قدر الحداثة أم اختيارها | الموسيقى العربية الكلاسيكية

الملفات - كتابة: كريم الصياد - ٢٠٢٦/١٠/٠٣
قدر الحداثة أم اختيارها | الموسيقى العربية الكلاسيكية
تحميل...

بخلاف الأجزاء الثلاثة السابقة من سلسلة المشارق الكلاسيكية، التي تعرض كل منها لمشروع تحديث الموسيقى في بلد واحد: اليونان وإيران وتركيا، نقف في هذا الجزء الرابع والأخير أمام أكثر من عشرين دولة، عائلة من الأقطار التي تباينت حظوظها من التحديث الموسيقيّ كمًا وكيفًا تبعًا لظروفها السياسية وتاريخها الاستعماري وعمقها الحضاري الخاص. على سبيل المثال، لو نظرنا إلى ما قدمته مصر في كونسرفتوار القاهرة من دَمْج للمقام في مفاعل الأوركسترا الكلاسيكية الغربية، لوجدناه يختلف في نبرته وفلسفته عما قدمه لبنان في مدرسته الرحبانية التي مزجت بين الفلكلور الجَبلي والأناقة الفرنسية، وعما قدمه العراق عبر مقاماته الرصينة التي حاولت الحفاظ على عبق التخت التقليدي بعدما صار يفكر بمنطق عابر للحدود.

يفرض علينا هذا التعدد القطري منهجًا نقديًا يتحرّز من التعميم، ويقدِّم عليه خصوصية كل تجربة من التجارب الأساسية، معتبرًا أن الحدود السياسية أقرب إلى فواصل جمالية مَنحت كل مشروع تحديثي عربي-قطري نكهته التي تميزه عن جيرانه، رغم وحدة المرجعية المقامية الكبرى.

أيضًا، لا يمكننا إغفال أن هذا التوجه نحو القوالب الغربية كان في جوهره صدى لنداء الحداثة الذي تزامن مع تأسيس الدول القومية العربية شبه المستقلة (كمصر)، التي أعلنت عليها الحماية البريطانية وانفصلت بذلك عن الإمبراطورية العثمانية رسميًا عام ١٩١٤، أو الدول العربية التي استقلت بعد الحرب العالمية الأولى مرورًا بأحداث الثورة العربية ١٩١٦، أو مع الموجة الثالثة لاستقلال الدول العربية في الخمسينات والستينات. لقد كان الموسيقار العربي في النصف الأول من القرن العشرين ينظر إلى الأوركسترا السيمفونية بوصفها رمزًا للتحضر والقوة المؤسَّسية، تمامًا كما هي المصانع والجامعات والبرلمانات. لذا فإن دراسة هذا الموضوع في ضوء تعدد الأقطار تكشف لنا كيف وظفت كل دولة موسيقاها الكلاسيكية كواجهة ثقافية وترجمة شعورية، تعلن بهما عن دخول العصر الحديث.

في هذا الطور من التحول الاجتماعي العميق وقع تحول آخَر جذري في مفهوم الأذن العربية عن اللحن: لم يعد اللحن مكرسًا للطرب، بل ظهرت الحاجة – والإمكانية – للتفكير في اللحن بوصفه مرحلة في حياة النسيج الصوتي العام بدرجة أو بأخرى، وقد تطور ذلك تلقائيًا بالفعل في مشروعات موسيقية متأخرة كعمار الشريعي وعمر خيرت، اللذين يستمع إليهما الجمهور غالبًا في صورة موسيقى إنمائية غير طربية من جهة، وكموسيقى آلات أمامية، لا كخلفية لكلمات شاعرٍ وصوت مغَنٍّ. 

في التاريخ الحديث للمنطقة العربية، يلعب هذا التحول المفهومي في ماهية اللحن، ودوره وإعادة النظر إليه في سياق أشمل وأكثر تركيبًا، دور الراوي لقصة التحديث القومي الشامل في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق وتونس، أو كمؤشِّر لخط سير التحديث ومواضع تعثره أو انعطافه في صورته المؤسسية.

إن فعل المأسسة هذا هو الذي منح التجربة أهميتها عمقًا وأفقًا؛ حيث كانت تلك التجربة عصارة جهود معاهد عليا وفرق وطنية سيمفونية رعتها الدولة في كل حالة. من هنا تصبح دراسة الظاهرة في سياق تعدد الأقطار ضرورة لفهم دور النظام البيئي المؤسسي الذي عاشت فيه هذه الأعمال؛ فالدعم الرسمي في مصر خلال الحقبة الناصرية مثلًا قد وجّه الموسيقى نحو التعبير عن الملحمة الشعبية-الاشتراكية والصناعة والسد العالي، بينما توجَّه في أقطار أخرى نحو التجريد أو الروحانية الصوفية. هذا التباين المؤسسي بين الأقطار هو الذي يفسر لماذا نجد تُحَفًا لموسيقى الحجرة محدودة الآلات في بلد ما، بينما نجد أعمالًا أوبرالية ضخمة في بلد آخر، ما يجعل من الخريطة الموسيقية العربية خريطة سياسية واجتماعية بامتياز، تُقرأ من خلال العلامات الموسيقية والسلالم الهارمونية.

تكمن إمكانية دراسة هذا الموضوع في ضوء تعدد الأقطار في قدرة الدارس على التقاط القواسم المشتركة بين هذه الهويات القطرية؛ فالمؤلف العربي، أيًا كان قطره، يواجه الأسئلة نفسها: كيف أكتب موسيقى درامية (تعتمد على الصراع اللحني) بينما موسيقاي التراثية تطريبية (تعتمد على التكرار والنشوة)؟ وكيف أجعل الأوركسترا الغربية تُشْرق بأضواء وأشكال أصيلة وعريقة؟ إن الإجابات المتباينة التي قدمها المبدعون العرب عن مجمل هذه الأسئلة هي التي تشكل متن هذا الطرح الحالي.

جذور اللقاء | من الموسيقى العسكرية إلى مؤتمر ١٩٣٢

بدأ اللقاء الأول بين الموسيقى العربية والقوالب الغربية تحت وطأة الجدل الحضاري الذي بدأ ينتاب مصر والشام بالذات ثم المغرب العربي منذ الحملة الفرنسية ١٧٩٨، والذي ميز القرن التاسع عشر. لهذا لم يكن دخول الآلة الغربية إلى الشرق فعلًا جماليًا محضًا في بداياته، حيث كان صدًى لخطوات الجند وقرقعة السلاح.

عندما استقدم محمد علي باشا في مصر، ومن قبله السلاطين العثمانيون في الآستانة، الخبراءَ العسكريين لتحديث الجيوش، استصحب هؤلاء معهم مفهوم النِّظام فيما يتخطّى مجرد التشكيلات العسكرية إلى السلم الموسيقي. هنا، ولأول مرة، تخلت الأذن الشرقية عن حميمية التخت الصغير لصالح بريق النحاسيات ودمدمة الطبول الكبيرة، وبدأ المقام يشعر بوطأة القالب العسكري الصارم الذي لا يعترف بالارتجال ولا يقبل بالتفريد. كان هذا اللقاء العنيف هو البذرة الأولى لوعي موسيقي جديد بدأ يدرك أن الموسيقى يمكن أن تكون أداة تنظيمية شمولية للدولة، بعدما ظلت قرونًا وسيلة للطرب الخاص، ما مهد الطريق لاحقًا لتحويل اللحن من سيولة المشافهة إلى صلابة المدونة.

مع استقرار الدولة الحديثة في مصر انتقلت الرغبة في التحديث من ساحات التدريب العسكري إلى أروقة القصور، حيث بدأت عملية المأسسة الثقافية تأخذ شكلها المعماري والإداري. كان بناء دار الأوبرا الخديوية في القاهرة عام ١٨٦٩، على هامش افتتاح قناة السويس، إعلانًا رسميًا ضمنيًا عن دخول القالب الغربي كمرجعية عليا للذائقة.

كانت الموسيقى الشرقية، بطبيعتها المباشرة في التعبير عن العواطف، تعتمد على التلقين والرسم في الهواء، حيث يضيف العازف من روحه ما لا يمكن برمجته بعلامات موسيقية صماء عجماء. لكن التماسّ مع الغرب فرض سطوة المدونة؛ فالأوركسترا لا يمكن أن تعمل دون مرجع مكتوب يوحِّد حركة عشرات الآلات. هنا ظهرت محاولات رواد مثل الخُلعِي لوضع رموز توافقية تعبر عن ربع التون.

