fbpx .
ما رح أوطي معاييري | مقابلة مع بشندي من قلب الإبادة

ما رح أوطي معاييري | مقابلة مع بشندي

معازف ۲۰۲۵/۰۸/۲۹

من آواخر ٢٠٢٣ وإحنا ملتفتين لمشهد الراب اللي عم بتشكّل بغزة. لما الراب صار مكرر وممل في معظم المشاهد الموسيقية، حاولوا شباب غزة رغم كل شي إنهم يطلعوا بنسق مختلف. بشندي من الرابرز الموهوبين، اللي ما إلهم لسا كثير إنتاجات ظاهرة للعلن، ولكنه قدر بفترة قصيرة يبرز نفسه.

بالرغم من صعوبة المكالمة وكثرة انقطاعها، وتبديل أكثر من شريحة وجوال (تحية لولاد عم بشندي على المساعدة)، إلا إنه حكينا معه عن شغفه بالموسيقى، وتراكاته اللي أنتجها خلال الحرب، عن ڤينت، الكوليكتف اللي صارت شركة تسجيلات بستثمر هو وصحابه فيها طاقاتهم وبتحاول تثبت حالها بغزة؛ وأخيرًا، عن جدوى ومعنى إنك تنتج فن أو موسيقى بقلب إبادة مُستمرة، وإنت عم تنزح من مكان لمكان.


ريم: الكل بيعرف بَشنْدي إنه الرابر الصامد في غزة، بس إنت كيف بتعرّف عن حالك؟

اسمي محمد الزعنون، عمري ٢٥، مواليد الألفين، إجيت مع الانتفاضة، زلمة بحب الأغاني كتير. 

ريم: والموسيقى، متى بلشت معك؟ شو الأغاني اللي بتحب تسمعها؟

هي بلشت معاي من عمر صغير. يعني أنا بحب الأغاني بشكل عام، ولكن إذا بدنا نحكي هيب هوب، بحب الموسيقى من وعمري ١٢ سنة، أول مرة كنت بحس إنه أوف شو هذا الإشي الحلو كثير، واللي مختلف عندي إني بستلهم من ناس فعلًا محدش بعرفها، زي مثلًا يعني أول تراك هيب هوب سمعته بحياتي كان  لرابر اسمه محمد عنتر، ما بعرف إذا بتعرفيه.

هو شب غزاوي، بل ٢٠١٠ تقريبًا نزل تراك اسمه ٢٣ يوم، هذا التراك كان عامله عن الاجتياح اللي صار في الـ ٢٠٠٨، فهذا كان أول مرة بحياتي أشوف عمل هيب هوب، وعمل موسيقي من غزة أصلًا، أو شيء غير عن الموسيقى التقليدية اللي منعرفها كأطفال. والشب هذا كان ساكن في المنطقة تبعتي، بس ولا عمري التقيته هناك، حتى وأنا صغير ولا عمري التقيته، بس كنت كثير حافظ أغانيه كلها، وقتها كانت الأطفال في المدرسة بتروح بتسمّع دروس وهيك، أنا بروح بسمّع كلمات أغانيه.

ريم: بس كيف وصلوك بهذاك الوقت الأغاني؟ 

كان عندي كمبيوتر قديم، من اللي بيجي إله ظهر كبير، شفته عليه، كنت أفتح يوتيوب من جوجل أو من الويب وقتها، وكان عامل فيديو كليب، والتراك كثير دراماتيكي، كله حرب ودمار فتأثرت فيه كثير. وبعدها إجت عنا موجة مين إرهابي وفرقة دام، بعدها أنا قررت إنه أصير فايت كثير بهذا الإشي، يعني كنت بمشي في المنطقة عنا، إنه أنا تبع الراب واليوه وهيك، وكنت عايش الدور كله.

وبتذكر أكلت بهدلة نضيفة من أهلي، إنه روح ركّز بالدراسة وسيبك من هاد كله، فعرفت إنه لازم أوصل لعمر بقدر آخذ فيه قرار لحالي يعني، بعديها برجع للراب، وبختاره ثاني، وهيك عملت تقريبًا.

ريم: طب، شو اللي خلاك تختار اسم بَشندي؟ الاسم مش مألوف من مرة.

مش أنا اللي اخترته بصراحة [يضحك]، هو قصته بتضحك. أنا أول ما انولدت، كان عندي أخ أكبر مني، وعندي تنين إخوة أصغر مني، وعندي أختين أصغر مني كمان، مبدئيًا.

ريم: الله يخليلك اياهم! 

الله يسعدِك. أخوي اللي أكبر مني، بيني وبينه سنة وشوي، لما انولد أخوي إجا، ما شاء الله، كثير حلو، بالنسبة لمعايير الجمال عنا بالعيلة يعني، فبعدها أنا إجيت بشبه أي إشي إلا الطفل الحلو، يعني نوعًا ما خيبت آمالهم بشكلي، فادي كان حلو فأكيد اللي بعده بيجي أحلى، بس لأ ما كانش هيك الوضع، فعمّي أول ما انولدت قرر هيك إنه هذا الولد هو شكله بَشندي. 

ريم: بس شو يعني بشندي؟

هو على الأكيد اسم مصري.

عمر: هو فيه شخصية فعلًا اسمها بشندي بفيلم مصري. 

أيوه، آه آه حضرته، وهو الغالبية برضه بتفكر هيك، لإني بضل أمزح زي محمد هنيدي مفكرينّي، فبربطوني فيه، بس هو أقدم من هيك شوي. وهو طلّع علي اللقب وأنا طفل، وضل معي فترة منيحة. بعدها تنقلنا وسكنا بأكثر من مكان فانتسى، لأنه بعدنا عن العيلة شوي، فبطل حد يناديني فيه.

بس لما صرت بالثانوية، رجع أخوي ذكرني فيه، وصاروا صحابي بدهم يعملوا علي حفلة، فأنا قررت وقتها إنه أحسن حل عشان محدش يتنمر علي فيه، إنه أخليه اسمي، عنجد. وبصراحة ما كنتش ملاقي اسم فنّي، فهو ركب خلص، بشندي، وإنه ما حدش حيسمي حاله هيك أنا متأكد. ولما بنسَئِل إيش معناه بنعجق، إنه جد شو معناه، آخر مرة دورت بجوجل، طلع اسم طائر، زي المالك الحزين [يضحك].

عمر: طب إمتى بدأت تكتب، أو بدأت تراب؟

أكيد وأنا صغير جربت، بس طلع إشي يعني خرائي على الأخر، بس يمكن بالـ ٢٠١٨، صرت أشوف السين المصري بيفقع، وصرت أفكر، ليش أنا لأ، يعني خلص إجا الوقت اللي أنا لازم أجرب أعمل إشي، برضه كانت طاقتهم حلوة يعني. وأبيو، كل ما أسمع أبيو أصير بدي أكتب خمسين تراك، أوف ما أشطره، إنه كيف هو هيك شاطر، أنا بدي أعمل زيه.

فبلشت أكتب وما كنتش قوي بالكتابة، بس كنت عارف إنه أي إشي بتتمرن عليه منيح بتصير أشطر حدا، إنت بس أعطيه وقت. وأتوقع أنا كمان يمكن حتى كنت رح أبلش أنتج بشكل شوي مرتب أبدر، لولا طريقة حياتي وشغلي ودراستي وهيك. 

ريم: ليش شو كنت تدرس؟ 

أنا درست أكتر من تخصص، بس ما كملت ولا واحد، يعني سجلت تجارة إنجليزي، وما كانتش المشكلة بالتخصص، كانت المشكلة فيي. ما كنتش متقبل إني أسمع الكلام وأروح على المحاضرات، إنه ما صدقتش وأطلع من المدرسة. برضه الجامعة كانت بدها مصاري، وأنا بدي أعمل مصاري، فرحت أشتغللي بالتجارة، وهذا اللي أخرني عن الموسيقى. بس اللي كان معي دايمًا، إنه أنا زلمة سمّيع، من وأنا صغير بسمع كلشي. 

ريم: غير الهيب هوب، شو فيه مزيكا سمعتها شكّلت ذائقتك الموسيقية؟

بحب شمال أفريقيا، كتير بسمع راي أوقات، بحب المغاربة، المغاربة كتير شاطرين. وأكيد طبعًا إحنا في غزة بننعد زي كأننا حارة بمصر، كثير متأثرين بالثقافة المصرية، بحكم إنه فش بيننا إشي. وهي أساسًا المكان الوحيد اللي إنت أول ما تطلع من غزة بتشوفه، فمتأثرين بالسينما المصرية والموسيقى عندهم، وبالثقافة بشكل عام. فبسمع كلشي من ناحية هيب هوب وبوب، وفيه طبعًا الباندز المصرية أغلب شباب غزة بسمعوها.  

حتى الهيب هوب كثير بسمع من ثقافته الأم، وفيه كثير رابرز أمريكان بلهموني، وفيه كثير بشوفهم تفاهة مطلقة. 

عمر: أمريكان زي مين؟

كانيه ويست أكيد لازم أكون بسمعه، آيساب روكي عم بسمعله كثير بالفترة الأخيرة، وكندريك لمار برضه.

عمر: طب إنت كنت بتنتج ازاي؟ هل تعلمت الإنتاج، وهل بتعمل التراكات بنفسك؟

أحكيلك الانتاج كيف بدأ، هسا أنا أول ما بلشت ما كانش عندي لاب توب، بس كنت بسمع بيتس من اليوتيوب بحاول أكتب عليها، كبيري أصوّر فري ستايل وأنزله، محدش يشوفه، وهيك آخري، لحد ما قررت إنه لازم أشتري معدات وأبلش أشتغل، فبهديك الفترة تعرفت على نابس بوي، أسامة. 

ريم: كيف ومتى تعرّفت على نابس بوي؟

هذا الحكي بـ ٢٠٢٠ تقريبًا، أسامة ساكن وين أنا ساكن، يعني بيني وبينه بس عمارتين، بس ما التقيت فيه ولا مرة، إلى أن مرة كنت مروح من الشغل مع المغرب، فوقفت عند بسطة سجاير وقهوة، لواحد صاحبي وجارنا، كنت بدي أشتري، فكان واقف صاحبي مع أسامة وبيحكوا قاعدين عن تراك لمحراك أتوقع، فلما حد بسمع لمحراك، أكيد سمّيع هيب هوب، ما حكاش عن ويجز مثلًا، فاتطلعت عليه بحكيله محراك! إنت بتعرفه؟ حكالي أه يا زلمة بعرفه وفيه بيننا شوية تواصل، قلتله أحّا، ضروي أنا وياك نقعد.

هو استغرب وقتها يمكن كيف كنت خاش عليه، سألته وين ساكن، قلي غاد، وطلع بعرف أخوي فادي، واتفقنا نشوف بعض الجمعة. صرنا عشان شغلي، كل جمعة أروح عليه، من الصبح للتلاتة أربعة الفجر وبعدها أروح. وقتها كان مبلش يعمل بيتس، وهو عبقري موسيقى وعلى مستوى فلسطين بشوفه من الخمسة الأهم، ومع إنه لسه ما نشر إشي، بس أنا عارف إيش عنده إمكانيات وشايف.

فبلش هو يعلمني كيف البرودكشن، إنه هادي اسمه كيك، هادي اسمها سنير، هاد تيمبو، فعلمني كل إشي، وقررت بعدها أشتري لاب توب، وبعدها معدات، فكنت أشتغل أشتغل وأحوّش، والمعدات عنا هون ومع الحصار كثير غالية. يعني حتى لما جبت سماعة دي تي، وصّيت صاحبي اللي كان مروح من الإمارات إنه يجبلي إياها معه، لإنه هناك فش ضرايب على الإلكترونيات، مقارنة بهون كان سعرها خيالي عنا. 

ريم: هل كانوا يدخلوا السماعات مع الحصار عادي؟

هان بس فيه شركة وحدة كانت تدخلها، وكانوا ياخدوا عليها الجيش ضريبة، والسلطة ضريبة، وحكومة غزة ضريبة، والشركة بدها تربح فيها، فكان سعرها خيالي، وغير هيك الجيش كان يمنع أي معدات صوتية، لأنه فيه احتمال تستخدم لأكثر من غرض، فيعني لأ بدناش. وبيوم كنا رايحين أنا وأسامة نشتري مايك وكرت صوت من نفس الشركة، وهناك التقينا بشمالي ومحمد كمال، كانوا برضه يشتروا معدات، وتعرفنا هناك.

فيه شب اسمه راجي الجرو، بلعب وبغني روك، أتوقع حاليًا طلع على مصر. وراجي كان هناك بعرف أسامة فقله تعال أعرفك على حد هيب هوب زيك، وعرفنا على شمالي، وشبكنا مع بعض، لأنه فش مشهد موسيقي خالص عنا بغزة، وكلنا فاهمين قديش هاد الإشي سلبي للي منعمله.

فصرنا نتلاقى، نسمّع بعض إيش منشتغل وإيش منسمع، شو مشاكلنا، أنا شو اللي ناقصني، إنت شو اللي ناقصك، فصرنا مع بعض نجمع خبرات ومعدات، ونحاول نريّح بعض على قد ما نقدر، وصارت علاقتنا تقوى مع الوقت. يعني أنا اللي وصلته مع الشباب بأشهر، كنت لحالي رح أقعد فيه سنين، مع كل ظروفي وشغلي، لأنه وقتي ما كانش يسمح، بس همه كانوا يسهلوا عليا كتير، وكلنا كنا مجتهدين.

ريم: فهيك أسستوا ڤينت (VENT)؟ كيف عملتوها بالضبط؟

أيوه، هيك بلشت ڤينت، واللي خلانا نبلشها رسميًا كان تراك، لأنه صرنا نروح عند بعض كل جمعة، وعشان محمد كمال كان بالجنوب، وإحنا كلنا بغزة المدينة، فكانت مواصلات عليه وبعيدة. فكان خلص كل جمعة بيجي مرة، ومنلتقي يا عند شمالي، يا عند أسامة، وكانت الظروف مناسبة إنه انسجّل عند شمالي. فكنا نطلع ونغير جو وبنفس الوقت نلعب مزيكا.

بتذكر مرة وإحنا قاعدين، شمالي لقى بيت على يوتيوب، فحكالنا شباب البيت حلو، فحكيت أنا مستعد أنزل عليه أجرّب، وقلي شمالي يلا، وقتها كنت كاتب فيرس فرميته عليه أشوف كيف بطلع، قام زبط، وقلي شمالي إنت بلش وأنا بشوف شو بطلع معي بالفيرس التاني، ومحمد قال أنا بعمل الهوك، وأسامة ما كانش بده ينزل أصلًا على التراك.

قبل ما أخلص تسجيل الفيرس، راح محمد كتب الهوك وسجّله، وبس سجلّه فاع، قال شباب إيش مالكو أنا اللي ماليش في الكتابة ولا رابر خلصت وإنتو عاملينلي فيها رابرز. قمنا نزلنا كلنا وحشرنا هيك كلنا عند المايك بالدور وسجلنا كلنا، وبعديها حكالنا يلا ابعدوا عني، وقعد مكّس ومستر، وخلص التراك بنفس الوقت، وسمعنا التراك وانبسطنا كتييير عليه، التراك اسمه باشا موجود على ساوند كلاود بس.

ريم: خفايا ساوند كلاود …

آه آه، التراك حلو يعني، مش كتراك ينسمع، يعني ممكن الناس ما تحبه، بس الفايب اللي صار فيه، والتجربة اللي كانت صافية عالآخر، وبس طاقة حلوة، وناس بدها تغني وتنبسط. يعني كان حلو فشخ.

ثواني بالله في إشي غريب طاير بالجو …

فتراك باشا خلانا نفهم بالضبط المسار تبعنا، أو شو لازم نعمل، وعرفنا من خلاله قديش مهم نوحّد طاقاتنا وجهودنا.

ريم: وخاصة في بيئة هالقد محصورة.

آه، بالضبط منعزلين إحنا كثير عن العالم، والناس بتتعاملش معنا بالطريقة المفروض يتعاملوا معنا فيها كفنانين. مفروض يكون فيه جهد أعلى إنه تحافظ على هاي الثقافة، لأنها قاعدة بتختفي. 

ريم: قصدك هسا، ولا حتى من قبل ما تبلش الإبادة؟

قبل الإبادة كان الوضع مزري برضه، يمكن الإبادة خلت شوي منا يبين، وأنا آسف وأنا بحكي هيك، بس هادي حقيقة يعني. والمشكلة بنظرة العالم ونظرة المشاهد الموسيقية بشكل عام على غزة، والأماكن اللي زي غزة، إنه بتطلعوا عليك بنظرتين؛ يا إما شفقة، يا إما استحقار، وحدة منهم، وإنت النظرتين بزبطوش معك! أنا واحد من الناس ولا وحدة فيهم بتزبط معي، بديش تيجي تحط لايك لإنك حزنان على وأنا بغني عن حرب ودمار. أنا بدي تشوف المنتج اللي بقدمه عنجد بستحق، وتحط اللايك عليه، مستوعباني؟ من قبل الحرب والإبادة هاي كلها أنا بحس إننا مش مرغوبين، وأنا صريح بهذا الإشي. 

عمر: تقصد إيه؟

يعني مش كلهم ولكن كتير من الفنانين اللي بحكوا باسم فلسطين وبتغنوا فيها، وكل القصص الهبلة، والكوفية والبطيخة والشغلات هاي كلها، واللي بطلعوا ملايين من ورا الموضوع، بحاولوا يطمسونا أو إنه إحنا ما نبين أصلًا. لأنه ببساطة شديدة إذا إحنا بيننا هو رح يبطل يعمل فلوس، لأنه هيك حيتعرى من المحتوى اللي بقدمه.

إذا طلعت رواية أهل غزة من غزة نفسها، أو أنا شو بحكي قاعد، ما بحكي عن فنانين، بحكي عن مشاهد موسيقية كاملة، وعن صناعات وناس بتعمل فلوس من ورا همنا. وبتيجي شركات التسجيل بتجيب الفنان، وبتحكيه إنت بدك هيك فلسطيني تكون، وبدك تبين هيك، وإنت كل فلسطين، وإذا أي حد بده يعرف إشي عن فلسطين لازم يجيلك، وأنا هون بحكيش بس على غزة، معظم المشاهد والصناعات بالعالم هيك بتتعامل، بدهم اللي عندهم يبينوا بس. 

ريم: بالضبط وبحطوهم ضمن قوالب مجهّزة ورمزيات. 

وبصراحة كمان مين الجهات اللي ممكن تدعم الفنانين بغزة، هم المنظمات الدولية الثقافية، وهاي المنظمات بدها إياك بشكل معين، تيجي منحوت نحت، وبدها اياك تكون أبيض في كل إشي إلا لونك ولغتك. بدك تسمع كلامنا، تحكي وتتصرف زينا، وتتأثر كمان زينا، يعني تعمل كل إشي زينا، وتعبّر زينا عشان إحنا نعطيك فلوس وندعمك لتكمل مشروعك أو نوصّل صوتك.

فالفنانين بغزة بصراحة وضعهم محزن. مع إنه غزة، مش لأني أنا فيها، أو لأني غزاوي، بس غزة من أكتر الأماكن اللي بتطلع فن نقي للعالم. يعني أهل غزة وصّلوا مشاعر ما حدش في العالم وصلها. فلما الغزاوي يوصف هاي المشاعر عن طريق الفنون، ومش شرط بس الأغاني، هو عم بعطيك تجارب، البشرية رح تقعد تتعلم عن المشاعر اللي فنانين غزة حسوها ووصفوها، والعالم بده سنين ليتعلم عنها.

إحنا بنمرش بإشي طبيعي ولا إشي سِهل. يعني حتى لو بدنا نرجع بالتاريخ، صار إبادات وصار أحداث فظيعة البشر عملوها، بس ما كانتش الناس اللي بتتعرض لهاي الأشياء ظاهرين لحدا من العالم بهاد الوضوح. كانوا عارفين إنه محدش شافهم ولو حد شافهم كان أنقذهم أو  كان ممكن عمل إشي.

بس اليوم البني آدم اللي بغزة، هو عارف إنه كل العالم شايفه، وولا حدا فارقة معه، أو يمكن مش ولا حدا فارقة معه، بس للأسف ولا إشي رح يتغير. وهاي العوامل بتوصلنا لأماكن صعبة، بين الواحد ونفسه. حتى أنا الحرب غيرت فيي كثير أشياء. 

ريم: شو غيرت فيك الحرب؟

سوداوي كثير صرت وبمكان مظلم، وبرضه الحرب عنا مقسمة على مراحل، يعني هي مش إشي واحد، مثلًا بتلاقينا منحكي أيام فترة رفح، أو والله فترة الـ ٧ أيام هدنة، أو أيام ما كنا بدير البلح، أو والله أول ما رجعنا، هاي المراحل كلها بتمثل مجموعة مشاعر في مخك. 

ريم: طب إنت وين مقيم هسا، وبالأصل من وين؟

أوكي، أنا مواليد حي الزيتون، للي ما بعرفه، هو منطقة صناعية، كلها ميكانيكية وسيارات ومواتير، يعني مش منطقة سكنية. لما صار عمري ٧ سنين طلعنا منها وتنقلنا في أكتر من مكان، بعدين استقرينا في منطقة اسمها مدينة الزهراء، اللي هي تجمّع سكني مكون من ٣٥ بناية، كل وحدة فيهم أربع طوابق، هي زي بلوك، وهي مدينة منعزلة عن غزة كلها، وهي اللي صارت محور نتساريم حاليًا. 

يعني إحنا عنا قبلية، وعشائر وكذا، بس هاي المدينة ما فيش فيها هذا الحكي، فيها شقق سكنية، كل شقة ساكنة فيها عيلة، وواحد وأولاده ومرته وفقط، فالبلوك كان زي العيلة يعني، إلنا مدارسنا وملاعبنا ومنتزهاتنا، فزي مجتمع صغير.

بس أنا كان شغلي بغزة المدينة، واشتغلت برضه فترة كبيرة بمخيم نصيرات، حوالي خمس سنين، وكانت مدرستي بمرحلة من المراحل هناك. وللأسف إنه مثلًا محور نتساريم حتى بالهدنة، ما كانش مسموح نروح، فمثلًا لما صورت تراك مسافر، أنا صورت مدينة الزهراء. بالفيديو كليب كل شوت بمسافر أي حد من المدينة يشوفه بفهم قصدي منيح أنا ليه حاطه، و أنا حاليًا بشمال القطاع.

ريم: طب شو قصة تراك مسافر، وكيف طلع معكم الفيديو؟

أول مشهد بتراك مسافر هو بيتنا وهو بنقصف، يعني هاي الدخنة الطالعة كلها من عمارتنا، من المكان اللي أنا كنت ساكن فيه، وحتى لما رجعت على الزهرا، كان ممنوع نفوتها، فصورنا وهيك وكان الوضع بخوف هناك، فطلعنا وما رجعت عليها تاني.

هاي كانت المرة الوحيدة اللي دخلت فيها الزهرا من ٧ أكتوبر، أو من ٢٠ أكتوبر، مرة وحدة يوم ما صورنا مسافر، أنا شفت بيتنا، وأسامة شاف بيته، كان مدمر برضه. وإحنا هناك ما كنا منصوّر للتراك، ما كانش أصلًا جاهز، كنا رايحين نتفرج ونشوف شو صار، ونصوّر مدينتنا لآخر مرة وهي بهاد الشكل. 

بس عملت تراك مسافر، قررنا إنه نحط مشاهد من المدينة، لأني لما كتبت مسافر كتبتها قبل الهدنة بأسبوعين، وكانت كل غزة بتمر بإحباط شديد. أنا على الصعيد الشخصي كنت مكتئب جدًا، وكنت رايح عند أسامة عأساس نبلش نعمل ستوديو من أول وجديد، ومنرتب، وكان أسامة بعمل اللوب لبيت وجاب سامبل قاعد بقطع فيها، قلته وقف وقف، هاي هي، أنا بدي أحكي عليها، وبنفس الوقت رص البيت كله، حكالي يلا سجّل وبناءً على اللي بتكتبه أنا بقطع، وفعلًا يومها ما سجلت، بس خلصت كتابة، وروحت ورديت رجعت سجلت قبل ما تصير الهدنة. سجلت بالسيارة، وأتوقع عندي صور وأنا بسجّل. 

لما صارت الهدنة تواصلت مع في ذا جوست، وهو أتوقع من الجزائر، وعرض علي إنه إذا بحتاج أي إشي بالهندسة الصوتية إنه يساعدنا، وإحنا الكهربا هان مش مساعدة أبدًا. 

[انقطاع بسيط، بشندي يخاطب قريبه: “شكله هاد قاعد بجرب سلاح، ما علينا ثواني.”]

ريم: دير بالك على حالك.

لا لا، كله تمام، إحنا هان عادي نسمع أصوات طخ، أو طخ هليكوبتر أو دبابات، لأنه إحنا على الحدود فعليًا، أنا آخر أطراف المدينة. إذا بتشوفي الفيديوهات والصور بزيكيم اللي بتطلع منها مشاهد الطحين والشاحنات على الأخبار، أنا بشوفهم قدامي، يعني بيني وبينهم ٢ أو ٣ كيلو، فعادي جدًا يكون فيه طخ واشتباكات طول الوقت. 

المهم ما علينا، وين كنا بمسافر، أه، بالنسبة للتسجيل والإنتاج، أنا عندي كتير تراكات بس مش كله بطلع.

عمر: وإيه التراك اللي بتعتبره محوري بالنسبة ليك؟

تراك لازم أكيد، لأنه تجربته كانت جدًا قاسية عليا، يعني هاد تراك على قد ما حكولي الناس إنهم حبوه، أنا ما بحب أرجع أسمعه حتى، كلشي كان بصير معي وقت هاد التراك كان جديد وقاسي، وكل يوم إحنا طلعنا صورنا فيه، أنا اتعرضت لمواقف صعبة في حياتي، كل طلعة كنا نتعرض لأشياء صعبة، وكلها كانت تجارب أول مرة بتصير معي.

الغريب في لازم إنه التراك انكتب قبل ٧ أكتوبر، والهزلي إنه بشبه بعد ٧ أكتوبر، وهذا بالنسبة إلي أكبر دليل على إنه إحنا عايشين بهاي الدوامة والطاقة السوداوية من قبل ٧ أكتوبر، وإلا ما كنتش حكيت عن هاي الأشياء، إذا حياتي كتير مرتاحة. 

لما كنا نصور قعدنا ٣٠ يوم تقريبًا، وحرفيًا ما كناش جد منحاول نصور، إحنا بنطلع، إيش بصير معنا منصور، منجمع مواد ومنحطها للتراك يعني. كنا نازحين برفح وقتها. وعلى المستوى الشخصي كنت طالع من صدمة نفسية كبيرة بحكم شو صار معنا من نزوح وقصص، وأخوي كان ماخده الجيش ولسه بنعرفش إذا هو عايش ولا ميت ولا محبوس ولا وينه.

فكنت مرهق نفسيًا، وكنا نازحين بمنطقة فيها مبنى تابع للأمم المتحدة، اسمه مبنى الصناعة، هاي بخان يونس، وتحاصرنا ٣ أيام، وبعديها قصفوا المبنى وإحنا جواته، ويعني خلص كانت هاي المرحلة أكثر فترة مظلمة بعيشها بكل حياتي. وبس طلعت من هناك رحت على رفح، لقيت أسامة بستناني، بدي أحكيله شو بصير معي، قلي بديش أسمع إشي، يلا نعمل أغاني ومزيكا، سيبك من كلشي. 

خلص، إنت عايش الآن بفجوة زمنية حاول إنك تهرب من الواقع هاد كله، وتعمل إشي بتحبه على الأقل، وهاد الحكي ساعدني كتير، وهو كان عنده طاقة أكتر مني وشحني منيح، وحكالي إنت ما عليك، وفعلًا اشتغل كل الميديا والبوسترز والإيديتنج والنشر وكلشي، فكلشي كان قائم عليه يعني.

[انقطاع الاتصال، ثم العودة.]

ريم: بعتقد زي ما الحرب مراحل، الواضح إنه كل تراك عندك مرحلة، يعني فيه مرحلة لازم، وفيه مسافر وفش وقت، صح؟

أه بالضبط، يعني برضه فش وقت كتبتها من فترة منيحة، وهدول التراكات مع بعض بعبروا عن طاقة وشخصية معينة جواتي، مع إنه بينهم وبين بعض فيه اختلافات. يعني لازم مشاعري كانت بتتفجر، كنت بني آدم رافض لكل إشي بصير. تراك مسافر كنت مصدوم، وبطلت فعليًا عايش بالواقع، بطلعش من الدار ومعزول، قديه كنت بدي أغير العالم صرت حد بدوش إشي، إنه ابعدوا عني وخلوني في حالي وكنت حزين يعني.  

ريم: بحس كتابتك كلماتها بسيطة وواضحة، وبعيدة عن أي نوع من الرمزيات أو الصور النمطية أو الفذلكة، وهذا النوع من الوضوح بجرح وبأثر بكل حد عم بسمعهم، حتى لو بسمعوش هيب هوب. فهل الكتابة عندك عملية مدروسة ولا بتعتقد إنها تلقائية أكثر؟

زمان كنت أفكر بالأشياء اللي بدي أكتبها، بس فش ولا تراك اشتغلت عليه من بعد السابع من أكتوبر فكرت شو لازم ينكتب أصلًا، لأني بس بدي أعبّر، بس بدي أحكي، بركزش كيف بتطلع شكل الكلام أو مين رح يتأثر فيه، وكيف رح يسمعوا وشو رح ياخدوا صورة عني، ولا إشي من هدول بفكر فيه إطلاقًا. 

هاد اللي بنمر فيه إحنا بخلينا أبدًا مش فارق معنا أي إشي، بدي أغني وبدي أعمل إشي أنا شايفه حلو، ولو عندي مساحة أكبر بعبّر أكتر من هيك كمان. 

عمر: وإيه الدافع الأساسي اللي بيخليك تكمّل؟

فهمت إنه ما حدش بالحياة رح يفيدني زي ما أنا ممكن أفيد حالي، وما حدش بالحياة رح يضرني زي ما أنا ممكن أضر حالي، فبديش أسعى إني أعجب ولا أغير أي حد. وبعد ما مريت بكل الضغوطات والصدمات، صار الواحد يطلع مع نفسه باستنتاجات وطرق تخليه يعيش يومه بأحسن طريقة ممكنة.

ريم: كيف شكل يومك؟ من الصبح لليل؟

والله شكل يومي كتير بدايق، يمكن عشان أنا تبع أغاني وراب، فيه عنا صورة نمطية إنه إحنا ناس بتتحملش مسؤولية أو معناش مسؤوليات، بس بالحقيقة حياتي كتير مليانة، وهاد السبب الأساسي إنه إنتاجي مش عالي، لأنه عندي مسؤوليات في بيتنا وعيلتي، لازم أشتغل، وأنا الشب التاني في البيت، والاعتماد علي كتير كبير، وإحنا بنمر بأصعب ظروف بمر فيها أي إنسان على الإطلاق، فأهل بيتي محتاجيني من كل النواحي ودايمًا، من الدعم المعنوي والنفسي والمادي والطاقة الإيجابية. 

فبالتالي مضطر أشتغل بأكتر من مكان، وأصحى من الستة الصبح وبضل لحد المغرب هيك عالسبعة، وبعدها ببلش يومي كبشندي، إنه بكتب أغاني أو بسهر مع صحابي أو أولاد عمي بنلعب شدة وهيك يعني. يعني ببساطة يومي فل شغل. 

عمر: وبعد السبعة هو الوقت اللي بتعمل فيه مزيكا؟

أه، وممكن أحكي إشي بضحك، إنه كل الفريستايلز اللي نزلتها آخر فترة، بكون فش معي وقت أكتب، بس أنا برضه بكتب بسرعة، وخاصة إذا كنت محتاج. فأفوت الحمام عالسريع وأستغل الوقت لأكتب فيرسات، وآخر كم فري ستايل نزلتهم هدول انكتبوا بالحمام.

ريم: هاي لازم نسميهم فيرسات الوقت الضائع يا بشندي. 

آه، لا ولما بدي أصوره، يعني تعب وعذاب، لأنه إنت في بلد فش فيه هدوء من مرة، اللي يطلع صوتك عادي أو واضح نفسه. يعني حتى الفريستايلز صار بدهم جهد، بس هينا منعيش التجربة. كل يوم عشته في الحرب وقبل الحرب، بضل أتذكر حاجة حلوة صارت فيه، حتى لو كان اليوم دمر الدنيا.

فللأسف، إحنا ذاكرتنا صارت مشوهة، ومستقبلنا أكيد مشوه وحاضرنا مشوه. فالواحد بحاول يحسنهم على قد ما بقدر، فالأيام منعديها كل يوم بيومه، لو مهما كان سيء، حاول تقضيه بأحسن طريقة ممكنة، لأنه بالأخير رح يروح، ويمكن يجي يوم كمان أسوأ منه، فالواحد لازم يستعد. 

ريم: فكيف بتنظر للمستقبل، بشكل عام؟

نظرتي للمستقبل، يعني لو سألت هذا السؤال لأي حدا هان مش رح تكون نظرته كثير مشرقة.  بس أنا عندي نظرتي الشخصية المتواضعة، إذا كانت الخيارات كثير محدودة و بسيطة، إما بموت قبل ما يصير إشي، وهيك رح أكون كتير زعلان، ليش شفت كل هاد و بعدين متت، يعني ليش مش من الأول؟ و لو ضليت عايش، رح يكون مستقبلي مليء بالاضطرابات على الصعيد النفسي مثلًا، بس بتوقع يعني أني راح أوصل مكان منيح إن شاء الله، ورح أتكافأ بعد كل هاد.

عمر: عمرك فكرت تطلع من غزة؟ 

أنا لازم أطلع من غزة مع الأسف الشديد. لازم، لأنه مش قادر أتقبل إني أعيش في هذا المكان اللي انأذيت فيه هالقد. أنا كل يوم الصبح بصحى وبتطلع على الشارع بتفرج على الناس، على الأماكن، على كل إشي بشوفه، ومش قادر أشوف، أنا اللون الرمادي لازم ينتهي من حياتي، لإنه بعمل اكتئاب.

كل إشي حولي لونه رمادي، البنايات كلها رمادية مدمرة، الشوارع رمادي، الناس لونها رمادي، الأواعي، الحياة رمادية بحتة، وأنا مش قادر أتحملها. كل بني آدم بشوفه، بيذكرني بإشي بوجّع القلب، ومش قادر أعيش هان، مش قادر أتخيل كل اللي مريت فيه، واللي لسه عم بمر فيه، صعب عليا أقبل

ريم: بالنسبة للحدود، هل هي مفتوحة لناس معينة؟ هسا منعرف أيام حصار غزة قبل ٧ أكتوبر، كان برضه الوضع صعب، ومش سهل أي شخص يطلع من غزة، بس هسا الوضع كارثي أكثر، فكيف ممكن أي حد يطلع؟

آخر ما توصلت له الأوضاع؛ إذا إنت إلك حد قرابة درجة أولى بجنسية أوروبية ممكن يعملك إجلاء، وإذا إنت مريض متت ثلاث مرات وقاعد بتموت المرة الخامسة عشر، ممكن يطلعوك تحويلة علاج تروح تتبهدل في مكان تاني.

أما إذا إنت حد من مواليد غزة وهويتك غزاوية، وما عندكش أي حاجة مهمة تعملها، لا إنت مش بني آدم خالص، إنت زيك زيهم هدول الناس اللي بموتهم كل يوم بهاي الأشكال الغريبة.

ما فيش يعني، وهاد أكتر سبب بخليني متمسك بالفن، لأنه كل إشي آدمي جردونا منه. يعني إذا إنت لسه بتعبّر عن مشاعرك، هاد الإشي اللي بقدروش يمنعوه. فرح ضل أعمله يعني. وهذا الحكي بذكرني قديش أنا إنسان، بيذكرني بالمعايير تبعتي، يعني بحياتي ما رح أوطي من معاييري، أو أتنازل عن حياتي كيف بدي شكلها يكون.

مش هقبل أنا أضل أروح أجري عشان أجيب أكلي، لا أرفض تمامًا. أنا بدي أكلي يجيني لمن أطلب وإذا بارد أرجعه. لما بيجي عبالي حفلة، أروح على حفلة، ليه ما أروح عحفلة! وعشان أكون أحكي بحيادية مطلقة، أهل غزة مكبوتين يا عمي، محتلين من كتير جهات، إحنا هان مضعضعين من كل النواحي.

برضه بدي أحكي عنا، عن وضعنا قبل هاي الحرب، في مرة، قررنا نعمل حفلة، يعني إضاءة وأغاني وهيك، بدنا نعمل حفلة، نفسنا يعني، لأنه ما بنقدر نروح على مكان، وبزبطش ندفع مبالغ ضخمة عشان نروح نحضر حفلة لأي فنان. وقتها كان ما فيش بغزة غير الحفلات التقليدية للزواج، يعني إشي حلو كتير، بس بنشوفه كل يوم ومتعودين عليه.

فقررنا نعمل حفلة ودورنا في الموضوع أنا والشباب، لقينا بدنا تصريح، وطلع لأ ممنوع. ليش طيب ممنوع؟ بتقدر تعمل حفلة بس لازم الناس تكون قاعدة على طاولات، بنفعش تكونوا واقفين وبتغنوا وبترقصوا، ليه؟ لأنه إنتو هيك بتغيروا صورة أهل غزة، إنهم ناس ما عندهمش حياة، وناس يا حرام، فحيبطل يدخللنا مصاري. فلأ، خليك إنت، وخلي الناس على الطاولات، وشو بتعمللي فسق وفجور؟ مالك يا زلمة؟ وهيك كانوا بتعاملوا معنا يعني. وبالأخير، عملنا الحفلة، كيف عملناها؟ استأجرنا مصيف وكان عددنا تقريبًا ٣٠ شب، بس أنا يومها عشت ليلة من أحلى ليالي حياتي.

ريم: متى كانت هاي الحفلة، بتتذكر تاريخها؟

لا والله ما بتذكر، يا الله عندي مشكلة بالتواريخ أنا، بس كانت برد يمكن شهر ١٢، برد شديد، وكان المصيف على البحر، واتجمّدت يومها وأنا مروح، بس طلّعت طاقتي كلها. على فكرة، من الأشياء اللي نفسي أسافر عشانها، إني نفسي أطلع على مسرح وأغني، لأنه تجربة الموسيقى، كيف بكتب وبعبر بالكتابة، وكيف بعمل ميوزيك وبلعب كيز، كل هاي الأشياء الحلوة، فيه عالم تاني بحس حالي ببدع فيه أكتر، اللي هو المسرح، بحس حالي رح أكون إنسان تاني، أنا هيك شايف. رح أعمل أشياء بالنسبة إلي، يمكن أحلى بكتير من اللي رح أعملها بالأغاني.

ريم: حلو، لو إنت طالع على حفلة مثلًا، وهاي أول مرة بدك تطلع على مسرح بحياتك، مين بتحب يكون معك فنانين أو رابرز؟ 

نابس بوي وشمالي ومحمد كمال، شباب ڤينت كلهم يعني لازم! لازم! 

ريم: هسا أكيد، شباب ڤينت مفروغ منه الموضوع. 

آه، كلهم لازم. مين بيحب يكون معي على المسرح، والله سؤال حلو كتير. 

ريم: السؤال مفتوح على فلسطين والعالم العربي ووين بدك، يعني تخيل جد، مين بتحب يكون معك. مثلًا، أنا شفت إعلان لحفلة فيها بشندي، مين المجموعة اللي بتعتبر إنها مثالية تكون على الملصق؟

أنا عندي مشكلة صغيرة، رح أجاوبك على السؤال، بس عندي رد قبل، أنه أنا ما بحب الفنانين، على قد ما بحب بعض الأغاني أو الألبومات اللي بعملوها. يعني أنا بكون معجب ببعض أغانيهم مش بالفنان نفسه.

بس فيه أكيد يعني ناس بتشدني، بشدوني بشخصياتهم على المسرح وشو بعملوا. يعني مثلًا، شفت مرة فيديو لمروان بابلو بيرقص على تراك لشهاب عالستيج، شكلهم أخو منيوكة الاثنين مع بعض. شهاب بحسه حلو عالمسرح كتير. وموسى سام، موسى سام لازم، بحبه كتير، هيك فنان عنده فايب! مش طبيعي وشاطر. مين ممكن يكون معايا على المسرح؟ يعني فيه فنانين كتير. 

ريم: هون رح أطرح سؤال تاني، أشمل شوي، لو بشندي بحب يعمل تعاونات، على افتراض إنك في غزة أو خارجها، مع مين بتحب تتعاون؟ 

والله يعني أكتر من حد موسيقته أثرت فيا، من الشام بو كلثوم أكيد، الزلمة هاد بحبه كتير. أغانيه بتحرك مشاعري، وطريقته بتخليني كل شوية أرجع أسمعهم. بو كلثوم عشت معاه كل مراحله، كل إشي مر فيه من خلال أغانيه. وبفهم منيح شو الأشياء اللي بيحكي عنها. وفيه تراكات في ألبوم إنديرال مثلًا، ما كنتش حفهم شو بيحكي، لو ما مريتش باللي مريت فيه بعد ٧ أكتوبر. 

لما رجعت سمعتهم بالحرب، فهمت كويس عن إيش بيحكي، تراكات كتير، يعني إنديرال كله، وحتى آخر ألبوم إله دمية بلا خيطان بيجنن، يمكن فيه ناس كتير انتقدت أشياء فيه، بس بالنسبة إلي مثالي، لأني بشوف في هاد الزلمة أشياء بتشبهني، زي إنه بهتم يعبّر، أكتر ما بيهتم إنه يعجب حدا، فلهيك بوصلني شو بيعبّر وبوصلني منيح.

 ريم: ما هو كمان طالع من تجربة حرب.

أيوة أيوة، حقيقة، فيه تراك إله اسمه حي، أول مرة سمعته ما قدرتش أكمله، إنه شو هاد الزلمة بيحكي، شو كل هاي التراجيديا؟ إشي مش حقيقة، لأنه إذا هاد حقيقة مشكلة، هيك كنت أحكي مع حالي وقتها. بعدها شفت الإشي بعيني، وجرّبت شو يعني، تفاصيل مرعبة الزلمة هاد عايش أشياء، أنا كلها فهمتها وحسيتها بالحرب.

 ريم: ومين غير البو؟ خلينا نسأل عن المنتجين؟

أكيد بدي أتعاون مع منتجين فلسطينيين، لأني بحس إنه منتجين الشام كثير شاطرين، وبيحبوا يجربوا أكتر مما بيحبوا يبيعوا.

عمر: زي مين قصدك؟ 

فيه في فلسطين كثير، يعني الناظر، عشنّه من التوب، بس فيه كثير، عم بسمع هالفترة لسموكاهوليك، شاطر الزلمة، لألله شاطر وبعمل أشياء بتجنن.

ريم: عسيرة الناظر، هل بتشوف إنه تجربة مثل بلاتنم، كيف بلشوا كجماعة صحاب وبدهم يعملوا شركة تسجيلات، أثرت بشكل أو بآخر عليكم في غزة، ولا ما إلها علاقة؟ 

أكيد موسيقى بلاتنم أثرت على المنطقة كلها بصراحة، يعني همَّ فاتوا بإشي على المنطقة يستحق التقدير. مثلًا شب جديد فات بأحسن طريقة كتابة مرت على المنطقة من فترة كبيرة، والناظر فات على المنطقة ببرودكشن قوي، وهو يعني شكله دخل في رحلة تعليم طويلة بينه وبين حاله، عشان يوصل لهيك إشي، وبنتج بشكل بتحس إنه قاعد بيستمتع وهو بيعمل مزيكته.

يعني لما أسمع لايف سيت للناظر على نوودز راديو، رحت كتبت عليه كله، لايف، كتبت عليه كامل عشان أمارس مهاراتي الكتابية. وهمة جماعة بلاتنم مجتهدين، بغض النظر عن كيف الناس بتشوفهم أو بتشوف إيش اللي بيعملوه، بس كفنانين همَّ كلهم بيشتغلوا بشكل حلو، ناس عارفة إيش بتعمل منيح.

ريم: هسا إحنا أول ما بلّشت الإبادة، عملنا مقابلة مع آدم غانم عشان كنا حابين نغطي منجم (شركة تسجيلات من غزة)، وكان بالنسبة إلنا فيه إشي يستحق التغطية؛ فيه شركتين عم بطلعوا من نفس البقعة الجغرافية وبنفس الوقت بغزة، فهل في شبه بين ڤينت ومنجم، وإيش أوجه الاختلاف كمان؟

أنا آدم صديقي، بس مش كثير بقدر أحكي عن منجم، بعرف إنها شركة تسجيلات بدها تعمل فنانين واتطلع فلوس، وبدها تعمل توزيع، يعني حطوا فيها جهد وفلوس وبدهم يستردوها، بطريقة أو بأخرى.

أما ڤينت فالاسثمار الوحيد اللي حطيناه فيها هو استثمار الطاقة، استثمار شبابي يعني، وصدقًا ما كانش عنا رؤية لإنها اتطلع فلوس، إنه تكبر وتصير إشي مهم، أو شركة تسجيلات ضخمة وكذا، بس بالبداية كانت مشروع أقرب لكولكتيف، بنوحد فيه طاقاتنا وجهودنا وخبراتنا. يعني نعمل مساحة تكون مناسبة لإلنا.

كان عنا نظرة إنه زي ما إحنا اتبهدلنا كتير عشان نوصل لأي معلومة، أو لأي إشي إله فايدة، بدنا نخليها أسهل على غيرنا، يعني أنا مثلًا بقدر أسجل وأنتج واتعلمت برودكشن، فبالتالي أنا رح أجيب الشباب اللي نفسهم يعملوا هذا الإشي وأعلمهم وأعطيهم كل إشي بقدر أعطيهم إياه، إذا هو وصل لإشي، أنا استفدت ووصلت كمان.

عمر: هل فيه مشروع شغالين عليه؟ سواء ألبوم ليك أو مشروع لڤينت؟

حاليًا بديش أستبق الأحداث، بس بقدر أحكي عنا مشروعين، خلنا نحكي تقريبًا جاهزين، واحد رح يكون إلي وواحد لنابس بوي، نابس بوي الإنتاج جاهز، وحتى كتابة تقريبًا مخلص، فيه شوية مشاكل عنا بالتسجيل، منتغلب كتير بموضوع التسجيل، لأنه ما فيه مكان، إحنا عملنا استوديو مرتين واتدمر.

بخان يونس عملنا استوديو واتدمر، ورجعنا بدنا نعمل تاني من جديد، والوضع ما زبط خالص، يعني إحنا عن جد بنصرف كتير وقاعدين بنحاول، بس لسه صعبة الأمور. نابس بوي شغال على إي بي، أنا متأكد هاد الإي بي رح يكون طفرة موسيقية، إشي ما مر على غزة مثله، يمكن اتعمل بفلسطين أو بالمنطقة، بس رح يطلع لمسته فيه، وأنا متأكد رح يكون صداه حلو.

لأنه أسامة قدر يوصل لمساحته الخاصة بالإنتاج، ويوصل لصوته الخاص. أنا بعرف إنه هو ما نشر إشي، وما بيّن هسا، بس رح يبهر الجميع إن شاء الله، متأكد. وبشتغل أنا على إي بي، يمكن كل اللي سمعوني قبل رح يتفاجؤوا، شو هاد ومين هاد، إيش بعمل قاعد، بس بلعبش، لأنه أنا بعتقد تراكات لازم ومسافر وفيش وقت حكيت لك أنا بحسهم حقبة معينة. 

إذا بترجع على تراكاتي أول تراك نزلته كان اسمه بمزح معك، هاد بحسه كتير بشبهني وبحبه كتير. إنه أنا ما أخلي الحياة تجبرني أكون بشبهش حالي، أنا بني آدم بحب أمزح كتير، يعني بحب آخد كل إشي بشكل هزلي، لأنه الواقع تعبان لألله بدوش تعصيب بدوش حدا يتنشن، فأي حدا بيسمع أغاني بينزلها، وبيقول يا الله هذا الزلمة ما بينفعش تتعامل معه ومخه صعب، كل الأغاني معصب فيها وحزين ودراما بس أنا عكس هيك تمامًا، عشان هيك بدي أعبر وأطلعهم، لأنه بديش أضل بهاد الموود والخانة.

الإي بي الجديد، بس استقرت نفسيتي شوي رجعت اشتغلت عليه، حاليًا أنا شايف الإي بي كله كيف شكله حيكون، ورح أشتغل كيف ما أنا حابب عليه.

ريم: هسا بظروف الحرب وقلة الموارد، عندك آلاف المبررات اللي ممكن بينك وبين حالك تخلي إنتاجك غير مُكتمل، لكن بالثلاث تراكات اللي نزلتها، كل تراك إله فيديو، وفيه معه صورة بصرية واضح إنك مش ممكن تتنازل عنها؟ فمن وين إجا الاهتمام بالجانب البصري، اللي مبني على نفس قدر الاهتمام بالجانب الصوتي؟

هو صار كتير نقاشات بهاد الموضوع أصلُا، لأنه أنا من النوع اللي بحب أستعجل، بحب يلا اننزّل، يلا ننتج، يلا كذا دايمًا مستعجل. فمرة صار نقاش بيني وبين أسامة، بحكيله بدي أعمل عمل فني على السريع وأنزل التراك عشان الناس تسمعه، فهو رد علي حكالي يعني إنت داخل جيبك فلوس من الموضوع؟ حكيت له لأ، قالي طب يعني حد هيأثر على حياتك بإشي؟ هيضيف إشي؟ قلت له لأ. 

قال ليش بتعمله إنت؟ حكيت أنا بحب اللي بعمله، قاللي طب ليه ما تعمله بأحسن طريقة ممكنة يعني؟ وهون كان عنده نظرة بصراحة، يعني نظرة من ناحية هوية بصرية، كلها هو اشتغل عليها، إنه كيف شكل الأشياء وكيف رح تطلع. 

بالنسبة لتراك فيش وقت كان مفروض إنه فيه إنتاج رح نصوّر فيجولايزر غير هذا اللي نزل، كنا رح نصور إشي أقرب للتراك، بس شو اللي صار؟ اللي صار إنه الوضع الأمني سيء لأنك تحمل كاميرا وتمشي فيها وقاعدين بستهدفوا المصورين والصحفيين، وبستهدفوا أي حد معه كاميرا، وبرضه إذا بدي أصور بدي أحاول على قد ما أقدر أحترم خصوصية الناس، الناس عايشة بالشوارع هان، فبدي أروح على أماكن معزولة شوي، والأماكن المعزولة شوي أماكن خطيرة. 

يعني الجيش بسمحلكاش تروح على مكان معزول، ليش رايح على مكان معزول؟ وحتى هان اللي يعني خلينا نحكي عناصر الأمن اللي رح يسألوك وين رايح إنت؟ ليش رايح هناك إنت؟ بتصور؟ لمين بتصور؟ شو بتصور؟ فبدخل حالي بكتير أسئلة يعني.

ريم: عم نحكي عناصر الأمن هون من أي طرف؟ 

الأمن الداخلي عنا، لأنه بصراحة إحنا لسه الوضع مكركب كتييير، يووو لألله جدي. بنمزحش معهم. ولازم أكون جدي أكثر منهم عشان أقدر أعيش بينهم.

ريم: هذا هيك بتوصف بشندي من قلب الإبادة؟ 

آه، هان بضطر أكون حدا بخوّف عشان أقدر أعيش. إنه إذا كنتش هيك يعني رح تتبهدل كتير. لازم تكون عامل حدود للناس وعامل رادع، عشان تقدر تتعامل مع الناس، اللي الواحد منهم يخاف يغلط معاك أو يتعامل معاك بطريقة سيئة. 

يعني الضعيف هان بفوتوا عبيته بفضوه على عينيه وبطلعوا. فيش أمان فهاي الناحية وكتير تفاصيل والله. بس بما إنك سألت عن الأعمال القادمة، لازم هاي الفترة اللي ما بعد السابع من أكتوبر أعملها ألبوم كبير عنها. بس لازم تخلص الحرب عشان أشتغله عليه، لأنه لسه أنا مش فاهم نفسي منيح ولا فاهم مشاعري اتجاه الأشياء اللي بتمر، بس يعني لازم أشتغل على آلبوم أعبر فيه عن كل إشي مرينا فيه بهاي الفجوة الزمنية.

 ريم: طب ليه عم بتسميها فجوة زمنية؟ 

لأنه الوقت واقف عنا. كل غزة، كل أهل غزة وقتهم واقف. وعلى فكرة هادي ممكن تكون آلية نجاة مخنا بعملها. إنه أنت ما تخافش الوقت واقف ورح تطلع من هان وبعدها برجع يمشي الوقت. 

ريم: بس هل  الفجوة الزمنية هاي، أو الوقت واقف من عند لحظة ٧ أكتوبر؟

أنا باليوم اللي طلعت فيه من بيتنا ١٩ أو ٢٠ أكتوبر، بطلت أعد تواريخ، مثلًا بطلت أعرف الأيام، هاد إشي حقيقي، أنا بعرفش الأيام. لما حكيتيلي نعمل المقابلة الجمعة، إنه بس نزلت هيك شاشة الجوال آه متى الجمعة، آه، اللي هو كمان يومين يعني، طب بتذكروني يا شباب يوم الجمعة عندي إشي، فهمتِ كيف؟ غير مُجدي، لشو نعد تواريخ، يعني ما فيش إشي عنا. ما فيش برضه مؤسسات تخلينا نستخدم التواريخ والوقت والأيام عشانها. 

أحكيلك شغلة، أهل غزة كلهم كان عندهم يوم الجمعة بنعمل غدا دسم لكل العيلة، بطل فيه غدا دسم، خلاص نسينا يوم الجمعة. ولما أنا سميت التراك هاد فيش وقت؛ عشان إحنا عايشين بفجوة، بتيجي تحزن فبتقول يعني هو وقته الحزن هلقيت؟ بدنا نلحق نجيب أكل، فاهمة؟ آه بتيجي تفرح، أيوه، تقول وقته الفرح هلقيت؟ جارنا استشهد أو بالمستشفى. بتيجي تنبسط، لا ما هو مش وقت انبساط، لا ما هو كذا هو بس فش وقت.

تراك فيش وقت أنا بحكي فيه قصة حقيقية صارت معي، إشي عشته كله. ممكن ٩٠٪ من أهل غزة بيقدروا يفهموا علي بهاد التراك. أنا عشت تجربة كان كتير صعب عليا أعبر عنها، هيني أنا بحكي معكو، وهاي المشاهد كلها قدام عيوني أقسم بالله، والشاب اللي كان معي بالقصة كان بس بضحك، طول الوقت بضحك. 

ريم: أوف، شو القصة طيب؟

لما كنا برفح نازحين إجا أمر إخلاء لرفح كلها، كل الناس طلعت من دورها، كنت أنا ساكن بمنطقة اسمها الشاكوش، هاي منطقة على جهة الغرب عند بحر رفح، بس بين رفح وخان يونس. فعبين ما الجيش يوصلها بده كتير، فأنا حكيت لأهلي ليش نروح نتبهدل بالشوارع وهيك، هينا قاعدين، كنا قاعدين في بيت كوخ خشبي.

كان هناك الله يرحمها حجة كبيرة وجوزها وولادها ساكنة بالطابق الأرضي، وما كنا نعرفها، لقتنا جايين من خان يونس، وكنا متحاصرين بالصناعة وجايين، حكت يا عمي تعالوا أنا بستضيفكوا عندي، بديش إيجار بس بدي اتطلعوا كل شهر تقريبًا ٢٠٠ دولار للناس المحتاجين، يعني ما تعطوني إيجار، بس إنتو طلعوا هذا المبلغ كل آخر شهر، وأعطوا لناس محتاجة، فوافقنا أكيد.

الناس نزحت، وفضلنا إحنا برفح لحد ما نلاقي بيت أو شقة أو إشي نأجره، فلما الناس طلعت من رفح، صار فش خدمات وفش مية وفش أكل تشتري وفش سوق، وإحنا أصلًا على الحدود، فيعني فش إشي حرفيًا.

وبآخر الأيام، صار عطل بخط المي اللي بوصل مي على البيت اللي إحنا فيه، وهيك هيك المي كانت شحيحة، ورفح أجواءها صحراوية، لأنها قريبة كتير من سينا، وكتير شوب. فكانت تيجي المي مرة بالأسبوع، فلما خرب خط المي، هاد معناه إنه لو إنت انعدمت أحسن.

فإجاني الشب ابنها للحجة، هو استشهد هسا الله يرحمه، إجاني وقال لي خط المياه خرب، ولازم نروح نعمله من وين انبعط؟ انبعط يعني بعيد عن البيت تقريبًا مسافة ٢ كيلو والدبابة بعيدة عن البيت مسافة ٣ كيلو. 

فحكيت له ولك فيش حدا غيرنا، شو مالك الدنيا صحرا، فقالي يعني يا إما بنعمل هيك، يا إما فيش مية نفوت على حمام وفيش مية تغسل فيها وجهك. فالمهم نزلنا أنا وياه، أول ما وصلنا للمكان اللي فيه الخلل كان فيه حمامات شمسية لمزارع، وكان المزارع وولاده نايمين على الأرض في الضلة، وإنه ضايلين هم عشان مزرعتهم، إنه بس بيستنوا ياخدوا المحاصيل هل كم يوم، ويطلعوا برضه.

فأول ما وصلنا، ولسّانا عم نشتغل بالخط، إجت كوادكابتر وطبت فينا طخ، أنا صار معاي لاج وبطلت أقدر أفكر، نمت على الأرض، والشب نام على الأرض، بتطلع عليه، لقيته بضحك! يا إلهي مع الأدرينالين الواحد بنجن، أنا الغبرة اللي بتطلع لما الطلق يخبط في الأرض بتعفر على وجهي.  الله قريب مني، الله قريب أنا يعني حموت، وما توقعتش أقوم من هناك طيب.

بطلع فيه مرة تانية لقيته بضحك بضحك بشكل غبي، وبحكي له ولك مالك؟ بحكيلي أخيًرا يا زلمة رح نرتاح. كنت حاطط وجهي على الأرض، ومغطي راسي بستنى تهدى. فأول ما هديت، سمعت صوت حركة صرت أتطلع، لقيت كل اللي في المكان شاردين، وأنا لحالي على الأرض نايم، فصرت أجري وراهم.

المهم، خط المية تصلح، والأمور رجعت تمام، يعني كله تمام. وصلنا على البيت وإنت بتكون مروح بدك تحكي بطولاتك، وأمي كانت واقفة على الشباك وشايفاني، وشايفة شو بصير معي، فهي كانت تجربة كتير خرا. فأول ما وصلت طمنتها وهيك، وبعدها دخلت نمت دغري، بديش أعمل إشي خلص. 

تاني يوم صحيت وتعاملت بيومي عادي، أجا المغرب وكان أخوي الكبير معصب ع أبوي، إنه لازم نطلع من هان، إنت مالك يا زلمة، يعني قدهم وصلونا، فأبوي بقوله لا إيش فهّمك إنت! اصبر بس وهيك. فتاني يوم بالليل أبوي بصحيني، ولك قوم قوم بسرعة إلبس، بحكيلي الدبابة ع راس الشارع، قتلني قتلني يومها.

طلعنا وكانت الدبابة فش معها مزح، والشارع كله مولّع نار، يعني همة حرقوا الشارع قبل ما يصلونا. زي كإنهم داخلين العملية ورجعوا. طلع الصبح علينا، وطلعنا من المكان خلاص كان فيش مجال. 

فبعدها بفترة، بعد الهدنة اللي صارت ورجعت الحرب، كلمتنا بنتها للحجة حكت إلنا إنه أمها وأبوها للبنت وأخوها محمد اللي كان بضحك معي لما طخوا علينا، استشهدوا في البيت. ترجيناهم وقتها يطلعوا معنا، وحكينالها إنتي استضافتينا، وهسا إحنا دورنا نستضيفك، كنا ملاقيين بيت بخان يونس وبدنا ناخدها معانا. حكت لو بموت بطلعش من البيت، انسوا الموضوع أنا هان انولدت وهان بموت.

وهي يعني عقلية صعبة قديمة، بس كانت تحبني كتير يعني، وأنا مبسوط من هاد الإشي، كانت تحكيلي إنت بتطاوعني وبتناولني أكثر من أولادي.

ريم: هي من وين بالأصل الحجة؟

إسمها شاهيناز، هي من رفح بالأصل. 

ريم: شاهيناز، هاد اسم مستخدم بمصر. 

رفح بتنعد مصر ما هي، لأنها هي اللي بتشبك بين مصر وغزة، وأكيد كانت حضارة واحدة زمان، بس هم قسموها، هم بس بقسموا

فهاي كانت قصة فيش وقت. وأنا حكيتلك بركز مع الحاجة كتير، فلما قعدت مع نفسي عشان أفهم شو صار، كتبت الكلام. وكل موقف بصير مع الإنسان بحس بفقد إشي من نفسه، يعني إنت بتفقد من روحك بل آخر.

“طلق فوقي طلق تحتي

ماخد الأرض كأنها تختي

ريحة رمل وصلت رئتي

خوف بقلبي ضحكة بخدي

صوت الناس بتجري بجري

حاسس لسا بعيد يا أجلي

حاسب كل الحسبة بدري

رحت دخنت سيجارتي

ونمت عشان أحلامي أعيشها وقتي”

(من تراك فيش وقت) 

عمر: بخصوص فيش وقت، لاحظنا إنه الصوت اتغير في التراك دا، لو هنروح لحتة موسيقية شوية، فما كنتش تراب قوي زي الحاجات القديمة، فهل برضه المشروع الجديد هيبقى صوت مختلف ولا شايفه ازاي؟

أنا قبل الحرب ما كانش عندي الوقت الكافي إني أجرب وأتمرن، وعشان هيك ما كنتش حتى ملاقي هوية واضحة أو شكل معين لصوتي اللي أكون متمكن منه منيح. الشغل الجاي أنا ماسك صوتي صح، وعارف كويس كيف رح أكون مرتاح وأنا بسجل وبغني، وبصراحة أنا زلمة بحب التراب كتير، بحس فيه مساحة حلوة يعني، فرح يكون الألبوم تراب.

رح يشتغل على البرودكشن نابس بوي وأنا متأكد رح يحط فيه إشي مرتب. وأنا بالكتابة أو بالأداء كمان وصلت لأماكن منيحة مع صوتي رح أبلش أطلعها للناس. كمان إشي أنه أنا بغني عن كل مشاعري حرفيًا. صح ما نشرت إشي بس أنا بغني عن كثير مشاعر تانية. ما لهاش دخل بالحرب ممكن. ما لهاش دخل بإني بغزة وكل اللي بصير.

ريم: آه، مشروع جدًا طبعًا ما تحصر مشاعرك. 

أيوة، يعني بحس الحرب خلتني بس لازم أحكي عن غزة، وهاد إشي غصبًا عني اللي بصير، لأنه أنا بالأخير بغني من تجاربي والأشياء اللي بمر فيها، بس برضه فيه مشاعر وأفكار بدي أعبر عنها كتير منيح، ويمكن تكون أحسن من هالظروف السيئة.

رح يكون الإي بي تراب، بس أنا لسه شغال عليه فبديش أحطه في قالب وبعدها أغير يعني. بس مبدئيًا فيه تراك جاهز، ضايله بس هيك شغل الهندسة الصوتية. يعني التراك الحلو فيه إنه لأول مرة بحياتي لمين ما سمّعته عجبه، مستحيل تصير هاي معاي.

أنا بحبش أسمّع شغلي لناس داخل المشهد، على قد ما بحب أسمعه لناس ما لهاش دخل وأشوف ردود أفعال طبيعية مش فاهمة كثير في الموسيقى. حتى عنا أطفال العيلة بشغلهم إياه، ومكيفين عليه كلهم بيسمعوه وبحبوه.

ريم: هندسة الصوت بتعملها برضه مع الشب الجزائري ولا بتعملها مع ناس مختلفين؟

بصراحة فيه كتير بصراحة فنانين يعني عرضوا علي يساعدوني في موضوع هندسة الصوت لأنه أنا بصراحة ما عنديش القدرة أهندس، ما تعلمت وما لحقت أتعلم لكن ممكن لو كان عندي مساحة لاتعلمت، وبرضه أسامة حدا يعني معقل بيحكيلي أنا كتير شاطر بالبرودكشن وبطور بالبرودكشن، مش شرط أكون كل إشي لا أنا بدي أكون برودكشن شاطر كتير وهو أصلًا ليريكال وكرابر كتير شاطر برضه فبحكيلي لا أنا بديش أشتت نفسي وبنفس الوقت يعني لسه بده يتعلم فإحنا نشتغل مع ناس من بره حاليًا.

ريم: وأسامة هو وين بغزة؟  

هو حاليًا أتوقع بمخيم البريج نازح، هو نزح بخان يونس، والبيت اللي هناك اتدمر تمامًا فراح نزح بالبريج.

ريم: طب فيك حدا بڤينت غيرك وغير أسامة لسه بغزة؟ 

آه، محمد كمال موجود بغزة، وڤينت كوليكتيف خلينا نحكي، أي حدا من غزة بلاقي عنده الطاقة والموهبة والحماس، رح نساعده بأي إشي بنقدر عليه، مش أنا شخصيًا بس، كڤينت برضه. أنا حكيتك كتير عن ڤينت بس كل واحد فينا أكيد عنده نظرة كبيرة إلها.

اللي بعرفه إنه هي أكتر إشي حقيقي موجود حاليًا، وحاطين أملنا فيه. إشي عنجد مش مادي، لأنه الحرب خلت كلشي في الحياة رمادي وخلت كلشي مادي، فهدف ڤينت مش مادي إطلاقًا. يعني إشي عنجد إنساني بحت وفني بحت، لذلك بنتأمل منها كتير أشياء.

وهي كيان أنا مآمن أنه في يوم من الأيام رح يكون كيان صلب في غزة، لأنه مش متعلقة بفنان معين، يمكن الآن شوي محدود، بس في المستقبل لن تتعلق بأي فنان ولن تتعلق بأي استراتيجية أو خطة ربحية معينة. مشروع شبابي للناس اللي زينا، ما لقتش فرص في المشهد، وما لقتش حد يحتويها. فيه طموح عالي جدًا والله أنا مآمن فيها. 

إحنا بنتوسع بشكل بطيء شوي. بس فيه معلومة مهمة، أنه أنا من يوم ما بلشت أشير وأنزل شو بعمل، كتير شباب صغيرة في البلد هان في غزة كتير شباب أعمارهم ١٥ و١٦ بيبعتولي، إنه شو شوف هاد الفيرس أو أنا بحب أكتب بس لو بتقدر تحكيلي شو أعمل، وبنصحهم وبحاول أساعدهم بأي إشي بقدر عليه. 

فيه عنا يعني فنانين كتير في غزة، فيه منهم طلعوا، وفيه منهم اللي ظل. كيف أنا أحكي عن الهيب هوب في غزة، وما أحكيش مثلًا عن محمد لافي، محمد لافي بعمل راب من زمان كتير، وهو يعني عنده أراء سياسية بتحطه في أماكن بتضره يمكن، بس بحب شغله، وهو صريح مع نفسه ومع المجتمع اللي حواليه، و بينتج لليوم بينتج كتير يعني، بالحرب شغال بينتج وبنزل، يوم أنا ما نزلت تراك كان هو معلن عن تراك برضه أتوقع.

المهم، فيه ناس مبدعة ولازم يتسلط عليها الضو بغزة، وفيه ناس عندها إشي تقدمه وبكواليتي يمكن مش أعلى إشي عشان الإمكانيات، بس كواليتي مواكبة للعالم. وأنا بآمن إنك بتقدر تعمل أي شي بدك تعمله في الحياة. 

وبحكيش عن حالي والله، بحكي عن الشباب. يعني إذا إنت من أي مكان، مكان برا غزة كمان. إذا إنت بني آدم بتحب إشي، أنا بتمنى إنك تضلك تعمله لحد ما تموت بغض النظر عن أي ظرف كان. يعني لازم، خصوصي الشباب الصغيرة.

أنا آسف ولكن كل بلداننا العربية بلدان تعبانة، شبابنا الصغيرة بالذات عندهم فرص قليلة كتير وأنا في مرحلة كنت هيك يصير عندي إحباط بسرعة. بس إنت بس اسأل حالك، أنا ليش بعمل الإشي وشو هدفي منه؟ وإذا بتحبه ضلك اعمله للأبد. يعني اليوم أنا لو بموت، حكون راضي عن فكرة إني كنت أعمل أغاني كل ما بقدر.

ريم: والله بشندي كثير مبسوطين إنك أعطيتنا هذا الوقت، وبعرف إنه صح على قولتك فيش وقت، بس بعرف قديش الوقت عندك كمان بينقاس بأشياء إحنا حتى غير مدركين إلها فكثير شاكرة إنه خليتنا نشاركك هاي المساحة.

ولو والله أنا كمان كثير مبسوط إني حكيت بكل هاي الأشياء، يعني بكثير أوقات بكنش معي وقت أحكيها لا على السوشال ميديا ولا أحكي عن إشي أصلًا ولا بكون عندي طاقة، بس خايف إن شاء الله ما أكنش جبت العيد بإشي.

المزيـــد علــى معـــازف