.
بحسب التسجيلات التي وصلتنا، تعددت موضوعات الإنشاد الديني القاهري وتنوّعت إلى عدة أغراض، كان أهمها وأكثرها حضورًا المديح النبوي، الذي كاد يستحوذ على مادة الإنشاد في أكثر المناسبات الدينية، وانضمّت إليه قراءة السيرة النبوية عبر ذلك الجنس الأدبي الفريد الذي عُرف بـ الموالد، كمولد المناوي ومولد البرزنجي.
كان استحواذ هذين الغرضين على معظم المناسبات منطقيًّا، فالإنشاد الذي ازدهر في أجواء الموالد والاحتفالات الصوفية، المتشبعة بحب النبي صلى الله عليه وسلم، كان من الطبيعي أن يجعل من شخصه الشريف موضوعه الأول الحاضر في كل وقت.
لكنّ غرضًا آخر كان الإنشاد الديني مجاله الحيوي في عالم الفنون ظل يُطلُّ علينا عبر التسجيلات، غيرَ متميز بخصائص فنية في طرائق الأداء، ولا مستقرَّ المصطلح في اللغة الرائجة للمنشدين والسمّيعة، رغم أهمية موضوعه ومنطقية حضوره، إلى أن قُيّض له من أصّل أصوله وقعّد قواعده وميّزه بملامح فنية تنتسب إليه وتُخصصه عن سائر فنون الإنشاد الديني، ألا وهو فن الابتهال.
الابتهال فيما يقول صاحبُ لسان العرب: التضرع والاجتهاد في الدعاء وإخلاصه لله، وفي حديث الدعاء لابن عباس: “المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعًا”، أي أن ترفعهما كاملتين.
اشتهر مصطلح الابتهال في الإنشاد بدلالة تطابق هذا المعنى اللغوي الوارد في لسان العرب، بظلاله التصويرية المروية في حديث ابن عباس، فهو إنشاد الأشعار والكلمات التي موضوعها دعاء الله ومناجاته والضراعة إليه. سنرجع إلى هذا التعريف بعبارة أخرى حين نستعرض حديث أشهر المبتهلين عن فن الابتهال.
لكن فيما يبدو فإن مصطلح الابتهال لم يعرف الشهرة والاستقرار خلال النصف الأول من القرن العشرين، كما يعرفهما اليوم، رُبما لقلة توجه المنشدين إليه مقارنة بالمديح النبوي والموالد، وربما لعدم التفات أكثر المنشدين حينئذ إلى تمييزه بخصائص تُوضحه عن غيره من أغراض الإنشاد. لهذا تعاقبت عليه عدة مصطلحات كانت تطرأ على قائلها بحسب الحاجة كالأدعية والاستغاثات، والأخير تطالعنا به مجلة الإذاعة في وصف فقرة للشيخ عبد السميع بيومي تسبق الأذان عام ١٩٤٩.
من بين تراث الأجيال الأولى من المنشدين، التي وصلنا تراثها عبر الأسطوانات قبل نشأة الإذاعة وفي بواكير عهدها، نجد قِطَعًا كثيرةً تنتمي كلماتها بوضوح إلى نوع الابتهال، لكنّ أسلوب أدائها لم يتّسم في جميع الحالات بخصائص يمكن أن تجعل الابتهال نوعًا واضح التمايز بين أنواع الإنشاد.
وقد تفاوتت النماذج التي وصلتنا في درجة جنوحها إلى طريقة منفردة عن الشكل العام الذي كان سائدًا في التواشيح، كما تفاوتت في التقنيات التي لجأ إليها المنشدون لتحقيق حالة الابتهال، وتهيئة الحاضنة النفسية التي يحتاجها الداعي / المبتهل ولا يحتاجها المادح أو قارئ المولد، أو القوّال في مُطلق القِوالة.
