغجر اللاتي قادهن حب الزار وحرفته إلى القاهرة. أما الطنبورة السوداني فجاءت عن طريق المهاجرين من السودان الي مصر خلال عهد الاحتلال البريطاني للسودان، بينما يُنسب زار أبو الغيط إلى جزيرة أبو الغيط بالقرب من محافظة القليوبية في مصر، وهي مختصة فقط بالإنشاد الديني والذِّكر.

جغرافيا الزار وبنيته الموسيقية

تحضر الموسيقى بقوة في الزار، فهي من تصنع أجواءه السحرية وتحمس الحضور للغناء والرقص. مع تقدم الزمن واندثار فرق الزار تدريجيًا، تبقت فرقة واحدة مازالت تمارس الزار اليوم، لتعطينا لمحة عن تاريخ هذا الفن وموسيقاه وأغانيه وبنيته الفنية، وهي فرقة مزاهر التي تأسست عام ١٩٩١. تندرج موسيقى مزاهر تحت الزار الصعيدي، حيث تقود النساء فيها ويمارسن الغناء ولعب الموسيقى، لكن هذه المرة تأتي حفلاتهم لمجرد الترفيه وتوضيح الفلكلور الغائب اليوم، من ثم تأتي موسيقاهم وحفلاتهم مزيجًا من الألوان الثلاثة للزار (الصعيدي والطنبورة وأبو الغيط).

تمارس فرقة مزاهر الزار الصعيدي من خلال غناء عدد من الأغاني بصوت الست مديحة، وهي المغنية الرئيسية للفرقة وتعتبر الشيخة أو الريسة، مثل هوانم الحبشة، موما، طابور يا باشا طابور برة، وريكوشا وغيرها. يمكن أن نلاحظ من أسماء الأغاني كيف تقوم على مناداة الأرواح والأسياد وتطلب حضورها. موما مثلًا هو اسم أقدم روح معروفة لدى جماعات الزار والسحر في كل من مصر وإثيوبيا، أما الحكيم باشا فهي روح ذات خصائص علاجية يُطلب حضورها لمعالجة المريض؛ ولكل روح من الأرواح دقة زار مختلفة تحضر على إثرها بحسب تلك المعتقدات.

تعتمد فرقة مزاهر على أدوات بسيطة أقرب للهوى الإسلامي المصري، فتستخدم الدُّف المصنوع من جلد الماعز ليصبح هو الأداة الأساسية في موسيقى الزار. تحضر أيضًا الصاجات والشخشيخة والطبلة، وغيرها من الأدوات الموسيقية التي لم تُعتبر من المعازف بالنسبة للوعي الشعبي المصري في القرن الثامن عشر، وقت دخول الزار.

يختلف الأمر عندما ننتقل إلى زار الطنبورة السوداني، إذ تظهر أداة الطنبورة الوترية ذات الأصل الإفريقي، والتي تتحدث الأساطير عن تأثيرها وتأثير أوتارها على الجن، ما يجعلها تحظى باحترامٍ شديد.

يُؤدى الزار السوداني من قبل الرجال، ويُعرف مغني وعازف الطنبورة باسم سنجق، لقب من العصر المملوكي يعني قائد. يُغني السنجق أغانٍ مثل سليلة يا ورد الحمام وجادو وميرام، وتستخدم الطنبورة مع الطبول السودانية، وهي نوع من الطبول الإفريقية المصنوعة من البراميل وجلد البقر. تستخدم أيضًا أداة تعرف بـ المانجور، وهو حزام من حوافر الماعز يُلبس حول وسط أحد رجال الفرقة، وبينما يرقص تصدح تلك الأداة بأصوات عالية.

أما زار أبو الغيط المُسمى على اسم إمام صوفي مشهور في محافظة القليوبية في مصر، وله مقام سيدي أبو الغيط، فيُغنىَ فيه أشعار وكلمات الإمام، التي تأتي في صورة ذِكر أو مديح للنبي أو لكرامات الأولياء الصالحين، وهو قمة التجلي الإسلامي لطقس الزار الوثني الأصل. يغلب على هذا النوع من الزار الطابع الذكوري، وتُستخدم آلات مثل الدُّف والطبول والناي.

