ما زال شغفنا بالراب حيًا، وما زلنا نشهد عددًا كبيرًا من الإصدارات اللافتة، سواءٌ بجانبها التجريبي، أو باستقامها على الجانب المهاري؛ لذلك، أصبح الراب جنرا لا يُشبع منها، حتى أصبحت بعض المناطق المحدودة جغرافيًا تتفوق على مشاهد قادت الراب منذ ولادته.
نقدم هنا قائمة لأكثر ألبومات الراب العربي تأثيرًا، فمنذ العقد الثاني من الألفية، ومع دخول شركات الإنتاج إلى المشهد، توسعت ثقافة الألبومات لدى الفنانين والجمهور. لم يخفَ علينا تأثير ألبومات معيّنة تفردت بجودتها وقدمت تجارب حافلة، منها ما ساهم في تغيير مشاهد بأكملها، ورسمت خطًا سار عليه الرابرز منذ صدورها، وما زال يتردد صداها بين الجماهير، لتنعكس على جزء كبير من الإنتاجات التي تغرق المشهد اليوم.
عملية اختيارنا للألبومات سارت وفق عدة معايير أبرزها هو تأثير العمل في مشهده المباشر وفيما تلاه من إصدارات في نفس المشهد، كما نظرنا بطبيعة الحال إلى جودة العمل ذاته على الصعيد الصوتي والتقني والأدائي والمفاهيمي، وتفرده على صعيد الصوت سواءً عبر دفع وتطوير صوتًا كان قائمًا بالفعل في المشهد أو الإتيان بصوت جديد كليًا.
الجدير بالذكر أنه خلال عملية اختيار هذه القائمة، كان من الصعب تجاهل تجارب كان لها تأثير واسع على مشاهدها لكنها لم تترجم من خلال ألبومات. في المشهد المصري على سبيل المثال لا يمكن إغفال تجربة ويجز وتأثيرها على المشهد المحلي، لكنها أتت عبر إصدارات منفردة متتالية، كما هو الأمر في المغرب مع رابرز مثل صنور الذي فضّل أيضًا استراتيجية الأغاني المنفردة. لذلك لم تجد هذه التجارب مكانًا في القائمة لكن هذا لا ينتقص من أهميتها أو تأثيرها.
حيوان ناطق | مقاطعة (٢٠١٣)
إيقاعات غير منتظمة، ألحان مبتورة، إنتاج صاخب ومكتظ بعينات صوتية دقيقة ومبعثرة، وكتابة تأتي أقرب إلى بيان سياسي أو تحليل اجتماعي منها إلى الأغنية التقليدية. من الصعب استساغة ثمانية تراكات تحمل كل هذا الثقل دفعة واحدة، لكن صناعة موسيقى سهلة الهضم لم تكن ضمن أولويات مقاطعة عند إنجازه لألبومه الأول حيوان ناطق. عوضًا عن الترفيه يسعى الألبوم إلى الإزعاج وإلى زعزعة يقين المستمع.
تعكس اختيارات مقاطعة الموسيقية حالة التشظي والاختناق، فيتعثر الإيقاع باستمرار وتتراكم العينات فوق بعضها بلا راحة، وتبدو الألحان كأنها لن تصل إلى نقطة استقرار، فيما تتردد سطور مقاطعة في الذهن كحقائق قاسية: “هي إجت الدورية، السلطة إسرائيلية.”
يحمل كل شيء في مشروع مقاطعة الموسيقي بعدًا سياسيًا، على مستوى الكلمات والرسالة، وطريقة صناعة الصوت أيضًا، حتى اسمه الفني جاء بوصفه موقفًا قبل أن يكون هوية فنية. قبل مسيرته الفردية التي انطلقت بـ حيوان ناطق، شارك مقاطعة في تأسيس فرقة رام الله أندرجراوند خلال الحظر الإسرائيلي على الضفة الغربية عام ٢٠٠٢، في لحظة كان الوصول فيها إلى الاستوديوهات شبه مستحيل. جاءت بدايته كرد فعل مباشر على واقع الاحتلال، لكنها سرعان ما تجاوزت فكرة أغنية الاحتجاج التقليدية نحو بناء أسلوب موسيقي يستمد مادته من تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية.
لا يحتاج المستمع أكثر من نصف دقيقة من بداية تراك المصفاة لإدراك ما هو على وشك الاستماع إليه. يدفعنا مقاطعة مباشرةً إلى مساحة صوتية متوترة ومشوشة، تتداخل فيها العينات والإيقاعات المكسورة دون محاولة لتلطيف وقعها. في المقابل، تأتي كتابته محملة بإحالات تاريخية وسياسية وثقافية تنم عن قارئ نهم ذو اطلاع واسع، يوظف كلماته كجزء من نسيج الأغنية من خلال الإلقاء الحاد الذي يأتي خاليًا من أي محاولة لتنعيمه أو تجميله بفلوهات لحنية، وتتداخل الفوكالز مع الإنتاج الموسيقي الدقيق بحيث يصعب فصل النص عن الصوت.
يمثل حيوان ناطق نقطة مفصلية في تطور الهيب هوب العربي، ففي وقت كانت معظم تجارب الراب في المنطقة تستند إلى قوالب إنتاج أمريكية مألوفة، قدّم مقاطعة تصورًا مختلفًا لما يمكن أن يبدو عليه الراب العربي. لم يكن يبحث عن تعريب أصوات التراب أو البووم باب، حيث ركّز على مرجعية موسيقية تنطلق من البيئة التي يعيش فيها، سواء عبر العينات المأخوذة من التسجيلات العربية القديمة التي تملأ الألبوم، أو الضوضاء المحيطة والتفاصيل الدقيقة، أو البنية الإيقاعية التي تتعمد كسر توقعات المستمع.
بعد حيوان ناطق بثلاث سنوات، أصدر مقاطعة نسخة أخرى من الألبوم نفسه شملت إعادة توزيع لكل التراكات شارك فيها فنانين من المنطقة وخارجها منهم زولي وجلمود والناظر، فيما اتخذ مشروع مقاطعة الموسيقي مسارًا بعيدًا تمامًا عن الهيب هوب نحو موسيقى إلكترونية تجريبية؛ وقد برع في هذه المساحة.
رغم جودة إصداراته ما بعد حيوان ناطق، أحيانًا أفتقد وجود رابر محنك ومثقف وذي رسالة واضحة مثل مقاطعة في المشهد العربي؛ وحين أصدر بنساك مع شب جديد والناظر ذكرنا بجودته في تلك المساحة. لكن بالتأمل في مسيرة مقاطعة قبل وخلال وبعد حيوان ناطق، نشعر بأن مقاطعة الرابر قد أفرغ كل ما في جعبته في هذا الألبوم الذي يظل مرجعًا في كيفية صناعة هيب هوب عربي خالص مقاوم سواء على صعيد الرسالة أو قوالب الإنتاج المستوردة.
ياما في الجراب يا يوسف | أبيوسف (٢٠١٦)
بدأ أبيوسف مسيرته الموسيقية بعيدًا عن الراب كعازف درامز في فرقة ميتال، وجاء دخوله الى الهيب هوب محض صدفة عندما التقى بالرابر بام بام (عمر عزت)، وبدأ الاثنان بمحاولات لدمج الميتال والراب في تجارب موسيقية مختلفة.
كانت تجربة أبيوسف كدخيل على مشهد الراب الصفة نفسها التي منحته منظورًا مختلفًا عن معظم أقرانه؛ ففي وقت بداية أبيوسف وما قبله، كان الراب المصري منقسمًا إلى تيارين متقابلين كلاهما يحمل منظورًا باليًا عن الراب: الأول كان يحاول تبرير شرعية الراب عبر الخطاب الأخلاقي والسياسي مثل الجوكر وزاب ثروت، والآخر كان غارقًا في محاكاة راب العصابات الأمريكي كما كان كوردي ودراجون هيل وغيرهم. لم ينتم أبيوسف لأي من المدرستين، وتعامل مع الراب باعتباره مساحة مفتوحة للإبداع، وهو ما سمح له بتأسيس لغة وشخصية لم يكن لها نظير في المشهد المصري.
بعد شراكة طويلة مع سواج لي (زولي)، أطلق أبيوسف قدراته الكامنة في ألبومه الثاني ياما في الجراب يا يوسف. كان الألبوم ثوريًا بكل المقاييس على صعيد الراب المصري والعربي. انتشل أبيوسف الراب المصري من غياهب الكرينج والخطابية الفارغة، وقدم رابًا قادرًا على أن يضحكنا ويبكينا في آن واحد دون ابتذال، وبلغة بالغة السهولة والتعقيد في الوقت نفسه. حتى على صعيد الإنتاج الموسيقي، استوعب أبيوسف ما تعلمه من سواج لي ثم بدأ في بلورة هوية موسيقية متماسكة وشديدة التنوع كان التجريب عمودها، وظهرت إرهاصاتها في ألبومه الأول مذكرات حارس مرمى قبل أن تشهد نقلة نوعية ونضجًا كبيرًا في ياما في الجراب يا يوسف.
في مقابلته مع معازف عام ٢٠١٥، يحكي أبيوسف أن اسم الألبوم جاء من سؤال وصله على موقع أسك إف إم: “هل الألبوم هيفشل ولا ياما في الجراب يا يوسف؟” فأعجبته العبارة واتخذها عنوانًا للألبوم. في المقابلة نفسها يقول أبيوسف أنه كان يعمل على الألبوم وكأنه أول عمل له على الإطلاق، وأنه كان هناك قاعدتان عند صناعته: “١: ما فيش أغنية شبه التانية. ٢: ما فيش لحظة ملل” وقد كان.
أسفر الألبوم عن كلاسيكيات تظل محفورة في تاريخ المشهد منها بحط عليكو وفاترينة، وتراكات ظلت جواهر دفينة في أرشيف أبيوسف مثل مش عايز التي لا تزال عند سماعها اليوم بعد أكثر من عقد كامل تجريبية وجريئة وسابقة لزمنها. رغم التنوع الواسع بين تراكات الألبوم إلا أننا لا نشعر بانفصال بينهم، ينتقل الألبوم بين لحظات شديدة السوداوية في مش عايز وتمت إلى تراكات يتلاعب فيها أبيو بالكلام ويستعرض عضلاته التقنية كما في بعبع وهيكتور. نجد خلال كل هذا وحدة فنية متماسكة تتضح في اللغة والإنتاج وتسلسل الأغاني وحالة أبيوسف النفسية.
أصدر أبيوسف فيما بعد أكثر ألبوماته شهرة واحتفاءً جماهيريًا ونقديًا، واحد واحد، الذي رسّخ اسمه كأكثر الأسماء تأثيرًا في الراب المصري والعربي. عند كتابة هذه القائمة تحيرنا كثيرًا بين واحد واحد وياما في الجراب يا يوسف، ووقع اختيارنا على الأخير لعدة أسباب أهمها تأثير ياما في الجراب يا يوسف الأقوى في مشهده وقت إصداره ورؤيته بعيدة المدى التي أثرت بشكل مباشر في الجيل الذي أتى بعده، ربما أبرزهم شاب من الاسكندرية يسمى داما بدأ من حيث انتهى ياما في الجراب يا يوسف ليأخذ الراب المصري إلى آفاق غير مسبوقة.
07 | شايفين (٢٠١٦)
كان ثنائي شايفين أحد أبرز أسباب انتشار موسيقى التراب في العالم العربي، فمع بدايتها في أمريكا لم يلتفت لها المشهد كونهم رأوا فيها شيئًا من التسطيح للقدرات الشعرية في الراب. استطاع ثنائي شايفين التوفيق بين أغاني التراب الصاخبة والحس الإبداعي العالي في الكتابة؛ ما انعكس على مشروعهم الأكبر 07، والذي أبرزوا فيه قدرات كبيرة على مستوى الفلوهات التي باتت هدفًا ساميًا لأي رابر تراب مستجد.
يبرز سمول إكس في هذا الألبوم بقدرته الكبيرة في التلاعب بنبرته، ليخلق مستويات صوتية مختلفة على مدار الألبوم، ويوظفها بشكل مثالي بين الأداء والغناء. يظهر ذلك في افتتاحية الألبوم بتراك حيت عارفيني.
يُخرج الثنائي قدرات لحنية فريدة، دعمتها مشاركة إكساتو وإكسيب، كما في مغانندمش، وأخر تراكات الألبوم بغوني خايب.
صنع شايفين من خلال 07 موجة تراب اكتسحت المشهد المغربي، ما أدى لصعود رابرز مثل إل جراندي طوطو، دون أن ننسى بأن المشهد المغربي ما زال يعتمد على التراب حتى اليوم. ساهم شوبي أيضًا من خلال هذا الألبوم بإبراز مشروعه كمنتج، والذي تطور مع السنوات ليصبح أحد أهم المنتجين في المشهد وعبر بإنتاجاته إلى مناطق مختلفة، مثل فترة تعاونه مع منصة إم إي إنترتيمنت في الكويت. يمكن اعتبار مشروع شايفين صاحب أكثر حركة مؤثرة في تاريخ المشاهد العربية بشكل عام.
بعبع | بوكلثوم (٢٠١٧)
قبل أن يكتشف بوكلثوم قدرته في الآر إن بي، كوّن أساسًا كتابيًا ينضح بالمهارات والمعاني من خلال إصداراته الأولى، منسجمًا مع الحالة العامة للراب العربي حينها. أما في ألبوم بعبع فاتخذ فيه بوكلثوم شخصية وحش مدمر من أحد قصص الكوميكس، قادر على تدمير كل من يقف في وجهه؛ مقدمًا أحد أهم الألبومات المفاهيمية في تاريخ الراب العربي
نجد بعبع متقدمًا تقنيًا، مقدمًا سردًا مترابطًا. ميزات مفقودة في وقت اعتدنا فيه على إصدارات عشوائية بجودات متفاوتة، ليخرج ألبوم بعبع متأثرًا بأسلوب إم إف دووم، في قالب راب تسعيناتي، مع تأثير واضح من الكونشس بوم باب في عصره.
يأخذ بوكلثوم نبض الإم بي سي الإيقاعي إلى مرحلة جديدة، حيث يبني الألبوم كاملًا على ميَلان الإيقاع من إصدارات الإم بي سي العتيقة. أثّر هذا الصوت بشكل مباشر في جميع إصدارات البوم باب في المنطقة حينها، حيث أصبح الرابرز يبحثون عن هذا النبض، تحديدًا في المشاهد المتعلقة بالبوم باب مثل المشهد السعودي، وفي مصر والشام.
يبروز بوكلثوم مهاراته الكتابية على مدار الألبوم، إذ لا يخلو أي تراك من الفنيات في القوافي المزدوجة، مع لعب واسع في القوافي السيمفونية [قواقي تعتمد في بنائها على تكرار حرف معين على مدار كلمات بارين أو أكثر.]، كما في افتتاحية الألبوم بتراك ألفا: “هاللسان نارك حاره حاطط فخاد عند فخاخ / قله فشاخ للطرماخ عالنافوخ طراخ / بركي ان داخ بيصحى صراخ.” يُبرز هذا التركيز على الجانب الكتابي أسلوب الراب الخام، حيث يركز بوكلثوم على الأداء المستمر، مع الابتعاد عن اللوازم اللحنية، واستبدالها بسكراتشات الدي جايز، أو لوازم تعتمد الأداء بدلًا عن الغناء.
اختار بوكلثوم في التعاونات أسماء مثل شيبوبة وفيني باز، ليحافظ على طابع البوم باب الخام، ولم يخرج عنها حتى اقتراب نهاية الألبوم في تراك مسيز كارما مع ريم إكاي؛ التي قدمت لازمة سول دعمّت الطابع التسعيناتي للألبوم. بنى بعبع الأساس الإنتاجي الذي اعتمده بوكلثوم، مع تطويره لأساسه الكتابي، والذي وصل إلى ذروته من خلال هذا الألبوم.
لاحقًا كان لتعاون شيبوبة تأثير واضح على المشهد السعودي الذي كان بعيدًا عن راب الشام، بفضل اشتهار بوكلثوم هناك بعد بعبع، رافعًا معايير الإنتاج والاختيارات في الإيقاعات. بينما ينعكس هذا التأثير على المشهد الشامي في ارتباطه العميق بالبوم باب، ليرتبط مشهد الراب السوري بصوت الراب الخام، وإيقاعات الفواصل الشرسة.
سندباد الورد | شب جديد والناظر (٢٠١٩)
مر الراب في الوطن العربي في مرحلة تحول كبيرة مع بداية ٢٠١٩ وصولًا إلى فترة ما بعد الجائحة، فشهدنا قفزات كبيرة في مشاهد مثل مصر والسودان وصولًا إلى فلسطين. وسط هذا أصدر شب جديد والناظر سندباد، وهو حصيلة تطور الثنائي منذ بدايتهم.
بدأ شب جديد كأبو أذينة، وقدم صوتًا تماشى في البداية مع مشهد راب الساوند كلاود، قبل أن ينتقل إلى مرحلة شب جديد، والتي قدم منذ بدايتها التراب بأسلوبه الخاص، مع خلطة الأنالوج من الناظر في الإنتاج.
يصل الناظر إلى الطريقة المثلى في إنتاج إيقاعات التراب مع صدور ألبوم سندباد، حيث يعتمد غالبًا على خطوط سنثات قصيرة، مع بايس الموغ بدلًا من بايس الـ ٨٠٨. في الوقت نفسه، يصل شب جديد إلى قمة أدائه، حيث نشهد تنوعًا واسعًا على مستوى الفلوهات والنبرات، بشكل يتكامل مع طبيعة ألحان الناظر. يشارك في الألبوم كل من الناظر وشب موري في غناء اللوازم، كما في تراك ولاد قدس، وبومبكشن، واللذان قدما تنوعًا على مستوى النبرات في الألبوم.
يلقي شب جديد في سندباد سطورًا تتركز فيها الحرفة بين المعاني والتشبيهات، مع مهارات كتابية لافتة يركز فيها على إظهار الجانب الشوارعي الفلسطيني، بأسلوب فج وغير مبالي. يتضح ذلك بعد الإنترو مباشرة في وين ورد: “وين ورد، خد جاكيتي بالبرد / نام ببيتي بيتك، هاد الحكي بينا”، في تصوير لصداقة أبناء الشارع.
يتوسع هذا الحديث في تصويرات مختلفة عن معاناة الحياة اليومية لأبناء الضفة، كما في تراك فلم: “الناس سعيدة بلقائي صحابي عند الوقائي.” يأخذ شب جديد رحلة مع الحزن في تراك مدرسة، حيث يغوص في بعض المشاكل النفسية بأسلوبه البسيط والمباشر. يُظهر هذا الأسلوب شخصية شب جديد بدون فلاتر، ما أدى إلى ارتباط الجمهور بشكل عميق مع هذا الكاركتر، الذي كوّن صورة جديدة في أذهان الجماهير، ملابس الركض، القبعة، واللسان المتردد بين الفكاهة والجديّة.
بنى هذا الألبوم الأساس المتين الذي بنت فوقه بلاتنم بقية إنتاجاتها، ولم يقف شب جديد والناظر عند هذه المرحلة، ليتبعوها بعدة إصدارات ببُنى مختلفة، غير فيها كل منهما من أسلوبه، لكنهم حافظوا على الأساس الفريد؛ ما خلق هذه الهالة تجاه إصداراتهم.
أثّر شب جديد في عدة مشاهد شامية، مثل المشهد الفلسطيني على الساوند كلاود، الذي شهد حركة كبيرة بعد ألبوم سندباد، بالإضافة إلى كل من مشاهد لبنان والأردن، التي شهدت تطورًا واسعًا على مستوى الأندرجراوند، لتظهر بعض الكولكتفز المقتدية بحركة بلاتنم الكبيرة، مثل محد هون في لبنان، وخمسة نجوم في الأردن.
كريستال | عصام (٢٠٢١)
مع تفجر موجة التراب عربيًا بعد شايفين، شهد المغرب تجربة مختلفة قامت على مزج التراب بالراي والإيقاعات الشعبية. كان عصام أول من عمل على هذا المسار عن طريق صياغة خلطة تراب طازجة وجديدة ولها خصوصية في المشهد المغاربي.
تبلور مشروع عصام فعليًا مع إصدار أغنية تراب بلدي عام ٢٠١٨. بدت الأغنية وقتها كنقطة تحول في مسيرة عصام وجعلت منه الاسم الأكثر أهمية في المشهد، كما ساهمت في ترسيخ هذا التوجه داخل الراب المغربي. أعادت الأغنية توظيف قوالب التراب الأمريكي من خلال مرجعيات موسيقية محلية، سواء في حضور الراي داخل الألحان أو في اعتماد الدارجة المغربية والصورة البصرية المرتبطة بشوارع الدار البيضاء.
استمر عصام بعد تراب بلدي في توسيع هذه المقاربة عبر سلسلة من الأغاني المنفردة مثل نايكي وكافيار وورا الطبيعة، مواصلًا فيها تطوير العلاقة بين التراب والراي دون التعامل مع الأخير كعنصر تجميلي أو كعينة صوتية.
جاء كريستال بعد سنوات من الانتظار، لكنه لم يسع إلى تقديم جديد بقدر ما جمع الخيوط التي نسجها عصام منذ تراب بلدي في مشروع تراب مغربي واعد. ابتعد الألبوم عن منطق الأغاني المنفردة الضاربة، وفضل بناء مزاج متواصل امتد عبر عشرين تراكًا، تتحرك بين التراب والراي والبوب والريجي، دون أن تبدو هذه الانتقالات منفصلة عن صوت الألبوم ككل. يعود ذلك إلى رؤية إنتاجية واضحة حافظت على حضور الراي داخل بنية الألحان نفسها.
انعكس هذا التوجه أيضًا على أداء عصام، الذي يتحرك باستمرار بين الغناء والراب، مستفيدًا من استخدام كثيف للأوتوتيون كوسيلة لبناء حالة شعورية ضبابية وحالمة. تأتي الأغاني محملة بقدر من الحنين إلى الطفولة وحي درب السلطان، إلى جانب موضوعات الاغتراب والعلاقات والذاكرة، دون أن تتحول إلى اعترافات مباشرة أو سرد خطي. حتى في أكثر لحظات الألبوم شخصية، يبقى هناك قدر من الضبابية يجعل المعنى مفتوحًا، بينما يتولى الإنتاج مهمة ربط هذه المشاعر بعالم صوتي متماسك.
إذا اصطفينا خلاصة إصدارات الحقبة الزمنية التي سيطر فيها التراب على الموسيقى أواخر العقد الماضي وبداية هذا العقد في منطقتنا، فلا بد من وجود كريستال على قمة هذه الاصدارات كأحد أفضل إنتاجات التراب في المشهد العربي.
السحابة | موسى سام (٢٠٢١)
ربما لم يدرك أكبر المتفائلين بمشروع موسى سام الموسيقي أن ألبومه الأول، السحابة، سيحظى بتلك المكانة الأيقونية التي يحتلها اليوم. صدر الألبوم منذ خمسة أعوام في وقت تفجُّر التراب الشعبي في المشهد، واتجه معظم أقران موسى آنذاك إلى الصوت الجديد بدون تردد. أما موسى سام فلم يلعب يومًا بقواعد اللعبة؛ فاتجه في إصداره الطويل الأول، ميكس تايب أو في، إلى الإيمو راب في وقت كان التراب الصوت السائد، وتناول ثيمات مظلمة منها علاقته المعقدة بوالدته وبحثه عن المعنى. نجح الميكس تايب في تكليل موسى كبطل لمشهد الأندرجراوند المصري.
في السحابة، استمر موسى في السباحة عكس التيار، مبحرًا أكثر وأكثر في عوالم الكلاود والإيمو راب، كما صاحب هذا قفزة استثنائية في الأسلوب والأداء والكتابة، فيما اتجهت مواضيعه درجات أعمق نحو أزمته الوجودية والبحث عن المهرب من عالم لا يعرف كيفية التعامل معه، فكانت المخدرات هي الوسيلة. مثلت السحابة بالنسبة لموسى الملاذ والمهرب، وكانت رمزية عن علاقته بالمخدرات، التي أصبحت ثيمة أساسية في مشروعه.
يفتتح موسى سام الألبوم بجملة “أصوات في الفضاء بتنادينا”، ونتبين من أول دقيقة تشبيهات مثل سحابة، غيوم، سفينة، شفق، زعابيب، فضاء، تتكرر بشكل شبه نمطي عبر الألبوم لتصبغ الألبوم بصبغة مفاهيمية كانت كافية لخلق مساحة خاصة ومزاج ساحر للألبوم. عزز إنتاج مهيمن هذا الجو، فغمر صوت موسى بطبقات كثيفة من السينثات الداكنة التي أعطت الألبوم جودته الصوتية الفريدة، والتي تكررت فيما بعد في تعاوناتهما وكونت ثنائية بالغة الخصوصية في المشهد.
ما يعطي الألبوم تلك الخصوصية الصوتية والصبغة المفاهيمية هو الروح الخام لموسى في الأداء والكتابة، إذ يسكب ما بداخله بدون فلترة أو تنقيح. أعطى هذا الأسلوب في الكتابة لموسى مصداقية وجاذبية عالية غلّفت حتى البارات الضبابية فضفاضة المعنى، ففي حين يبدو ذلك كشيء سلبي كون المستمع في الغالب يميل الى المباشرة، إلّا أن صدق موسى في الإلقاء قادر على توصيل مشاعر ومعاني ربما من الصعب استخلاصها من الكلمات.
تنوعت تجارب موسى فيما بعد مع منتجين آخرين، أبرزهم جلبة في ألبوم مقسوم وما بعد ذلك، فدخل في الشعبي وحاول في الدريل والتراب. في حين قدّمت بعض تلك التجارب جوانب أخرى من موسى لها جودتها المختلفة كما ظهر في تراكات مثل القوة و ناسيني وألبوم النجم الساحلي، ظل السحابة وما تبعه مع مهيمن، الصوت المعرّف لمشروع موسى سام والذي نراه مشروع راب مصريًا شخصيًا ووجوديًا، محمّلًا بفلسفة شوارعية أصيلة.
ربما يختزل بعض الجمهور موسى سام إلى اليوم في علاقته بالمخدرات، لكن عند النظر بإمعان إلى مشروعه الموسيقي منذ البداية نجد أن تلك العلاقة جزءٌ من عرض أزماته الوجودية وعدم قدرته على التعامل مع العالم، وليست محور المشروع. يخفي موسى هذه المشاعر بأسلوب كتابة مبهم إلى حد متطرف أحيانًا، لكن مع ذلك فإن أبرز جوانب التلقي لألبوم السحابة هي تفكيك الطلاسم التي تحملها باراته مع الاستماع المتكرر للألبوم، وهو العنصر ذاته الذي يعطي الألبوم جودة استثنائية من ناحية القابلية على إعادة الاستماع.
كاميليون | إل جراندي طوطو (٢٠٢١)
بعد عامين من ألبومه القصير إلليست، استطاع طوطو في كاميليون أن يترجم اسم الألبوم من خلال التنوع الذي قدمه، إذ وجد التوازن المناسب بين الغناء والأداء، وهي أحد أهم المشاكل التي كانت تؤرق الرابرز المغاربة حينها.
يقدم كاميليون خلطة غريبة، بين الارتباط مع التراث في الإنترو، المشاعر الجياشة في مغير، والاحتفالية في ألوها. استطاع طوطو أن يربط جميع التناقضات في الأساليب بترتيب سلس على المستمع، وصوت متماسك على مستوى البرودكشن، حيث تكررت مجموعة محددة من المنتجين مثل يو أصيل، دراغانوف، نويفو، وفاميليونير، ما ساهم في تحديد صوت الإنتاج رغم تنوع الجنرات.
يأخذ طوطو رحلة غنية على مستوى الفلوهات، مع المحافظة على قوة الكتابة. نجد ذلك في تراكات مثل سيفيدي، أو ترونجير مع دامسو. كما ينعكس مستوى طوطو العالي على التعاونات، حيث قدموا مستويات منافِسة.
بدأ كاميليون منذ بداية الترويج له قبل ثلاث أعوام من إصداره بإحداث تأثير واسع على مستوى المشهد المغربي، فشهدنا في ٢٠٢١ عدة ألبومات متماسكة في المشهد مثل عربي لإنكونو وكلاود ٢٦ لأنيس. كما نلاحظ إقبال الجمهور المغربي على عدة جنرات بنتيجة تواجدها في الألبوم، مثل الدريل والريجاتون اللذان تفرّع منهما عدة مشاهد داخل مشهد الراب، ليظهر رابرز مثل كليماندو، بوقال، وكيرا.
أدى هذا الألبوم لأن يكون طوطو أكثر الفنانين العرب استماعًا على المنصات الصوتية، وبالتالي بأن يصل إلى مرحلة جديدة في مسيرته دفعته لنقل إصداراته إلى القوالب التجارية، دون أن يُفقَد بريق شوارع بن جدية من موسيقاه.
ضوضاء | بلاكبي (٢٠٢١)
حاول بلاكبي منذ ظهوره مع قروب الره قانق بأن يكون وجه التجديد في الراب السعودي، المعادلة الصعبة التي فشل الكثيرون ممن سبقوه في حلها. بدأ بلاكبي بنشر فكرة الألبومات، وبشكل مستقل دون الحاجة إلى أي شركات كبرى أو أموال طائلة؛ ولم يتوقف عن العمل بإنتاجيته المكثفة منذ إصداره لألبومه الأول كواليس.
حاول بلاكبي من خلال ضوضاء بأن يبتعد عن العشوائية التي تخللت ألبوماته السابقة، وحاول مع المنتج رهمان أن يقدم منتجًا متسقًا صوتيًا، ويتجه من خلاله إلى محاولة لعكس أنواع الضوضاء المختلفة كانت تدور في حياته حينها.
يبني رهمان الألبوم بسنثات حالمة وداكنة مع تركيب الألبوم في طابع خافت يحصره صوتيًا رغم التنوع الواسع في الجنرات، مثل اللوفاي تراب في كاريزما، الدريل في سكوربيو، البوم باب في روكفيلر، وحتى الهاوس في مرايا. انسجم هذا الطابع مع نبرة صوت بلاكبي الثقيلة، التي أشبعت المساحات الصوتية التي بناها رهمان في الإنتاج.
يبني بلاكبي الألبوم بشكل متصاعد في حدة الكلمات، ويهبط رهمان في حدة الصوت، ليخلق تناغمًا فريدًا بين الحديث والصخب؛ فمن سوشي إنترلود، الذي يتحدث فيه بلاكبي عن محاولاته في تقديم منتج جديد في مشهد عالق في حقبة زمنية بائدة، يصل بلاكبي إلى الانفجار في نهاية الألبوم في تراك ليل.
في ليل، يحكي بلاكبي قصة وفاة أخيه وتأثيرها عليه، حيث يسترسل في منتصف الفيرس الأول: “أسوأ لحظة في حياتي كانت ذِيك الليلة / أهدى صدمة بعد أبوي بشهر رحل غيره / أجمع إيش وأترك إيش، وإيش بقى من عيلة / بشوف السما وبسأل ليش؟ عجزت ألاقي الخِيرة.” صنع هذا التراك صورة مختلفة للجمهور بالنسبة لقدرات بلاكبي، وكيف استطاع أن يصور معاناته ببلاغة.
لا يخفي بلاكبي ملامح الاستعراض في المهارات الكتابية، كما في روكفيلر: “البلا جي بس الجي من القوت حمل / ذا الفتافيت جاهم هيت زي تكتيك مولر / يتشل البيت زي شتيغن في الثمان كور / هنا التيم ماسك الدولار زي الروكفيلر.”
تزايد تأثير بلاكبي على المشهد بعد هذا الألبوم، الذي نشر من خلاله عددًا من الأصوات الجديدة في المشهد. إذ اتجه الرابرز الشباب إلى الألبومات، ليحاولوا إنتاج قطع فنية متماسكة، مثل ما نسيت لمحمد ميم، أو كارما للشيخ، أو حتى بطن الشاعر لمؤيد. هذا بالإضافة إلى نشره الدريل والهاوس حينها بشكل أوسع حتى أصبحت من أهم الجنرات بعد عدة محاولات غير ناجحة في المشهد؛ مع تصدير المهارات الكتابية في مشهد كان أساسه القوة الشعرية. المشهد الخليجي بعد ضوضاء بلاكبي شيءٌ آخر.
آخر قطعة فنية | مروان بابلو (٢٠٢٣)
صعد مروان بابلو إلى سماء مشهد الراب المصري كأنه المنقذ. شاب سكندري يغني باسم داما، جاء بصوت جديد في مشهد طغت عليه توجهات صوتية استنفدت نفسها، وقدم رابًا شخصيًا بعيدًا عن التعقيدات الكتابية والاستعراض التقني.
خلال فترة داما، أصدر بابلو قرابة أربعين أغنية كانت كافية لترسيخ اسمه باعتباره أبرز مواهب المشهد آنذاك. كما شكلت غزارته الإنتاجية حافزًا لأقرانه، وكانت بمثابة بداية حقيقية لجيل جديد من صناع الراب المصري. لكن توقف هذا الزخم فجأة مع قراره الابتعاد عن الموسيقى دون سابق إنذار، تاركًا خلفه مشروعًا واعدًا وآمالًا كبيرة لم تكتمل.
منذ ذلك الوقت، وحتى عودته باسم مروان بابلو عبر تراك الغلاف، ظل التذبذب السمة الأكثر التصاقًا بمشروعه حتى طغى على جوانبه الأخرى. مع ذلك، منحته هذه الحالة قدرًا من التحرر من ضغط التوقعات، إذ أصبح جمهور الراب المصري يتعامل مع كل إصدار جديد له بحذر، غير واثق من استمراريته أو مساره المقبل. انعكس هذا التحرر إيجابًا على أعماله بعد عودته الأخيرة من الاعتزال عقب تراك فري، الذي يمكن اعتباره نقطة مفصلية في تاريخ المشهد المصري بأكمله من حيث الجودة والإنتاج والصورة.
بعد عودته ثانيًة، بدأ بابلو، مستفيدًا من هذه المساحة، في خوض تجارب جديدة، تعثر في بعضها كما حدث في ألبومه القصير الأول كنترول الذي بدا مشتتًا ويفتقر إلى صوت واضح، ونجح في محطات أخرى.
بلغ هذا النضج ذروته في ألبومه الطويل الأول آخر قطعة فنية، الذي جاء كسرد وتحليل ذاتي لعلاقته المعقدة بالموسيقى. يستعيد بابلو فيه مسيرته التي اتسمت بالتوقف والتذبذب والشكوك، ويطرح أسئلة عن الجدوى والقدر والغاية من صناعة الفن، وعن موقع الموسيقى في حياته. يتناول الألبوم هذه العلاقة المتوترة بمنظور شديد الخصوصية والحميمية، في تراك ميلوديز يلقي بابلو سطرًا ربما يلخص ثيمة الألبوم بأكملها: “بسأل إيه كان هيحصل لو ما كانش فيه ميلوديز.”
على مدار عشرة تراكات، يرسم رؤيته للعالم من خلال الموسيقى، غاضبًا أحيانًا ومستسلمًا أحيانًا أخرى، ومتأملًا في لحظات كثيرة، لكنه يظل في جميعها صادقًا ومتجردًا من الصورة الاستعراضية التي هيمنت على معظم أعماله اللاحقة، وأبعدته عن أهم عناصر قوته، الإحساس الصادق.
قليلًا ما يُمنح بابلو التقدير الذي يستحقه كمنتج موسيقي، رغم أن أفضل أعماله تأتي عندما يتولى زمام الإنتاج بنفسه. كما هو الحال مع أبيوسف، تمنحه السيطرة الكاملة على العمل مساحة أوسع لتنفيذ رؤيته وإظهار شخصيته الفنية، وهو ما تجلى بوضوح في آخر قطعة فنية. يعتمد الألبوم على إنتاج بسيط يخلو من الحشو، ويستثمر في إيقاعات التراب بأفضل صورة، وهو الصوت الذي كرّس فيه بابلو نفسه كأحد أهم رواده في مصر. كما يصقل أسلوبه الإنتاجي ويصطفي تأثيراته، من فيوتشر ويانج ثاج إلى إيرل سويتشيرت وغيرهم، في صوت متماسك لا يستعرض نفسه بقدر ما يخدم الأداء والكتابة.
لم يكن بابلو معنيًا في هذا الألبوم بإرضاء الجمهور بقدر ما كان منشغلًا بصناعة ألبوم يرضيه هو أولًا. ربما يفسر ذلك عنوانه، الذي يبدو للوهلة الأولى مبتذلًا، لكنه يحمل في داخله جوهر المشروع وأهميته بالنسبة لمروان بابلو. إلى جانب تماسكه السردي والإنتاجي، يضم الألبوم بعضًا من أفضل أغاني بابلو وأكثرها تجريبًا. في ضحية مثلًا تظهر أبرز نقاط قوته في الفلوهات اللحنية المركبة والكتابة الشخصية القادرة على الوصول، بينما يقدم ميلوديز نموذجًا لتراب تقليلي أكثر هدوءًا وسكينة، فيما يعيد المبدأ إلى الأذهان أداءاته المميزة في التراب الشعبي، ويذكرنا بأنه الأقوى في تلك المساحة.