تنوعّت أسباب هذا التفاوت ما بين مستوى النضج الفني الذي وصله الإنشاد ووعيه بخصوصية الابتهال حينئذ، وطبيعة مكان الإنشاد أو وسيط التسجيل وما يفرضه أحدهما من تقنيات للقول الفني، وخلفيات المشايخ وتقاليد أدائهم المعتادة. ستجعلنا هذه الأخيرة نتوقف في البداية عند شيخ من كبار مشايخ الطرب ومُعلّميه، هو الشيخ أبو العلا محمد (١٨٧٨ – ١٩٢٧) أستاذ أم كلثوم ومكتشفها، رغم أنّ ثقافتنا السماعية اعتادت التعامل معه مغنّيًا وملحنًا للقصائد لا منشدًا دينيًّا، وهي فكرة زادها ارتباط اسمه بأم كلثوم تأكيدًا ورسوخًا في الأذهان. لكنّ هذه الفكرة ينبغي ألا تُنسيَنا أنه شيخ قبل كل شيء، وأنّ أم كلثوم التي اكتشفها شيخة كانت تمارس الإنشاد الديني وظلت تمارسه سنواتها الأولى في القاهرة.
ما يجعلنا نستدعي أبو العلا محمد في صدارة نماذج الابتهال أنّ مِن بين تراثه الذي وصلنا قِطَعًا تنتمي كلماتٍ وأداءً إلى هذا اللون، بملامح تَشي أن اللحظة الحضارية لو ساعدته على التفرغ له لكان مؤسسه الأول.
في صدارة هذه القِطع تأتي أبيات:
“أنت الذي لم تزل بالعفو متصفًا
تجود حِلمًا على العاصي وتسترُهُ
تُخفي القبيح وتُبدي كل صالحةٍ
وتمنح العبد إحسانًا وتشكرُهُ”
والتي أداها أبو العلا في ثلاث دقائق وربع تقريبًا، من مقام البياتي، بخشوع وضراعة وسكينة، وبلا إيقاع ولا دولاب (مقدمة)، وبجُمل لا يتبدّى منها أي قصد للإطراب، لا يُصاحبه فيها إلا كمانٌ يجاوبه، وحضور شرفي لقانون لا يعزف إلا نقراتٍ حيية تُمثل فَرشةً موسيقية من الطبقة التي يُغني منها الشيخ.
تبدو هذه القطعةُ ابتهالًا مكتمل الهيئة من الكلمات واللحن والأداء، ولا يُشكل على هذه الهيئة وجود الموسيقى فيها، لأنّ غياب الإيقاع تركَ للشيخ براح الحالة النفسية المناسبة للدعاء والمناجاة، وترك الأداء أشبه بالاسترسال والارتجال، وهو ما يبقى احتمالًا وجيهًا في لحن هذه القطعة. فيما أكد حضورُ الكمان حالةَ الابتهال ولم يُناقضها، إذ كانت تُجاوب الشيخ في استرساله باسترسال شبيه، وكأنما تُناجي معه بأنينها الشجي.
ما ينطبق على هذه القطعة ينطبق على قطعة أخرى لأبو العلا: يا مَن إذا قلتُ يا مولاي لباني، وإن بدرجة أقل، إذ إن حضور المطيباتية فيها خرق فردية الابتهال وسكينته، وخفّض كثيرًا مِن حالة الخشوع التي كان عليها أبو العلا في القِطعة السابقة.
أدى أبو العلا أيضًا قصيدة يا رب هيئ لنا مِن أمرنا رشدا مرسلة بمصاحبة الكمان، وسبقها دولاب موقّع، لكنّ قصدية الإطراب في هذا التسجيل واضحة مِن خلال إعادات أبو العلا وتصرُّفاته وتصرفات الكمان معه. لا يمكننا أن نعُدّ الأداء الأخير ابتهالًا خالصًا كسابقه، وإن احتفظ ببعض خصائصه كغياب الإيقاع مع الغناء، لكنه يبقى أقرب إلى القصيدة المرسلة.