يمكن أن نلاحظ في كل أنواع الزار، ومع اختلاف اغانيه، اعتماد الأغنية بالأساس على حالة من التكرار حيث قد يصل الكوبليه الواحد لأحد عشرة مرة من التكرار، يتضافر فيها الغناء والموسيقى والرقص ليتولد نمط أو إيقاع صوتي مميز للغاية. في كل مرة يختلف الأداء قليلًا ويميل إلى التسارع على امتداد ٣ دقائق. قرب النهاية تصبح الجملة الموسيقية أصغر وأصغر لتخرج عن النمط المعتاد للأغنية كما بدأت، ومع تسارع ضربات الدُّف والطبلة وارتفاع أصوات المغنيين يصبح الإيقاع هو العامل الأقوى في التأثير النفسي الذي نلحظه على المشاركين فيه، ليصل المريض المُعتقد بحضور الأرواح إلى حالة من النشوة تُعرف عند مؤدي الزار بأنها لحظة التحوُّل، إذ يتحول المريض وتتجسد الروح التي تلبسته وأمرضته على وقع وصول الطقس إلى مُنتهاه.

كيف تعالجنا الموسيقى روحيًا

هنا نصل إلى السؤال الأهم: هل يؤثر فينا الزار ميتافيزيقيًا؟ كيف؟ ولماذا هو آخذ بالاندثار؟

أثبت الزار على امتداد ما يزيد عن قرنين من الزمان أنه ذو فائدة وحضور طاغي، ما جعله يتحول من مجرد طقس وثني إفريقي في إثيوبيا إلى طقس ذو صبغة إسلامية في السودان ومصر وإيران وغيرها، يمارسه عموم الناس وخاصتهم، مُتعلمون وجُهال. بالتأكيد تسقط كل قصص الأرواح والأسياد علميًا وتفشل في إجابة سؤالنا، بينما توفر غطاءً قصصيًا مناسبًا، وتُضيف عنصرًا خفيًا على الممارسة يخاطب وعيًا مُحددًا يؤمن بعالم ملؤه الأرواح والكيانات الميتافيزيقية، لكن يظل السؤال قائمًا: كيف يفعل ذلك؟

عندما نستمع لموسيقى فرقة مزاهر نشعر بحالة مباشرة من التأثر، فرغم أن الزار هنا يقدم للتسلية والإمتاع لا العلاج، نجده يُظهر قوته ويدعو الحاضرين جميعًا للرقص والتأثر إيجابيًا، وهو سبب الشهرة العالمية للفرقة. السبب الأساسي لهذا التأثير هو الإيقاع، الذي يتحكم في درجة استجابة المُستمع وانفعاله مع الموسيقى بالبطء أو السُرعة، كما تفعل المؤثرات الموسيقية تحديدًا، فالموسيقى المُنخفضة الصوت البطيئة تدفع للهدوء والراحة وربما النوم، على عكس الموسيقى المرتفعة والسريعة الإيقاع التي تلازم بطل الفيلم مثلًا خلال منتصفه مؤذنةً بتصاعد الأحداث وتعقيدها.

تُعرف دراسة التأثير النفسي للإيقاع باسم سايكوأكوستيكس [Mtooltip description=”psychoacoustics” /]، وهو نوع من العلوم البينية، يشترك فيه كلٌّ من علم النفس والفيزياء والأحياء ودراسة الصوتيات وغيرها. يدرس العلم العامل النفسي الذي ينشأ نتيجة تحول الموجات الصوتية في شكلها الفيزيائي، انتهاءً بتأثيرها البايولوجي على الموجات الكهربية للمخ، والتي تؤثر في تسارع وتباطؤ التنفس وضربات القلب وغيرها من التغيرات الفيزيولوجية.