في خضم هذا التحول، برزت إشكالية المثاقفة كفعل يتأرجح بين الإغناء والاستلاب. تجلى هذا الصراع بوضوح في تجارب المؤلفين الذين حاولوا إدخال آلات كالبيانو والتشيللو إلى التخت، محاولين خلق نوع من الهجين الصوتي والجمالي.

جاء عام ١٩٣٢ ليكون اللحظة التي تكاثفت فيها كل هذه الإرهاصات في حدث فارق هو المؤتمر الأول للموسيقى العربية بالقاهرة. لم يكن ذلك المؤتمر مجرد تجمع للأكاديميين بقدر ما كان مَجْمَعًا لغويًا للموسيقى، حضره عمالقة من الشرق والغرب (أمثال بيلا بارتوك وبول هيندميث وهنري فارمر). في ردهات هذا المؤتمر طُرحت الأسئلة الكبرى: هل نعدل المقامات العربية لتناسب البيانو؟ هل ندخل الهارموني إلى ألحاننا؟ كانت النقاشات محتدمة لدرجة أنها عكست الانقسام السياسي والاجتماعي العربي آنذاك: فريق يرى في التغريب خيانة للأصالة، وفريق يرى في الامتناع خنقًا للفن. مع ذلك كان مؤتمر ١٩٣٢ هو المختبر الذي أثبت أن الموسيقى العربية تمتلك الاعتراف الدولي باستقلالها الثقافي، حتى لو لم تكن أغلب الأقطار العربية قد نالته بعد بمعناه السياسي.

هنا نصل إلى جوهر المعضلة التقنية التي ناقشها المؤتمر بإسهاب، وهي المسافة الموسيقية الفاصلة بين الشرق والغرب. إن ربع التون فلسفة الروح الشرقي غير التناظري ، الذي يستعصي على جسد أنصاف النغمات الغربية، والذي تجلى كذلك في عمارة المساجد والقصور والتكايا والمدارس والسُّبُل والكتاتيب. لقد أدرك الباحثون أن القوالب الكلاسيكية مبنية أساسًا على منطق التوتر والتصريف الهارموني، وهو منطق يستمد قوته من السلم المعدل؛ أما المقام العربي في المقابل فيبحث عن الاستقرار الأفقي والنشوة اللحنية الممتدة. لذا فإن محاولة صب المقام في قالب السيمفونية كانت تعني بالضرورة إحداث ثورة في مفهوم الزمان الموسيقي؛ فبدلًا من الاسترسال اللانهائي في التقسيم، وجب على المؤلف العربي أن يتعلم اقتصاد المشاعر الذي يتطلبه التطوير الدرامي للجملة الموسيقية.

لعبت هذه المرحلة دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل الذائقة النخبوية في الأقطار العربية المختلفة، وإن تفاوتت النسب؛ ففي حين كانت القاهرة تغلي بجدل التحديث، كانت بلاد الشام تشهد ولادة النهضة التي تحاول المزاوجة بين الغناء والأداء التعبيري الحديث، وفي المغرب العربي كان الحفاظ على الأذن الأندلسية يمثل نوعًا من المقاومة الثقافية، لكنه أيضًا بدأ ينفتح على التدوين الغربي كدرع لحماية التراث من الضياع. كان تعدد الأقطار هنا موزعًا للأدوار؛ حيث تخصصت مصر في التنظير والريادة المؤسسية، بينما تخصصت الشام في صيانة المادة اللحنية وتطويرها، وتوجّهَ المغرب العربي الكبير نحو الاستفادة من الخبرات الأوروبية، ما خلق مناخًا عامًا سمح للقالب الغربي أن يتسرب بهدوء إلى وجدان المثقف العربي.

إن الحديث عن جذور اللقاء يجرنا بالضرورة إلى فحص الذاكرة الجمعية التي بدأت إعادة تشكلها حول مفهوم “الموسيقى الراقية”. قبل هذا اللقاء كان الرقي يقاس بمدى قدرة المغني والملحن على التطريب الفردي، لكن مع ظهور الأوركسترات العسكرية ثم الفرق الإذاعية الكبيرة ودور الأوبرا لاحقًا، أصبح الرقي يقاس بحجم الانسجام الجماعي وبراعة التوزيع الموسيقي. هذا التحول من الفرد إلى المجموعة هو انعكاس دقيق للتحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع المؤسسي. لقد أصبحت السيمفونية، حتى قبل أن تُكتب بأقلام عربية، طموحًا اجتماعيًا يرمز إلى الوحدة والنظام بما هو بناء هندسي معقد من جهة، وبما هو أداء جماعي مشترك من جهة أخرى.

في هذا السياق تبرز قيمة الريادة الفردية التي سبقت التأسيس الأكاديمي الرسمي؛ فأسماء مثل عبده الحامولي، الذي سافر إلى الآستانة وتأثر بالموسيقى التركية المتأثرة بدورها بالغرب، وسلامة حجازي الذي زاوج بين الإنشاد والمسرح الغنائي، كانوا يمارسون تحديثًا فطريًا قبل أن تأتي القواعد الصارمة. لم يكتب هؤلاء الرواد سيمفونيات بالمعنى الحرفي، لكنهم مهدوا التربة النفسية للمستمع العربي ليتقبل فكرة أن الدراما والتعدد الصوتي والإنماء الشكلي أجزاء جوهرية من مستقبل الموسيقى العربية، ما جعل مهمة الأجيال اللاحقة (جيل خيرت ثم جيل جمال عبد الرحيم) ممكنة ومستندة إلى إرث من المغامرة والجرأة.

معمار القومية الموسيقية | المدرسة المصرية

١. أبو بكر خيرت

كان أبو بكر خيرت (١٩١٠ – ١٩٦٣) مهندسًا بالمعنيين الحرفي والمجازي؛ فهو المعماري الذي صمم مباني أكاديمية الفنون، وهو ذاته الذي صمم العمارة الصوتية للسيمفونية المصرية الأولى. يمثل خيرت في تاريخنا الموسيقي ما يمثله جيل الرواد الخمسة في الموسيقى الروسية أو التركية؛ إذ تبنى مذهب القومية الموسيقية بروح رومانسي متأخر.

آمن خيرت أن الطريق إلى الحداثة يمر عبر تطويع القوالب الكلاسيكية الغربية لاستيعاب الجملة اللحنية المصرية، لكن دون ربع التون، مفضلًا العمل ضمن السلالم المعدلة ليضمن توافقًا هارمونيًا كاملًا مع الأوركسترا. بصورة عامة اعتُبرت أعماله امتدادًا لحداثة ما قبل ثورة يوليو ١٩٥٢ من جهة، وتدشينًا لحداثة الجمهورية من جهة أخرى.

السيمفونية الثانية (الثورية) في مقام دو صغير – مصنف ٢١

تبدأ الحركة الأولى بتدفق درامي قوي، حيث يستخدم خيرت مقام دو صغير ليخلق جوًّا من الهيبة والترقب. نلاحظ هنا صراع التيمات (المواضيع اللحنية)؛ حيث تتصارع جملة موسيقية ذات طابع بطولي مع جملة أخرى أكثر شجنًا، في محاكاة لبنية الصوناتا الكلاسيكية، لكن اللحن هنا يتحرك بأسلوب مصري واضح في مساراته الصعودية والهبوطية.

الحركة الثانية هي لحظة التأمل الوجداني، حيث تنخفض وتيرة الصراع لصالح غنائية طاغية. يستخدم خيرت آلات النفخ الخشبية (الكلارينيت والأوبوا) لتقديم ألحان تذكرنا بالمواويل الشعبية، لكن بصيغة رصينة أوركسترالية، ما يسمح بنوعٍ من الاستغراق التأملي في الجمال الخالص.

تأتي الحركة الثالثة مفعمة بالحيوية والإيقاعات الراقصة، وهي الحركة التي تبرز فيها مهارة خيرت في التوزيع، حيث يوظف الإيقاعات المصرية الشعبية بذكاء داخل إطار الاسكرتسو الغربي السريع والمعهود منذ بيتهوفن في الحركة الثالثة من السيمفونيات.

الحركة الرابعة هي الذروة الاحتفالية، حيث تعود التيمات السابقة للالتقاء في نسيج كنترابنطي ضخم متشابك، ينتهي بإعلان انتصار ساطع، في خاتمة أوركسترالية مهيبة تليق بلقب السيمفونية الثورية.

كونشرتو البيانو والأوركسترا رقم (١) في مقام دو صغير

لا يمكننا إتمام تحليل المدرسة المصرية دون الالتفات إلى دور البيانو؛ فهو سيد الآلات الذي يمتلك قدرات أوركسترا، ومن جهة أخرى هو تلك الآلة التي اعتبرت لزمن طويل عدوًا للمقام بسبب سلمها المعدل وصعوبة تعديلها ميكانيكيًا لتناسب المسافات الصوتية الدقيقة. مع ذلك سعى أبو بكر خيرت في كونشرتو البيانو والأوركسترا رقم (١) إلى إثبات أن هذه الآلة يمكن أن تتحول إلى راوية للحواديت المصرية. في هذا العمل نجد أصابع العازف تتحرك كما لو كانت على أوتار القانون، وهي حيلة تقنية استمرت بعد ذلك في الموسيقى العربية في القوالب الكلاسيكية عمومًا، لكنْ بقوة تعبيرية مختلفة بناءً على اختلاف الآلتين. كان هذا الاستخدام الذكي في تشريق الآلة الغربية القحة خطوة جسورة على طريق كسر عقدة الآلة، عبّدت الطريق لظهور مؤلفين وعازفين مثل رمزي يسَّى وعزيز الشوان وغيرهما.

يقوم العمل على مبارزة جمالية بين البيانو كفرد والأوركسترا كمجتمع. من حيث البناء العام يلتزم خيرت بالقالب التقليدي للكونشرتو (ثلاث حركات)، لكنه يملأ هذا القالب بشحنات عاطفية مستمدة من التراث الشعبي المصري. في الحركة الثانية ، يقدم البيانو لحنًا حزينًا يشبه العدّودة المصرية القديمة لكنْ بجماليات هارمونية. من حيث تقنية العزف تتطلب المقطوعة براعة عالية، ما يضع المؤلف في مصاف كبار مؤلفي الكونشرتو مساهمًا في تغيير الصورة النمطية التي تحصر الموسيقار العربي في إطار الارتجال.

٢. يوسف جريس

عند الحديث عن المدرسة المصرية في تحديث الموسيقى علينا التوقف عند تلك الشخصية التي لا يكتَب عنها كثيرًا، رغم أنها مثلت الحلقة المفقودة بين طموحات الرواد وبين وجدان الجماهير. هذه الشخصية هي يوسف جريس، ذلك المؤلف والمايسترو الذي كان مهندسًا للصوت بامتياز. يُعد يوسف جريس (١٩١٢ – ١٩٩١) أحد الأعمدة الأربعة التي قام عليها صرح الموسيقى الكلاسيكية الأكاديمية في مصر، وهو ينتمي إلى ما يُعرف بالجيل الأول من المؤلفين السيمفونيين المصريين، إلى جانب عزيز الشوان وأبي بكر خيرت وحسن رشيد.

إذا كان أبو بكر خيرت قد شيد الجدران الأكاديمية للمعهد، فإن جريس هو من فتح النوافذ الإذاعية ليمر منها النغم السيمفوني إلى كل بيت مصري. لقد أدرك جريس مبكرًا أن القالب الغربي سيظل عنصرًا غريبًا ما لم يجرِ تزويده بالرؤية البرنامجية التي تخاطب خيال المستمع وتجعله يرى الصور من خلال النغمات، ويتخيل دراما مع تطور التيمات اللحنية. من ثم اتسم مشروعه بالقدرة المميزة على التصوير الأوركسترالي.

في مركز إنتاجه الإبداعي يبرز القصيد السيمفوني كأداة تعبيرية مفضلة، وهو القالب الذي يسمح للمؤلف بالتحرر من صرامة السيمفونية التقليدية لصالح السرد والمشهدية المرتبطين بقصة أو لوحة محددة. استلهم جريس من المدرسة الرومانسية المتأخرة قدرتها على التلوين الأوركسترالي الباذخ، لكنه أضاف إليه طابعًا شرقيًا على عمق كبير، بحيث يعتمد على استبطان الحالة الشعورية للإنسان المصري. ما جعل أعماله تتسم بالوضوح التعبيري والجاذبية الحسية التي تفتقدها الكثير من الأعمال الأكاديمية.

القصيد السيمفوني فَجْر

يُعد عمل فجر العمل الأساسي لجريس، وفيه يتجلى مفهوم الانبعاث الحضاري في تصوره السمعي.

يبدأ العمل بهمسات خفيضة بالوتريات، ليرسم حالة السبات العميق أو السكون الذي يسبق الفجر. هنا نلمس ذكاء جريس في استخدام الهارموني الغامض الذي يوحي بالترقب. ليس لهذا اللحن ملامح واضحة، بل هو نواة لحنية صغيرة تتلمس طريقها في الفراغ، تمامًا كما تتلمس خيوط النور الأولى مسام السماء بحثًا عن منفذ لها. مع دخول آلات النفخ الخشبية (الأوبوا والكلارينيت)، يبدأ الحوار الجمالي؛ حيث يستخدم جريس الجملة القصيرة التي تتصاعد تدريجيًا في كريشِندو أوركسترالي مهيب. مع هذا التصاعد تبدأ المقاومة؛ مقاومة النور للظلمة، ومقاومة الموسيقى للصمت. نلاحظ هنا براعته في التوزيع، حيث يمنح كل آلة دورًا مستقلًا، لتصنع جميعًا نسيجًا واحدًا فيما يمثل حركة الصحوة.

عندما تصل الأوركسترا إلى ذروتها بصحبة الآلات النحاسية والطبول الكبيرة، نكون أمام لحظة الانتصار. هنا يستخدم جريس تيمات ذات طابع ملحمي تذكرنا بالأناشيد الوطنية، لكن بصياغة سيمفونية أنيقة. إن الفجر عند جريس تلخيص لأفكار الاستقلال والحرية والنهضة المصرية التي كانت تشكل طموحات ذلك الجيل.

ما يميز تجربة جريس هو قدرته على إحداث المصالحة بين الأذن التي تعودت على أحادية الصوت وبين التأليف متعدد الأصوات؛ وهو ما حاول إنجازه من خلال التدرج التعبيري؛ فكان يبدأ بلحن مألوف للأذن، ثم يبدأ في تغريبه وتوزيعه ببطء، ليقود المستمع دون أن يشعر إلى قبول التعقيد السيمفوني. كان هذا الدور التثقيفي-الإبداعي الذي لعبه جريس من خلال منصبه في الإذاعة المصرية (عضوية اللجنة العليا للموسيقى والغناء) هو الجسر الذي عبر فوقه مؤلفون أكثر راديكالية من الجيل الثاني مثل جمال عبد الرحيم ورفاقه.

علاوة على ذلك يبرز جريس كقائد أوركسترا امتلك رؤية تقنية للفن؛ إذ قاد بنفسه فرق الإذاعة والأوبرا، ما منحه قدرة على فهم فيزياء الصوت وكيفية تطويع الآلات الغربية تقنيًا لتنطق بالزخرفة الشرقية. نجد في أعماله كيف يختلف الكمان مثلًا عنه في سيمفونيات الأوروبيين، إذ يكتسب نوعًا من اللين المقامي، وكيف يشدو الفلوت الغربي بشعور مصري أصيل. هذه الخصوصية في الأداء هي التي جعلت من مدرسة جريس مدرسة قومية بامتياز بمعنى اعتمادها على كل من تحديث الأصالة وتأصيل الحداثة، فلا تكتفي بتقليد القالب، ولا تهجره كليةً.

في سياق التعدد القطري نجد أن جريس كان من أكثر المؤمنين بالتفاعل العربي-العربي؛ حيث كان يدعو من خلال الإذاعة إلى استضافة الفرق والمؤلفين من الأقطار العربية الأخرى، ما ساهم في خلق بيئة عروبية للموسيقى الكلاسيكية. لقد رأى جريس أن الموسيقى السيمفونية هي اللغة الدبلوماسية التي يمكن للعرب من خلالها مخاطبة العالم بصوت متآلِف، ولذلك كان يصر في مؤلفاته على تقديم صورة مشرقة وقوية عن الشخصية العربية، بعيدة عن صور الاستشراق النمطية التي كانت تظهر في أعمال الغربيين.

٣. جمال عبد الرحيم

كان جمال عبد الرحيم (١٩٢٤ – ١٩٨٨)، رأس الجيل الثاني، هو المطوِّر الذي أسهب شرارة التحول الجمالي. تجاوز عبد الرحيم مرحلة الرومانسية القومية لدى خيرت بخطوته إلى مرحلة الموسيقى المعاصرة، متأثرًا بالمدرسة المجرية (بيلا بارتوك خصوصًا) وبالموسيقى الانطباعية الفرنسية، فرفض الاكتفاء بالتآلف الغربي التقليدي (الذي يقوم على التآلفات الثلاثية)، وابتكر التآلف المقامي النابع من صلب المقام العربي نفسه. كان التحديث في نظر عبد الرحيم يعني تحرير المقام من قيد الأحادية الصوتية عبر خلقه لنسيج بوليفوني يحترم طبيعة المسافات العربية، حتى لو عُزف على آلات غربية. لذلك صارت موسيقاه أقرب إلى مختبر تحلّ فيه روح الشرق في أشكال العصر.

تنويعات سيمفونية على لحن شعبي مصري

يُعد لحن ميتت النيل أحد أكثر الألحان الشعبية المصرية عمقًا ورمزية، وهو ينتمي إلى الفلكلور المصري الريفي المرتبط بدورة حياة النهر الخالد. كلمة ميتت في الموروث الشعبي تشير إلى لحظة سكون النيل أو انحسار مياهه قبل الفيضان، وهي حالة من الهدوء المهيب الذي يسبق الانبعاث، ثم “ينصبّ كتلٍّ منهارٍ ويضجّ فتحسبه يزأر” كما قال أحمد شوقي، ما يمنح اللحن حمولة ثقافية ورمزية في آن.

من حيث الجذور الوجدانية فاللحن في أصله تيمة غنائية بسيطة يتداولها الفلاحون في الدلتا، وتتميز ببنية لحنية دائرية توحي بالاستمرارية والتدفق، تمامًا كجريان النهر. يعتمد اللحن على مسافات مقامية قريبة من الوجدان المصري، ويمتاز باقتصاد نغمي شديد، حيث يولد طاقة تعبيرية هائلة من جملة موسيقية قصيرة جدًا. من حيث الاستثمار السيمفوني فقد اكتسب هذا اللحن أصلًا شهرته حول العالم بفضل جمال عبد الرحيم، الذي اتخذه مادة أولَى لعمله تنويعات سيمفونية على لحن شعبي مصري.

قام عبد الرحيم بتفكيك اللحن وإعادة بنائه باستخدام تقنيات الكنترابنط والتآلف المقامي. من حيث القيمة الفنية تكمن أهمية استثمار ميتت النيل في أنه أثبت قدرة الجملة اللحنية الشعبية البسيطة على تحمل أعباء البناء الأوركسترالي المعقد. بشكل عام يمثل هذا اللحن في الموسيقى المصرية ما تمثله التيمات الشعبية في أعمال بيلا بارتوك أو سترافنسكي؛ فهو الخلية الأولى التي انطلقت منها محاولات خلق موسيقى قومية تمتلك الجسد الأوركسترالي الغربي والطابع الشعبي.

يبدأ اللحن الأصلي (ميتت النيل) بالظهور بشكل خجول، ثم يبدأ المؤلف في تفكيكه إلى خلايا لحنية صغيرة، يعيد تركيبها عبر آلات الأوركسترا المختلفة. لا يستخدم عبد الرحيم الأوركسترا كبطانة للحن، بل كغريم على مستوى الندِّية؛ فنجد الحوارات بين آلات النفخ والوتريات تخلق صراعًا دراميًا يبتعد عن الميلودراما الرومانسية ليقترب من التجريد. يستخدم عبد الرحيم تآلفات لا تشبه ما اعتدنا عليه في الموسيقى الكلاسيكية، بل تآلفات متوترة تضفي أصباغًا فلكلورية فاقعة كألوان بول جوجان تنسجم مع الفن الحديث عمومًا، ومع ذلك تظل مصرية في لبابها اللحنية، حيث نجح في جعل الأوركسترا تغني بمقام البياتي والرست (بتحويرات ذكية) دون الحاجة لآلات شرقية.

متتالية إيزيس وأوزيريس

تمثل هذه المتتالية الذروة الدرامية الفنية في مشروع جمال عبد الرحيم، وهو العمل الذي انتقل به من استلهام الفلكلور الريفي إلى الأسطورة المصرية القديمة. في هذا العمل يتعامل المؤلف مع الموسيقى باعتبارها استحضارًا طقسيًا لروح الحضارة المصرية القديمة، متجاوزًا المحاكاة السطحية للألحان ليغوص في الجوهر الميتافيزيقي للصراع بين الموت والبعث. 

يتخلى جمال عبد الرحيم في متتالية إيزيس وأوزيريس عن الغنائية التقليدية لصالح التجريد التعبيري. تعتمد المتتالية على اقتصاد واضح في الجمل اللحنية المكتملة، حيث تتحول الألحان – على طريقة المعهود في الموسيقى الحديثة في القرن العشرين – إلى خلايا نغمية حادة وقوية، تتصادم وتتشابك لتعبر عن مأساة التمزق (تمزق أوزيريس) وجهود الالتئام (جهود إيزيس). تكمن القيمة الكبرى لهذا العمل في ابتكار لغة هارمونية لا تستند إلى التآلفات الغربية المعتادة، بل تقوم على المسافات الرابعة والخامسة، وهي مسافات تمنح الموسيقى طابعًا بدائيًا يسمح للمستمع بتخيُّل البيئة الصوتية التي ولَّدت هذه القصة.

تبدأ المتتالية بأجواء غامضة ثقيلة، حيث تستخدم آلات النفخ النحاسية الخفيضة مع ضربات منخفضة من التيمباني لخلق شعور بالرهبة الجنائزية. هنا يبرع عبد الرحيم في استخدام التنافر الصوتي المدروس للتعبير عن فعل الشر والتمزق الذي يمثله الإله ست.

تظهر تيمة إيزيس في المتتالية عبر آلات النفخ الخشبية، وتحديدًا الأوبوا والفلوت. يتسم هذا اللحن بالانكسار والالتواء محاكيًا مسارات النواح المصري القديم، لكنه لحن يمتلك إرادة البقاء، حيث تتكرر التيمة بإصرار فوق خلفية من الوتريات التي تعزف نغمات ممتدة تمنح الشعور بالصمود.

تتحول المتتالية في الحركة الختامية الكبرى من الانكسار إلى الانبعاث. يستخدم المؤلف تقنيات بوليفونية معقدة، حيث تتداخل التيمات السابقة وتتصاعد في بناء هرمي أوركسترالي ضخم. تظهر مهارة جمال عبد الرحيم في دمج الإيقاعات المصرية مع قوة الأوركسترا السيمفونية، لتعلن في النهاية انتصار النظام والعدل (ماعت) على الفوضى، في لحظة استنارة تلتقي فيها الحداثة الموسيقية مع الحكمة المصرية القديمة.

استخدم عبد الرحيم في هذه المتتالية لوحة ألوان أوركسترالية تتسم بالخشونة والصلابة. يبتعد بها عن الرقة الرومانسية ويفضل عليها الأصوات المعدنية والخشبية الجافة، ما يعطي انطباعًا بأن الموسيقى منحوتة في الصخر. هذا التوظيف لآلات الإيقاع بأسلوب غير تقليدي، ودمجها مع الوتريات الحادة، هو الذي استحدث ما يمكن تسميته بالسمت الفرعوني في الموسيقى، وهو إنجاز تقني لم يسبقه إليه أحد بهذا النضج الأكاديمي.

تكشف لنا المقارنة بين خيرت وعبد الرحيم عن طبيعة جدل الأصالة والمعاصرة في المدرسة المصرية عبر جيلين؛ فبينما سعى خيرت لإلباس الموسيقى المصرية الثوب الغربي، سعى عبد الرحيم لاستنباط الحداثة من داخل الموروث المصري نفسه. هذا التباين هو الذي منح المدرسة المصرية عمقًا معرفيًا جعلها مرجعًا للمؤلف العربي الكلاسيكي.

المسرح الغنائي الأوركسترالي | المدرسة اللبنانية والسورية

إذا كانت المدرسة المصرية قد انشغلت ببناء صرح كلاسيكي مؤسسي، فقد اتسم مشروع المدرسة اللبنانية والسورية بكونه محاولة أكثر مباشَرة في استثمار الذاكرة الصوتية-الجمالية المنبعثة من ثنايا الأرض والفلكلور. كان القالب الغربي في لبنان وسوريا أقرب إلى عدسة مكبرة ترصد التفاصيل الدقيقة للحياة القروية، وحيوية الموشحات، وعنفوان الدبكة. هنا نجد أنفسنا أمام حداثة تأثيرية، لا تجعل الأولوية للهارموني الصارم، بل تبحث عن اللون الصوتي الذي يصف انطباعنا أمام زرقة البحر الأبيض المتوسط، وشموخ أشجار الأرز، والبيئة الملونة المتنوعة عمومًا في الشام مقارنة ببساطة اللوحة على الخريطة المصرية.

بصورة عامة نجح المؤلف الشامي في نقل اللحن المحلي من حيز الممارسة الشعبية العفوية إلى رحاب الدراما الموسيقية المنظمة، خالقًا نوعًا من التوازن القلق بين حرية الارتجال الشرقي وانضباط القالب الموسيقي، وهو ما جعل التجربة الشامية بالذات تتسم بمرونة أكبر في عبور الحدود الثقافية.

١. السيمفونية الغنائية | الأخوان رحباني

تتربع تجربة الأخوين رحباني على عرش هذا التحول، حيث قدما نموذجًا فريدًا فيما يمكن تسميته بالمسرح الغنائي الأوركسترالي. كان الرحابنة من بناة الدراما الذين استخدموا الأوركسترا كشخصية فاعلة في النص المسرحي، وذلك في أحد أنجح المشروعات الفنية العربية وأكثرها امتدادًا. من خلال تعاونهما مع موزعين عباقرة (أمثال بوجوس جلاليان وتوفيق الباشا) استطاع الرحابنة صياغة هارموني رحباني خاص، يعتمد على تآلفات بسيطة لكنها عميقة التأثير، تخدم الجملة اللحنية الفيروزية الرهيفة. 

نجد في مسرحياتهما الكبرى المقدمات الموسيقية تُعامل كقطع سيمفونية مستقلة، تُبنى فيها التيمات الغنائية وتتطور عبر آلات النفخ والوتريات، ما طور بالتدريج ذائقة جماعية عربية جديدة تتقبل سماع الأوركسترا الكبيرة وهي تغني بلسان لبناني، مذيبةً بذلك الحد بين ما هو نخبوي كلاسيكي وما هو شعبي دارج.

عندما نحلل مقدمة مسرحية لولو (١٩٧٤) أو ميس الريم (١٩٧٥) مثلًا، نجد أننا أمام بناء درامي متكامل السمات:

من حيث التيمة والتحول: يبدأ العمل بتيمة بسيطة (غالبًا ما تكون مشتقة من لحن شعبي)، ثم يجري إنماؤها أوركستراليًا عبر توزيع الأدوار بين الكمانات والتشيللو. يخلق هذا التبادل الصوتي شعورًا بالرحابة المكانية، وكأن الموسيقى ترسم تضاريس الجبل اللبناني. من حيث التلوين الأوركسترالي: برع الرحابنة في استخدام الهارب والناي والأوبوا لخلق أجواء حالمة تذكرنا بموسيقى ديبوسي ورافِل الانطباعية، لكن بنبض مقامي لا يخطئه الوجدان العربي. بصفة عامة فإن تجربة الرحابنة هي الأوضح والأنجح في تقديم الآلات الغربية القحة إلى نسيج الموسيقى العربية مع أقل قدر ممكن من التناقض. إنها موسيقى سيمفونية يومية تحكي قصة الإنسان البسيط في مواجهة مشاق الحياة التي لا تخلو من الجمال. من حيث الوحدة العضوية: رغم تعدد الألحان داخل العمل الواحد فإن الأوركسترا تعمل كخيط ناظم يربط بين المَشاهد، ما يحول العمل المسرحي إلى سيمفونية غنائية تمتلك وحدة البناء العضوي الكلاسيكي.

٢. الموشحات السيمفونية | توفيق الباشا

أما توفيق الباشا (١٩٢٤ – ٢٠٠٥) فيمثل الجانب الأكثر أكاديمية ورصانة في المدرسة اللبنانية. كان الباشا مسكونًا بهاجس العلم الموسيقي وكيفية تطبيق قوانين الهارموني والكنترابنط على التراث العربي الضارب في القدم. لقد اتخذ من الموشح والوصلة مادة خامًا لمشروعه التحديثي.

في عمله أندلسيات، قام الباشا بشحن الموشح بتطوير درامي مستمر؛ فمن حيث البناء العام: نجد في الحركة الأولى مثلًا (موشح لما بدا يتثنى) أنه بدلًا من الغناء المنفرد، تقوم الوتريات بتقديم التيمة، ثم تدخل آلات النفخ لتعارضها في خطوط لحنية مستقلة كنترابنطية. يمنح هذا الاشتباك الصوتي الموشح بعدًا عموديًا لم يكن حاضرًا في مادته الأصلية. من حيث التعامل مع الإيقاع: حافظ الباشا على الإيقاعات المركبة للموشح (مثل سماعي ثقيل ١٠/٨)، لكنه وزعها على آلات الإيقاع الأوركسترالية الكبيرة، ما منح العمل هيبة سيمفونية. من حيث إشكال المقام: لم يهرب الباشا من ربع التون، بل حاول إيجاد تآلفات هارمونية محايدة أو مبتكرة تحترم مقام الموشح، ما خلق نوعًا من الحداثة المقامية التي تعد من أصعب أنواع التأليف العربي المعاصر.

٣. الأعمال السيمفونية الكاملة | وليد غلمية 

لا يكتمل مشهد التحديث في هذه المساحة بالطبع دون الالتفات إلى المؤلف اللبناني الكبير وليد غلمية (١٩٣٨ – ٢٠١١)، الذي يعد سيمفوني العرب من جهة تميزه بمجموعة متكاملة من السيمفونيات. لم يهدف غلمية إلى تطويع التراث الموسيقي بشكل مباشر، فقد أراد كتابة السيمفونية بمعناها المطلق، بوصفها خطة تركيب العالَم (كما قال توفيق الحكيم يومًا عن سيمفونيات بيتهوفن في زهرة العمر).

تُعد سيمفونياته الست (المتنبي والفجر واليرموك والشهيد والقادسية والمواكب) أعمال ملحمية ضخمة تحاول تأريخ الروح العربي وقضاياه المصيرية عبر لغة أوركسترالية بليغة. تتسم موسيقى غلمية بالقوة والاندفاع الإيقاعي، متأثرةً بالمدرسة الروسية في التأليف، التي تقترب من عدة أوجه من الموسيقى العربية، لكنها تظل محتفظة بعصب لحني شرقي واضح. كان غلمية يؤمن بأن الأوركسترا الوطنية اللبنانية، التي أسسها، هي المختبر الحقيقي الذي يجب أن تنصهر فيه كل محاولات التحديث.

سيمفونية المتنبي (١٩٧٨)

ربما ليس أجدر بسيمفونية بطولية – على نحو معلَن من مؤلفها – سوى شخصية المتنبي، التمثيل النموذجي بعد امرئ القيس للشاعر الفارس. نجد في هذه السيمفونية قمة الدراما الموسيقية التي تعبر عن الشخصية العربية القلقة والمتمردة. 

في الحركة الأولى (الولادة والتمرد) يستخدم غلمية كتلًا صوتية ضخمة من أصوات النحاسيات للتعبير عن كبرياء المتنبي وطموحه. الموسيقى هنا عاصفة نغمية منظمة، تعتمد على تنافرات مدروسة تعكس صراع الشاعر مع السلطة والجمهور في عصره.

في الحركة الثانية (تأملات الشاعر) تنحسر العاصفة لصالح مونولوج حزين لآلتي الكلارينيت والفلوت، يعبر عن لحظات الانكسار والغربة. تُظهر هذه الحركة قدرة غلمية على صياغة جملة لحنية ممتدة، تشبه في طولها المعلقات الشعرية، لكنْ بأدوات تعبيرية غربية.

تنتهي السيمفونية في الخاتمة (الرحيل) بإيقاعات حاشدة تذكرنا بالمارش الجنائزي، لكنها تنطوي على بصيص من الأمل الكوني، حيث تمتزج المقامات العربية بأسلوب حداثي يجعل من السيمفونية عملًا قديمًا مضمونيًا معاصرًا شكليًا.

إن مما يميز المدرسة الشامية بصورة عامة هو قدرتها على اجتراح مفهوم مختلف للهارموني؛ وهو هارموني يستلهِم من أجراس الكنائس وأذان الجوامع ودبكات القرى تآلفاتٍ صوتية فريدة. لذا نجد أن أعمالهم تتسم بالسيولة الجمالية؛ فهي تبدو للغربي كلاسيكية معاصرة، وتبدو للشرقي تراثية منبعثة من جديد. هذا الازدواج الجمالي هو الذي منح الموسيقى الشامية قدرتها على البقاء والتأثير، وجعل منها الرئة الثانية التي تتنفس بها السيمفونية العربية بجانب المدرسة المصرية.

في خضم هذا التطور برزت قضية الآلة المنفردة (العود والقانون والناي) في مواجهة الأوركسترا؛ فبينما كان المصريون يميلون لاستخدام البيانو كبديل، ذهب اللبنانيون والسوريون (مثل شربل روحانا في لبنان أو تجارب عازفي العود السوريين) نحو كتابة كونشرتوات للآلات الشرقية نفسها. هنا تحولت الآلة الشرقية من سلطانة التخت إلى عضو في برلمان الأوركسترا، ما استلزم إعادة ابتكار لطرق العزف والتدوين.

٤. صلحي الوادي وتأمل

اتخذ التحديث في الجارة سوريا طابعًا أكثر انضباطًا وميلًا نحو الأكاديمية الصارمة، وذلك بفضل جهود رواد مثل صلحي الوادي (عراقي-أردني الأصل سوري المشروع).

رغم تأثرها بالتراث (مثل القدود الحلبية)، إلا أن المدرسة السورية كانت أكثر ميلًا لتبني القوالب الغربية الصافية. قدم المؤلفون السوريون (مثل نوري الرحيباني وحسان طه وزيد جبري لاحقًا) أعمالًا تتسم بالذكاء التقني، حيث يجري التعامل مع المقام كخامة صوتية تخضع لعمليات التجريد والتحليل، بعيدًا عن الغنائية العاطفية المباشرة. هذا التوجه العقلاني السوري أضاف بعدًا جديدًا للسيمفونية العربية، محولًا إياها من لوحة فلكلور إلى أطروحة فكرية موسيقية.

بالإضافة إلى كونه مؤلفًا أو قائدًا للأوركسترا، امتد منجز صلحي الوادي (١٩٣٤ – ٢٠٠٧) إلى كونه صاحب رؤية استراتيجية استطاعت توطين الموسيقى الكلاسيكية في البيئة السورية عبر تأسيس المعهد العالي للموسيقى بدمشق عام ١٩٩٠، وتشكيل الفرقة السيمفونية الوطنية السورية عام ١٩٩٣، وهو ما أتاح للمبدع السوري منصة رسمية تمكنه من محاورة الغرب بلغة تقنية مكافئة.

لقد ارتكز مشروع صلحي الوادي الجمالي على إيمان عميق بضرورة التمكن من الأدوات الكلاسيكية قبل الشروع في عملية التحديث؛ فكانت تربيته الموسيقية في الأكاديمية الملكية بلندن هي المحطة الأولى في تكوين ذائقته، ما انعكس على أسلوبه في التأليف الذي اتسم بالوضوح البنائي والرومانسية المتأخرة الممتزجة بنزعة حداثية معتدلة. يتمثل إنجازه الأهم في خلق البيئة الحاضنة التي تخرجت منها أجيال من العازفين والمؤلفين الذين يملؤون اليوم كبرى المسارح، ما منح الموسيقى السورية خصوصية أكاديمية جعلتها تتصدر المشهد العربي في دقة الأداء وعمق التناول الفلسفي للقالب الكلاسيكي.

فيما يخص التحليل الفني لعمله الشهير تأمُّل لأوركسترا الوتريات، نجد أنفسنا أمام نموذج هام للتجريد الوجداني؛ ففي هذا العمل يبتعد الوادي عن الصخب الأوركسترالي ليركز على الخيوط اللحنية الرهيفة التي تتشابك في بنية بوليفونية معقدة وشجية في آنٍ. يبدأ العمل بتيمة أساسية تحمل مسحة من الرومانسية الحزينة، سرعان ما تتطور، حيث تتناوب آلات الكمان والفيولا والتشيللو في طرح الأسئلة النغمية والإجابة عنها. يعتمد بناء هذا العمل على خلق مساحات من السكون والتوتر، مما يعكس حالة من الاستغراق الفلسفي في قضايا الوجود والذات. يستخلص صلحي الوادي هنا الهوية الشعورية للمقام ويدمجها داخل نسيج هارموني غربي متطور.

٥. زيد جبري وجليبتوس

على الضفة الأخرى من النهر الإبداعي السوري المعاصر يبرز اسم زيد جبري (١٩٧٥ – ؟) كواحد من أهم الأصوات العربية في الموسيقى السيمفونية. تلقى جبري تعليمه في مدرسة كراكوف البولندية، متأثرًا بعمالقة مثل كريستوف بنديريسكي، ما جعل لغته الموسيقية تتسم بالتعقيد التركيبي والجرأة في استخدام التقنيات المجهرية.

يكمن منجز زيد جبري في قدرته على تفكيك المقام وإعادة تركيبه في سياقات رياضية معقدة، متجاوزًا بذلك السردية التقليدية للشرق الساحر، ليدخل في أتون الحداثة الصادمة التي تعبر عن انكسارات الواقع السوري والعربي الجريح. إن موسيقاه هي رحلة في السيولة النغمية التي تمزج بين الأصوات الأوركسترالية والوسائط الإلكترونية أحيانًا.

في تحليلنا لعمله الأوركسترالي جليبتوس نجد أنفسنا أمام عملية نحت صوتي؛ إذ يستلهم جبري فكرة العمل من الفنون البصرية والعمارة، محولًا الأوركسترا إلى مادة خام تخضع لعمليات من الحفر والتشكيل. تستمد هذه التسمية جذورها من اليونانية القديمة، حيث تعني كلمة Glyptos باليونانية γλυπτός المنحوت أو المحفور.

يمكن تفصيل فكرة هذا العمل في النقاط التالية:

أولًا: الصوت كمادة خام. يتعامل جبري مع الأوركسترا ككتلة مادية رخامية يقوم المؤلف بنحتها وحفرها. الموسيقى هنا كتلة فراغية ذات أبعاد ومَسامّ وتضاريس. ثانيًا: العلاقة بالفنون البصرية. يشير العمل إلى تأثر جبري بالفنون التشكيلية والعمارة؛ فكما يقوم النحات بإزالة الأجزاء الزائدة من الحجر ليبرز الشكل، يقوم جبري باستخدام الآلات مرتفعة الطبقة والتنافرات الحادة لنحت الصمت وإبراز التكوينات الصوتية المجهرية. ثالثًا: النزعة السونورية . يعكس العنوان انتماء جبري للمدرسة البولندية الحديثة السونورية، حيث التركيز على اللون الصوتي   والنسيج كعناصر أساسية. تصبح النغمة في جليبتوس أداة لتشكيل الملمس (الخشن أو الناعم أو المدبب أو المستوِي)، تمامًا كما يتحسس الناظر سطح المنحوتة. رابعًا: توظيف المسافات الصوتية الدقيقة؛ وذلك باستخدام ربع التون والمسافات الأصغر في هذا العمل فيما يشبه الأزاميل الدقيقة التي تحفر في جسد النغم لتستولد منه أصواتًا لم تكن مألوفة من قبل، ما يعطي العمل طابعًا جيولوجيًا أو عضويًا مميزًا.

يعتمد العمل على الأنظمة الموسيقية المركبة؛ حيث تتداخل الكتل الصوتية في طبقات متعددة تخلق نوعًا من الكثافة النغمية. يستخدم جبري في هذا العمل ربع التون كجزء من بنية الهارموني نفسه، ما يخلق حالة من اللا استقرار الجمالي الذي يشد المستمع ويدفعه للتفكير في ماهية الصوت.

تتطور البنية العضوية لعمل جليبتوس عبر تحولات ديناميكية حادة، من الصمت المطبق إلى الانفجارات الأوركسترالية العنيفة، ما يعكس صراع القوى داخل العمل. يمارس جبري هنا نوعًا من الإبستمولوجيا الموسيقية التي تعيد تعريف العلاقة بين المستمع وبين الزمان الموسيقي، محولًا الموسيقى السيمفونية إلى فضاء للتأمل في الفوضى المنظمة.

تكشف المقارنة بين صلحي الوادي وزيد جبري عن مسار التطور الطبيعي للموسيقى السورية عبر جيلين؛ فمن التأسيس الكلاسيكي الرصين والمحكم عند الوادي انتقلنا إلى التحرر التجريبي والانفتاح على آفاق التعقيد الكوني عند جبري. إن اجتماع هذين التيارين هو ما يمنح الموسيقى السورية اليوم قيمتها في المحافل الدولية، حيث أصبحت شريكًا في صناعة الوعي الموسيقي المعاصر. 

الموجة المعاصرة وسيمفونيات الشتات

شهد الربع الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين تحولًا جذريًا في فلسفة التحديث الموسيقي العربي؛ إذ لم يعد المبدع العربي محصورًا في رغبة إثبات الذات أمام الغرب، ولا مسكونًا بالأخص بهمّ تحديث الموسيقى القومية، بل أصبح جزءًا أصيلًا من نسيج الحداثة العالمية عبر ما يمكن تسميته بالشتات الإبداعي. استبدل هؤلاء المبدعون قلق الأسئلة الوجودية باليقين اللحني القديم، محولين الأوركسترا إلى ساحة للمكاشفة بين ذاكرة الشرق المنهكة وتقنيات الغرب الباردة.

١. بشارة الخوري: القصيد السيمفوني لبنان في سلام

يقف المبدع اللبناني-الفرنسي بشارة الخوري (١٩٥٧ – ؟) كأحد أهم أعلام هذا التحول، حيث يمثل في أعماله مفهوم التجريد الموسيقي الذي يتجاوز المحاكاة السطحية للتراث؛ إذ يعيد الخوري صهر شحنات المقامات العربية العاطفية داخل لغة أوركسترالية فرنسية انطباعية وتعبيرية الطابع . تبدو موسيقاه كرثاء سيمفوني دائم للوطن والجمال المفقود، مستخدمًا تنافرات صوتية حادة.

في القصيد السيمفوني لبنان في سلام للخوري نلمس الدراما الشكلية المعبرة عن التحول من الفوضى إلى الطمأنينة. يبدأ العمل بصرخات أوركسترالية عنيفة تعكس زمن الحرب الأهلية اللبنانية، حيث تتداخل الوتريات في حركات عنيفة تشبه تمزق الأنسجة الاجتماعية. هنا يستخدم الخوري اللا نغمية بحذر ليعبر عن ضياع المعنى. يعكس هذا الاستخدام الدرامي لعناصر الموسيقى نفسها التأثر بالحداثة الموسيقية، وهو جوهر ما تعرضنا له في مقال سابق تحت عنوان ما وراء الموسيقى بصدد شوستاكوفيتش. في وسط هذا الصخب تظهر فجأة جملة لحنية رقيقة، تشبه ذكريات الطفولة في بيروت، وهي جملة تحمل رائحة المقام دون الالتزام الحرفي بنظامه. هذا التناقض هو الذي يمنح القصيد قوته التعبيرية. ينتهي العمل بنوع من التسامي الصوتي، حيث تذوب الأصوات في صمت مهيب، ما يبرز فلسفة الخوري في أن الموسيقى طريق للخلاص النفسي والروحي.

٢. مارسيل خليفة: كونشرتو العود والأوركسترا ومتتالية شرق

أما المؤلف اللبناني مارسيل خليفة (١٩٥٠ – ؟) فقد سعى إلى تسييد آلة العود على الأوركسترا؛ كما نجد في أعماله السيمفونية الكبرى مثل متتالية أندلسية وكونشرتو العود.

يمثل عمله شرق، الذي قدمه مع أوركسترا قطر الفيلهارموني، مشروعًا موسيقيًا ضخمًا يقرأ في تاريخ المشرق وتطلعاته عبر عمل كورالي-سيمفوني متكامل الأركان. تستند هذه المتتالية إلى بنية فنية مركبة تجمع بين الأوركسترا وبين الجوقة الغنائية والآلات الشرقية المنفردة، ما يخلق فضاءً صوتيًا بانوراميًا يجسد صراعات الشرق وأحلامه في سياق ملحمي مهيب. 

يدمج خليفة في هذا العمل المقامية العربية مع الهارمونية الغربية، مستخدمًا تقنيات التوزيع الحديثة لإبراز ثراء المقامات المشرقية دون التفريط في العمق الدرامي الذي توفره المجموعات الأوركسترالية الكبرى في لحظات التوتر والتصريف. يؤدي الكورال دورًا محوريًا بوصفه صوتًا جماعيًا يعبر عن ضمير الأمة، حيث تتداخل الأبيات الشعرية مع الألحان السيمفونية لتمنح العمل بعدًا إنسانيًا وأدبيًا رفيعًا. كما تنبثق آلات العود والقانون من داخل النسيج الأوركسترالي كعناصر إنشائية تقود الحوار اللحني وتمنح العمل هويته المشرقية الأصيلة. 

تتدرج الحركات الموسيقية في شرق من السكون التأملي الذي يستحضر عبق التاريخ والذاكرة إلى الذُّرَى الأوركسترالية العنيفة التي تصور لحظات الثورة والتحول، مستخدمةً إيقاعات عربية معقدة طُوِّعت لخدمة البناء السيمفوني المتصاعد. 

أيضًا، تعتمد ملحمة شرق في حركاتها المتعددة على التنويع في الكتل الصوتية، فتارةً نجد الهمس الوتري الرقيق الذي يداعب المقام الشجي، وتارةً نجد الانفجار النحاسي الذي يزلزل القالب الكلاسيكي، ما يعطي العمل صفة التجدد والحيوية المستمرة. يوظف خليفة الصمت في ثنايا العمل كعنصر درامي فعال؛ إذ يتيح للمستمع فرصة التأمل في الفواصل الزمنية بين الحركات الموسيقية.

تختتم شرق رسالتها الجمالية معلنةً عبر القفلات الأوركسترالية المهيبة أن المشرق يمتلك صوتًا سيمفونيًا قديرًا.

٣. ناجي حكيم: موسيقى القُداسات ورقصات عربية للأرغن والأوركسترا

من فرنسا يبرز اسم ناجي حكيم (١٩٥٥ – ؟) لبناني الأصل، الذي أحدث ثورة في عالم الموسيقى الدينية والأرغن. إن حكيم، الذي خلف أوليفيه ميسيان في كنيسة الثالوث بباريس كمؤلف للموسيقى المقدسة (موسيقى الكنائس ذات البنية المعقدة)، قد استطاع أن يمزج بين ترانيم الكنيسة وروح المقام. لهذا نجد أن موسيقاه للأرغن هي رحلة في التثاقف الجمالي، حيث تنطق أنابيب الأرغن العملاقة بنغمات البياتي والرست في سياق قُداسات غربية.

مع براعة حكيم في نقل روح التقاسيم العربية إلى آلة الأرغن بنغمات البياتي والراست فإن هذا النوع من التعريب الصامت لآلة كنسية غربية عتيقة يمثل قمة الاختراق الثقافي العربي. أما في رقصات عربية للأرغن والأوركسترا فإننا نشعر وكأن الأرغن يتحول إلى قانون عملاق. يستخدم حكيم تآلفات متوازية تذكرنا بالترتيل البيزنطي، ممتزجة بصياغات فرنسية حديثة، ما يخلق حالة من الوجد النغمي الذي يجمع بين خشوع المصلين ونشوة الطرب.

٤. المساهمة النسائية وموجة الرقمنة

لا يمكننا إغفال الموجة النسائية المعاصرة التي اقتحمت هذا الميدان الصعب، كما في تجربة المؤلفة اللبنانية هبة القواس، التي زاوجت بين الأوبرا وبين الغناء الأوبرالي باللغة العربية. ابتكرت القواس تقنية في الصوت البشري تسمح للحنجرة العربية بتقديم المقامات وربع التون داخل القالب الأوبرالي. تتسم أعمالها السيمفونية بالفخامة والتركيب العضوي المعقد، محاولةً استلهام زمن العصر الذهبي الأندلسي في قالب معاصر.

في سياق التحولات الكبرى أيضًا بدأت تظهر في العقدين الأخيرين محاولات لدمج الرقمنة والموسيقى الإلكترونية داخل القوالب الكلاسيكية. هكذا بدأ مؤلفون من جيل الشباب (مثل زيد جبري وحسام طه) في استخدام الوسائط المتعددة وتكنولوجيا الصوت لتوظيف المقام في فضاءات نَفْس-صوتية مبتكرة. هنا لم يعد الصراع / الحوار بين الشرق والغرب، أصبح بين الإنسان والآلة؛ حيث يجري استنطاق ربع التون عبر برمجيات رقمية تسمح بخلق مسافات موسيقية مجهرية لم تكن لتخطر على بال الرواد الأوائل. هذه السيولة الجمالية الجديدة هي التي تضمن للموسيقى العربية الكلاسيكية بقاءها كفعل مستقبلي.

أهم ما يميز هذه الموجة هو كسرها للمركزية القاهرية والدمشقية والبيروتية؛ فاليوم نجد مؤلفين من الخليج العربي (مثل إيهاب درويش من الإمارات، وحسن حجيري من البحرين وعبد العزيز الشبيلي من السعودية ومسلم الكثيري من عمان ومشاري حمد من الكويت) ومن المغرب العربي (مثل أحمد عاشور وسليم دادة ونبيل بنعبد الجليل ومحمد سعادة وأحمد الصياد) يساهمون في رفد هذا النهر العابر للحدود.

المشارق الكلاسيكية | خاتمة مقارنة

إن التأمل في مسارات تحديث الموسيقى ضمن الفضاءات الحضارية الأربعة التي استعرضناها في هذه السلسلة: اليونانية والإيرانية والتركية والعربية، يكشف عن اشتباك معرفي وتاريخي معقد مع مفهوم الحداثة الموسيقية الغربية، بوصفها قوة مهيمنة فرضت أدواتها التقنية وقوالبها التعبيرية على الموروثات المقامية الشرقية.

بدءًا من التجربة اليونانية نجد أن التحديث الموسيقي قد ارتبط ارتباطًا وثيقًا بسؤال الاستمرارية التاريخية من الحقبة الكلاسيكية القديمة مرورًا بالترتيل البيزنطي ووصولًا إلى التراث الشعبي. ما يميز المشروع اليوناني بحق هو قدرته على استغلال قناة المثاقفة مع الغرب دون الشعور بالدونية من البداية، نظرًا لأن اليونان كانت ترى في نفسها الأصل الذي استمد منه الغرب قيمه الجمالية، وكذلك رآها الغرب. لذا كان التحديث اليوناني أقرب إلى عملية إعادة تملُّكٍ للذات عبر أدوات الآخر، حيث جرى التعامل مع الأوركسترا كوعاء لاستيعاب الروح الهلليني، وهو ما خلق تمازجًا فريدًا بين الصرامة الألمانية والغنائية المتوسطية.

أما المشروع التركي فقد كان الأشد عنفًا وراديكالية وشمولية في تعامله مع الموروث، مدفوعًا بالإصلاحات الكمالية التي سعت لقطع الصلة مع الماضي العثماني. لقد تبنت الدولة التركية الحديثة رؤية عالم الاجتماع ضياء جوك ألب، الذي اعتبر الموسيقى الشرقية (آلاتوركا) موروثًا بيزنطيًا وفارسيًا دخيلًا، ودعا إلى إحلال الموسيقى الغربية (آلافرانجا) محلها بعد تطعيمها بالألحان الشعبية الأناضولية الأصيلة. أدى هذا التوجه إلى ظهور جماعة الخمسة الأتراك، الذين تلقوا تعليمهم في أوروبا وعادوا ليؤسسوا نهضة سيمفونية تقوم على إلغاء ربع التون وتبني النظام المعدل بشكل كامل. لم يكن التحديث التركي في بداياته توليفًا بقدر ما كان إحلالًا قسريًا، حيث مُنعت الموسيقى العثمانية من الإذاعة والمعاهد لفترة طويلة، مما خلق فجوة جمالية لم تُتَجاوَز إلا لاحقًا عبر ظهور محاولات تصالحية أعادت الاعتبار للمقام ولكن داخل أطر التوزيع الأوركسترالي الحديث.

في المقابل قدمت إيران نموذجًا مغايرًا من جهة اتزانه يتسم بالعقلانية والحفاظ على جوهر النظام المقامي عبر ما يعرف بالرديف. لقد قاد علي نقي وزيري مشروعًا تحديثيًا متزنًا، سعى لتقنين الموسيقى الفارسية عبر وضع قواعد للتدوين والهارمونية تتناسب مع طبيعة الفواصل الموسيقية الشرقية. حاول وزيري ومِن بعده روح الله خالقي إيجاد معادل رياضي لربع التون عبر ابتكار علامات السوري والكرون، ما سمح للأوركسترا الوطنية الإيرانية بأن تعزف مقاماتها الخالصة بآلات غربية دون فقدان الروح الفارسي. كان التحديث الإيراني مشروعًا متحفيًا وتطويريًا في آنٍ؛ حيث حوفِظ فيه على الأشكال التقليدية مع إعطائها بعدًا عموديًا عبر الهارموني والإنماء، ما أنتج موسيقى تتسم بالأناقة الأرستقراطية والعمق الفلسفي، بعيدًا عن التنازع الحاد بين رافد ووافد ميز التجربة التركية الجذرية.

أخيرًا عند الانتقال إلى الفضاء العربي نجد أن ما ميزه هو التعدد الكبير لأقطاره بين قلب مصري-شامي تأسيسي، وجناح مغربي متصل ثقافيًا بأوروبا، وجناح خليجي متصل بالمستقبل مأسسةً وتمويلًا وطموحًا. لقد بدأ مشروع التحديث بطبيعة مؤسسية شرعت تتشكل بوضوح منذ مؤتمر القاهرة ١٩٣٢؛ وكان العرب، خاصة في مصر والشام، يمتلكون تراثًا غنائيًا طاغيًا جعل عملية التحديث الموسيقي المؤسسية تصطدم دائمًا بسلطة التطريب الفردي. مع ذلك نجح جيل الرواد مثل أبي بكر خيرت ويوسف جريس في وضع لبنات القومية الموسيقية العربية، التي حاولت استيعاب المقام داخل السيمفونية.

كان التحدي العربي يكمن في الحفاظ على طبيعة المقام في ظل غياب آلات أوركسترالية قادرة على أداء المسافات المجهرية بدقة من جهة، والحفاظ على التواصل السمعي مع الجمهور من جهة أخرى. لذا نجد أن التحديث العربي انقسم إلى مسارين: مسار أكاديمي تبنى السلم المعدل للتوافق مع الغرب، ومسار تعبيري (كما في تجربة الرحابنة) استلهم الثقافة الشعبية لتقديم حداثة انطباعية رقيقة. لكن التحديث العربي، رغم نجاحاته، ظل يعاني من غياب الإرادة السياسية الشاملة التي ميزت المشروعين التركي والإيراني، ما أبقى على التجارب السيمفونية العربية حبيسة النخبوية لفترات طويلة.

هكذا تكشف المقارنة عن الأهمية المركزية لدور المؤسسة الحكومية والتمويل الرسمي في تحديث الموسيقى عمومًا؛ بحيث يدوران وجودًا وعدمًا باطّراد واضح. ظهر هذا في تجربة مصر على الأخص مقارنة بتركيا، ما يوضح لنا أن مشروع تحديث الموسيقى لا يمكن أن يعتمد على المبادرات الفردية لفترة طويلة، وإلا تغلبت آليات السوق سريعًا على تقنيات الإبداع.

لعبت المعاهد الموسيقية العالية (الكونسرفتوارات) دورًا حاسمًا في توحيد لغة الخطاب الموسيقي في هذه التجارب، حيث أصبحت النوطة هي اللغة المشتركة التي يتحدث بها الموسيقي اليوناني مع الإيراني أو العربي. لكن الإشكالية الكبرى التي واجهت هذه المشروعات هي أن الهارموني الغربي نشأ وتطور لخدمة السلم الموسيقي الأوروبي أصلًا، وبالتالي فإن محاولة صب المقامات الشرقية فيه تشبه محاولة صب قالب – لا مائع – في قالب؛ ما أدى في بعض الأحيان إلى التضحية جزئيًا أو كليًا بأحدهما لصالح الآخَر.  

التراكم المعرفي هو النتيجة الحقيقية التي نخرج بها من دراسة هذه المسارات، وهي تؤكد أن الحداثة ليست قدرًا غربيًا بقدْر ما هي خيار إنساني يمكن تطويعه لخدمة كافة الثقافات دون استثناء، طالما وجدت الإرادة الإبداعية والوعي النقدي الرصين.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف