بحثًا عن الأناضول | الموسيقى الكلاسيكية التركية

الملفات - كتابة: كريم الصياد - ٢٠٢٦/٠٨/٢٤
بحثًا عن الأناضول | الموسيقى الكلاسيكية التركية
تحميل...

تنبعث الموسيقى التركية المعاصرة من مركز موجات سيزمية زلزلت مسار التاريخ في مطلع القرن العشرين. انهارت الإمبراطورية العثمانية في سياق لحظة سقوط الإمبراطوريات، التي تفككت فيها كذلك كل من الإمبراطورية الروسية والنمسوية-المجرية والرايخ الثاني الألماني، وذلك نتيجةً للثورة الروسية (١٩١٧) وتبعات الحرب العظمى.

كانت لحظة سقوط الإمبراطوريات كذلك ميلاد الدول القومية الحديثة من حطامها؛ وبينما قبلت ألمانيا بشروط معاهدة الاستسلام، التي أملتها دول الحلفاء، دون مقاومة، فإن الأتراك رفضوا معاهدة سيفر (١٩٢٠)، التي نصت على تقسيم الأناضول وإقامة مناطق نفوذ أجنبية، ما استثار رد فعل قومي قوي بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، ومن ثم اندلعت حرب الاستقلال التركية ضد القوات اليونانية غربًا، والفرنسية جنوبًا، والأرمينية شرقًا.

أرغم انتصار الأتراك دول الحلفاء على إعادة التفاوض، ووُقِّعت معاهدة لوزان، التي شكلت أساس حدود الدولة التركية الحالية، وفي عام ١٩٢٢ ألغيت السلطنة العثمانية، وفي العام التالي أعلنت الجمهورية التركية رسميًا، وألغيت الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤. هكذا ولدت الدولة القومية التركية أخيرًا بجراحة قيصرية دموية. تطلبت هذه الدولة الحديثة في إطار مشروع العلمنة التغريبي الأتاتوركي،  تطويرًا شاملًا للثقافة والفنون، ومنها الموسيقى. 

تتركز أهمية دراسة تحديث الموسيقى التركية في قدرتها على استكشاف تلك اللحظة المفصلية، التي قررت فيها الدولة أن تعيد صياغة وجدانها الشعبي والنخبوي. تبنت القومية التركية في ذلك الوقت نهجًا راديكاليًا يهدف إلى القطيعة مع كل ما يمت بصلة إلى العهد العثماني من شوائب عربية وفارسية باعتباره “رمزًا للتخلف”. في هذا السياق، اتجهت السلطة السياسية نحو تشجيع الالتزام بالقوالب الكلاسيكية الغربية.

يرسم هذا التحول مشهدًا دراميًا بامتياز، إذ يحاول المؤلف الموسيقي التركي أن يرتدي عباءة السيمفونية والأوبرا والصوناتا، بينما تنبض عروقه بمقامات الشرق وإيقاعاته المركبة، حاملًا همًا وطنيًا حضاريًا، وواعيًا بدوره التاريخي.

حينها ظهرت المحاولات الجادة لدمج الألحان الشعبية الأناضولية (التي اعتبروها المصدر النقي للقومية التركية) مع الهارمونية الغربية. تثير هذه المحاولات إشكاليات المعاصَرة، إذ يجد المؤلف نفسه مضطرًا للكفاح ضد اندفاعة نهر يمتد بين ضفتَي الأكاديمية الغربية والإرث الثقافي الضخم. يتبدى لنا من خلال تتبع هذه الإشكاليات أن الهوية والتحديث عملية جدلية متصلة تشارك فيها النوتة الموسيقية بقدر ما يشارك فيها القرار السياسي. تمنحنا دراسة القوالب الكلاسيكية في تركيا مفتاحًا لفهم كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتحرر والسيطرة في آن واحد، وكيف يمكن للنغم أن يعيد رسم حدود الجغرافيا والتاريخ.

تستعرض الفقرات القادمة تفاصيل هذا الجدل، فترصد كيف تطورت الأشكال الموسيقية من التقليد الصارم للنماذج الأوروبية إلى مرحلة النضج والإبداع الأصيل. يتضح لنا أن ما هو شرقي في هذه الموسيقى عبارة عن فلسفة كاملة في التلقي والأداء، تعتمد على تدفق الزمن الموسيقي بشكل يختلف عن النمط الغربي الخطي. يسعى المقال إلى بيان أن المعاصرة التركية في الموسيقى الكلاسيكية تجاوزت مجرد الهروب من الشرق إلى إعادة قراءته في سياق أوسع.

الخمسة الأتراك وإشكال التحديث

سعى النظام الجديد بقيادة أتاتورك إلى صياغة وجدان قومي يقطع الصلة مع الركود العثماني المتأخر، ولأن الموسيقى هي الفن الأكثر انتشارًا والأسهل تلقيًا، فقد كان هو الفن المنوط به قبل غيره أن يساهم في صوغ ذلك الوجدان التركي الجديد. تجسد هذا الطموح مع ظهور مجموعة من المبدعين أطلق عليهم النقاد لاحقًا لقب الخمسة الأتراك (ما يذكرنا بالخمسة الروس العظام).

استهل جمال رشيد ري (١٩٠٤ – ١٩٨٥) هذا المسار الريادي، إذ عاد من باريس عام ١٩٢٣ تزامنًا مع إعلان الجمهورية، ليبدأ رحلة نحت الهوية الموسيقية الجديدة عبر تأسيس جوقة ومجموعة أوركسترالية في إسطنبول، محاولًا غرس خبراته التي اكتسبها في كونسرفتوار باريس في التربة التركية التي كانت تفتقر آنذاك إلى المؤسسات الموسيقية بمعناها الحديث.

تعكس أعمال رشيد ري المبكرة ذلك التوق الشديد لإثبات جدارة الإنسان التركي في ولوج عالم الحداثة، فجاء نشيد السنة العاشرة في عام ١٩٣٣ ليعلن بوضوح عن التحام الفن بالقرار السياسي والتحول الاجتماعي، حيث استهدف العمل شحذ الهمم وتثبيت دعائم القومية الناشئة عبر ألحان ملحمية تتردد في الميادين العامة والمؤسسات التعليمية الحديثة التي بدأت تنتشر في ربوع البلاد.

يبرز حسن فريد النار (١٩٠٦ – ١٩٧٨) كواحد من أكثر الوجوه إثارة للاهتمام في هذه المجموعة، لكونه برع في العزف على آلة القانون الشرقية قبل أن يرتحل إلى فيينا عام ١٩٢٧ لدراسة التأليف الموسيقي وقيادة الأوركسترا. يمثل النار حالة فريدة من التصالح بين الذاكرة السمعية المعتمدة على المقامات وبين طموح الكتابة السيمفونية. ينجح النار في تطويع الآلات التركية التقليدية لتؤدي دور البطولة ضمن القالب الكلاسيكي الغربي، ويتجلى ذلك بوضوح في كونشرتو القانون والأوركسترا الذي وضعه في الأربعينات. 

تزامنت هذه الخطوات الإبداعية مع قرارات سياسية حازمة، حيث شهد عام ١٩٣٤ صدور قرار بحظر بث الموسيقى الشرقية التقليدية عبر الإذاعة التركية لفترة قصيرة، في محاولة قسرية من الدولة لتوجيه الذوق العام نحو الموسيقى البوليفونية (متعددة الأصوات)؛ ما دفع النار وزملاءه لملء هذا الفراغ بإنتاج فني غزير يرتكز على الألحان الشعبية الأناضولية المحتضنة من قبل الأيديولوجيا الكمالية.

يخط أولفي جمال إركين (١٩٠٦ – ١٩٧٢) مسارًا موازيًا، حين سافر إلى باريس في عام ١٩٢٥ ضمن أول بعثة طلابية أرسلتها الدولة لتعلم الفنون الغربية، ليعود إلى موطنه ويشغل مناصب تدريسية وإدارية ساهمت في مأسسة الحركة الموسيقية. تبرز عبقرية إركين في قدرته على استلهام نبض الشارع ورقصات القرى التركية، فقدم في عام ١٩٤٢ عمله الشهير كوشِكْتشه الذي استوحاه من الرقصات الشعبية، فحول النغمات البسيطة إلى نسيج أوركسترالي معقد يضاهي أعمال كبار المؤلفين العالميين. يكشف هذا العمل عن تحول اجتماعي هام، حيث بدأت الموسيقى تنتقل من أروقة القصور العثمانية الضيقة إلى قاعات الحفلات الفسيحة والمراكز الثقافية التي أسستها الدولة تحت اسم بيوت الشعب ، والتي لعبت دورًا محوريًا في نشر الموسيقى الكلاسيكية بين فئات الشعب المختلفة، محولة إياها من فن نخبوي إلى أداة للهندسة الاجتماعية الشاملة وخلق ذوق عام جديد.

هذا بينما يحتل أحمد عدنان سايجون (١٩٠٧ – ١٩٩١) مكانة رفيعة بوصفه المعماري الأهم للموسيقى التركية المعاصرة، إذ سافر إلى باريس عام ١٩٢٨ ليعود محملًا بخبرات موسيقية وفلسفية مكنته من وضع أسس نظرية وعملية للتأليف التركي. يجسد سايجون ذروة النضج في مشروع التحديث، وظهر ذلك جليًا في أوراتوريو يونس إمري الذي قدمه عام ١٩٤٦، ليكون أول عمل تركي ضخم يُعزف في كبرى القاعات من باريس إلى نيويورك. يمثل هذا العام (١٩٤٦) لحظة فارقة، إذ أثبت سايجون أن الموسيقى التركية قادرة على طرح قضايا وجودية وإنسانية كبرى باستخدام قوالب الغرب الكلاسيكية، مفككًا بذلك قيود المركزية الثقافية الأوروبية.

أخيرًا يكتمل عقد هذه المجموعة مع نجيل كاظم أكسيس (١٩٠٨ – ١٩٩٩) الذي سافر إلى فيينا عام ١٩٢٦ ثم إلى براج، ليعود متأثرًا بالتيارات الموسيقية الحديثة التعبيرية، فيضيف لمسة من الجرأة والتجديد على المشهد الموسيقي التركي. يلعب أكسيس دورًا مؤسسيا بارزًا حين ساهم في تأسيس كونسرفتوار أنقرة الحكومي في عام ١٩٣٦ بالتعاون مع الموسيقار الألماني بول هيندميث، وهو الحدث الذي يعتبره المؤرخون حجر الزاوية في مأسسة التعليم الموسيقي الأكاديمي في تركيا.