كذلك يدرس السايكو أكوستيكس ما يُعرف بظاهرة التدخُّل [Mtooltip description=”entraining” /]، والتي تشرح كيف يحصل تزامن [Mtooltip description=”synchronize” /] بين الجسم والموسيقى الخارجية عنه ليعمل وفق تسارُعها، ويوفق بين العنصر الداخلي للإيقاع والعنصر الخارجي، وقدرة الوعي على تقبل نغمة معينة أو رفضها تمامًا في وقت أخر، بحسب ظروفه المحيطة. مثلما نفضل أحيانًا الاستماع لموسيقى هادئة في أوقات محددة، وفي أوقات أخرى نبحث عن الأكثر طاقة، مثل الميتال والروك مثلًا.

في كتابه سبر المشهد الداخلي: الموسيقي كعلاج يشرح كاي جارندر ثمانية عناصر تصبح بهما الموسيقى علاجية. عند تأمل هذه العناصر الثمانية نجد أنها تصدق بالكامل على الزار وموسيقاه وبنيته الداخلية. مثلًا يتحدث جارندر عن الموسيقى الخلفية [Mtooltip description=”Drone” /]، وهي مجموعة من الأصوات المتشابكة التي لا تنقطع وتعمل في خلفية الموسيقى أو الأغنية، أصوات مثل الهمس، وفي الزار توفر الشخشيخة والطنبورة هذه الأصوات. يضيف جارندر عناصر أخرى مثل: التكرار الذي يعمل عمل التنويم المغناطيسي الذي يخلق بيئة مملة مؤقتًا فيسبب استرخاء الجهاز العصبي، الإيقاع سواء متصاعد أو هابط، الانسجام بين العناصر الموسيقية والآلات والمؤدين، نغمة الصوت الغريبة والمميزة سواء من الآلة أو المغني، حيث لا يُشترط حسن الصوت في مغني الزار تحديدًا، والتكوينة الموسيقية وتنوعها بين الفيرس والكورس بشكل تكراري ومتوقع خلال الطقس.

أما العنصر الثامن فهو الهدف، أي معرفة فرقة الزار هدفها النهائي سواءٌ كان العلاج أو الإمتاع أو الذِكر. يعزز هذا الهدف الموسيقي إيمان المتلقي ووعيه بالقصة الماورائية التي يحضر فيها الجن ويتصالح معه ويخفف من حدة مرضه. هذا الإيمان هو المتسبب في نجاح الزار طوال قرنين من الزمن، وهو المتسبب في تراجعه واندثاره اليوم، فمع النصف الثاني من القرن العشرين وتأثير العملية التعليمية للدولة العربية الحديثة وظهور تيارات الإسلام السياسي، تلقت قصص الزار وطبيعة إيمانه ضربة مزدوجة على أنها إما تخاريف أو كفر وخروج من المِلة، وهو ما أدى تدريجيًا لتغيُّر القبول الشعبي له ولموسيقاه، من ثم اختفاء فرق وأغاني وتراث طويل، نتذكره اليوم بوصفه مجرد فولكلور كان يستخدم قديمًا لعلاج الأمراض النفسية قبل أن يصفها العلم الحديث ويعالجها بالعقاقير.


المراجع

  • Hager El El Hadidi , Zār: Spirit Possession, Music, and Healing Rituals in Egypt, (Cairo: The American University

in Cairo Press, 2016).

  • Hani Fakhouri, The Zār Cult in an Egyptian Village. Anthropological Quarterly Vol. 41, No. 2.
  • Najat Khalifa, Tim Hardie, Possession and jinn, J R Soc Med. 2005.
  •  Ahmed El Maghraby, My journey with the Zār People and Mazāher Ensemble (Cairo: Egyptian center for

    culture and Art, 2020).

  • Wayne Perry, Sounding Medicine. (New jersey: New Page Book, 2007).

المزيـــد علــى معـــازف