في عصر ما قبل الإذاعة يبرز اسم الشيخ إسماعيل سكر واحدًا مِن أهم المنشدين وملحني التواشيح، وقد وصلنا عدد غير قليل من تواشيحه عبر الأسطوانات، لكنّا لم نجد منها ما يمكن أن يَخلص للابتهال كنموذجَيْ أبو العلا، وإن وجدنا فيه قِطعة مناجاة لآل البيت: يا كرام الورى حُسبنا عليكم. تكمنُ أهمية هذه القطعة في أنها تلفت نظرَنا إلى أنّ معنى الابتهال يصدق على كل دعاء ومناجاة لمقدّسٍ أعلى، ويمكن أن يشمل تراثًا كبيرًا من الشعر الصوفي الذي ناجى النبي وآل البيت واستغاث بهم، بغض النظر عن أي جدل عقَدي قد يُثار حوله، مع الالتفات إلى حضور غرض مدح النبي وآل البيت في أمثال هذه الابتهالات، والتباسه بغرض الدعاء / المناجاة، ما يجعل الحالة النفسية غير خالصة للابتهال كما في مناجاة الله. ربما لهذا السبب لم تشتهر قِطعٌ كثيرة من هذا النوع بخصائص الابتهال، ولا يبدو أن الشيخ إسماعيل سكر التفت إلى تطعيم هذه المناجاة بخشوع زائد أو بملامح فنية خاصة، باستثناء أدائها منفردًا، وعدم دخول البطانة عليه إلا مع تحوله إلى المدح.
أما الشيخ علي محمود (١٨٧٨ – ١٩٤٣)، ورغم كونه إمام المنشدين في كل العصور بإجماع أهل الإنشاد والسماع، فإنّ ما وصلنا مِن إنشاده أقل مما وصلنا مِن غنائه، وقليل مِن هذا الأقل هو الذي يمكن نسبته – مِن جهة كلماته – إلى لون الابتهال، ونعني به أبيات أدخل على قلبي المسرة والفرح الشهيرة التي أنشدها في سياق المولد النبوي بمسجد الحسين. لا نرى في الأبيات ملامح خاصة للابتهال عنده، إذ يمارس فيها أشكالًا ثرية من التلوين النغمي والاستعراض النغمي والصوتي بشكل يخرج كليًّا عن سكينة الابتهال، وهو ما يمكن ردُّه إلى طغيان المعرفة النغمية على الشيخ علي محمود وطريقة أدائه، لكننا نرده أكثر إلى المكان والمناسبة. إذ كان ينشد في مسجد الحسين في مناسبة المولد النبوي وسط جمهور غفير، وهو ما يستدعي قِوالة جماهيرية مطربة تبتعد كثيرًا عن سكينة الابتهال، والتي يبدو الشيخ أقربَ إليها في قصيدة عاطفية مثل أنعم بوصلك لي، ولو وصلتنا أبيات ابتهالات أداها في استوديو مغلق بلا بطانة ولا جمهور لسمعنا منه بالتأكيد أداءً مختلفًا.
فيما حضرت أبيات المناجاة والدعاء في تراث الشيخ طه الفشني (١٩٠٠-١٩٧١) ووصلنا منها عدد جيد مِن القِطع، لعل أشهرها إلهي أنت للإحسان أهل وإلهي إن يكُن ذنبي عظيمًا، والأخيرة مثالٌ جيد على حالة عالية مِن الخشوع والضراعة بفعل لحنها المحزِّن على مقام الصبا وحُسن تمثل الشيخ له، رغم وجود البطانة وتناوبها المرتب معه. لعل وجود البطانة هو ما جعل معظم ابتهالات الفشني – غير هذا الابتهال – يغلب عليها الطابع العام للتواشيح، من تقنيات الأداء مع البطانة والتحولات المقامية والاستعراض النغمي في مواضع الأداء الفردي.
لكنّ صوت الشيخ طه الفشني الناعم اللين، بقُدرته العالية على التلون والتمثل والتصوير، كان أكبر مُعين للمستمع على دخول حالة الابتهال والاستقرار النفسي فيها، كما مثّلت تواشيح الفجر لحظةً مناسبة لاندماج الشيخ في حالة الابتهال الفردي الذي يسبق الأذان آتيًا فيه بالروائع والنوادر.
وإذا كنا تحدثنا مع الشيخ إسماعيل سكر عن الابتهال الموجه إلى النبي وآل البيت، فإن الفشني في ابتهالات الفجر يقطع خطوات أبعد ليبتهل إلى شهر رمضان مودِّعًا بعباراته الشجية ونغماته الحزينة: “السلام عليك يا شهر رمضان، السلام عليك يا شهر القرآن، السلام عليك يا شهر التراويح، السلام عليك يا شهر المصابيح، نودعك ونحن مشتاقون إليك، ونفارقك ونحن متأسفون عليك” قبل أن يصل إلى ذروته وهو يقول: “بالله يا شهرنا لا تشتكي لله أفعالنا، لا تشتكي لله أوزارنا.”
لعل أهم إضافات الفشني إلى الابتهال هي نداء يا رب الذي جعله وحدة فنيةً قائمةً بذاتها تردُ في أي موضع يتهيأ له في سياق النغم بين كلمات الابتهال، وقد صاغ له ملامح ثابتة عبر مدّ الألف وتنغيمها والارتقاء بها وصولًا بختام الجملة إلى السماء / أعلى جواب المقام.
اتبع المنشدون الفشني في هذه الملامح حتى باتت علامة من علامات الابتهال وخاصة في الفجر، فسمعناها من الشيخ محمد الطوخي والشيخ سيد النقشبندي وجُل مَن جاء بعدهما من المنشدين، بل قد سمعناها مِن أم كلثوم في تفريد بيت “يا رب هبت شعوب مِن منيّتها” من وصلة نهج البردة بحفل دمشق الشهير عام ١٩٥٥.
كان حضورها في هذا التفريد منطقيًّا تمامًا، لأنّ السنباطي أدخل خصائص الابتهال في لحن هذا البيت، وفي لحن بيت “ما جئت بابك مادحًا بل داعيًا” من ولد الهدى، فأسكت عنهما الإيقاع في الحفلات وقَصَرَ الموسيقى على فرش الطبقة وعزف لازمة هامسة، فانطلقت أم كلثوم في ابتهالها وتمثلت الحال وأطالت المدود، وأدّت ما يمكننا اعتباره ابتهالًا في الأغنية، ولو لحّن لها قطعة كاملة من عدة أبيات على هذا المنوال لعرفنا الابتهال الغنائي.
عند مجايلي الفشني لا نقف على ملامح فنية خاصة للابتهال إذا استثنينا الأداء الفردي، وحالة الخشوع التي ينجحون في الوصول إليها، أو في توصيلها، في بعض الابتهالات دون بعض، بحسب سياق الأداء ومكانه والمقام المؤدى منه والحالة النفسية للشيخ وقت الأداء، ومن أهم الابتهالات التي وصلتنا من هذا الجيل يا من إليه بعزه أتشفع للشيخ محمد الفيومي، ورب أنت الحكيم للشيخ عبد السميع بيومي.
لكن في عام ١٩٥٦ كان الابتهال على موعد مع القدر، حين قبلت الإذاعةُ الرجلَ الذي سيؤصل أصوله ويُقعد قواعده ويجعل منه فنًّا ناضجًا قائمًا بنفسه ويخلق له جماهيرية لم يعرفها مِن قبل، وهو الشيخ نصر الدين طوبار (١٩٢٠ – ١٩٨٦)، الذي كان مِن حُسن حظ الابتهال أن رفضته الإذاعة قارئًا لتقبله منشدًا وتدفعه دفعًا إلى توجيه جهده الفني نحو الإنشاد، والذي تمخض عن فن الابتهال في هيئته الكاملة التي لم تُعرف قبله.
بدأ طوبار منشدًا على الطريقة التقليدية يؤدي المدائح النبوية مع البطانة، ووصلنا من تسجيلاته التي تنتمي إلى هذا النوع: يا من له في يثربٍ روضاتُ ويا مَن رضيتَ لنا دين الهدى دينا. رغم روعة هذه القطع وبلوغها من الجودة الفنية ما منحها إجازة لجان الرقابة الصارمة في الإذاعة، ورغم ارتباط الناس بها عبر بثها المتكرر في الإذاعة، فإنها ليست مِن أفضل أعمال طوبار، ولا مِن أفضل الأعمال المؤداة مع البطانة عمومًا، فللشيخ نصر صوتٌ هادئ حزينٌ لا يتناغم مع زحام البطانة بالصورة التي نسمعها في تواشيح علي محمود وطه الفشني. بل يبدو مِن شجنه وكأنه يُنشد إلى داخل نفسه، ولهذا كان ألمعَ مواضع أدائه مع البطانة ذلك الموضع الذي انفرد فيه بنفسه يناجي الله بالحمد ويمدّ الياء في حمدًا إليك من شطر “حمدًا إليك فذاك الفضل يغنينا.”
يبدو أن الشيخ نفسه أحسّ بهذا الأمر، حين شعر بأن تجاوب الجمهور مع أدائه على الطريقة التقليدية لم يبلغ الدرجة التي يرضاها لنفسه، فبدأ يُفكر في طريقة أداء تناسبه، فاتجهت فطرته إلى غرض الابتهال واشتغل على صقله وتخصيصه بلون يميزه عن أشكال الأداء الأخرى.
تخلّى الشيخ عن البطانة، وهذا أمر منطقي مع الابتهال الذي هو مناجاة بين العبد وربه يُفترض فيها الخلوة والانفراد، ثم لجأ إلى تقنيتين تحققان شعور الخشوع والتحزين أيًّا كان المقام الذي يُنشد منه، وهما التبطئةُ والأنين. جاءت ابتهالاته أبطأ من كل تراث الإنشاد القاهري المسجل السابق عليه تحقيقًا للتؤدة وجلبًا للسكينة إلى نفسه ونفس المستمع، واستعان بالأنين في المواضع التي تتيسر له من نهايات الجُمل وعُرَب المدود، ثم قصد قصدًا إلى تقليل القفلات منعًا لتغوُّل الطرب على الخشوع.
لذا في ابتهالاته المسجلة في الاستوديو غالبًا ما اكتفى بقفلة واحدة في النهاية يحشد لها بناءه النغمي تصعيدًا وتوتيرًا حتى يصل قُبيل النهاية إلى ذروة أدائه الصوتي في علياء الجواب، ثم يهبط منه إلى القفلة وقد صعَدَت وهبطَت معه أنفاس المستمعين ونفوسهم؛ وإذا سبقتها قفلةٌ أخرى فغالبًا ما تكون قفلة بسيطة، ليس لها على الآذان سلطان القفلة الأخيرة.
أما في ابتهالات المساجد فربما تعددت القفلات بحسب طول الوصلة، لكن هذا لا ينقض نفس البنية التي اعتمدها، فقد باعد بين القفلات المتعددة والتزم في الطريق إلى كل منها بنفس التصعيد البطيء والحشد المنظم، ولهذا لا يفتقد مستمعُ طوبار الخشوع أيًّا كان المقام الذي يؤدي منه، فملامح طريقته ضامنة لتحققه بأي مقام وأي سياق.
لم يكن لهذه البنية الفنية الواضحة أن تأتي عفوًا وارتجالًا، بل ولدت عن قصد وتخطيط، فكان الشيخ يؤدي بروفات في بيته ويسجلها ويَسمع نفسَه ويُسمع أهل بيته طلبًا لأكمل صورة للابتهال. كما كان يصدر عن علم، فقد درس بالقسم الحُر بمعهد الموسيقى العربية بالقاهرة – بنصيحة من الموسيقار محمد عبد الوهاب – ولذا انتفع أتم الانتفاع بصوته رغم عدم تمتعه بالقوة والمساحة التي حظي بها مجايله سيد النقشبندي أو لاحقُهُ محمد عمران.
ظهر علمه أيضًا في تخطيطه المقامي لابتهالاته، فكان يُفضل في ابتهالات الاستوديو القصيرة أن يَقصر الابتهال على مقام واحد، وفي حالات قليلة كان يغير المقام مرة واحدة، لكنه في الوقت نفسه نوّع بين مقامات هذه الابتهالات القصيرة بشكل يدل على قصد وتخطيط.
بالإضافة إلى الأداء، تغلغل هذا القصد والتخطيط في الكلمات، التي كثيرًا ما طلب من الشعراء تعديلها أو الإضافة إليها، وكثيرًا ما وضع لهم تصورات لكتابة أبيات تنتهي نهاية واضحةً في ذهنه يريد القفل عليها. يحكي الشيخ طوبار أنه طلب من الشاعر الصاوي شعلان – إبان حرب أكتوبر – كتابة دعاء للجيش ينتهي بآية قرآنية، فكتب له دعاء ينتهي بآية “ويومَئذٍ يفرحُ المؤمنون.” تغري هذه القصة التي حكاها طوبار في حوار إذاعي بتلمُّس شبيه لها في ابتهالاته الأخرى، وأحسب أنّ الشبيه ابتهاله الشهير يا إله العالمين الذي خُتم بالمأثورة الدينية “حسبي الله نعم الوكيل.”
جعله هذا الحرص على اختتام ابتهالاته بآيات قرآنية أو مأثورات مشهورة يلتقي في ختام ابتهالاته بثوابت المعرفة الإيمانية عند المستمع، ليؤكد استجابتَهُ للحالة الشعورية التي أراد من خلال الابتهال أن يوصله إليها، فبالإضافة إلى البناء النغمي المتصاعد الذي ينتهي بقفلة منطقية لا يستطيع السامعُ الإفلات مِن أثرها، فإنه سيكون أشد استجابة لثوابته الإيمانية وحقائقه العرفانية التي يرسو عندها مع سماع الآية والمأثورة، فلا يَبرحُ أثرُ الابتهال نفسَهُ وقد امتزج بإيمانها وعرفانها.
قطع طوبار خطوةً أبعد في تطوير كلمات الابتهالات حين أنشد في بعضها سجعًا لا شِعرًا، وكأنما طلبت نفسُهُ للمناجاة براحًا قوليًّا لم يجده في الشعر المحدود بأوزانه وقوافيه، ووجده في النثر المسجوع بما لجُمله من تفاوت في الامتداد والطول. كان يُنشده في المساجد، ويمنحه فرصةً أكبر لتبطئة التصاعد النغمي، حتى ينفُذ به إلى قلوب الحاضرين فتعلو أصواتهم بالدعاء مع بلوغه الذروة قبيل القفلة ومعها.
بمجموع هذه العوامل تمكنت ابتهالات طوبار من وجدان الناس، وباتت ابتهالات مثل يا إله العالمين وطال في ساحة الرجاء دعائي ومجيب السائلين وقطرة مِن نداك علامات في بابها، ومنارات روحية ترددها الإذاعات ويُخلد إليها المستمعون من أجل معراج روحي شفيف في محراب الدعاء والمناجاة.
في حوار إذاعي سجله الشيخ نصر الدين طوبار مع الإعلامي فوزي خليل خلال عقد الثمانينيات، باح بكثير مِن هذه التفاصيل التي دلّت على معرفته وتخطيطه لشكل الابتهال الذي وصل إليه، وتكرر مصطلح الابتهال في حديثه وحديث المحاور بشكل يؤكد استقراره ورسوخه للدلالة على هذا اللون من الأداء – على يد طوبار – بعد أن كانت دلالته قبل ثلاثين عامًا تائهةً بين الألفاظ.
خَصّهُ المحاور بسؤال نظري عن الفرق بين الابتهالات والتواشيح، وهو سؤال حمل اعترافًا ضمنيًّا بريادة الشيخ طوبار في تخصيص هذا اللون وسبك أسلوبه، وسنقف هنا مع إجابته لأنها تمثل تنظيرَ صاحب الفن لفنه وحدوده التي وضعها له، عرّف الشيخ الابتهال بأنه “استغاثات وأدعية ورجاء ودعاء والتجاء إلى الله، وأنسب وقتٍ له الفجر، فلا يُقال في السهرات.” أما التوشيح فهو “قصيدة شعرية تلحن بروح دينية، ويقال مع البطانة بغير مصاحبة الموسيقى، ولو أُدخلت عليه الموسيقى صار أغنية دينية.”
تمثل إجابات الشيخ أساسًا نظريًّا لواقع الابتهال والتوشيح والأغنية الدينية في عصره وكما مارس كلًّا منها، على أنها تقبل المناقشة إذا استدعينا إليها نماذج من حِقَب أخرى، فالموسيقى التي صاحبت أبو العلا محمد في أنت الذي لم تزل بالعفو متصفًا لم تفسد هوية الابتهال، والبطانة التي صاحبت طه الفشني في إلهي إن يكن ذنبي عظيمًا صحيح أنها جعلته توشيحًا، لكنها لم تنزع عنه صفة الابتهال مع كلماته الضارعة ونغماته الحزينة وحًسن تمثُّل الفشني لهما.
يمكننا القول إن طريقة طوبار في الابتهال مع الزمن قد دمغت أسلوبه في ألوان الإنشاد الأخرى، فاحتفظ بهدوءه وشيء مِن بطئه في المدائح والموالد، وربما كان مرد هذا إلى مناسبة هذه الطريقة لطبيعة صوته خامةً ومساحة، وفي الوقت نفسه دمغ طوبار الابتهال بصوته وأسلوبه حتى بات من الصعب أن نجد لمجايليه بصمة مغايرة في الابتهال، وتوجهت أساليبهم نحو ألوان الإنشاد الأخرى.
بعد طوبار نجد ابتهالات شهيرة للشيخ محمد عمران (١٩٤٤ – ١٩٩٤) الذي لم يتأثر بطوبار وتمتع بصوت واسع المساحة قوي الجهر، واستعرض مساحته وجهره في ابتهالات مثل إلهي عبدك الجاني أتاكا ويا من إليه تضرعي ورجائي، محاولًا استمداد الخشوع والسكينة من روح مقامات البياتي والصبا والحجاز التي أنشد عليها الابتهالين بما يكمن فيها مِن الحزن والخشوع، وهو ما نجح فيه، لكن الاعتماد على هذه التقنية يصبح مخاطرة بالابتهال إذا تغير المقام إلى الرست أو الجهاركاه مثلًا.
فيما تراجعت خصوصية الابتهالات كثيرًا عند اللاحقين، رغم توسع استعمال المصطلح على ألسنة المذيعين وتعميمه بالخطأ على ألوان الإنشاد، فلجأ بعض المنشدين المتأخرين إلى محاكاة الملامح العامة لابتهالات طوبار مُدركين بعضها دون بعض، وكثير منهم لم يُصب إلا تأخير القفلة فبات الابتهال أشبه بالموال. فيما رجع البعض الآخر بالابتهال إلى سمت الأداء الفردي العام في الإنشاد، مع اندثار البطانة وتحوُّلها إلى حكايات مِن التاريخ.
بقيت ابتهالات الشيخ نصر الدين طوبار وحيدةَ فنِّها فريدةَ لونِها، تدعو إليها المناجين، وتضمُّ إلى رحابها السائلين، الذين يجدون في محرابها ما لا يجدون في سواها.