تؤدي المؤسسات الرسمية دور المحرك الأساسي لهذا المشروع؛ إذ لم تكن الموسيقى الكلاسيكية لتنتشر وتتجذر في تركيا لولا الدعم السخي من الدولة. يظهر ذلك بوضوح في تأسيس الأوركسترا الرئاسية السيمفونية التي نُقلت من إسطنبول إلى أنقرة عام ١٩٢٤ لتكون قريبة من مركز القرار السياسي، ما منح الموسيقيين حصانة ومكانة اجتماعية رفيعة مكنتهم من مواجهة المعارضة المحافظة التي كانت ترى في هذا الفن تغريبًا قسريًا للهوية.

استثمرت الدولة في البعثات الخارجية والمنح الدراسية، ما خلق طبقة مثقفة من الموسيقيين الذين عملوا في الصحافة والتعليم والإذاعة لنشر هذا الفكر الجديد.

يرسم لنا تتبع مسيرة هؤلاء الخمسة لوحة معقدة لتشكل الأمة التركية في ضوء الصراعات الأيديولوجية، حيث كان التأليف الموسيقي فعلًا سياسيًا يعبر عن الاستقلال والسيادة؛ وتستمر آثار هذا المشروع في التردد حتى يومنا هذا.

تأصيل المعاصرة وعصرنة الأصالة | أهم عناصر الموسيقى التركية في سياق التحديث

يمثل النظام المقامي التركي (أريل-إزجي) العنصر الأول والأكثر استعصاء على الترويض، إذ يرتكز على تقسيمات صوتية دقيقة تسمى الكوما، كما ينقسم البعد النغمي (الطنيني) الكامل إلى تسعة أجزاء، بينما ينقسم البعد النغمي في النظام الغربي المعدل الذي تبنته أوروبا منذ عصر النهضة إلى جزأين فقط، بحيث يعادل الجزء الواحد (نصف التون) أربع كومات ونصفًا.

يولد هذا الصراع توترًا جماليًا دائمًا، إذ يشعر المستمع التركي أحيانًا بضياع الروح في تلك الألحان التي تخلت عن المسافات الدقيقة لصالح الهارمونية الغربية، ما يدفع المؤلفين لاستخدام تقنيات العزف الخاصة على الآلات الوترية لمحاكاة تلك الزخارف المقامية.

هذا ما يكشف لنا لماذا يصر منظرو الموسيقى التركية على أن تدوين موسيقاهم بالنوتة الغربية التقليدية يعد نوعًا من التشويه، لأن العلامات الغربية (الدييز والبيمول) ترفع النغمة وتخفضها على الترتيب بمقدار نصف تون (٤,٥ كوما)، بينما يحتاج العازف التركي لعلامات خاصة ترفع نغمته بمقدار كوما واحدة أو أربع أو خمس.

ينتقل بنا الفحص إلى عنصر الإيقاع الذي يمثل العمود الفقري الآخر للموسيقى التركية، حيث تبرز الأصول أو الإيقاعات العرجاء (الأقصاق) كواحدة من أعقد تحديات التحديث الموسيقي. تختلف هذه الإيقاعات التي تعتمد على وحدات زمنية غير منتظمة مثل الخمسة والسبعة والتسعة والأحد عشر نبضًا عن الإيقاعات الغربية التناظرية البسيطة، ما يفرض على المؤلف التركي ضرورة إعادة صياغة النسيج الأوركسترالي ليستوعب الإيقاع غير التناظري المميز. يعمل المؤلف هنا لجعل الإيقاع محركًا بنائيًا داخل القوالب الكبيرة كالسيمفونية، فيستخدم تقنيات التبديل الإيقاعي المعقدة ليخلق حالة من الحيوية التي تكسر رتابة الموازين الغربية التقليدية. يكشف هذا التوجه عن جهد حقيقي في تأصيل المعاصرة، وليس فقط عصرنة الأصالة.

تتجلى إشكالية الآلات الموسيقية كعقبة تقنية وجمالية في آن واحد، إذ يمثل استبدال الفلوت بالناي، أو البيانو بالقانون. يمتلك كل صَكّ شرقي خامة صوتية وطريقة أداء ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفلسفة الطرب والارتجال، فبينما يعتمد الناي على “تنفُّس الآلة”، يقدم الفلوت صوتًا نقيًا ومستقرًا يفتقر لتلك الروحانية المنبعثة من القصب. يحاول المؤلفون المعاصرون حل هذه المعضلة عبر كتابة مدونات موسيقية تفرض على العازف الغربي طرقًا غير تقليدية في إخراج الصوت، فيستنطقون الآلات الكلاسيكية لتعطي رنينًا يشبه رنين الساز أو الطنبور.

يمتد التحدي إلى كيفية التعامل مع الأوركسترا ككتلة واحدة، حيث تتصادم الطبيعة الواحدية (المونوفونية) للموسيقى التركية التي تعتمد على اللحن الواحد مع الطبيعة الرأسية (البوليفونية) للموسيقى الغربية التي تعمد إلى تعدد الأصوات والهارمونية.

هذا ما يصل بنا إلى العنصر الرابع، وربما الأهم في إشكالية التحديث التركية: الهارمونية. يواجه المؤلف التركي هنا سؤالًا وجوديًا حول كيفية بناء هارمونية تركية خاصة (لا خالصة)، فلا يكفي أن يضيف تآلفات غربية تحت لحن مقامي، إذ يجب عليه ابتكار منطق هارمونيّ ينبع من طبيعة المقام نفسه. يؤدي هذا البحث إلى ظهور ما يمكن تسميته بالهارمونية المقامية، حيث تُبنى التآلفات بناء على الفواصل الصوتية الخاصة بالمقام، ما ينتج صوتًا متفردًا يتسم بالغموض والعمق، ويبتعد عن الاتباع غير الإبداعي وغير الموظف فنيًا للقواعد المدرسية التقليدية الغربية. يمثل هذا التوجه قمة التحدي التقني، إذ يتطلب من العاملين على مشروع التحديث دراسة معمقة لفيزياء الصوت وتاريخ الموسيقى في الشرق والغرب معًا، لكيلا يسقط في فخ التغريب الفج أو التقليد السطحي. يبرز دور المؤسسات الأكاديمية التركية هنا كلاعب أساسي في توجيه هذا المسار، حيث وضعت مناهج تعليمية تحاول التوفيق بين هذين العالمين.

إلى جانب ذلك تنتصب القوالب الفنية كإشكالية كبرى في مسيرة التحديث، مثل كيفية صب الذوق الشرقي الذي يألف الاستطراد والتقاسيم والارتجال في قوالب صلبة ومحددة كالصوناتا أو السيمفونية التي تعتمد على البناء الدرامي والإنماء اللحني. يميل الوجدان التركي تاريخيًا إلى الشكل الدائري أو المتسلسل المعروف بالوصلة، حيث تتوالى الألحان في سياق مقامي واحد مع تنويعات إيقاعية، بينما تفرض السيمفونية صراعًا بين موضوعين وتطويرًا مستمرًا يهدف للوصول إلى ذروة درامية. يحل المؤلف المعاصر هذه المعضلة عبر إعادة تعريف القالب الكلاسيكي نفسه، فيجعل من التقسيم جزءًا من حركة الكونشرتو على سبيل الكادنزا، أو يستخدم تكرار التيمات الشعبية بطريقة تشبه التكرار في الذِّكر الصوفي الذي يهدف للوصول إلى حالة من الوجد، ما يمنح القالب الغربي أبعادًا فلسفية وروحية جديدة.

أيضًا، تحتل قضية التدوين الموسيقي موضعًا بارزًا في إشكالات تحديث الموسيقى غير الغربية عمومًا، حيث يشعر المؤلف التركي بالقلق من أن يؤدي التدوين الموسيقي الصارم إلى قتل العفوية والحيوية الشخصية التي تتميز بها الموسيقى التركية. إذ كان النقل السماعي، الذي يسمح بالنقل بتصرُّف، هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الفروق الدقيقة في الأداء. لذلك يسعى المؤلفون المجتهدون في هذا الميدان إلى ترك مساحات من الحرية للعازف داخل المدونة، محاولين بذلك الحفاظ على شعرة معاوية بين الانضباط الأكاديمي والتحرر الشخصي.

يستكشف البحث في هذا القسم كيف تحولت الأشكال التقليدية مثل البشرف والسماعي إلى عناصر ملهمة داخل الأعمال الأوركسترالية الكبيرة، بوصفها بنى معمارية فوق الزمان، تحمل في طياتها منطقًا جماليًا يمكن إعادة تدويره. 

تتفاقم التحديات التقنية حين نصل إلى الموسيقى الغنائية، حيث يمثل الشعر التركي الحديث بتفعيلاته الجديدة، التي لا تتوافق مع الإيقاعات المقامية، تحديًا للمؤلف الذي اعتاد على أوزان العروض التقليدية. يضطر المؤلف هنا إلى ابتكار أساليب غنائية جديدة تشبه الديكلاماسيون أو الإلقاء الملحن، لكي يواكب حرية القصيدة الحديثة، ما ينتج أشكالًا من الأوبرا التركية التي تحاول أن تجد مركبًا بين التعبير الدرامي الغربي وبين التطريب الشرقي. يمثل هذا التداخل قمة التعقيد، إذ يتطلب من المغني الأوبرالي أن يمتلك تقنيات صوتية تمكنه من أداء العُرب الصوتية الشرقية بوضوح وحساسية، بينما يلتزم بقواعد الغناء الأوبرالي بحنجرة مرنة.

ما هو تركي في وجه العواصف | الأوبرا التركية

يرتفع الستار عن خشبة المسرح التركي الحديث ليعلن ميلاد حقبة أصبحت فيها الأوبرا بيانًا سياسيًا يترجم طموحات الدولة الفتية؛ حيث يمثل هذا القالب الغربي الضخم الاختبار الأصعب لقدرة المبدع التركي على توظيف شخصيته الشرقية في أتون الحداثة. يتجلى هذا التوجه الرسمي بوضوح حين كلف مصطفى كمال أتاتورك المؤلف أحمد عدنان سايجون بكتابة أول أوبرا تركية عام ١٩٣٤ تزامنًا مع زيارة شاه إيران لتركيا، فخرجت أوبرا أوزسوي كصرخة الولادة، التي مزجت بين الأساطير التركية القديمة وبين البناء الدرامي الأوبرالي الغربي.

اعتمد سايجون على نص شعري يستلهم فكرة الأخوة التاريخية بين الشعوب، موظفًا بذلك الأوركسترا لتكون صوتًا للشعب، كما يظهر الكورال في أعماله ككتلة بشرية نابضة تعيد للأذهان دور الجوقة في المأساة الإغريقية لكن بصوت شرقي. يظهر كفاح سايجون في حرصه لكيلا يقع في فخ التقليد السطحي للأوبرا الإيطالية أو الألمانية، فيعمد إلى استخدام المقامات التركية في بناء الآريات، ما يمنح المغني فسحة ليتحرك داخل مساحات نغمية مألوفة للأذن المحلية ولافتة للأذن الغربية. يمثل هذا العمل تحديًا تقنيًا هائلًا، حيث تطلب الأمر تدريب مغنين أتراك على تقنيات الغناء الأوبرالي (البيل كانتو) مع الحفاظ على مخارج الحروف التركية ونبراتها الخاصة.

ينتقل بنا الرصد إلى تجربة جمال رشيد ري الذي سلك دربًا مغايرًا يتسم بالمرونة والقدرة على النفاذ إلى قلوب الجماهير عبر قوالب الأوبرا والأوبريت، حيث يعكس عمله الشهير حياة لؤلؤة صراعًا اجتماعيًا مريرًا بين قيم الماضي العثماني وطموحات الطبقة البرجوازية الصاعدة. يستخدم رشيد ري الموسيقى كمرآة تعكس التناقضات الصارخة في المجتمع التركي خلال الثلاثينات، فيمزج بين ألحان الفودفيل الفرنسية وبين الإيقاعات الشعبية التركية، ما جعل أعماله تتجاوز النخبوية لتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية. يبرع رشيد ري في استنطاق الآلات الغربية لتعطي إيحاءات مقامية دون الحاجة إلى تغيير نظام الآلة، فيعتمد على ذكاء التأليف وتوزيع الأصوات ليخلق إيهامًا بالشرقية ينسجم مع القالب الكلاسيكي، ما يبين أن الحداثة لديه تعني القدرة على الهضم والاستيعاب.

تتصاعد الدراما الموسيقية في أعمال سايجون المتأخرة مثل أوبرا تاش بيبك التي قدمها عام ١٩٣٤ أيضًا، حيث يستغرق في تحليل النفس البشرية مستخدمًا لغة موسيقية أكثر تعقيدًا وتجريدًا، فيبتعد عن المباشرة القومية ليقترب من آفاق التعبيرية الحديثة. يكشف هذا التحول عن نضج التجربة الأوبرالية التركية التي لم تعد تكتفي بتوجيه الدولة، فبدأت تطرح تساؤلات حول الوجود الإنساني والاغتراب، مستفيدة من إمكانيات الأوركسترا الكبيرة في خلق أجواء نفسية مكثفة. 

يواجه المستمع في هذه الأعمال صخبًا منظمًا يعبر عن قلق التحول، حيث تتصادم التآلفات الهارمونية الحادة مع جمل لحنية مقامية تنساب كالجداول، ما يخلق توازنًا حرجًا يمثل جوهر المعاصرة التركية.

يلعب المضمون الشرقي دورًا محوريًا في تشكيل ملامح الأوبرا التركية، فلا يقتصر الأمر على استعارة ألحان شعبية بل يمتد ليشمل البناء الدرامي الذي يستلهم فنون “الحكواتي” وخيال الظل و(قره كوز) في بعض الأحيان، ما يضفي صبغة محلية مميزة على العرض الأوبرالي.

يحاول المؤلفون الأتراك إعادة تعريف البطل الأوبرالي، فيستحيل صوفيًا أحيانًا يبحث عن الحقيقة أو قرويًا يخاطب الطبيعة، ما يمنح الغناء الأوبرالي أبعادًا روحية وإنسانية ترتبط بتربة الأرض. يؤدي هذا التوجه إلى خلق لغة تواصل فريدة مع الجمهور الذي بدأ يرى نفسه على خشبة المسرح، ويسمع أوجاعه تتردد بأصوات الصادحين.

تتفاقم التحديات اللغوية عند كتابة الأوبرا باللغة التركية، حيث تختلف طبيعة اللغة التركية ذات المقاطع الصوتية الساكنة عن اللغات اللاتينية التي تمتاز بكثرة الحروف المتحركة، ما فرض على المؤلفين ابتكار أساليب جديدة في التقطيع العروضي والموسيقي. ينجح سايجون ورفاقه في تحويل هذا التحدي إلى فرصة للإبداع، فيخلقون نوعًا من الرسيتاتيف (الغناء الإلقائي) الذي يراعي نبرة الكلام التركي العفوية، ويمنح الحوار المسرحي تدفقًا طبيعيًا ينسجم مع الإيقاع الموسيقي.

احتضنت المؤسسات الرسمية هذه التجارب، حيث ساهم تأسيس دار الأوبرا والباليه الحكومية في أنقرة وإسطنبول في توفير الإمكانيات اللازمة لإنتاج عروض ضخمة تضاهي العروض العالمية، ما شجع المؤلفين على المغامرة وتقديم أعمال تتسم بالجرأة الفنية والتقنية. يظهر أثر هذا التوجه في ظهور أجيال متعاقبة من المؤلفين الذين ساروا على نهج الخمسة الأتراك، لكنهم أضافوا لمساتهم الخاصة المتأثرة بتيارات ما بعد الحداثة، فدمجوا الموسيقى الإلكترونية والآلات التراثية بشكل مباشر داخل النسيج الأوبرالي، ما أبقى هذا القالب حيًا ومتجددًا.

تبرز أوبرا يونس إمري لسايجون، رغم تصنيفها كأوراتوريو في المقام الأول، كذروة في استخدام الصوت البشري للتعبير عن الفلسفة الصوفية التركية داخل قالب كلاسيكي ضخم، حيث بات الكورال أمواجًا من التسبيح والوجد تكتسح القاعة بجلالها. يمثل هذا العمل نموذجًا لكيفية استيعاب المضمون الروحي الشرقي دون الحاجة إلى استخدام آلات تقليدية، إذ تكفلت الأوركسترا بتجسيد تلك الروحانية عبر توزيعات لونية ذكية وتناغمات صوتية تثير الرهبة والخشوع.

تستمر آثار هذه النهضة الأوبرالية في إلهام المؤلفين المعاصرين الذين يحاولون اليوم تقديم قراءات جديدة للتراث التركي، مستفيدين من التقنيات الرقمية والمناهج التحليلية الحديثة. يدرك المبدع التركي اليوم أن الأوبرا كائن حي يتنفس هواء العصر.

نماذج مختارة من موسيقى الآلات التركية

السيمفونية الأولى، مصنف رقم ١٣ | أحمد عدنان سايجون

شرع أحمد عدنان سايجون عام ١٩٣٩ في تدوين سيمفونيته الأولى، وهي اللحظة التي تزامنت مع نذُر الحرب العالمية الثانية (التي التزمت فيها تركيا موقف الحياد)، فخرج العمل ليعلن نضج الشخصية الموسيقية التركية في قالب السيمفونية الرصين. يفتتح سايجون الحركة الأولى بتيمة حادة تعتمد على ميزان الأقصاق (٥/٨)، حيث تتصارع الوتريات مع آلات النفخ النحاسية في حوار جاف يعكس صرامة البناء المعماري. يستخدم سايجون هنا مقام لا الصغير لكنه يطعمه بتحويلات مقامية تذكرنا بمقام الحجاز، ما يخلق توترًا هارمونيًا لا ينتهي إلا بظهور التيمة الثانية الهادئة.

ينتقل بنا في الحركة الثانية إلى فضاء تأملي عميق، حيث تنساب ألحان الكمان المنفرد فوق بساط من الهارموني الكروماتيكي، واعتمادًا على مسافات صوتية دقيقة توحي بوجود الكومات التركية دون التصريح بها، فيشعر المستمع بوطأة الحزن الأناضولي يتجلى في هندسة شكلية دقيقة. تأتي الحركة الثالثة لتعيد الحيوية الإيقاعية عبر ميزان (٧/٨)، حيث تتراقص الألحان بين المجموعات الأوركسترالية في لعبة كنترابنطية معقدة، قبل أن يختتم العمل بالحركة الرابعة بصيغة التنويعات-روندو التي تستدعي كافة التيمات السابقة في بناء مهيب ينتهي بذروة أوركسترالية تعلن انتصار الإرادة.

رابسودية كوشِكْتشه | أولفي جمال إركين

بدأ أولفي جمال إركين عام ١٩٤٢ كتابة رابسوديته الشهيرة كوشكتشه، وهو العام الذي شهد ذروة المد القومي التركي. قرر إركين تحويل الرقصات الشعبية الأناضولية إلى عمل سيمفوني متحرر من القالب. يبدأ العمل بمقدمة بطيئة تقودها الوتريات بنبرات غامضة توحي ببزوغ الفجر في قرية نائية، ثم ينفجر القسم الأول بدخول آلات النفخ الخشبية التي تعزف تيمة رقصة الكوشِك بميزانها الإيقاعي السريع والمبهج. ينتقل إركين بعد ذلك من قسم الراقصين الصاخب إلى قسم حواري هادئ تتسيد فيه آلة الأوبوا، حيث تعزف لحنًا شجيًا يستلهم مقامَي البياتي والسيكا بأسلوب هارموني مبتكر يجعل الأوركسترا تبدو وكأنها جوقة من الآلات الشعبية الضخمة.

يستخدم إركين تقنيات التوزيع اللوني ببراعة فائقة، فيجعل من الآلات الإيقاعية محركًا أساسيًا للدراما الموسيقية، ما يدفع المستمع للانخراط في حالة من الوجد الصوفي الذي يتصاعد حتى يصل إلى القسم الختامي ، حيث تندمج كل الآلات في عزف تيمات الرقص الجماعي بجموح هائل. يتبدى في كوشكتشه فعل المقاومة ضد الموت عبر الاحتفاء التلقائي بالحياة في صورتها البدائية والأكثر صدقًا، إذ تجسّد الموسيقى هنا حالة الانصهار الوجودي للفرد داخل الجماعة، محولة الوجع التاريخي إلى طاقة فرح عارمة.

كونشرتو القانون والأوركسترا | حسن فريد النار

أتم حسن فريد النار عام ١٩٥١ صياغة كونشرتو القانون والأوركسترا، الهاجس الذي ظل يراوده منذ سنوات دراسته في فيينا. يستهل الحركة الأولى بتصادم درامي بين ضربات القانون المرتجلة وبين تآلفات الأوركسترا الحادة، حيث يواجه العازف المنفرد تحدي الحفاظ على المقام وسط غابة من الهارمونية الكروماتيكية، فيستخدم النار صيغة الصوناتا لكن بمحتوى مقامي يعتمد على مقامَي الراست والماهور. ينتقل في الحركة الثانية إلى قمة الشجن، حيث يترك القانون يغرد منفردًا في تقاسيم مكتوبة بدقة متناهية تحاكي الارتجال الشعبي، بينما تكتفي الأوركسترا بتقديم خلفية صوتية شفافة تشبه الضباب الذي يلف قمم الجبال، ما يبرز الخامة الصوتية الفريدة للقانون وثراء طبقاته.

تأتي الحركة الثالثة لتعيد التوازن عبر إيقاعات رشيقة تتناوب فيها الأوركسترا والقانون عزف التيمات الشعبية التركية، فيخلق النار حالة من المرح الفني الذي يكسر حدة الصراع السابق.

متتالية لقطات | جمال رشيد ري

يستحضر جمال رشيد ري في عام ١٩٣١ ذكرياته الباريسية ليضع متتالية لقطات للأوركسترا، وهي القطعة التي تصور روح إسطنبول في مطلع القرن العشرين بأسلوب تأثيري أخّاذ. يحلل ري في الحركة الأولى (بزوغ الفجر فوق البوسفور) تدرجات الضوء عبر استخدام سلالم خماسية وتوزيعات رقيقة لآلة الهارب والوتريات، ما يخلق شعورًا بالسيولة النغمية التي تميز الموسيقى التركية القديمة. ينتقل في الحركة الثانية (المسجد) إلى تصوير الأجواء الروحانية عبر استخدام مقامات الصبا والحجاز في آلات النفخ الخشبية، حيث يرتفع الأذان الموسيقي ليتشابك مع هارمونيات فرنسية.

تُختتم المتتالية بحركات قصيرة تصور صخب الأسواق وجمال الغروب، مستخدمة إيقاعات راقصة وتقنيات البيتسيكاتو في الوتريات لتصوير حركة الناس والحياة في المدينة المتحولة. من منظور معين يقدم رشيد ري في لقطات تأويلًا وجوديًا يرتكز على فكرة العبور والزوال، فالموسيقى تحاول تخليد اللحظات الهاربة التي تشكل جوهر الخبرة البشرية، ما يعكس قلق الإنسان من فقدان الذاكرة في خضم التحولات الكبرى التي تمحو ملامح الأماكن والنفوس.

السيمفونية الأولى | نجيل كاظم أكسيس

يطل نجيل كاظم أكسيس في عام ١٩٦٦ بسيمفونيته الأولى التي تمثل ذروة تجريده الفني وابتعاده عن القوالب التقليدية نحو لغة التعبيرية الحديثة. يفتتح الحركة الأولى ببناء سيمفوني معقد يعتمد على تفتيت التيمات اللحنية إلى وحدات صوتية صغيرة تتوزع بين الآلات في صراع مستمر، حيث يرفض أكسيس الحلول اللحنية السهلة ويميل إلى خلق أجواء من القلق الوجودي عبر استخدام تآلفات متنافرة تعكس تعقيدات النفس البشرية.

ينتقل في الحركة الثانية إلى حالة من السكون الموحش، حيث تصدح آلات النفخ النحاسية بنبرات طويلة ومهيبة توحي بأجواء الجنائز القوطية، بينما تظل الوتريات تئن في الخلفية بحركات دقيقة توحي بالألم المكتوم والبحث عن خلاص مستحيل.

يُختتم العمل بالحركة الثالثة التي تنفجر فيها الطاقة الأوركسترالية في بناء الروندو الذي يعيد تدوير كافة العناصر السابقة بأسلوب أكثر عنفًا وصرامة، ما يترك المستمع في حالة من الذهول أمام جبروت الصوت. نرى في سيمفونية أكسيس مواجهة الإنسان لمصيره المحتوم في كون أصم.

السيمفونية الثانية (سقوط القسطنطينية) | كامران إينجه

يختتم كامران إينجه هذا القسم التحليلي بعمل حديث نسبيًا يجسد النبض التركي عبر سيمفونيته الثانية (سقوط القسطنطينية) التي أتمها عام ١٩٩٤، ليقدم رؤية معاصرة لحدث تاريخي زلزل كيان العالم. يحلل إينجه في الحركة الأولى لحظة الحصار عبر استخدام إيقاعات عسكرية مدوية لطبول الميهتر التي تتصادم مع كتل صوتية ضخمة من الوتريات، ما يخلق جوًا من الترقب الدرامي الذي يسبق العاصفة. 

ينتقل في الحركة الثانية إلى رصد لحظة السقوط والتحول، حيث تنساب ألحان شجية تعتمد على المقامات التركية الحزينة، لتصور ضياع المجد القديم وبداية عهد جديد من الشتات والبحث عن المركز. يستخدم إينجه تقنيات بعد حداثية تمزج بين البساطة التكرارية وبين الانفجارات الأوركسترالية، ما يجعل العمل يبدو كأنه شريط سينمائي مسموع مقتطَع من التاريخ.

يقدم إينجه تأويلًا للحدث يتمحور حول فكرة الانهيار كضرورة للبعث، فالسقوط هنا فعل تطهيري يفسح المجال لظهور الجديد.

السيمفونية الأخيرة | مصير التحديث الموسيقي في الحقبة الأردوجانية

يكشف التقييم العام لهذا المنجز عن حالة من الفصام الإبداعي بالمعنى الإيجابي، حيث نجح جيل الرواد في بناء جسور تقنية مذهلة مكنت القانون من محاورة الكمان، والناي من مسايرة الفلوت، محققين بذلك ما يمكن تسميته بالسيمفونية المقامية. مع ذلك ظل هذا المنجز لفترة طويلة أسير النخبوية الأكاديمية التي فرضتها الدولة الكمالية، حيث اعتبرت الأوبرا والسيمفونية أدوات للتحضر القسري ورموزًا للعلمنة التي تدار من الأعلى، ما خلق فجوة شعورية بين الموسيقى الرسمية للدولة وبين النبض الحقيقي للشارع الذي ظل مشدودًا إلى المقامات التقليدية والألحان الشعبية التي لم تجد مكانها بالكامل في القاعات الكبرى إلا بوصفها مادة أولى للتجريب الأوركسترالي.

تتجلى المعضلة الكبرى في أن مشروع التحديث الكلاسيكي اعتمد على رؤية أحادية الجانب ترى بين التغريب والتقدم علاقة ترادف، فبينما كان المؤلفون يبدعون في صياغة الكومات الدقيقة داخل القوالب السيمفونية، كانت الغالبية العظمى من الشعب ترى في هذه الفنون نتاجًا لميول نخبة معزولة تحاول مسخ الهوية العثمانية الراسخة.

مع صعود التيار الإسلامي المحافظ أو ما يعرف بالحقبة الأردوجانية دخلت هذه المعادلة الثقافية في طور جديد من التحول العنيف، حيث تراجعت سطوة مشروع العلمنة الرأسي لصالح رؤية تسعى لاستعادة المجد العثماني وإعادة الاعتبار للمكون الديني والصوفي في الفنون، ما أدى إلى تراجع الدعم المعنوي والسياسي لبعض المؤسسات الأوبرالية والباليه الكلاسيكي، من باب الرغبة في تغيير المركز الثقافي للدولة.

نشهد اليوم صعودًا لتوظيف التقنيات الأوركسترالية الكبيرة لتمجيد التاريخ الإسلامي والبطولات القومية في صياغات ملحمية، تجد صداها في الموسيقى التصويرية للمسلسلات التاريخية الضخمة التي باتت تمثل القوة الناعمة الجديدة لتركيا. ما يعني أن القالب الكلاسيكي لم يمت بل جرى استلابه لصالح أجندة هوية مغايرة تمامًا لما أراده أتاتورك. هذا مصير كل حداثة مشروطة تديرها دولة غير مشروطة.

يستشرف المستقبل حالة من السيولة الثقافية التي قد تذيب الفوارق بين ما هو كلاسيكي غربي وما هو تقليدي شرقي، إذ يبدو أن الجيل الجديد من الموسيقيين الأتراك لم يعد يشعر بالذنب تجاه انتمائه للمقام، ولا بالخوف من استخدام الهارمونية المعاصرة، حيث يسعى لتقديم صياغات تدمج بين الروحانية الصوفية وبين الصرامة التقنية بأسلوب يتجاوز الصراعات الأيديولوجية القديمة.

قد يمنح تراجع مشروع العلمنة بصورته الراديكالية للموسيقى الكلاسيكية التركية فرصة ذهبية للتحرر من كونها أداة سياسية. أتوقع في العقود القادمة ظهور نمط من السيمفونية الروحية التي تستفيد من التقنيات الرقمية في محاكاة المسافات الصوتية الدقيقة (الكومات) ببراعة تفوق ما حققه الرواد، ما قد ينهي أزمة التدوين الموسيقي التي أرقت المؤلفين لقرن من الزمان. ينبئ المستقبل بتفوق المضمون الوجداني على الشكل الصوري، حيث ستكف الموسيقى عن كونها بيانًا للهوية لتصبح بحثًا عن الجمال المطلق الذي لا يحتاج لترجمة أو تبرير سياسي.

إذًا، يظل الأمل معقودًا على تلك الحناجر التي تتدرب في الكونسرفتوارات لتغني شجنًا أناضوليًا بتقنيات أوبرالية، وعلى تلك الأصابع التي تضرب على أوتار البيانو لتستخرج رنينًا يشبه رنين الساز، فهذا المزيج المبتكر هو الضمانة الوحيدة لاستمرار حيوية الثقافة التركية في عالم يسير نحو التنميط.

تتلخص رؤية المستقبل في تحول الموسيقى من كونها مشروعًا للدولة لتصبح مشروعًا للأمة، حيث تتصالح الذاكرة العثمانية مع الطموح الأوروبي في سيمفونية إنسانية كبرى تعترف بكل الجراح وتفتخر بكل الإنجازات.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف